islamaumaroc

فصل من كتاب "الطفولة المغربية"

  دعوة الحق

197 العدد

تلبية «لدعوة الحق» واغتناما لفرصة العام الدولي للطفل.
يطيب لي أن أرجع بالذاكرة إلى ما ينيف عن 22 سنة خلت . . . يوم فكرت في تهيئ دراسة حول «الطفولة المغربية» وإبرازها على الصورة الواقعية التي كانت عليها إذ ذاك في فجر استقلال بلادنا . . . وذلك حين كنت على وشك إنهاء دراستي الجامعية وحصولي على شهادة الليصانص من كلية الفلسفة والآداب من جامعة مدريد المركزية بعد دراستي بها خمس سنوات متوالية والنجاح في سائر المواد . . . إذ أن من شروط الحصول على الليصانص تقديم بحث مطول في شكل رسالة جامعية تناقش من لدن لجنة الدكاترة المختصين . . . وهذا ما حدا بي إلى الانكباب على البحث والتنقيب عن المصدر وإعدادها الرسالة في مائتي صفحة فرحتي غامرة يوم نوقشت الرسالة آخر أكتوبر 1957 وفازت بدرجة امتياز من الجنة برياسة أستاذي الدكتور اوث.
وبها أحزت على الليصانص وكانت أول شهادة من نوعها تمنح من تلك الجامعة لفتاة مغربية . . . وكان هذا النجاح حافزا لي على متابعة الدراسة وقطع مراحل البحث الباقية في نفس الجامعة إلى أن أحرزت بحمد الله على الدبلوم ثم على الدكتوراه في ماي 1968 برسالة أخرى في موضوع «المدرسة العربية في شمال المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين» فكانت كذلك أعلى درجة علمية تمنح لأول مرة من الجامعة المذكورة لفتاة مغربية . . . وأرجو أن تتاح لي فرصة تقديم فذلكة عن هذه الرسالة الأخيرة حيث أن فيها معلومات هامة لم يسبق نشرها في شكل كتاب.
وأعود إلى رسالة «الطفولة المغربية » لأعطي صورة موجزة عن مضمونها . .
تتألف الرسالة من مدخل للبحث تناول قبل كل شيء بيئة الطفل المغربي من حيث المناخ والسلالات والسكان . .
ومن خمسة فصول :
الفصــل الأول :
المجتمع المغربي- الأسرة المغربية- الزواج- الحمل –الولادة.
الفصـــل الثاني :
الطفل في البيت- مهمة الام- حالة الطفولة الشعبية- الأمراض الشائعة بين الأطفال- مصحات الأطفال.
الفصـــل الثـالث :
دور الحضانة- التعليم لقرآني- التعليم الابتدائي- تعليم المعوقين.
الفصـــل الرابـع :
النشاط المدرسي- الرياضة البدنية- المخيمات.
الفصـــل الخـامس :
الطفولة المشردة- الاهتمام الشعبي بالأطفال المشردين- اهتمام الحكومة بالطفولة المهملة والمشردة- خاتمة في اعتناء العائلة المالكة بالطفولة . .
وفيما يلي نماذج من محتويات الكتاب :
في الواقع أن البيوت التي يعيش فيها الأفراد العائلة من كبار وصغار لم تؤسس للأطفال الصغار، فهي عالم كبير لأناس كبار، المقاعد عالية، والأواني ضخمة، والصرامة مفروضة، وهذا لا يضر ما دام الطفل ملازما لمهده أثناء السنتين الأوليين من حياته . . وأما بعد ذلك فإن الطفل يحتاج إلى عالم صغير يدرج فيه، ويقفز ويركض، ويلعب، ويجلس فيه أيضا ويأكل وينام إن اقتضى الحال . . هنا جاءت فكرة «دار الحضانة» أو « روض الأطفال» ينتقل إليها في فترات خاصة بعد أن يفصل عن أمه . . فيجد نفسه في مكان ملائم لطفولته الأولى ولحاجاته الصغيرة، مقاعد في سنة وحنفيات في متناول يده، وصحون تحت فمه، وحتى الشبابيك والأبواب يصل إليها بقبضة يده من غير أن يستعين بأحد، إنه عالم مريح وجذاب . . زيادة على روح الانطلاق والحرية ووفرة اللعب اللطيفة مع الرفقة المرحة الضاحكة رفقة العصر الذهبي كما يقول خوان رامون خيمنش.

الغـــرض منهــا :
هذا هو بيت الأطفال الذي ينبغي أن يأتوا إليه ليستكملوا بين  مناهجه مرحلة النمو الأول . . هذه المرحلة التي قضى شطرا منها في البيت تحت رعاية أمه ويقضي شطرها الثاني في دار الحضانة تحت رعاية مربيته . . فإذا كان من قبل يعتمد على أمه اعتمادا كليا فإنه الآن أصبح في مقدوره أن يقوم ببعض شؤونه ويخطو أولى خطواته في مدرسة الحياة العملية . . إنه الآن يفصح عن مطالبه بطريقة أخرى غير طريقة البكاء. والمربية تفسح له المجال وتقدر شعوره ليتمكن من إظهار غريزته وميوله لتكوين شخصيته مع تكيفه بالبيئة الجديدة وإعداداه- نفسيا- للحياة والتعاون مع رفقائه، فلا يحاول أن يكون أنانيا : يحتكر اللعب ويأخذ ما ليس له ويريد كل شيء له . . جاء في كتاب «تفهم الطفل» لصاحبته عائدة شاكر : «أن الإختصائيين في تربية الطفل يؤكدون حاجته إلى رفاق يلهو معهم . . لذلك فهم ينصحون الوالدين بإرسال أولادهم إلى دور الحضانة التي يتعرف عن طريقها بمجموعة من الرفاق مهذبين موجهين توجيها حسنا ..»
فاتصال الطفل برفقاء جدد في وسط تربوي موجه من أهم أغراض هذه الدور، حتى ينشأ اجتماعيا منذ نعومة أظافره .. ومن أغراضها كذلك ربط الصلة المدرسية – المقبلة – بالبيت العائلي بطريقة تدريجية ينتقل معها الطفل من عهد المومة إلى عهد التلمذة وهو في وقع طبيعي متصل لا يشعر معه يوم يدخل المدرسة بانتقال مفاجئ .. أصدرت مؤسسة اليونسكو كتيبا ضمنته تقريرا لخبرائها في شؤون الأطفال منشورا سنة 1952 تقتبس منه ما يأتي : « يجب أن تكون رياض الأطفال حلقة ترمي على الدوام إلى ربط العائلة بالمدرسة .. لذلك يتعين
اختيار مديرات هذا الربط واختيار القائمات به من ذوات التربية العالية ».
فغرس الخلاق الفاضلة وطبع الطفل بطابعها عن طريق اللهو المباح واللعب المنظم هي المهمة الأولى لدار الحضانة، ففي كتاب « التربية لعالم حائر» تأليف سير رتشارد أن خير وسيلة لغرس الخلال الحميدة في نفس الطفل هي أن يتلقاها في بيئة الحضانة .. وكان أفلاطون يرى أن على الدولة أن تربي الأطفال قبل أن يستطيعوا فهم اللغة حين يكونون عاجزين عن تقدير أي ضرب من ضروب التثقيف، ذلك – كما قال – أن الأعوام الثلاثة الأولى من العمر مرحلة كبرى من مراحل الحياة يمكن أن يحسن أو يساء إنفاقها .. »
صحيح أن مدارس لحضانة – كغيرها من المنشآت – لها أخطارها، ولكن ليس ثمة ما يجعلها عاملا في إضعاف حياة الأسرة وتبعاتها .. بل هي على العكس من ذلك نهيء لأطفالها أشياء ليس في ميسور الأسرة أن تهيئها لأولادها، بل أن هذه الدور تستطيع أن تفعل الشيء الكثير في إصلاح أخلاق مفجعة تنشأ في أسر فاسدة، وهذه أيضا من أكبر فوائدها .. وقد سألت أم طبيبا عن سر علة ولدها، فقال : « هي أنت يا سيدتي ! تدللينه ولا تتبعين في تغذيته وتربيته أي نظام». وأظن أن هذا يصدق أكثر ما يصدق على أمهات بلادنا، فكان من الحزن ومن الحكمة أن تنتزع منهن تلك النفوس الطرية ويصلح ما فسد منها.

تاريخهــــــــــا :
لهذا اهتمت الشعوب بهذه الدور واسها المربون في دول كثيرة، كحقول زراعية تطبق فيها النظريات التربوية التي اهتدى إليها الفلاسفة منذ فجر التاريخ، فسقراط وأفلاطون وسينكا وسان جرمان وسان أغوستين وكومينو وبيستالوتزي وغيرهم اهتموا بتربية الأطفال إلا أن نظرياتهم لم يتسع تطبيقها ولم تأخذ شكلها العلمي إلا في أواخر القرن الماضي في كثير من جهات العالم، وأما قبل ذلك فإن أقدم مدرسة يمكن أن تعتبر نواة لهذا النوع من التربية هي مؤسسة سان ايدرو في القرن السادس عشر في اسبانيا، ثم بهولاندا في القرن السابع عشر، وكذلك المعروفة باسم «ملجأ الأطفال» بباريس عام 1640. وكانت هناك بفرنسا دور تحمل اسم «حراسة الأطفال» توجد بها نساء يقمن بحراسة الأطفال في غيبة أمهاتهم . . دون القيام بأية مهمة تهذيبية . . ثم فكر المربي أوبرلين في تحويل هذه الدور إلى مدارس تربوية تحمل اسم «قاعات حماية الأطفال» وذلك حوالي 1769، ثم أم مدام باب كاريتنير حولتها إلى دور الحضانة وهي أول من استعمل كلمة الحضانة . .
وهناك محاولات مماثلة في كان من هولاندا وانجلترا واسبانيا وألمانيا وسويسرا وايطاليا . . ترمي إلى خلق هذا النوع من التربية ولا سيما فروبل، تلك الشخصية الألمانية التي ينسب إليها هذا النوع من التربية حيث أنه أسس مراكز لها في كل من ألمانيا وسويسرا وغيرهما، وكان يدعوها رياض الأطفال، لإعجاب الناس بطريقته وباسمه الجديد . . ولا ننسى أن نذكر مدام منتسوري الإيطالية التي تضارع في هذا الباب فروبل . . إذ كل منهما يعد قدوة حسنة . .
وأول مدرسة للحضانة في اسبانيا ترجع إلى عهد سان ايسيدرو الذي أسس في اشبيلية مدرسة للصغار، وبعد أسست مدارس أخرى . . ويعد أقدمها المدارس المعروفة باسم «الرفيقة» في ناحية الأندلس . . وفي العصر الحديث يعتبر بايلو مونتيسنو مؤسس مدارس الأطفال باسبانيا حيث أسس عام 1838 عدة مدارس حيث أنه كان على رأس التعليم باسبانيا . . وفي عام 1866 أنشئت مؤسسة نموذجية لحدائق الأطفال . .

 فــي العصــر الحـاضر :
وأما في عصرنا فإن النوع من التربية أصبح فنا قائما بذاته في جانب فنون التربية الأخرى، وأصبح له المتخصصون فيه القائمون به. ولم يعد أحد يجادل في نفعه أو يتهاون في القيام به . . فالكل يعتبره قنطرة لازمة بين البيت والمدرسة والطريقة المثالية التي أصبح عليها هي أن يبتعد به عن كل من نظام البيت وعن نظام المدرسة، وحتى المكان فإنه
يستحسن أن يكون بين أحضان الطبيعة السافرة من غير حجاب ومن غير جدران ومن غير حواجز . . وبالطبع فإن هذا قلما يتحقق إلا في ظروف راقية وبوسائل علمية غالية . .
وهنا أقدم كنموذج لها أصبحت عليه هذه الحدائق ما قرأته أخيرا في بعض الصحف عن حديقة الأطفال بكولونيا بألمانيا الغربية . . جاء في جريدة العلم عدد 2529 : «إن تلك الحديقة تعتبر جنة الأطفال بحق، أعدتها بلدية مدينة كولونيا لأطفالها في حديقة تبلغ مساحتها 30 ألف متر مكعب، وتضم ميدانا خاصا للإنزلاق على الجليد أيام الشتاء و (للباتيناج) أيام الصيف، وأنشئت فيها ميادين لكرة القدم وكرة السلة وكرة الريشة ولعب التينس غيرها من وسائل تربية الجسم بطريقة بسيطة صبيانية . . وخصص جانب مكن الحديقة للحيوانات الأليفة الأهلية من حمام وقطط وفراخ وأرانب وسواها حتى يتسنى للأطفال اللهو معها . . وأعدت قاعات فسيحة لممارسة الألعاب إذا ما ساء الجو وتعذر الخروج . .  ويقوم بالإشراف على هذه الحديقة طائفة من المربين الأكفاء ويؤدون أعمالهم بصورة لا تضايق الأطفال حتى يشعر هؤلاء بمطلق الحرية فينطلقون بلا عائق . . وقالت الجريدة أن المدن الألمانية الأخرى تسعى سعيها لتحذو حذو كولونيا في تأسيس حدائق الأطفال بين أحضان الطبيعة ليتخلصوا من جحيم المدن وآلاف الأبنية التي تحجب عنهم نعمة الشمس والهواء الطلق.

فــي المغــرب :
عرضنا هذه الفذلكة لتقارب بن الحالة في المغرب والحالة خارج المغرب، فإننا في تاريخ هذا الشعب لا نجد شيئا يدل على وجود دور الحضانة في الزمن القديم، حتى إذا كان شيء موجودا من هذا القبيل فإنه لا يتجاوز حراسة الأطفال كما كان الشأن أول الأمر بفرنسا، وشوارع تطوان ما زالت تعرف شخصا كان يمر بقافلة أطفال كلهم دون الثالثة يخرج بهم إلى الضواحي لقاء أجر زهيد.
فالمغرب لم يعرف دور الحضانة أو حدائق الأطفال إلا منذ سنوات . . أو على الأكثر منذ نحو عشرين سنة . . إلا أنها كانت محتكرة خاصة بأولاد الجاليات الأجنبية وقلما يقبلون فيها أبناء البلاد . . ظهرت أول ما ظهرت بطنجة على يد راهبة انجليزية ثم الدار البيضاء على يد بلديتها . . ثم بالرباط وفاس وتطوان وغيرها من المدن . . وكلها على غرار واحد تقريبا لا يختلف عن النوع المعروف خارج البلاد . . وقد تأسس مكتب للحضانة في إدارة التعليم ملحق بالتعليم الأوربي في النظام الاستعماري القديم تشرف عليه بالرباط فرنسية، وبتطوان سيدة اسبانية . . ومهمة هذا المكتب هو العمل على تطبيق أحدث الأساليب التربوية في تلك الدور، والسعي في  تعميم الاستفادة منها . . فكانت النتيجة أن هذا النوع من التربية كان في أول أمره مؤسسا لمصلحة الأوربيين يشاركهم فيه المغاربة بنسبة ضئيلة . . ومن إحصاء عام عرضته وزارة التعليم في المعرض الدولي المقام بالدار البيضاء في شهر ماي 1957 استخرجنا أن عدد فصول الحضانة بالمغرب كانت 204 فصل في سنة 1956 وأن عدد الأطفال بها بلغ 10.200 طفل، فيهم أقلية ضئيلة من أبناء المغاربة . . ويلاحظ أن القائمات على هذه المؤسسات كلهن من الجنس الفرنسي أو الاسباني رغم أن الظروف تحتم عليهم أن يستعينوا بالمغربيات.

حضــانة حكــومية :
ولم تهتم إدارة التعليم في عموم المغرب بتأسيس دار الحضانة أبناء المغاربة إلا في مفتتح السنة الدراسية 56- 1957 حيث استطاعت أن تفتح في وجه الأطفال المغاربة أول دار للحضانة في المدينة المدرسية بتطوان تحت إشراف مفتشية إسبانية وطبيب مغربي، يتولى إدارتها والقيام بها معلمات إسبانيات ومغربيات . . يقبل فيها الأطفال من السنة الثانية إلى السادسة وتعتبر هذه الدار الأولى من نوعها والواحدة إلى إلى، في عموم المغرب . . يقول (بلدراما) في كتابه : «تاريخ عمل اسبانيا الثقافي بالمغرب» ص 219 أن هذه الدار تشتمل على ثلاث قاعات واسعة : قاعة للراحة، وأخرى للألعاب، وثالثة لتلقي المعلومات بطريقة فردية . . زيادة على قاعة الطعام والمطبخ وأماكن أخرى للنظافة والشؤون لأخرى . .
والبرامج : لا تزيد الحصة عن 20 دقيقة، تلوها استراحة مماثلة، يتعلم الطفل خلالها بعض
الحروف وبعض الأرقام، وأسماء الحيوانات الداجنة، وأسماء شؤون المنزل والمدرسة، وأسماء اللعب . . وللعب كذلك برنامج . . وللأكل نظام، والمعاملة مشبعة بروح العطف والحنان، وتقدم لهم وجبات غنة بالفيتامينات . .
ولا تسع هذه الدار إلا نحو 150 طفلا، إلا أن ضغط الطلب الحاصل عليها اضطرها إلى أن تقبل ضعف هذا العدد، فجعلت الصباح لطائفة والماء الأخرى . . .
وقد حاولت الحكومة قبل ذلك أن تفتح فسما للأطفال الصغار في معظم المدارس الابتدائية، فكان أول فوج قبل بمدارس تطوان أول أكتوبر 1949 وقبلت أفواج أخرى في مختلف المدارس في كثير من جهات المغرب إلا أن هذا لا يعد حضانة وإنما هو إعدادي لمدارس الابتدائية.
فهذا أول عمل استطاع النظام القديم أن يحققه في المغرب، وقد عزمت الحكومة الوطنية أن تقوم بواجبها في هذا السبيل.

حضــانـات شعبيـة :
وكان الأهالي يشكون من  عدم وجود دور الحضانة لان كثيرا من الأمهات يحتجن إلى من يكفل أولادهن ساعة خروج الأم لقضاء مآربها أو لاكتساب قوتها، فيبقى الولد مهملا أو متروكا للخدم الذين لا يعرفون ما يعملون به، مما دفع بالمؤسسات الخيرة والحركات الوطنية أن تعمل لحل هذا المشكل فاستطاعت أن تسهم بفتح دور تسد بعض الفراغ . .
من ذلك أن ميتم الرباط فتح جناحا خاصا يقبل فيه أبناء الأيامى الصغار الذي تودعهم أمهاتهم صباحا وتتسلمهم في العشي ليتسنى لهن العمل من اجل كسب قوتهن، ويسع هذا الجناح نحو 75 طفلا، توجد فيه مربيات يقمن بتربية الأطفال وإطعامهم ويدربنهم على التعبير بطرق الرسم وغير ذلك . .
ومن ذلك، بل هو الأهم، أن حركة الشبيبة الاستقلالية لحزب الاستقلال قررت أن تؤسس شبكة لدور الحضانة في مختلف مدن المغرب، فبدأت بالدار البيضاء التي هي مركز الطبقات العمالية فأسست بها دارا نموذجية، وفي نيتها أن تتبعها بفتح دار كل دائرة من الدوائر الثمانية عشر بالبيضاء حتى تستوعب الطفولة الشعبية وتستغني عن دور الأجانب التي يتطلب القبول فيها كثيرا من النفقات . . وقد أسست هذه الدار النموذجية في الحي المحمدي المعروف سابقا بحي سنترال، لأنه أوفر الأحياء سكانا وأكثرها عوزا . . ويقبل فيها من تتراوح أعمارهم بين الثانية والسادسة ممن تعجز أمهاتهم عن رعايتهم أثناء النهار بسبب انشغالهن في المعامل والمنازل .. ويضم المركز الآن 150 طفلا تشرف عليهم مغربيات محرزات على الشهادة في التربية . . ويحتوي على خمس غرف للأكل، وغرفة للعب، وأخرى للصور المتحركة والمسلية . . وفيه مطبخ عصري ومستوصف يشرف عليه طبيبان مغربيان بالتناوب.
وقد دشن هذا المركز يوم الخميس 6 يونيو 1957 في حفلة رأستها الأميرة عائشة زعيمة النهضة النسوية بالمغرب. ووصفت جريدة العلم هذا المشروع بأنه من أعظم المشاريع الاجتماعية التي يسعى الحزب بواسطتها إلى تكوين جيل جديد قادر على تحمل أعباء الدراسة في المراحل المدرسية وأعباء المسؤولية الكبرى في مستقبل الوطن.
ووصفه رئيس المجلس الاستشاري آنداك في محاضرة ألقاها بالمسرح البلدي بالدار البيضاء يوم 19 ماي 1957 بقوله: «أنه خطوة مهمة جديدة في ميدان البناء الاجتماعي الذي يعمل له الحزب منذ نشأته . . وهو متواضع في حد ذاته، ولكن هذه المشاريع التي تبدو بسيطة لأول وهلة هي الخطوات العملية التي تبنى المجتمع من لبنة إلى الأخرى من طفل إلى طفل، حتى تضمن لأمتنا تكوينا صحيحا سليما . . »
والخلاصة أن هذا النوع من تربية الأطفال الذي عرفته الإنسانية من قديم والذي تنتفع به في كثير من البلدان- لم يظهر في المغرب إلا في السنوات الأخيرة وأن عدد الأطفال الذين ينتفعون به قليل جدا ومحدود..
والنتيجة أن الأطفال الذين يمرون بدور الحضانة يكونون قد استكملوا نموهم العقلي والجسمي والخلقي
في بيئة مناسبة فأصبحوا على استعداد للانخراط في مرحلة التعليم الابتدائي . . إذ نرى أن هؤلاء يأتون إلى المدرسة الابتدائية وهم يفهمون حقوقهم- على حسب مستواهم- وواجباتهم ويحافظون على الوقت ويجلسون بهدوء ولا يقومون في الفصل بأي عمل دون استئذان المعلم أو المعلمة . . فهم عارفون بالقوانين اللازمة إن صح هذا التعبير.

مــــلاحظــة :
وأختم هذا البحث بملاحظة أفضي بها إلى مفتش مغربي قديم العهد في صناعة التعليم، قال : «أن من اللائق في بلاد كالمغرب الذي هو في طريق السير بأبنائه نحو إجبارية التعليم أن يترك التعليم الأولي بسائر أنواعه- بما في ذلك الحضانة- للميدان الحر وللبلديات ولمن شاء من المؤسسات التربوية والحركات الوطنية، بحيث لا تنفق عليه الحكومة من مداخيلها شيئا، اللهم إلا إذا أعانته إعانة تشجيعية . . ثم لفت نظري إلى أن مصاريف هذا النوع من التعليم (الفني) تزيد سبع مرات تقريبا على مصاريف التعليم الابتدائي العادي، نظرا لنفقات البناء والتجهيز وأجور المعلمات المتخصصات في هذا الميدان . .» وأظن أن هذا ملاحظة جديرة بالاعتبار.

مستشفيــات الأطفـال :
أن ما ذكرنه في فصل سابق من انتشار أمراض معدية وأخرى ناتجة عن سوء التغذية وعن القذارة والوساخة بين أطفال الشعبية . . يقتضي اهتماما زائدا من المسؤولين ومن ذوي الغيرة والكرامة من أفراد الشعب . . وهذا ما حصل بالفعل، فإن حركة غير معهودة تسري في الأزقة والشوارع وفي المدن والقرى رامية إلى مكافحة العلل ومقاومة أسبابها بالوسائل الطبية الممكنة . . كأنواع التلقيح . . وكالحمامات الطبية التي كانت تقام في مداخل المدن لتطهير الأبدان والثياب ورشها بما يمنع نمو المكروبات فيها . . . إلى جانب حركة أخرى واسعة النطاق ترمي إلى تأسيس المستشفيات في طول البلاد وعرضها حسب حاجة كل جهة وحسب الأمراض التي تنتشر فيها . . إلا أن هذه المستشفيات مازالت ضئيلة لا تستوعب حتى العشر من الذين يحتاجون إليها. . وللحقيقة نذكر أننا كنا نرى في بعض المستشفيات تطبيقا للميز العنصري الذي كان يطبق في كل مكان من لدن السلطات الأجنبية التي كانت تحكم البلاد قبل الحكم الوطني الحالي . . ففي ذلك العهد لا يمكن قبول أهلي بجانب أوربي في المستشفيات المجهزة بأحدث الأساليب إلا بشرط يتعذر غالبا توفرها. . فيبقى المريض بين الأصحاء فيتضاعف العدد.. بل أن كثيرا من الأطباء كانوا يرفضون أن يقبلوا في عياداتهم الخاصة أبناء البلاد. . لا شيء أدل على هذا من الطلب الذي تقدمت به نقابة العمال في السنة الماضية إلى نقابة الأطباء حسب ما هو منشور في جريدة السعادة عدد 9805 يطلبون فيه أن يعملوا لإبطال ذلك الميز الذي مازال يطبق عند بعضهم . . وحتى جريدة ( لافيجي مروكان) الاستعمارية استنكرت هذا الميز في عددها الصادر بتاريخ 6 غشت 1956 حيث أن إمرأة مغربية حبلى الجأها المخاض إلى مستشفى خاص بالدار البيضاء فأبت صاحبته أن تقبلها . . فوضعت على درجة تحت سمع المارة وبصرهم . . فوقعت فتنة كادت تودي بالمصحة وبمن فيها لولا تدخل الشرطة السريع. . ونشير إلى نوع آخر من المستشفيات قلما يقبل فيها المغاربة، وهي التي أسستها الحكومات الأجنبية لأفراد جالياتها، مستشفى إنجليزي، طلياني، اسباني، أمريكي، فرنسي. . مؤسسات لا إنسانية مع أنها في أرض أحوج ما تكون إلى تضافر الجهود وتعاون الدول المتحضرة على مكافحة أمراضها وعللها المختلفة. . ولكن الاعتراف بالجميل يفرض على أن استثني تلك الروح الطيبة المشعبة بروح الرحمة وأنواع البرور والشفقة التي تشاهدها في كثير من الرهبان المسيحيين الذي أوقفوا أنفسهم وأعمالهم لخدمة الإنسانية أينما كانت بغض النظر عن أغراضهم الأخرى فنراهم يجوبون قرى الأطلس وينبئون في الأحياء الفقيرة دورا مجهزة بوسائل العلاج ومتوفرة على الأدوية يؤسسون دورا مجهزة بوسائل العلاج ومتوفرة على الأدوية اللازمة يمدونها بسخاء وبدون مقابل إلى كل من يدخل عليهم الباب. . وأنى لا أنسى مدى الحياة ذلك العطف الملائكي الذي شاهدته بنفسي من راهبات المستشفى الإسباني بطنجة. . تلك الوجوه المستبشرة، وتلك الأيدي الرخيمة، وتلك العناية الزائدة بكل زائر وبكل مريض مهما كان نوعه وجنسه ..

مصحـــات الأطفـال :
والقاعدة المتبعة في تصميم مستشفيات المغرب هي أن تكون مشتملة على ثلاثة أقسام: قسم الرجال وقسم الإناث وقسم الأطفال ... وقلما نجد مستشفى خاصا بالأطفال إلا ما كان من الدور المهيأة للتوليد. . لهذا نضطر إن نتعرض لهذه المستشفيات من ناحيتها العامة أولا ثم نستعرض فيها القسم الخاص بالأطفال.
وقد نشرت مصلحة الصحة بيانا في التقرير المقدم إلى المجلس الاستشاري في دورته المنعقدة في شهر دجنبر1956 .. ورد فيه وفيما يتعلق بالطفولة أن بلاد المغرب تمتاز بكثرة الأطفال الذين يولدون كل سنة كما تمتاز بعدد الأطفال الذين يموتون كل سنة ... فنسبة المواليد تقدر بنحو 200 ألف طفل. . ونسبة الوفيات تقدر بنحو 100 ألف طفل. . وقد أخذ هذا الرقم الأخير في النقصان بحيث ينتظر أن ينخفض إلى ما دون الخمسين ألفا في القريب بفضل الجهاز الطبي الحديث الذي اخذ يعم البلاد في عهد الإستقلال ... ويزيد التقرير بقول: أن هذه الأرقام يتضح منها أن مشكلة حماية الطفولة من الأمراض مازالت قائمة وأنها موضع اهتمام خاص من طرف حكومة جلالة الملك. . ووزارة الصحة ليست راضية على الجهاز الصحي الموجود في البلاد وتراه بسيطا لا يتناسب مع عظيم مسؤولياتها . . لذلك تطالب بفتح اعتمادات استثنائية والموافقة على الميزانية التي تقترحها- ليمكن الزيادة في عدد الأطباء والمولدات والممرضات والمرشدات ... وليمكن إيجاد الأسرة اللازمة والمستشفيات الضرورية ...
وذلك التقرير أن في المستشفيات المغربية بما في ذلك المستشفيات الخاصة لا يوجد إلا نحو 180 سرير توليد و 430 سرير لعلاج الأطفال من الأمراض المختلفة .. كما توجد فقط 110 للأمر المعدية و90 لأمراض السل ..
ثم صرح وزير الصحة في المجلس الوطني الاستشاري (دورة يونيو 1957) أنه لا يوجد في المغرب إلا 1683 سرير في مستشفيات الدولة وهذا غير كاف ... وزاد يقول: أن المغرب في حاجة إلى الأطباء والممرضين، ففي وسعنا أن نجد الأطباء من الخارج، ولكن الممرضين والممرضات لابد أن يكونوا منا.. ولاحظ الأعضاء خلو البادية من المستشفيات ومراكز الإسعاف ..
وفي كثير من المستشفيات ما زال الصغار يختلطون بالكبار، الأمر الذي يتنافى مع المبادئ الأساسية للطب الحديث، وليس كافيا أن يكونوا في جانب المستشفى و في طبقة من طبقاته كما هو الشأن الآن في مستشفى ابن سينا في الرباط ومستشفى محمد الخامس بمكناس ومستشفى سانية الرمل بتطوان ومصحة ابن قريش في ضواحي تطوان ومصحة أزرو في الأطلس المتوسط .. ففي كل من هذه تجد قسما خاصا بالأطفال يتولاه نفس الموظفين بالأقسام الأخرى .. وليس هذا من قواعد الصحة ولا من أصول التربية الصحيحة ...

مصحــة ابن قريــش :
وفيما يلي نقدم وصف أحد هذه المستشفيات كنموذج لنقيس عليه الباقي، وهي مصحة ابن قريش الواقعة على جبل صحي الهواء خارج تطوان، جعلت لمداواة داء السل الكثير الانتشار في هذه الجهة نتيجة فقرتها ونقصان المواد الغذائية عند الطبقات الفقيرة ... ننقل وصفها عن جريدة (الأمة) عدد 868 بقلم صحفي زارها زيارة فاحصة .. قال ما ملخصه : «... وجدت نفسي أمام حديقة منسقة أحسن تنسيق يتمشى في أطرافها بعض المرضى في لباس موحد، عبارة عن برنس أبيض نظيف ... وبعد لحظة خف لاستقبالي شاب اسباني في عنفوان الشباب والفتوة، وبعد التحية المشفوعة بأدب زائد علمت منه أنه الطبيب الملازم للمصحة ... فبادرته بالسؤال عن التغذية والعلاج فقدم إلى قوائم الأكل لمدة أسبوع فإذا بها تبعث على الرضا .. ثم علمت منه أن بالمصحة 250 سريرا، وأن أغلبية المرضى يعيشون بالمجان، وأن الذين يدفعون النفقات يؤدون فقط ثمن الأدوية ... كما علمت أن بها ثلاثة أجنحة : جناح للسيدات وآخر للرجال وثالث للأطفال .. وبعد هذا قمنا بجولة داخل الأقسام .. فزرنا أولا مكتب المدير الدكتور لينسانو الذي يرجع له الفضل في تأسيس المصحة
منذ نحو اثنتي عشرة سنة .. ثم دخلنا قسم المحافظ الذي يحتوي على ملف كل مريض دخل المصحة.. ثم غرفة تحتوي على جميع الأبحاث التي أجريت في المصحة، وأخرى على جميع الأبحاث التي أجريت في المصحة، وأخرى خاصة بالأشعة ووسائل تشخيص الأمراض... ثم مختبرات التحليل، وعرض على نماذج من الكشوف تدل على مبلغ العناية بهذه الناحية ... وبعد ذلك دخلنا إلى قسم السيدات المغربيات، فكان بحق مثار الإعجاب بما توفر فيه من النظام ومظاهر النظافة .. ويمتاز الإناث بالجودة والمتانة، الشيء الذي قلما نراه في المستشفيات العامة .. ثم طفنا على بقية الأقسام فكانت كالقسم الأول روعة ونظافة ... وبين كل قسم وآخر توجد حمامات ومحلات المياه في منتهى النظافة .. ويوجد خارج كل قسم بهو واسع مريح بقصد التعرض لأشعة الشمس واستنشاق الهواء الجاف والتمتع في نفس الوقت بالمناظر الطبيعية ... ثم مررنا في عودتنا على قاعة العمليات فوجدتها لا تقل في روعتها عن أحسن ما يشاهد في كبريات مدن أوربا .. وختمنا الطواف بزيارة المطبخ والمطعم وملحقاتها حيث تحفظ المأكولات وتعد على أحدث الأساليب الصحية العالمية.. ولا أنسى أن أشير إلى أن القسم الخاص بالأطفال يقع في الطابق الأعلى من البناية وأن عدد الأسرة به 50سريرا .. فخرجت وأنا أكثر ما أكون إعجابا بهذه المؤسسة الإنسانية التي يعود الفضل فيها إلى الأطباء الإسبان ..

إحصـــاء :
واستخرجت من سجلات المركز الطبي بتطوان والمستوصفات التابعة له أن عدد الأطفال الذين ترددوا عليه أثناء سنة 1956 بلغ 39.367 طفل حسب التوزيع الآتي :
- 26.321 طفل، أسعفوا إسعافات خفيفة
- 12.120 طفل، لقحوا تلقيحات مختلفة
- 00.757 طفل، قدمت لهم الأسرة لمدد مختلفة
-00.176طفل، أجريت لهم عمليات جراحية.
المجموع : 39.367 طفل.
ويشترك في هذا الرقم سائر الأجناس المتساكنة بتطوان ونواحيها، ونسبة المغاربة فيه تقارب الثلثين وهم السواد الأعظم، مما يدل على أن إقبالهم على المراكز الطبية أخذ في الازدياد .. ويدل بنفس الوقت على ان الأمراض لازالت متفشية ففيهم أكثر من سواهم، بما هم عليه من فقر ونقص في الغذاء وجهل بطرق التربية ووسائل العلاج.
وواضح أن هذا النقص يعم فقط الطبقات الشعبية، وأما المياسير والمثقفون فحالة طفولتهم مرضية .. لا تفترق إلا قليلا عن طفولة الأمم المتحضرة.
هذا ما عن لي أن أقدمه المناسبة ما كتابي «الطفولة المغربية» وإذا سنحت فرصة أخرى قدمت منه نماذج أخرى مع ملاحظة أنها حررت في ظروف غير الظروف الحاضرة.                                                          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here