islamaumaroc

أطفالنا في المهجر.

  دعوة الحق

197 العدد

من المعلوم أن دواعي الهجرة إلى أوربا كثيرة: منها أن أوربا بعد الحرب العالمية الثانية كان عليها أن تعيد بناء نفسها وأن تعيد إلى الوجود ما حطمته الحرب ونسفه القتال ...
وهذا البناء كان يتطلب مالا، ويدا عاملة، أما المال فتعهدت به الولايات المتحدة، أما اليد العاملة فهي يد العاملين المهاجرين الذين خرجوا من بلادهم يبحثون عن العمل.
وهكذا أخذت دول أوربا الغربية تتلقى أفواجا من العمال من مختلف جهات العالم وخاصة من شمال إفريقيا ومن سكان حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتدفق المسلمون الباحثون عن العمل على أروبا وكانت ظروف العمل والإسراع في البناء تتطلب مزيدا من اليد العاملة باستمرار ثم أن ظروف العمل في البلاد المهاجر منها لم تكن مربحة ولا ذات مردود مفر ومن أجل ذلك أصبح العمل في أروبا هدفا لكثير من الباحثين عن العمل ... سواء كانوا مغاربة أو جزائريين أو تونسيين أو مصريين أو غيرهم ...
وكانت ظروف للغاية العمل بدول أروبا الغربية مشجعة للغاية نظرا لارتفاع مستوى الأجور بالنسبة للبلد الأصلي للمهاجرين، ونظرا للحقوق التي يتمتع بها العامل  في كثير من هذه الدول ...
وبدا المهاجر في أول أمره يهاجر بمفرده واستمر عدة سنوات على هذه الحال لكنه وجد نفسه في النهاية أنه مضطر لمصاحبة أسرته معه إلى مهجره لأن الحياة بدون أسرة ولمدة طويلة لصبح حياة متعبة سواء بالنسبة للأسرة الموجودة في البلد المهاجر منه، أو بالنسبة للعامل الذي يعاني من الانفراد والوحدة ومن القيام بشؤونه في مسكنه بعد رجوعه من العمل فهو مضطر إلى أن يطهي الطعام بنفسه ويغسل ثيابه وملابسه ويكنس بيته وينظم مأواه وكل هذا عندما يستمر لعدة سنوات يصبح ممجوجا وغير موفر للراحة وخاصة بعد العمل المضني الذي يعاني منه العامل.
وأمام هذه المعاناة التي يعاني منها العامل في مهجره فكر في أن يصحب زوجه وأطفاله معه لمقر عمله ... ومن هنا بدأت مشكلة أطفالنا بالمهجر.
وفعلا أخذ عدد وافر من العمال يصحب معه أسرته إلى مهجره وهنا أصبح العامل أمام أسرة وأمام أطفال عليه أن يفكر في مستقبلهم وفي دراستهم وفي أسلوب معيشتهم وأسلوب تربيتهم، كل هذا أصبح يفكر العامل فيه وهو يرى أنه قد قذف بنفسه أولا ثم بأسرته ثانيا في خضم مجتمع يختلف تمام الاختلاف عن مجتمعه دينا ولغة وعوائد وأعرافا أي في خضم مجتمع يختلف عن مجتمعه في كل شيء في النظرة إلى الحياة وفي تقييم الأشياء وفي الحكم عليها ...
وهنا أصبح العامل يشعر أنه أمام مشاكل جديدة ... وأصبح يخاف على أسرته وعلى أطفاله من الاندماج نهائيا في هذا المجتمع المخالف تمام المخالفة لمجتمعه الذي ينتمي إليه بل أصبح يخشى من انصهار أسرته انصهارا كليا .. في مجتمع تختلف قيمه ومقدساته وعوائده عن مجتمعه الذي غادره وهو وأسرته وفلذات كبده خاصة وأن تيار الحياة في أروبا جازف وصاحب لا يترك للغريب فرصة التأمل بل سرعان ما يرى الزمام وقد انفلت من يده مهما حاول أن يمسك به ...
وهنا كان لزاما على المهاجر المسلم أن يستنجد بوطنه وأن يستنجد بدولته وأن يترجاهما في أن يساعداه  على عدم انسلاخه وانسلاخ أسرته من مقوماتها الروحية والمعنوية وخاصة فيما يتعلق بدين الأمة ولغتها، لأن الدين واللغة هما من المقومات الإنسانية.
وأمام صيحات العمال المسلمين واستنجادهم بدولهم عملت بعض الدول الإسلامية على تلبية مطالب جاليتها في الخارج فيما يتعلق بالحفاظ على مقومات الأمة ومقدساتها.
وكان المغرب من بين الدول الإسلامية التي اهتمت بقضايا عمالها في المهجر وعملت على توثيق الروابط والصلات بهم وسهلت لهم كثيرا من الصعاب التي كانوا يعانون منها.
وبما أن موضوعنا يتعلق بالأطفال وتربيتهم وتعليمهم فإن حديثنا ينبغي ألا يخرج عن هذا المجال. مع العلم أن قضية تربية وتعليم أطفالنا في المهجر تأتي في طليعة المهمات التي يجب الاهتمام بها.
لأننا بالتربية والتعليم نربط أطفال عمالنا بلغتهم وتاريخهم ودينهم ووطنهم ... ونحن على يقين أن أطفالنا بالمهجر إذا لم يتعلموا لغة قومهم ولم يتربوا على التشبع بمقومات أمتهم سيصبحون غرباء بكل ما في الكلمة من معنى، لأن الانتساب إلى الوطن لا يكفي فيه ورقة إثبات الجنسية، وحمل جواز سفر، فذلك هو مجرد شكليات لا أقل ولا أكثر، أما الانتساب الحقيقي للوطن فلابد من تربية سليمة مبنية على مبادئ متينة واضحة، وهذه التربية ينبغي أن يخطط لها وأن تكون محط عناية ورعاية وإلا فسنجد أنفسنا أمام أطفال غرباء وخاصة عندما يعودون إلى وطنهم وعندئد سنعاني كما سيعانون من ذلك الشيء الكثير.
وأرى أن قضية تربية أطفالنا بالخارج هي قضية هامة وحيوية وجديرة بالاهتمام.
وترتكز هذه التربية أولا وقبل كل شيء على ترسيخ لغة الوطن، لأن أطفالنا إذا ما جهلوا لغة وطنهم فإنهم سيصعب عليهم الانسجام مع إخوانهم بالوطن الأب، بل سيجدون صعوبة حتى في الانسجام مع أقاربهم  وذويهم وأسرهم ...
ومن الجدير بالذكر أن لغتنا لا تنفصل عن ديننا ومقدساتنا فبتعليم اللغة القومية لأطفالنا بالهجر سنربط بينهم وبين وطنهم رباطا متينا لأنهم عن طريق تعليم لغتهم سيتمكنون من التعرف على دينهم وحضارتهم وأمجادهم ...
وبالإضافة إلى تعليم اللغة القومية يجب ترسيخ مبادئ الإسلام القومية في نفوس ناشئتنا بالمهجر خاصة وأنهم يوجدون في خضم معترك فكري مادي والحادي ... وأمام مخططات صليبية محكمة. وفي أجواء مشبعة بالتفسخ والانحلال الخلقي، ورذائل الجنس بصوره ووقائعه وويلاته ...
وهذه الأجواء التي يتعرض لها أطفالنا بالمهجر لا يكفي للوقاية منها مجرد «معلم مزدوج» بل هذه الأجواء المشار إليها تستدعي وجود المربي الصالح أولا وقبل كل شيء.
وهنا يجب على الذين يختارون المربين للقيام بمهمة التربية والتعليم في الخارج أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة لان القصد من التربية وخاصة في مثل تلك الأجواء والمواجهات ليس هو (ملء الفراغ) فحسب.
خاصة وان الدول تتحمل نفقات باهظة في هذا الميدان ومعنى هذا انه يجب لإنجاح مهمة تربية أبناء جاليتنا في المهجر اختيار العناصر الصالحة لهذه المهمة .. أي اختيار المربي الذي في مقدوره أن يقوم بهذه المهمة الشاقة ولعله ينبغي أن يراعى في هذا الاختيار.
1) التحلي بروح التضحية والتفاني في الحفاظ على مقدسات الوطن.
2) التحلي بالأخلاق الفاضلة والسلوك القويم.
3) متانة الدين وسداد العقيدة.
4) الخبرة المهنية مع الثقافة التربوية.
5) التحلي بالصبر والمرونة مع روح الانسجام مع المواطنين بالمهجر ..
هذه بعض الصفات التي يجب أن تراعى في اختيار مربي أطفالنا بالمهجر ..
أما أن نحن ( ملأنا الفراغ) فقط فسوف لا نجني الثمار المتوخاة من عملية تربيتنا وتعليمنا لأطفالنا بالخارج.
ومن المعلوم أن تربية أطفالنا على القيم الخلقية وتعريفهم بالمقومات الدينية والوطنية هو الهدف من تربيتنا بالداخل إلا أن هذا يصبح واجبا أكيدا في بيئة تختلف تمام الاختلاف عن بيئتنا وفي مجتمع مغاير لمجتمعها .. في مجتمع له قيم ومقاييس وأنظمة وعادات وتقاليد لا تمت إلى تقاليدنا وعادتنا وقيمنا ... بصلة ... هذا مع العلم أن مهمة الحفاظ على كل ذلك عمل لا يستطيع الأب العامل ولا زوجته بالمنزل لان أطفالنا يتكيفون خارج البيت ويتأثرون بالمؤثرات المحيطة بهم وهي مؤثرات يتلقاها الأطفال بكيفية عفوية وتلقائية.
لذلك وجب أن يكون ( المربي المعلم) هو المئتمن على ترسيخ أهداف تربيتنا والحارس الأمين على صيانة عقول وعواطف وأفكار أطفال عمالنا بالمهجر والحامي لأطفالنا من الذوبان في بوثقة حضارة مادية ملحدة .. ومن هنا يكون دور المربي لأطفالنا في المهجر دورا شاقا ومهما فيما إذا كان القصد منه هو الحفاظ على المقومات الدينية والوطنية ...
وعلى هذا الأساس فاختيار المربي لأطفالنا في الخارج لا ينبغي أن يقوم على ميزة(الازدواجية) فقط لان هذه الازدواجية إن نفعت مثلا في بعض الدول كفرنسا، فهي لا تنفع في ألمانيا وهولندا وشمال بلجيكا وفي الدول الاسكندنافية، وغيرها.
وعمالنا في المهجر وأعوان تمام الوعي أن تربية أطفالهم تربية إسلامية وطنية أمر حيوي وبالغ الأهمية وهو شرط أساسي في اندماج أبنائهم وسط مجتمعه ووطنهم الذي ينظرون إليه وإلى مقدساته بكل إجلال وتقدير واحترام.
وهم واعون تمام الوعي كذلك بأنهم ممثلون لبلدهم في فثرة زمانية قد تطول وقد تقصر لكنها مهما طالت فغن أحضان الوطن هي المأوى الطبيعي لهم ولأطفالهم.

*أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي ( ت 238هـ- 852م)، إلى معلم ولده رسالة يقول فيها: « ... فليكن أول ما تؤدب نفسك، فغن عيني متعلقة بهم، وأعينهم متعلقة بك، فالحسن-لهم- ما استحسنت، والقبيح- عندهم- ما استقبحت، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه،ولا تخرجهم من فن إلى فن حتى يحصلوه، لازدحام العلوم مضلة للفهم، ومشقة للذهن، وعلمهم من الشعر آعفة، ومن الحديث أشرفه، وكن لهم مثل الطبيب المشفق الذي لا يضع الدواء إلا في موضع الداء، وهددهم بي، ولا تضربهم دوني، واجعل أدبك لهم مدحا يزدادون رفقا وشوقا.*

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here