islamaumaroc

منهجية الإسلام في رعاية الطفولة.

  دعوة الحق

197 العدد

ما أجمل ان يتحدث الإنسان عن الطفولة ويستعرض رؤاها ومباهجها، ويتمثل طهارتها وبراءتها وما أروع أن يحتفل بعام الطفولة في عالم تتطلع فيه هذه الطفولة إلى ما يسعدها ويخفف عنها وطأة الحياة وقساوتها، ومهما يكن فهي فرصة متاحة لنا لاستعراض منهجية الإسلام المثالية في رعايته للطفولة وحمايتها. تلك المنهجية القائمة على أساس من التكافل الاجتماعي، والتي تعتبر الطفل الخلية الأولى التي لا تحقق سلامة المجتمع إلا بسلامتها ...
ومن مبادرات الإسلام الرائعة انه خطط للطفولة ومهد لها واعد لاستقبالها كل الظروف الملائمة والمناخ الصالح وهي ما تزال في مكنون الغيب لم تشق بعد طرقها في الحياة فالح على المسلم وأهاب به إلى التزام سنته في التزاوج لحفظ النوع الإنساني، وتوجيه الغريزة إلى ما فيه سلامة للفرد وبناء المجتمع وتكثير لسواد الأمة- وبلغ به الحرص على تحقيق هذا المبدأ إلى حد المرونة والتساهل لا يوجد في تشريع، فلا شيء يمكن أن يعطل بناء أسرة في المجتمع الإسلامي، ويمنع قيامها ولو كان الفقر، إذ يكفي في الإسلام لعقد زواج أن يصدق الرجل زوجته أي شيء، وأن يتزوجها ولو بما معه من القرآن، المهم أن يتحمل في المجتمع رسالته كإنسان يبينه بكل ما يملك من جهد وعطاء، والمهم أن يسهم في تقويته وإمداده بما يمنحه القوة والاستمرار ويمضي الإسلام خطوة أخرى في مجال الإعداد لطفولة سليمة وسعيدة فيقرر أن المال والجمال مما لا يصح اعتماده في اختيار شريكة الحياة لأنهما عرضة للزوال وأن القيم الروحية في المرأة هي التي يجب أن تستهدفها لاختيار الزوجة الصالحة التي ستنجب الأطفال الصالحين ولأمر ما فضل الرجل العربي أن يكون الجمال في المرأة إلى حد من الاعتدال لا يفسدها ولا يطمع فيها، ردد ذلك شاعرهم فقال :
ولن ترى العيــن مرعى مخصبــا أبدا
                 إلا رأيت بــه آثــــار منتجــع
ويظهر هدف الإسلام من التزاوج واضح في تفضيله المرأة الشوهاء الولود على الحسناء العقيم فهو يبارك كل زواج مثمر ويرحب بكل وليد يدعم بنيه المجتمع الإسلامي ويضيف إليه دما جديدا وفكرا جديدا، ويكره العقم حتى ولو كان محفوفا بهالات من الحسن والجمال.
ومن اجل طفولة تقر بها العيون وتسعد بها الأسرة والمجتمع نبه المعلم الأكبر صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة انتقاء التربة الصالحة التي تنبث البذرة الصالحة والأصول الكريمة التي تطلع الثمار الكريمة فقال في كلمته المأثورة :
«تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن، فحرصا من الإسلام على إنجاب الطفل القوي البنية والسليم التكوين ورغبة منه في توفير أسباب الحب والسعادة في البيوت والأسر دعا الرجل إلى أن يتخير لنطفته من تصلح لاستقبالها وأن لا ينساق في ذلك مع عاطفته ورغباته وأن يسمع في اختياره إلى صوت العقل وليس إلى صوت القلب».
وكرر هذا النداء في حديث آخر مؤكدا ضرورة تحكيم العقل في الاختيار فقال : «إياكم وخضراء الدقن، قالوا يا رسول الله وما خضراء الدقن؟ قال المرأة الحسناء في متيت السوء.
ومن مثالية الإسلام في تخطيطه لطفولته مثالية من نبه إليه رسول الإسلام من وجوب الابتعاد عن التزوج بالقريبات فمن يجمعهن بالزوج دم أو نسب، حثا عن مزايا وصفات وافدة، وتلقحا لدم الأسرة بدماء قد تستطيع بتفاعلها أن تنشئ صورا شابة وقوية لان بقاء صفات الأسرة الواحدة منحصرة داخل إطارها الوراثي يكسبها الضوى والضمور ولا تتولد عنها إلا صور كاسفة باهتة، وقد جاء العلم الحديث فأكد صحة نظرية الإسلام الواردة على لسانه صلى الله عليه وسلم في قوله : «اغتربوا لا تضووا».
وهكذا يرعى الإسلام الطفولة وهي ما تزال نطفة لم تخلق فيهيئ لها التربة الصالحة والأرضية السليمة ثم يواكبها في جميع أطوار حياتها ومراحل تكونها ويقف دائما من ورائها داعيا إلى رعايتها وتوفير كل أسباب السعادة لها.
فابتداء من صرفة الطفولة الأولى تظهر عناية الإسلام في صورة فريدة من نوعها، إذ يقترح على الأبوين أن يختارا لمولودهما أحسن الأسماء وأرقها ويعتبر ذلك أول حق من حقوق البنوة التي لا ينبغي التفريط فيها .. ومن المأثور في ذلك عن نبي الإسلام قوله : تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وسهام وأقبحها حرب ومرة.
وقوله بادروا أولادكم بالكنى قبل أن تغلب عليهم الألقاب.
ون تعاليمه صلى الله عليه وسلم قوله: حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأن يزوجه إذا أدرك وأن يعلمه الكتاب، وهكذا يكون اختيار الإسم الجميل للطفل الوليد أحسن هدية يقدمها له أبواه في سجل حالته المدنية.
وحرصا من الإسلام في توفير الرعاية الصحية الكافية للطفولة الناشئة في أكنافه حث الوالدات على أن يتولين إرضاع أطفالهن لما في لبن من عناصر التغذية الكافية ولإشباعهم بفيض من الحب والحنان لا يعوض بغذاء آخر، وهو نفس ما وصل إليه العلم وأكدته التجارب. وانطلاقا من قوله تعالى : «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة». والخير الوارد في الآية معناه الأمر لأن الإرضاع حق من حقوق المولود علة والدته المطيقة وحرمانها له من هذا الحق إساءة للطفل وإهدار لأول حق من حقوقه- وقد أدرك الإسلام جسامة المسؤولية التي يتحملها الأبوان لتنشئة ابنهما التنشئة المثالية التي ينشدها للطفولة المسلمة، والمجهود العظيم الذي يبذلانه من عرقهما وكدهما لضمان العيش الكريم لفلذات أكبادهما، من اجل كل ذلك اعتبر السعي والإنفاق على الطفل نوعا من أنواع الجهاد، ووعد عليه بالأجر والنواب الكبير ليضاعف الأبوان من رعايتهما، ولتحملا أتعاب هذه الرعاية بقلب عامر بالإيمان واثق بوعود الله الذي لا يخلف الميعاد. فتربية الطفل في المنظور الإسلامي عبادة يتعبد بها وقبة من القرب التي يتقرب بها وشفاعة للمومن قد يتشفع بها- وفي هذا الاتجاه نررد قول الرسول صلى لله علليه الصلاة وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع أعماله إلا من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدعو لع، أو علم يبته في صدور الرجال. وقوله عليه السلام ايما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كن لها حجابا من النار ... ايما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ! ... بيت لا صبيان فيه لا بركة فيه .. وفي المقابل يعتبر إهمال تربية الطفل وتعريضه للضياع والتشرد جريمة في حقه وحق المجتمع وعصيانا لأوامر الله،. فعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أكبر الإثم عند الله أن يضيع الرجل من يقوت، وليس أسوأ ولا أبلغ في الإضاعةة من أن يحرم الوالدان ولدهما من نور العلم وأن ينشيأه في أحضان الأمية والجهالة. 
من خلال هذه التعليم النبوية ندرك مدى ما يعيره الإسلام من عناية للطفولة وكيف يرفعها إلى مستوى العبادة ويعطي عليها من الثواب ما يعطيه العابد في محرابه، ويرتفع هذا الجزاء كلما كان الطفل محروما في الحياة من عطف الأبوين وحنانهما، فرعاية اليتيم وكفالته خير ما يتقرب به إلى الله في المجتمع الإسلامي. ولا ثواب عليها من الله إلا الجنة – أنا وكافل اليتيم في الجنة- خير البيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر البيوت بيت فيه يتيم يساء إليه.
وتتجلى المثالية في أسمى مظاهرها في الحياة الشخصية للرسول الذي كان المثل الأعلى في سمو عاطفته وقلبه الكبير كأب وجد، فقد جزع أشد الجزع على ابنه إبراهيم وأرسل لدموع عينيه العنان. وقال كلمته المأثورة : العين تدمع والقلب  يخشع ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وكان للحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة مكان رأى مكان في قلب الرسول عوض به من حبه لابنه الفقيد، قال له رجل وقد رآه يقبلهما نحن قوم لا نقبل أطفالنا، فقال له الرسول : وماذا أقول لك إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك ! وكان يرى ساجدا وهما يركبان ظهره الشريف فلا ينحيهما ولا ينتهرهما.
وتتلاحق صور هذه المثالية التي حققها الإسلام في مجال الطفولة ورعايتها، فيحمي مال الطفل كما يحمي صحته وحياته ويحرم استغلال ضعفه لابتزاز ماله والتصرف فيه بوجه غير مشروع، وتوعد آكلي أموال اليتامى ظلما بعذاب السعير. وأمر بدفع أموالهم ورفع الحجر عنهم متى بلغوا سن الرشد وأصبحوا قادرين على التصرف .. « وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم» الآية .. «ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما» .. وليس من المثالية في شيء أن يضطلع الآباء بكل هذه الأعباء وأن يتجشموا كل هذه الصعاب لأداء رسالتهم في صبر واحتمال من غير أن يطالب الإسلام أبناءهم برد الجميل ومكافأة من أعطاهم من حياته وجهده الكثير. فقد أكد الإسلام حق الأبوة المقدسة بطرق وأساليب ليس مثلها شيء في البلاغة والوضوح، واعتبر العقوق من الكبائر الموبقات التي لا نجاة فيها من عذاب الله، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وأسقط الجهاد على من له أبوان في الحياة فقال ابنيهما الراغب في الجهاد : فيهما نجاهد. بهذا الحب  المتبادل بين الآباء والأبناء تتحقق المثالية التي ينشدها الإسلام للطفولة وتبرز الرعاية التي خطط لها وهي ما تزال لم تر النور على ظهر الحياة.
ويدرك الإسلام تمام الإدراك عجز الكثير من الناس  عن تحمل رسالتهم نحو الطفولة لأسباب قد تكون خارجة عن أرادتهم ولظروف اجتماعية تحول دون تحقيق ما يريدون بهذه الطفولة من سعادة، فيومئ ايماءة خفيفة إلا وجود الاحتكام إلا العقل وحسن التصرف بضبط النسل والتحكم في النفس انسياقا مع طبيعة الظروف ومستوى العيش حتى لا يعجز عن حمل أعباء الأبوة المرهقة فتسوء أوضاعه وتنهار حياته، ففي الصحيح المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم : خيركم في المائتين كل خفيف الحاد ( الظهر) الذي لا أهل له ولا ولد، وكان المتنبي نظرا إلى هذا الحديث حين قال :
وما الدهــر أهل أن تـؤمل عنـده
            حياة، وأن يشتـــاق فيـه إلى نســل !
ويوضح هذا التوجيه النبوي سلامة النظرة الإسلامية للطفولة وصحة مقاييسها التي لا تعتمد على الكم والغثائية ولكنها تعتمد في الأساس على سلامة بنيتها ومدى فعاليتها وايجابيتها ويأتي المجتمع ليكون آخر حلقة في منهجية الإسلام لرعاية الطفولة فيضطلع بنفس الدور الذي يضطلع به كافل الطفل عند انعدام هذا الأخير فيمنحه التربية والغذاء والعلاج ويحميه من التشرد والضياع ويرعاه حتى يصبح خلية من خلايا المجتمع البناءة.
وبعد، فإن منهجية الإسلام كما يبدون من خلال هذا الاستعراض تعتبر نموذجا حيا رائعا ليس وليد بيئة أو مجتمعه ولا تجربة مؤسسة أو منظمة ولكنه تعليم من الله وتنزيل من لدن حكيم عليم. الذي كرم الإنسان واختاره لخلافته في الأرض. فكيف لا يحيط برعايته وتدبيره هذا الكائن الصغير الذي كتب عليه أن يتحمل الامانة التي أبت أن تتحملها الأرض والسماوات ؟ وكيف يأخذ بيده وهو أحوج ما يكون إلى يد تسنده وعين ترعاه ؟ وكيف يهمله أو يتخلى عنه وهو رب العالمين ؟.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here