islamaumaroc

الطفل في القرآن الكريم

  دعوة الحق

197 العدد

لا شك أن عنوان هذا الحديث «الطفل في القرءان الكريم» قد استرعى انتباهكم ولا شك أن بعضا منكم قد يتساءل : أيهتم القرءان بالطفل أيضا أم أن الناس يحلو لهم إقحام هذا الكتاب السماوي في كل مناسبة عابرة تمر بحياتنا ؟.
القرءان اهتم، أول ما اهتم، بالإنسان صغير السن وكبيره، ذكره واناته، اهتماما قصد من ورائه إسعاده بإزالة كل مظاهر الظلم عنه وإبعاده كل أنواع التعاسة والشقاوة من طريقه. تمثل الطفولة الحقبة الأولى الأس في رحلة هذا الإنسان الذي كرمه الله بكرامات لم يفز بها غيره من المخلوقات. فلذا سترى القرءان مهتما غاية الاهتمام بإنشاء القواعد المتحكمة في كل من يتعامل مع هذا الطفل من قريب أو من بعيد، وينظم طرق المعاملات معه، إنشاء وتنظيما يكفلان له العيش الهادئ الأمين في ظل ضامن لسعادته وهنائه.
ولنستقرئ القرءان الكريم وهو يعالج قضايا الطفل من يوم ولوجه الحياة، وقت يكون رضيعا لا حول له ولا قوة.
والآية الكريمة التي عالجت الرضاع وقتنت قضاياه هي الآية 233 من السورة الثانية البقرة، تقول هذه الآية : «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصيرا».
يهتم القرءان هنا بالولد الرضيع حين وجوده في حالة غير عادية ولا منتظرة، حالة فراق أبوين، والرضيع كما لا يخفى، معرض إلى مخاطر والأبوين في وئام على سرر متقابلين، فما بالك به وهما في حالة نشاز وتغابز ؟ لذا أعار القرءان الكريم بالغ عنايته بهذه الحالة الشاذة التي تواجه الصغار في بداية حياتهم، لا بذلك اللين الذي اتبعه في إملاء شريعة السماء على الإنسان ولكن بشيء من الشدة تجلت في «الأمر على الوجوب» كما يقول الأصوليون، ذلك الأمر المستخلص من قوله تعالى «يرضعن أولادهن» وعلى كيفية إبعاد الوهم في إسقاط النفقة عن الزوج المستخلص أيضا من قوله تعالى : «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف» ومن قوله «وعلى الوارث مثل ذلك».
نعم، حيث يملي القرءان الكريم قواعد المعاملات على العباد لا يترك مجالا لاختيار، ولذا فهو يملي ذلك
مباشرة وبحزم، في حين أنه يعالج قواعد كثير من الحدود بلين، وبشكل غير مباشر، رحمة منه وشفقة وتلطفا. وهو قطعا، لا يرمي في الحالتين معا إلا إلى إسعاد بني ادم.
في تصحيح المعاملات بسرعة وبشدة صلاح العباد وسعادتهم، وفي إرساء الحد الذي يجب إلا يتعداه الإنسان فلاح الناس وسعادتهم أيضا.
فإذا كان القرءان قد عالج تلك على الفور وبشكل عسكري وباشر على التراخي وبشكل لطيف، فإن الأولى سلوك جديد لا يضير معتنقة إن اعتنقه دون مقدمات ولا تهيئ سابق في حين أن الثانية عادات متأصلة يشكل مفارقتها بغية ضيم على النفس ومشقة على الفؤاد.
لذا نرى أن معظم آيات الحدود أو حيث لرسول 
 الرسـم الأول
الله بعد الحاج الناس في الطلب عن معناها. وهو أمر يمكن أن نقربه للإذهان بالرسم البياني الآتي :
يمثل السواد في المربع القدر من الناس الذين ما زالوا غير خاضعين للإدارة الفعلية للحق سبحانه وتعالى.
جواب السماء سواد يتخلله بياض كثير، بعضهم يختار السواد وبعضهم يختار البياض يمثل هذا جواب السماء رقم 1.
يكثر عدد الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه يمثل هذا الإطار 1
ينزل أمر السماء رقم 2 بعد تعودهم القول رقم 1 فيهدي به عددا كبيرا من المسلمين. يمثل هذا الإطار رقم 2.
وأخيرا ينزل الأمر رقم 3 ليهدي الذين لا يكفيهم اللين والرفق فيتحول الناس إلى متبعي الشريعة الإسلامية السمحاء، وهذا يمثله الإطار الأبيض رقم 3. وهكذا نرى أن الأمة تنقلب تدريجيا، بفضل نزول الوحي منجما من حالة ضلال الإطار الأسود إلى حالة هداية وفلاح الإطار الأبيض.
فالقرءان الكريم كما نرى من آية الرضاع الكريمة أسند أمر رعاية الأطفال بعد فراق الوالدين إلى الأمهات، فهن، ولا شك أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحسن وأرق، كما أن انتزاع الولد الصغير أضرار به وبها، ومن هنا وجب أن نستنتج أن الطفل وأن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها.
ولكن هذه الرعاية التي أعطاها للأم شرطها بشرط مهم يجب أن  لا نغفل عنه. لقد أسند لها حق الحضانة إذا لم تتزوج، فإن هي تزوجت شغلت بغيره، وإن شغلت بغيره أهمل وضاع.
والقرءان رعاية بالطفل الرضيع لم يرد التضييق عليه فليلزمه بالرضاع من ثدي أمه وإن كره ذلك لسبب من الأسباب. فلم يقل- رفقا به ولا شك «وعلى الوالدات رضاع أولادهن»، كما قال تعالى : «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن»، وكما قال : «وعلى الوارث مثل ذلك». لذلك كان الرضاع حق للأم ولم يكن حق عليها. ولكن سيصير- رعاية له مدة أخرى- واجبا عليها إن لم يقبل الولد الرضاع من غيرها.  

ولقد استنتج الفقهاء من هذه الآية الكريمة أمورا تعود في معظمها إلى حماية الطفل من جور الحياة.
- افترضوا أن الأب قد يكون فقيرا فقرروا أن تكون نفقة الرضاع مأخوذة من بيت المال ما دام الطفل فقيرا من فقراء المسلمين إلا أن تكون الزوجة الأم في يسر فحينئذ تتكفل هي به.
- افترضوا أنه قد يكون للزوجة التي لها حق الرضاع عذر يمنعها من القيام بهذه المهمة فقروا أن يكون آنذاك حق على الأب.
ولم يكن عبثا تحديد مدة الرضاعة بقوله تعالى : «حولين كاملين» وبإردافه بقوله تعالى : «لمن أراد أن يتم الرضاعة». فمن شاء هذا البيان :
أولا أن يحد النزاع الممكن النشوب بين الزوجين المفترقين حالة إرادة أحدهما تقصير مدة الرضاعة دون اعتبار مصلحة الطفل المسكين.
ثانيا توضح الآية توضيحا ما عليه من مزيد أنه يجوز الفطم قبل تمام هذه المدة شريطة رضى الأم الحنون. ولكن لن يكون ذلك على كل حال، سواء كان الأمر يتعلق بالزيادة على الحولين أو النقصان منها إلا عند عدم الإضرار بالمولود. وهذا هو الهم، وعند رضى الولدين معا، وهذا مهم كذلك.
ولا شك أن الرضاعة التي سيستفيد منها الطفل في تكوينه البيولوجي والسيكولوجي لا تكون في أغلب الأحيان إلا بتمام الحولين كاملين. لذا قرأ مجاهد وابن محيصن : «لمن أراد أن تتم الرضاعة» عوض : «لمن أراد أن يتم الرضاعة».
واجب إلا أترك هذه الفرصة تمر دون أن أثير معكم مسألة يتضرر منها كثيرا بعض الشباب المغربي المقبل على الزواج. غالبا ما نجد شابا يصبو إلى الزواج من فتاة قضت عليها ظروف معينة أن تتربى معه في نفس البيت، وان ترضع مما رضع وهو طفل صغير. فيحول بين زواجهما الذي لا شك كان يكون سعيدا لو تم نظرا لهذه الألفة التي أستتبت بينهما طفلين صغيرين يلعبان في سرور ثم شابين يافعين يمرحان في صفاء. وكثيرا ما تكون هذه الحرمة منعدمة تمام الانعدام بين الشابين الذين ما فرق بينهما إلا جهل أوليائهما بالقواعد الدينية لملتنا الحنيفة؛ ولا دخل لرضاع فيها.
عرفت طفلين صغيرين تربيا أمامي في بيت أهله على قدر الحال كما نقول، أما الولد فقد ازداد في البيت من الأبوين، وهو أكبر سنا من البنت. لقد ماتت أمها ولها حوالي 35 شهرا. فلما انضمت إلى هذا البيت بعد يتم كامل كانت ضعيفة البنية. فحنت عليها سيدة البيت حنانا عظيما إذ لم ترزق بنتا. فمنحتها بقايا من حليب ما زال يدره ثديها عليها تزداد قزة به. فلما كبر الطفلان وأقبلا على الزواج قال أباؤهما لهما والجيران وكل من عرفهما : إن بعضكما محرم على بعض إلى الأبد أنكما إخوان بالرضاعة. وقرأ على مسامعهما، من كان بين هؤلاء الناس يحفظ القرءان أو بعض القرءان الآية 23 من سورة النساء : «حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، إن الله كان غفورا رحيما».
وبهذا ضاع أملهما ويئسا في مطلع حياتهما من هذه الدنيا التي كانا يعتقدانها قبل أن يخبروا بهذا الخبر أنها حلوة وجميلة. وتدخلت أنا بصفتي جارا قريبا لهما عايشت الواقعة فطلبت منهم أن يستشيروا ذوي الاختصاص سيما وأن جامعة القرويين قريبة من المكان الذي تجري فيه النازلة. ولكن أحدا لم ينتبه إلى رأي أحد أساتذة اللغة الفرنسية الذي ينهي دراسته في إحدى جامعات أوربة
أنا لم أكن في ذلك الوقت على يقين أن ذلك رضاعا لأن البنت اليتيمة لم تتصل بثدي مرضعتها إلا بعد الشهر الخامس والثلاثين من عمرها وبعد فطام الولد الذي يكبرها كما قلت.
ثم علمت بعد ذلك أن كثيرا من أئيمتنا الكبار أمثال مالك رضي الله عنه ومن تابعه وجماعة من العلماء انتزعوا من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين وبانقضائهما تتم الرضاعة. كما أنني علمت أن أبا موسى الأشعري، رضي الله عنه، يرى رضاع الكبير. وكان يعد الرضاعة محرمة حتى بعد الحولين، إلا أنه عدل هو أيضا عن هذا الرأي بتأثير من ابن مسعود.
وانفرد البيت بن سعيد، من بين العلماء، بالقول بأن رضاع الكبير يوجب التحريم. كانت المسألة أذن مطروحة، وكان العلماء يعتبرون، عند اتخاذهم موقفا معينا، ما جاء في القرآن الكريم الذي يرعى الطفل ويحميه.
وقبل أن أغلق هذه النقطة أريد أن أثير الانتباه إلى أن مدة الرضاع غير محددة تحديدا عدديا مستقلا وإن بدلت كذلك في هذه الآية لأن الحولين المنصوص عليهما في قوله تعالى : «حولين كاملين» هي المدة القصوى التي يمكن أن ترضع فيها الأم طفلا.
أما المدة المحددة فعلا والتي يمكن أن ينطلق منها العد فهي ثلاثون شهرا. تدخل فيها مدة بقاء الطفل في بطن أمه ومدة رضاعة. فإن طالت مدة بقائه في البطن قصرت مدة رضاعه وإن قصرت مدة بقائه في البطن قصرت مدة رضاعه بمعنى ما نقص من مدة المكوث في البطن زيد في مدة الرضاعة لكن دائما في حدود ثلاثين شهرا المنصوص عليها في الآية الكريمة : «ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين».
وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر حسب ما تراه في القانون الآتي المستنبط من الآية أعلام :
لكن لابد من اعتبار :
9 < 2 < 6 
لأن هذا هو المعروف بالضرورة.
تمثل « ح » الحمل، « ف » الفصل المنصوص عليهما في الآية : « وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ».
وانطلاقا من هذا وجب أن نستشير ذوي الاختصاص الذين يحيطون بهذه الأمور الدقيقة قبل أن نصدر أحكاما ضارة بالعباد، مرفوضة من المعبود.
ثم يقول الله تعالى في هذه الآية : « وعلى الوارث مثل ذلك». اسمي هذا الرأي في هذا الجزء من الآية بالدلالة المطبقة. ذلك أن الآية القرءانية عندما تدل علة معنى ما بالنظر إلى بنيتها الظاهرة ثم تدل، في نفس الوقت علة معنى ثالث بالنظر إلى نفس البنية، دون تغيير يلحق بتركيبها تكون آية ذات دلالة مطبقة.
وكل من اتخذ موقفا من هذه المعنى معززا بتفسير ملائم لا يأباه السياق كان على صواب. فلو قال احد في آيتنا هذه «وعلى الوارث مثل ذلك» : الوارث هو وارث الصبي، أن لومات، بمعنى أن وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا لكان مصيبا فيما يقول، لأن الآية في مبناها تدل على ذلك، لكن لو قال غره وارث الصبي من الرجال والنساء الذين يلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه لكان هو أيضا على حق لأنه فسر الآية محترما ظاهر بنيتها. ولو قال آخر الوارث هو الصبي نفسه ما ولا قوله: «وعلى الوارث المولود مثل ما على المولود له». بمعنى عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه لكان أيضا مصيبا فيما يقول لأنه لم يصرح إلا بما تقول الآية ولم يكن متعسفا ذهب إليه بحال من الأحوال.
وهكــذا يصيــر عندنــا :
المعنى أ : الوارث : هو وارث الصبي إن لو مات.
المعنى ب : الوارث : وارث الصبي من الرجال والنساء الذين يلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه.
المعنى ج : الوارث : هذا لبس مخل بالفهم. كنت أقول لك نعم لو أن ذلك كان في إنشاء إنساني أو لو كان مرد هذا التفسير أو واحد من هذه التفاسير على الأقل مضرا بالطفل. لكن بما أنها كلها تسعى لإحاطة الطفل بالضمانات اللازمة، وبما أن جميع تأويلاتها محترمة للنص الرباني احتراما كبيرا، فليس هناك لبس بالمرة، وإنما هناك إيجاز في اللفظ رائع واتساع في المعنى عجيب وهو ما اتسم به دوما القرءان المعجز بلفظه ومعناه.
المعروف في اللغات الطبيعية أن الألفاظ محصورة وأن المعاني لا تتناهى، بمعنى أننا بمجموعة من الألفاظ نمزجها حسب قواعد معينة مضبوطة نستطيع أن نعبر عن عدد لا يتناهى من المعاني. لكننا لا نفعل ذلك غلا حين نغير وظائف هذه الألفاظ أو أمكنتها في التركيب أو صيغ تصاريفها. فإذا حدث، في تركيب من تراكيب اللغات الطبيعية أن أدت جملة إلى معنيين أو أكثر دون أي تغيير يلحق تصريف الألفاظ أو وظائفها أو تركيبها، عد ذلك عيب في الكلام، إذ من شأن أن يؤدي إلى اللبوسة اللغوية، وهو أمر يفر منه العربي فراره من المجدوم.
هذه واحدة وهي قضية عامة بمعنى أن كل إنسان مر من مرحلة الطفولة. ومعلوم أن الآيات التي اهتمت بهذه القضية كثيرة، قد نتعرض لبعضها إن أمكن.
إنما أريد الآن أن أثير قضية خاصة. قد تطرأ على بعض الأطفال دون البعض الآخر. أقصد بذلك اليتم. وفي اعتقادي أن العناية بالأطفال إنما تتجلى أول ما تتجلى في رعاية اليتامى.
الطفل فقيرا أو متوسط الحال أو غني سعيد ما دام له أبوان، لأنه لا يشعر، لصغر سنه، إلا بالسعادة مادام أبواه يغمرانه بالحنان. لكن الطفل الذي فقد هذا السند معرض لأنواع شتى من المخاطر. منها إمكانية تجريده من ماله التليد أو الطريف بيد أقوى من يده، لا قوة له عليها ولا حول. ومنها إن كانت بنتا تزويجها قصرا عنها بمن لا تريد.
قد يبدو لك هذا الكلام وكأنه صادر من فوق منبر حديث متحمس. أقول لك هذا كلام مستنبط من آيتين كريمين هما الآيتان الثانية والثالثة من سورة النساء، قال تعالى فهما: «وآتو اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعرفوا».
طبعا لا نستطيع أن نمر مرور الكرام على الآيات القرآنية بدعوى أننا فهمناها بشكل تقريبي اكتسبناه من ترنيلنا له. إن الآيات القرآنية كما لا أمل ولن أمل ترديده لها معان أفقية وهي التي يحصل عليها المرتل المتمهل والمتسرع على السواء. ولها أيضا معاني قعرية يفهمها من يغوص إليها عبر المكون التركيبي والدلالي وفي أحيان كثيرة عبر المكون الهيأي أيضا، كما أن لها معنى وسطي تقع بين الأفقية السطحية والقعرية العميقة يساعد على إدراك ما ترمي إليه ظروف نزول الآيات ومحيطه.
ولنمثل لذلك بجزء فقط من الآية الثانية : «وآتوا اليتامى أموالهم. والاختصار المطلوب منا الآن يدعونا إلى قياس ما قلناه على ما لم نقله». المعنى الأفقي السطحي لقوله تعالى : «وآتو اليتامى أموالهم» : أعطوا اليتامى أموالهم.
أما المعنى القعري العميق لنفس هذا المقطع فهو : أعطوا البالغين الذين كانوا أيتاما ما تركه لهم آباؤهم لان لا يتم مع البلوغ. وهذا نظم جميل اتبعه القرءان الكريم في كثير من الآيات مثل قوله تعالى : «وألقى السحرة ساجدين» وأنتم تعرفون ألا سحر مع السجود، وإنما يقصد الذين كانوا سحرة.
وطبعا لا يمكن لإنسان أن يأتي فيقول لنا : أنا
أعرف كيف الوصول إلى هذا العمق وتفسيره دون أن تستأنس بآية موضحة لهذا العمق في مستواها السطحي وإلا أدى بنا الأمر إلى نعتنا بان في «قلوبنا زيغ» وبأننا «نبغي الفتنة» و «بأننا نريد التأويل» ما دمنا «نتتبع المتشابه».
ولهذا سمي القرءان الكريم هذه الآيات التي لها هذا المعنى العميق القعري «متشابهة» وسمى التي زيدت فيها «ذالون» أو إذا أردتم بـ «دوال» كانت مضمرة في العميقة « محكمة». وحذرنا من ولوج هذا الطريق دون سلاح فقال : « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه، آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب».
الناس يستطيعون في اللغات الطبيعية أن يجدوا البنية العميقة انطلاقا من البنية السطحية. يكفي في ذلك أن يطبقوا مؤشرات تركيبية ودلالية وهيأية للوصول إلى الغرض المنشود. لكن الأمر بالنسبة  للآيات القرآنية بخلاف ذلك. لأن عناصر مهمة أخرى أجنبية عن هذه المؤشرات تلعب دورا في الانتقال من العميقة إلى السطحية. هذه العناصر قد تكون عناصر مقولية، ولكنها في كثير من الأحيان عناصر إعجازية؛ الوحي وحده يحسن استعمالها، وهي عناصر غيبية وعناصر روحية وعناصر تقابلية.
فالآية المحكمة الموضحة، بمستواها السطحي، للبنية العميقة للآية « وأتوا اليتامى أموالهم» هي : « وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فغن آنتم منهم رشد فادفعوا إليهم أموالهم».
أما المعاني الوسطى التي لا تستنبط لا من العمق، ولا من السطح، وإنما، كما سبق الإشارة إليه، من دراستنا لمعطيات النزول، وأقصد بالمعطيات، أكررها مرة أخرى، ظروفه، محيطه، بيئته ؛ بيئة اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، حربية وحتى أزلية كذلك.
المعنى أوسط المستفاد من هذا المقطع القرآني هو أنه خطاب للأولياء والأوصياء على اليتامى.
والمعنى الوسط المستفاد أيضا من هذا المقطع هو انه نزل في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عنه، فنزلت الآية. واسم العم هو مرئد ابن زيد.
وهذا ما نستطيع أن نمثل له بالرسم البياني الآتي ( الرسم رقم 3 ) :
                                        
الرسـم رقم 3                                                 
أ  = الآية، وهي هنا : « وأتوا اليتامى أموالهم»
س  = المعنى السطحي
و  = المعنى الوسط
ع = المعنى العميق.
وأرجوا أن يقع التمييز بين هذا البيان الممثل في الرسم رقم 2 وبين ما يوضحه الرسم رقم 3. هناك مقطع واحد قصيرـ ورغم قصره يدل على معان متباينة، وهي معان لا تتعارض وروح الدين الإسلامي الحنيف، في حين أن البيان الذي يمثله الرسم رقم 3 يوضح معنى واحد في مستويات مختلفة، عميق، متوسط، سطحي.

ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هو ما هو العقاب الذي ناله هذا الذي استضعف الطفل اليتيم وأكل ماله. الجواب عنه في الآية العاشرة من سورة النساء : «أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا».
لن أتحدث لضيق عن المعنى الأفقي للآية، وإنما أحب أن أشير بسرعة إلى المعنى العميق والذي نحول بيننا وبين إدراكنا له الدالان «أكل» و «بطن» في حين أن الآية تتحدث عن «أخذ مال اليتيم ظلما» الأمر بسيط لأن أخذ المال ما هو إلا أكلا إذ أن أكثر إتلاف الأشياء إنما يكون بالبطن. وخصت الآية البطون بالذكر لتبين نقصهم والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق.
احتفل القرءان الكريم بالطفل منذ ما يقرب من 14 قرنا، احتفالا ما عليه من مزيد. وهو احتفال لا شك أن الجميع يعرفه، إنما الذي قد يغيب عن أذهان كثير من الناس المنهج الذي عالج به هذا الاحتفال.
إنه المنهج العلمي الأقوم الذي يبهرنا، تعالوا ننظر هذا من خلال بحثنا في أمر احتفال القرءان العزيز بالطفل. وقبل الدخول في صميم هذه النقطة لابد من التذكير بالإطار الذي يعمل فيه القرءان كأصل من أصول الدين.
كثير من الباحثين يتعرضون لجانب من جوانب الإسلام غير عابئين بأمرين أساسين ضرورين لكل بحث متعلق بقضية من قضايا الدين.
الأمر الأول : أصول الدين الخمسة، وهي أصول متكاملة خلافا لما يعتقده بعض الباحثين الذين يعالجون قضايا المسلمين بأصل واحد، عازلين الأصول الأخرى عن القضية في حين أن بعضها متمم للبعض الآخر، وسنرى ذلك في قضية حماية القرءان للطفل.
الأمر الثاني : الأمة الإسلامية أمة وسطى. يريد الله من الأمة أن تكون وسطى. لكن بأية وسيلة ؟ بمراعاتها لأصول الدين. نحاول أن نقرب ذلك إلى الأذهان بواسطة رسم بياني. لنفترض أن الحيز الذي يمكن أن نقف في نقطة ما منه الأمة في أمر دينها يوجد بين أ و ب في الشعاع « أ ب».
 فإن وقفت الأمة في « ج » مثلا، كانت متطرفة إلى اليمين. وإن هي وقفت في « د » مثلا، كانت متطرفة إلى اليسار. ولن تكون، وهي معتنقة للـ « ج » أو معتنقة لـ « د » أمة وسطى كما يريده لها الرب. إلا أن الأمة، كما لا يخفى تتركب من تركيبات من عشائر، من قبائل، من طوائف، من فئات، من جماعات ومن أفراد. لا يمكن أبدا أن يكونوا كلهم، على تنوعهم، في موقف واحد إن لم يعتبروا الأمرين المذكورين سابقا. وبما أن العرب وقت ظهور الإسلام، كانوا لا يعتبرون هذين الأمرين، بل كانوا يجهلونهما، فقد كانوا موزعين بين « ج » وبين « د » في حين أن الذين كان يريدهم في الوسط.
هذه النظرية فقط، نطبقها الآن على القضية التي تعمنا وهي حماية الطفل من طرف أصل من أصول الدين الإسلامي.
يحدثنا القرءان عن الجماعات التي كانت تئد البني. فإذا قدرنا أن هذه القبائل وهي كندة توجد في الشعاع الموقفي في « د » وتكفل القرءان الكريم بمحاربة هذا الموقف المحاربة التي يعملها الجميع. فمن حارب الموقف الفاسد الآخر « ج »؟ أغلب المسائل المعروضة في شريعتنا معروضة على شكل ثنائية                بل إن بعضها قد عرض على ثنائية وأ ب ، فإن الألف قد يتفرع مثلا إلى ثنائية فرعية أ 1 و أ 2 ، وقد يتولد عن الفرع ثنائية ما تحت الفرعية فيكون عندنا أ 3 و أ 4 ونفس الشيء يقع للـ « ب ». وقد يكون حد مباشر وحد غير مباشر. ولكن هذا أمر آخر قد نعود إليه في لقاء آخر، فلنعد إلى ما كنا فيه.
نقول إذا كان القرءان وهو أصل من أصول الدين حارب التطرق « د » فإن الأصل الآخر وهي السنة حاربت الطرف الفاسد الآخر « ج » لتلتقي الأمة كلها 
موحدة، شاعرة بنفس الشعور وحاسة بنفس الإحساس في الوسط « و ».
تصدى القرءان أول ما تصدى للاعتقاد الفاسد الذي كان العرب يعتقدونه من أن ازدياد بنت في البيت هون يسود الوجه ويجعل صاحبه كظيما، فقال : «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. أيمسكه على هون أم بدسه في التراب إلا ساء ما يحكمون».
ثم سفه القرءان العظيم تلك الذريعة التي كانوا يتذرعون بها لتبرير فعلهم الشنيع هذا، مدمجها في المحرمات التي حرمها المعبود على عباده فقال في الآية 151 من سورة الأنعام : «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياكم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون».
هذه الآية اسميها آية المتن. يتصدى الحق سبحانه وتعالى لهذا المتن فيبسط الكلام فيه بسطا توضيحيا بآيات أخرى شارحة، مخصصا لكل فكرة واردة في آية المتن آيتين أو أكثر من آيات الشرح. قارن فيما يلي آية المتن 151 من سورة الإسراء وآيات الشرح ابتدءا من الآية 23 من سورة الإسراء.
آيـــــة المتـــن
1- قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم :
أ- ألا تشركوا به شيئـا
ب- وبالوالديــن إحســانا
آيــة الشــرح
1- وقضــى ربـك
أ- ألا تعبــدوا إلا إياه
ب- وبالوالــدين إحسانـا
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. ربكم أعلم بما في نفوسكم أن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا. وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ولا تبذر تبذيرا، إن للمبذرين كانوا إخوان الشياطين. وكان الشيطان لربه كفورا، وأما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسوران ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا. إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا.
آيــــة المتـن
ج- ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم.
د- ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما طن
هـ- ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون.
و- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده.
آيـــة الشـــرح
ج- ول تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا
د- ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا.
هـ- ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل، إنه كان منصورا.
و- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here