islamaumaroc

الطفل والبيئة

  دعوة الحق

197 العدد

البيئة هي كل ما يحيط بالطفل وما يتصل به وما يحتك معه سواء أكان إنسانا أو أشياء أو أفكارا.
ولهذا لا نستطيع حصر المقصود من البيئة في بيت أو مدرسة أو مجتمع ولا يمكننا حصره في التوجيهات الإدارية التي تنبعث من الآباء والمربين بل تتعدى ذلك إلى كل ما يمكن أن يكون له تأثير على الطفل وعلى مستقبله ولو من غير إرادة توجيه.
والطفل هو ذلك الكائن الحي الصغير الذي يقضي مراحل نموه في فتراث مختلفة فيحتاج في كل فترة إلى تعهد خاص وإلى رعاية كافية وإلى معرفة بطبيعة تكوينه وإلى خبرة بنفسه وأحواله وإلى دراسة لغرائزه وميولاته وإلى مراقبة  كل الظواهر التي تحيط به أثناء هاته الفترات ليعامل وفق نتائجها ويوجه حسب معطياتها والأوضاع في متاهات الضلال وسقط في مهاوي الانحراف.
فما أقسى الحياة إذا لم يجد الطفل انسجاما مع ما حوله أو مع من حوله أو إذا أحس بإهمال من مجتمعه أو أهليه. أنه حينئذ تضطر نفسه وتتوتر أعصابه ويحس بنوع من الكبث يحول بينه وبين إظهار مواهبه واستغلال ذكائه.
وبناء على ما تقدم يتبين لنا أن الاهتمام بالمحيط المتصل بالطفل مقدم على الاهتمام بالطفل ذاته وأن التفكير في البيئة مقدم على التفكير فيه لأنها القاعدة التي تنطلق منها الطاقة التربوية فلا وجود لكيان الطفل إذا انعدام كيان البيئة المحيطة به سواء أكانت أسرة أو مدرسة أو مجتمعا. وهذا الكيان البيئوي يتجلى في أذواق الناس وفي مقاييسهم الجمالية وفي نظرتهم إلى الحياة وفي قيمهم العامة التي ترتكز عليها العادات وتنبني عليها أصول المعاملات.
ولهذا ينبغي أن نوجه عنايتنا الكبرى إلى الاهتمام بكل المرافق التي لا اتصال بالطفل لنستطيع بذلك أن نكون المستقبل الزاهر المرغوب فيه فنعمل على تعليم المرأة وتهذيب الشباب ونشر الرخاء وإذاعة كل ما من شأنه أن ينشر الوعي بين الناس.
فنحن إن فعلنا فسنيسر المجال الصالح لتربية الأطفال لأنهم حينئذ سيلتقطون منا ما يرونه
صالحا وسيمتصون شخصياتنا وسيتقمصون سلوكنا وسنصل في سنوات قليلة إلى ما نرجوه.
أما إذا نستطيع ذلك فليس لنا أمل في خلق نشئ يتحمل مسؤوليته ولو أمرناه بها لأن التربية سلوك قبل أن تكون أقوالا وتطبيق قبل أن تكون نظريات.
فلنتصور مجتمعنا أعمته المادة وأصبح التقدير النهائي للناس فيه مرتبطا بما يملكون من مال سواء اكتسبوه عن طريق مشروع أو عن طريق غير مشروع.
إن هذا المجتمع حينما تشيع فيه هذه الظاهرة تتجلى في مختلف معاملاته وتظهر في أحاديث الناس وفي ربط علاقاتهم بالآخرين. والطفل المسكين يرى كل هذه حينما يكبر قليلا يلتقطها في الشارع وقد يلتقطها في مدرسة إذا وجد بعض معلميه متبرمين منها أو قلقين من وضعها أو متحدثين عنها ولو في صورة نقدية متواصلة ولكنه لا يجد مفرا من الانسياق إليها لأنها صورة تملكه بسيطرتها وإغراءاتها وحينئذ لا تنفع فيه موعظة ولا ينساق إلى غيرها من المثل الأخلاقية والقيم الصالحة لأنه لا يراها مباشرة أمامه ولا يلاحظ تطبيقا عمليا. فكم من درس في الأمانة لا يجد قبولا لدى الطفل ولا تأثيرا فيه فإن بحثنا عن السبب فسنجد أن الأمر لا يتعلق بعدم استعداد الطفل من الوجهة الطبيعية وإنما يتعلق بعدم استعداده من الناحية النفسية لأن الحصار الذي ضرب عليه في المعاملات والرؤية التي انطبعت في نفسه من نظرة الناس إلى المجتمع أثرت فيه أكثر وأضاعت منه ذلك الاستعداد الطبيعي الذي يمكنه أن يلعب دورا كبيرا في توجيهه توجيها سليما.
ومعنى هذا أن الطفل قبل أن نفكر في تربيته يجب أن نضعه في بيئة صالحة للتربية و إلا عاش في تناقضات ولرفض كل ما من شأنه أن يقال ولا يفعل.
إن الفعل العلمي هو المنطق الذي يجب أن يكون بداية لتربية الأطفال وتوجيههم ، أما الأقوال والنظريات ودراسة أنواع السلوك ومعرفة أخلاق الطفل ودرجات نموه فليس فيها ما يفيد إذا بقيت في حيز النظريات ولم يعمل المربون على استغلالها استغلالا عمليا يكونون فيه هم القدوة الحسنة لمن أرادوا به نفعا أو خيرا.
إذا ظهر لنا ما سبق فإننا يمكن أن نقول : « أن العناية بالطفل دون العناية ببيئته لا فائدة فيها».
ولهذا يجب أن تكون هناك مخططات من قبل الدولة ترتكز عليها التربية وتستعمل فيها كل الوسائل التي من شأنها أن تجعل البيئة في المستوى لأنها بذلك ستخلق الطفل المرغوب فيه.
وجدير بالمعرفة أن غذاء النفوس بمكارم الأخلاق يجب أن يكون دائما لأن طبيعته كطبيعة الغذاء الجسمي فليس الأكل في يوم معين يغنيك عن الأكل في غده لأن كيان الجسم موقف على تجدد السعرات وتعددها وكذلك الحال بالنسبة إلى التربية العامة وإلى التوجيه الصالح.
وهذا أمر مشترك بين تربية الأطفال وتربية البيئة التي تتولى تربيتهم وأن كنا نرى استعجالها بالنسبة إلى البيئة أصبح ضروريا ويستحق التقديم إذ لا يتصور التفكير في تربية الطفل قبل التفكير في تربية الذين سيتولون شؤونه كما لا يتصور نجاح أي مشروع من غير التفكير في إعداد الأطر التي ستتولاه.
أن تكوين الأطر ضروري لنجاح المشروعات وأن تكوين البيئة ضروري لإنجاح عملية تربية الطفل في أي مرحلة من مراحل الطفولة وهذا وهو السر في أن كثيرا من الدول الهادفة إلى الرقي والعاملة على التنمية أصبحت تعني العناية الكافية بالتربية الشعبية وبالتوعية العامة.
وعلى أساس هذه التوعية أصبحت تنهج في إعداد التخطيطات الملائمة لخلق جيل صالح يقدر على تربية الأطفال وعلى إعدادهم للحياة.
فكم من طفل ضاع بسبب بيئته الفاسدة فإذا صلحت بيئته صلح توجيهه وظهرت مواهبه وأفاد بكل ما له من مؤهلات ومعطيات.
ولعل هذه الفكرة هي التي أهابت بعدد من العلماء والمصلحين إلى أن تكون اهتماماتهم متصلة بالآباء والمربين وبكل أفراد المجتمع قبل أن تكون اهتماماتهم موجهة إلى الأطفال لأنهم يعلمون أن الأطفال يمثلون البراءة الطاهرة وان مدار انحرافهم يرتبط غالبا بمن يحيطون بهم.
بل أن الأمر لا يتعلق بالانحراف فقط فهو يتعلق أيضا بشؤون الحياة على اختلاف مجالاتها سواء فيما يتصل بالإطار الاجتماعي أو العلمي أو الفني أو غير ذلك ولهذا كان من الضروري أن توضع أنشطته  موازية للأعمال الخاصة لدى كل فرد في المجتمع ليتسنى بهذه النشطة إخراج المواطن من رتابته العادية وإدماجه في هيئات اجتماعية خاصة تجعله قادرا على معرفة الحياة وممارسة كل ما من شأنه أن يساعد على النمو أو يساهم في الازدهار.
وبهذه الأنشطة الموازية يقع تعاون مطلق بين المخططين التربويين وبين كل الهيئات التي تسعى في تطبيق المخططات ويحدث تكامل بين المسئولين في الدولة وبين مختلف أفراد المجتمع ، فلا تمر إلا سنوات معدودات على البلاد ثم تجدها قد حصلت على طفرات تربوية تكون سببا في تقدمها وازدهارها.
إن أي عمل لا يبنى على العلم والتعاون يكون سلبي النتائج فاقدا لروح التطور ومؤهلات النجاح ولنأخذ على سبيل المثال في هذا المجال ظاهرة المحافظة على صحة الطفل وما لها من تأثير على نموه وعلى رقي بلاده.
إن صحة الطفل لها أثر كبير في نموه ونمو مجتمعه ويتوقف كثيرا من نشاطه العام على مقدار تحمله لمشاق الحياة وغالبا ما يتوقف هذا مقدار تحمله لمشاق الحياة وغالبا ما يتوقف هذا التحمل على مدى ما يهيأ لهذا الطفل من الوقاية الصحية التي تتجلى في مساعدته بأنواع التلقيحات وفي الاعتناء بتغذيته وفي العمل من أجل تهيئ الظروف الصحية له في المسكن والشارع.
ومن هنا تصبح العناية الصحية فرضا لازما موزعا على كل ما له علاقة بالطفل على قدر مستواه وعلى قدر اختصاصه.
إن الطفل إذا أهملت مراقبته الصحية ولم تيسر له الوسائل الكافية ليعيش صحيح الجسم معافى البدن قوي النشاط فإنه ليس هو المسئول على ذلك ، إنما المسئول هو من له قدرة على مساعدته ورعايته ثم لا يقوم بعمله على أحسن وجه.
وتوزع المسؤولية هنا بين الدولة والأسرة والمجتمع.
فالدولة عليها إيجاد المستشفيات والمستوصفات وتيسير التلقيح المجاني ومحاربة الأمرض المعدية واستغلال أجهزتها للتوعية الشعبية في هذا الباب.
والأسرة عليها أن تلتزم بنقل هؤلاء الأطفال إلى المستوصفات إذا اقتضى الحال ذلك كما عليها أن تعنى بنظافتهم وتغذيتهم وعلاجهم وإبعادهم عن كل ما من شأنه أن يجعلهم ضعاف الأجسام.
وأما المجتمع فمسؤوليته عامة إذ يجب عليه أن يحافظ على البيئة الطبيعية وأن يعمل على محاربة كل ما يتسبب في الأمراض أو يساعد عليها.
إن رمي الأزبال بالشوارع مثلا جريمة أخلاقية كبرى لأنها أولا تتنافى مع التربية الجمالية ثم أنها تصير بؤرة للجرائيم الفتاكة فتكون منطلقا للأمراض ووسيلة لنشرها بين الناس ويتضرر أول من يتضرر بها أولئك الأطفال الأبرياء نظرا لضعف حصانتهم ولعدم قدرتهم على الوقاية الذاتية وفي ذلك خطر كبير.
وهناك مثل آخر يتعلق بالوقاية الصحية في المجتمع ويتعلق ببعض الناس الذين يعلمون أن بأطفالهم أمراضا معدية ثم لا يعملون على علاجهم أو على محاربة فصلهم عن أطفال آخرين فتنتشر بسببهم الأمراض ويؤذون الغير وهم قادرون على عدم الاذاية.
وتكثر هذه الظاهرة داخل المدارس لأن الأسر تخشى أن تعلن عن مرض أطفالها فيكون ذلك سببا في توقيفهم عن الدراسة مع أن توقيفهم مع تبرير صحي لا يزيل لهم حق مواصلة التعلم، خير من استمرار المرض ومن اذاية الناس .
مما تقدم يتضح لنا أن التوعية العامة لها دور كبير على الوقاية الصحية وعلى المحافظة على الطفل في البلاد.
ومما يجب التنبيه إليه أن التزام الكبار لبعض طرق الوقاية يدفع الأطفال إلى تقليدهم وإلى محاكاتهم فالآباء الذين اعتادوا تنظيف أجسامهم أو مارسوا بعض أنواع الرياضة البدنية للمحافظة على صحتهم لا يجد أبناؤهم صعوبة في التحلي بهذه الصفات.
ولا يتعلق الأمر بوسائل الصحة فقط بل أنه يتعلق بكل أنواع السلوك ولهذا لا نستطيع تربية الأطفال على شكل معين إذا نحن لم نمارسه بأنفسنا.

تقدير الجمال وتهذيب الذوق لا نستطيع بثهما في الطفل بالحث عليهما وإنما يكتسبهما عن طريق الملاحظة والتقليد فنحن لا نقدر على خلق الطفل الذي يحس بالجمال إذا لم نجعله يلتقط هذا الجمال من سلوكنا وأعمالنا ومواقفنا.
ومن هنا نقول مرة أخرى.
إن خلق البيئة الصالحة هو الوسيلة الوحيدة لخلق الطفل الصالح سواء كانت هذه البيئة مركزا للتعليم الرسمي كالمدرسة أو مركزا للتعليم التلقائي كالبيت والمجتمع.
ووظائف كل مركز من مراكز البيئة يجب ألا تكون مفصولة عن وظائف المراكز الأخرى لأن التعاون بينهما ضروري . ويجب على كل الهيئات أن تعتبر نفسها متكاملة وإلا فقدت قيمتها في التربية والتوجيه.
فالمدرسة مثلا ليست إلا مركزا يحاول إيجاد التوازن بين حياة الطفل وبين أسرته ومجتمعه فمهمتها صعبة جدا لأن المعلم ينبغي أن يكون على اطلاع واسع وعلى خبرة بشؤون المجتمع وأن يكون صادق النية حريصا على التوجيه وأن يعتبر عمله رسالة قائمة بذاتها لإصلاح الفاسد وتعليم الجاهل وتربية المحتاج.
إن المدرسة يجب أن تكون مقرا لإعداد الطفل للحياة ولخلق تجاوب بينه وبين مشاكلها وستكون مقرا فاشلا إذا لم يحس فيها الطفل بأنه يواكب الحياة ويجاري إحداثها ولهذا نجد كثيرا من المهتمين برعاية الطفولة يتحدثون عن المدرسة كثيرا وعن برامجها وعن وظيفتها في تربية الطفل وجعله في المستوى الذي يفيد الأمة في حاضرها ومستقبلها.
إن المدرسة الصالحة هي التي تجعل من الطفل عضوا مندمجا في مجتمعه وهي التي تستطيع كشف ميولاته لاستغلالها فيما ينفعه وينفع أمته ولهذا كان من الضروري ألا تقتصر على الدراسات النظرية وإنما تجعل من اختصاصها أيضا بعض الاهتمامات بالصناعة أو الفلاحة حتى إذا تعثر الطفل عن مسايرة دراسته النظرية بقي قادرا على مسايرة الدراسات الصناعية أو الفلاحية أو التقنية .
وحينئذ لا يصبح الطفل مشكلة اجتماعية بعد أن كنا نحاول بتربيته إبعاد المشاكل عن مجتمعه.
ولعل هذه النظرية لا تحتاج إلا توعية كافية من المواطنين وإلا إلى تخطيط ايجابي في سياسة التعليم ليستغني بها عن كثير من المشاكل التي نقع فيها عندما يعجز بعض التلاميذ عن مسايرة دروسهم فيطردون دون أن تكون لهم أي حصانة تحميهم من الضياع والتشرد وإثارة الاضطرابات والفوضى داخل المجتمع.
إن العناية بإعداد الطفل للحياة لا تنحصر في أن نعلمه القراءة والكتابة وإنما تتجازها إلى أن نجعله فردا عاملا يعرف كيف يساهم في التنمية بقدراته العقلية وقدراته الجسدية ولا يتيسر ذلك إلا إذا كانت هناك خطة تعليمية فيها موازاة بين التعليم النظري والتعليم المهني الذي ينبغي أن تراعي فيه اللامركزية ليكون منسجما مع الأقاليم المحلية كما ينبغي أن يراعى فيه الجنس ليقدم حسب الإمكانيات الجسمية والحاجيات الاجتماعية.
ومن المعلوم أن أي تعليم لا تراعى فيه شخصية الطفل وعلاقته بالمجتمع يعد تعليما عقليا غير مفيد وأظن أنه لا يخفى ذلك على كل من له أدنى اهتمام بالتربية والتعليم.
يقول بعض المربين الأمريكيين في هذا الباب : « ساعد التلاميذ على أن يلموا علاقة المدرسة بالحياة وذلك عن طريق ربط المواد الدراسية والخبرات التعليمية بحياة الطفل الخاصة فالأطفال يعيشون عادة في عالمهم الخاص عندما يكونون صغارا ... ولكنهم كلما كبروا اتسعت دائرة حياتهم لتشمل نواحي حياة الكبار والاهتمام بالأشياء المحيطة بهم ومن الممكن أن نعينهم على ربط المعلومات المدرسية بهذه الحياة»(2)
فالمدرسة إذن لا يمكن أن تستقل أبدا عن الحياة وإلا أصبحت عرقلة في المسيرة عوض أن تكون وسيلة من وسائل التنمية والتعليم.
وكم يسرني أن أتذكر وأنا في حديثي هذا حوارا كنت طلبت من تلامذتي بثانوية مولاي إدريس بفاس سنة 1960م أن يتخيلوه بين أم مدرسة وأن يتحدثوا فيه عن فضل كل منهما في تربية الطفل وتهذيبه.
كتب أحدهم وكان أسلوبه رائعا وخياله خلاقا ما يأتي :
قالت الأم للمدرسة ليس لك فضل على ولدي فأنا الذي أربيه بتعهدي ورعايتي وأهيئ له أسباب العمل فلولا أنني أوقظه في الوقت المحدد صباحا ما انتبه ولولا أنني أراجع معه دروسه ما فهم.
فقالت المدرسة هذا كلام هراء لا يدل على صدق ولا يثبت في برهان أنك ما أرسلته إلي إلا لتربيته فأنا التي أبعد عنه كثيرا من العادات السيئة التي يمكنه أن يستمدها منك وممن حولك. ألم تعلمي أنك ترسلينه إلي جاهلا فأعلمه وحائرا مضطربا فأعمل على نشر الاستقرار في نفسه وإبعاد أنواع القلق عنه. إن البيت بلا مدرسة امتداد للجهل ومقر لاكتساب العادات السيئة.
قالت الأم : إنك تتجاهلني عمدا قيمتي وتنكريت عملي. ألست الحريصة على ألا يرسب ولدي في الامتحانات فأساعده وألا يهمل نصائح معلميه فأحضه عليها؟ أليس الطفل ابن بيئته؟ فتصوري أيتها المدرسة أن طفلا نشأ في أسرة مهملة هل يستفيد منك شيئا؟ أنك إذا علمته فينسى ما تعلمينه بمجرد رجوعه إلى البيت. فبفضل الأمهات المتعلمات يخرج الطفل من ظلمات الجهل إلى نور العلم، فهن اللائي يمهدن له سبيل النجاح داخل مجتمعه.
وهنا قالت المدرسة ساخرة: وهل كل الأمهات متعلمات! ألست أعوض للطفل ما يفقده في بيته وامنحه أحيانا ما يحتاج إليه من حنان وآزروه بما بلغ إليه العالم من رقي وأيسر له إطلاع على تجارب الناس.
ثم قالت أظن أن حوارنا سيكون سلبيا إذا استمر على هذا الشكل الأناني فخير لي ولك أن نحكم الطفل فيما جرى بيننا من حديث.
فما كان جواب الطفل إلا أن قال لهما :« إذا بينتما لي الجزء الذي يقطع من شقي المقص بينت لكما من يربيني منكما».
وجواب هذا الطفل في الحقيقة سام جدا لأنه يظهر فضل كل من المدرسة والأم على الطفل فلا تقتصر التربية من جانب دون جانب لأن كلا منهما له دور علمي في إعداد الطفل الصالح وهما معا لا يمثلان إلا جانبا من التربية والإعداد.
فالحياة كلها مدرسة والتوجيه لم يعد اليوم مقتصرا على ما يتلقاه الفرد من والده وأمه وإخواته أو من مدرسه أو مدرسته وإنما أصبحت كل المظاهر الحضارية لها دور فعال في توجيه الطفل وتوعيته وأخص بالذكر برامج الإذاعة والتلفزيون ومجلات الأطفال والهيئات الاجتماعية المتجلية في المجتمعات الأنانية.
إن كل ما تقدم له دور علمي في التوجيه بشرط الالتزام وعدم النفاق في القوال والأفعال وإن كان من الملاحظ أن دور الجمعيات أقوى لأنها تحتك بالأطفال في مختلف درجات نموهم وتستطيع أن ترتبط بين تربيتهم وبين أحدث النظريات في التوجيه وأن تخلق انسجاما بين الدراسات الفلسفية والنفسية وبين الأطفال كمادة حية قابلة للتفاهم مدركة للواجب عالمة بما لها وعليها.
ولكن هاته الجمعيات لا تفيد إلا إذا كانت هنالك حصانة كافية في تكوين أطرها علما وأخلاقا فإذا وقع خلل في ركن من هذين الركنين أصبحت خطرا على الطفل وتربيته ولهذا أرى أن الواجب الاجتماعي يحتم على كلمن له قدرة على مساعدة هؤلاء الجمعيات أن يفعل، بماله أو علمه أو نصائحه أو مشاركته بأي نوع من الأنواع التي يعود نفعها على الطفل والأسرة والمجتمع.
ودور هاته الجمعيات له تأثير كبير على خلق شخصية الطفل وعلى ربطه بالكيان الاجتماعي وعلى مساعدته بكل وسائلها العلمية والفنية والمادية.
هذا ومن الواجب على المربين ألا يربطوا دائما بين الاتجاه التعليمي والأخلاقي فقط دون أن يكون عندهم اهتمام خاص بالطفل ككائن حي يملك مكتسبات ذاتية يمكنها أن تساعد على توجيهه نحو طريق مرسومة ونحو خطة معلومة
وهذه القدرة على التكيف يملكها الطفل وتنسجم مع أهداف التربية المومنة بدور البيئة في التهذيب والتوجيه وهي العامل الفعال في إظهار شخصية الطفل في المجتمع فليست الشخصية تورث كما تورث بعض الجينات الخاصة بالتكوين الجسمي. وليس الطابع الأخلاقي أيضا مما يورث إلا في بعض الأحوال التي قد تكون لها اتصالات بأحوال الجسم والسلوك ومع ذلك فإن هاته الظواهر الأخلاقية قابلة للتعديل عن طريق البيئة.
فلولا البيئة لإستمر مفعولها ولتضخمت مفعولاتها ولأصبحا انحراف الخلقي نوعا من أنواع الموروثات الخطيرة التي قد تكون متصلة ببعض الأمراض الجسمية كالخلل في بعض الغدد المؤدي إلى أمراض نفسية وإلى مشاكسات متعددة وإلى اكتساب أنواع من الطباع لا يتغلب عليها أحيانا إلا بمساعدة البيئة الصالحة.
وبناء على ما تقدم يمكننا أن نقول مرة أخرى: «أن تهذيب الإطار البيئويهو الوسيلة العظمى إلى تهذيب الأطفال تهذيبا بينا».
وأنا أرى أن العناية بالبيئة يجب أن يراعى فيها ما يأتي :
أولا- الاهتمام العلمي المتصل بالاختصاصات في علم النفس وعلم الاجتماع لتكون عناصر التوجيه معتمدة على قوانين اجتماعية صالحة للتوجيه والمقارنة.
ثانيا- الاهتمام بالإحصاءات المتصلة بالأحداث الاجتماعية ليستطيع المربون تشخيصها ووضع ما يتلاءم معها في ميدان الإصلاح.
ثالثا- محاولة ربط البيئة في بلادنا بالتربية الدينية نظرا لما لها من جذور في طبائعنا وأخلاقنا وعاداتنا.
رابعا- عدم الاكتفاء بتصوير الحالات الاجتماعية المعيشية بل يجب ربطها بحالات اجتماعية أخرى لنكون بذلك مقارنات بيننا وبين غيرنا وعلى أساس هذه المقارنات يكون الاختيار في البحث عن الحلول.
أن الملاحظات السابقة ضرورية لخلق روح الاهتمام بالبيئة عند كل الذين لهم مسؤولية تربوية داخل المجتمع. وأعني بهم كل الذين يمكنهم أن يتصلوا بالطفل في واجهة من واجهات الحياة سواء أكانوا مربين رسميين أو كانوا مربيين تلقائيين.
وهذه الاهتمامات هي التي دفعت إلى خلق بعض الاتحادات التعاونية بين المدرسة والبيت في عدد من الدول الراقية ولقد ساهمت هاته الاتحادات في تحديد الروابط بين البيئتين وعملت على توزيع المسؤولية ليكون كل على خبرة بالطرف الآخر واستطاعت هاته الاتحادات أن تقوم بالأعمال التالية:
أولا- البحث عن أسباب فشل بعض التلاميذ في دراساتهم وهل يعود ذلك لأسباب عضوية أو أسباب نفسية مع العمل على تلافي تلك السباب.
ثانيا- التفكير في الوسائل الصالحة لإقرار اتجاه تربوي مفيد تحتاج إليه الدولة في بناء جهازها العام.
ثالثا- إبداء بعض المقترحات حول البرامج العامة مع الدعوة إلى جعلها منسجمة مع المعطيات المادية والإمكانيات الإقليمية.
رابعا- دراسة بعض الحالات الخاصة المتعلقة ببعض التلاميذ والمتصلة بسلوكهم وأخلاقهم ومحاولة ربطها بحياتهم داخل الأسرة.
خامسا- البحث عن الوسائل والإمكانيات التي يملكها الاتحاد لإنقاذ بعض الأطفال من الانحرافات الخارجية التي يكتسبونها من المجتمع أحيانا.
وقد أدت هاته الدراسات إلى إعانة الهيئات التربوية في إطارها الرسمي أو في إطارها الحر كما أدت إلى تبادل الخبرات ووضع الدراسات والأبحاث القيمة المتعلقة بالطفل في شتى مجالات حياته وأعانت على الملاحظة الدقيقة لسلوكه ومنحت الخبرة الكافية للآباء والمربين فجعلتهم يعتمدون في التربية على قواعد مدروسة وعلى خبرة ملاحظة وعلى أساس من العلم متين.
ونحن في بلاد المغرب نحتاج إلى هاته العناية ونضع مسؤوليتها على الواعين من الآباء والأساتذة 
وعلى الجمعيات التربوية والثقافية والاجتماعية وعلى المكلفين بالتعليم وبالشؤون الاجتماعية في بلادنا نظرا لمعرفتهم بقيمتها ولثقتهم في نتائجها.
وكم كان بودي أن تعمل هاته الاتحادات على دراسة أسباب الانحرافات قبل وقوعها وأن تكون حلقة الاتصال بين المدرسة والبيت من جهة وبينهما وبين كل الهيئات الاجتماعية من جهة أخرى. وبذلك تكون الاتصالات التربوية وسيلة للوقاية لا وسيلة للإنقاذ ويدخل هذا العمل في بنودها القانونية وفي أعمالها المحددة. ولعلها بذلك تخفف عبء الانحراف عن المجتمع وتخفف عبء العمل على المراكز الإصلاحية المعدة لإعادة التكوين التربوي وعلى المكلفين بالطفولة المحروسة.
وأنا أتذكر حينما كنت طفلا صغيرا أن مثل هاته الاتحادات كان صورة عملية في بلادي وان لم يكن يأخذ مثل هاته الأسماء.
فأطفال الحي كانوا مراقبين من قبل كل السكان وكانت السلطة المعنوية مخولة لمختلف الآباء لينوب بعضهم عن بعض في تأديب الطفل أو في إبداء النصيحة له أو في الاتصال بمعلمه ليخبره ببعض التصرفات التي يقوم بها داخل حيه وكنا نحس بأن المكلفين بتربيتنا لا ينحصرون في البيت أوفي المدرسة بل يشاركهم في ذلك من يجاوروننا من السكان. الشيء الذي جعل الرقابة الاجتماعية مهيمنة على توجيه الناس وتلك نعمة كبرى كانت تسود مجتمعنا وقد عشتها ردحا من الزمن وما زلت أحمل في نفسي كثيرا من الإجلال والتعظيم لأولئك الذين ساهموا في تربيتي وتوجيهي من سكان الحي وما زالت تربطني ببعض أطفال الحي الأقدمين علاقات أشبه ما تكون بعلاقة الأخ لأخيه لأنها تنبعث من شعورنا المشترك الذي كان يربطها بآبائنا وبتوجيهاتهم الصالحة بل أنني لحد الآن أرى جماعة منهم وفيهم الأدباء والعلماء والموظفون بالوظائف السامية إذا ما جمعتهم الصدفة مع والدي وهو يبلغ الثانية والثمانين من عمره يطأطئون رؤوسهم احتراما له لأنهم يرون فيه ماضيهم ويتذكرون فيه طفولتهم ويبرزون له الود الذي كانوا له يكنون.
أن نظرة تأملية في هذا الماضي لتدل على أن بلادنا كانت على خبرة بأن البيئة لها دور فعال في تربية الطفل تربية صالحة وأنها إذا استقامت تقمص استقامتها وغذا انحرفت فإنها تترك جذور الانحراف في نفسه وسلوكه.
وأن هذا الاعتبار كان له وزن في التقييم الاجتماعي بحيث كان أهل الحي إذا شعروا بأي انحراف أخلاقي في منزل من المنازل اشتكوا إلى المسئولين الذين يتدخلون عاجلا في أبعاد أسباب الانحراف.
وما أحوجنا نحن الآن إلى تجديد هذا الترابط وإلى بعث هذا التقارب بين الناس من أجل توجيه الطفل إلى معالم الفضيلة وإلى مكارم الأخلاق.
ولا يتصور تحقيق ذلك إلا إذا استطعنا أن نثور على ما فينا من انحرافات ذاتية وأن نتسق ما فينا من قصور أخلاقي ليتيسر لنا حينئد أن نفيد.
ومن هنا نضطر إلى إعادة الفكرة الأساسية التي أشرنا إليها في أول عرضنا، وهي التي تقرر بأن إصلاح البيئة يجب أن يكون سبيلا إلى إصلاح الطفل وأن كل محاولة للإصلاح إذا نسينا فيها أنفسنا فستكون عملية سلبية لا فائدة فيها.
وعلى أساس هذا الإصلاح ينبغي ربط العلاقة التعاونية بين البيت والمدرسة والمجتمع من أجل إنشاء مجال تربوي صالح يضمن للطفل سلوكا مستقيما واستقرار دائما ويمهد له حياة مطمئنة خالية من أسباب الشقاء مليئة بالحب والسعادة والرخاء.
                                                              

1) هذه المحاضرة ألقيت بفاس بمقر نادي العمل الاجتماعي المحلة بتاريخ 28 يونيه 1978 تحت إشراف المندوبية الإقليمية للشبيبة والرياضة بفاس وبمشاركة جمعية رعاية الطفولة والأسرة في المهرجان الذي خصص لحماية الطفولة تحت شعار الطفل والبيئة وقد أقيم هذا المهرجان في نطاق الاحتفالات بعيد الشباب المغربي الذي يخلد ذكرى عيد ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
2 ) هذا القول موجود في العدد السادس من سلسلة دراسات سيكولوجية الطبعة الثانية 1957 صفحة 56 وقد طبع المرة الأولى سنة 1951 واسم هذا الكتاب في هذه السلسلة اكتشاف ميول الأطفال تأليف فردريك كودر Frederic Kuder وبلاش بولسون BlanchePaulson ترجمة الدكتور محمد خليفة بركات مراجعة وتقديم الدكتور عبد العزيز القوصي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here