islamaumaroc

قصة للصغار والكبار "منصور والقرصان"

  دعوة الحق

197 العدد

جلس منصور تحت شجرة يرعى أغنامه السبعة، ويقتل الشريط. كان ينظر إلى الأغنام مرة، وإلى البحر أخرى.
وسمع صوت المحرك فنظر إلى البحر. فإذا بمركب يقترب من الشاطئ، فوضع ما كان بيده، وجرى نحو المركب لينظر إليه.
لم يكن رأى من قبل مركبا من قريب، وتوقف المحرك ورأى منصور مخطافا كبيرا مربوطا بسلسلة ينزل في الماء من جانب المركب.
ونزل من المركب رجال أشداء إلى زورق كان مربوطا خلفه بحبل، وأخرجوا المجاذيف وجذفوا نحو الشاطئ، ومنصور واقف ينظر إليهم مبهورا ومسرورا.
وقفز رئيسهم من الزورق، وكان رجلا ضخما، ذا لحية سوداء كثيفة، ورأس حليق يلبس قميصا مفتوحا من الصدر، وسروالا من القلع الأزرق.
وخاف منصور حين نظر إليه الرجل. كان الثر باديا على وجهه.
وسأله الرجل بصوت آمر :
- مـا ذا تفعل هنا يا غلام ؟
فأجـاب منصـور :
- أرعـى أغنـامي، يا سيدي.
ونظر الرجل إلى الأغنام، وابتسم ابتسامة لم تعجب منصور، وعاد يسأل :
- ما اسم تلك القرية ؟
- (الدمينــــة ).
 فنظر الرجل إلى منصور، وأشار إلى أصحابه :
- أنا، وأصحابي تجار غنم. فهل عندكم أغنام في قريتكم هذه (المدينة) . .
فقاطعه منصور مصححا :
- (الدمينـــة )، يا سيدي.
فحك الرجل رأسه، وكرر :
- نعم . . (الدمينــة ) . . هل عندكم أغنام للبيه ؟
- لا أدري يا سيدي . . أغلب أهل القرية في سوق المدينة . .
فظهر الفرح على وجه الرجل . . ولكنه حاول إخفاءه بقوله :
- يا للأسف ! وأغنامك هذه ؟ اتبعها ؟
- لا يا سيدي، سنبيعها في العيد.
فابتسم الرجل مرة اخرى وقال :
- أمسك بحبل الزورق حتى لا يجرفه البحر، وانتظرنا هنا.
وأشار إلى أصحابه فتبعوه نحو القرية.
ووقف منصور يتأمل المركب الكبير فرأى في مؤخرته مروحة حديدية كبيرة. وتساءل ماذا تفعل المروحة، هناك داخل الماء.
وفجأة سمع صوت البارود، وصراخ النساء، فالتفت نحو القرية، فإذا البحارة يقودون أمامهم عددا كبيرا من أغنام القرية نحو الشاطئ.
فأدرك منصور أنهم ليسوا تجار أغنام، بل قراصنة ولصوص !
وأسرع نحو أغنامه ليبعدها عن طريقهم واكنة وصل متأخرا. كانوا قد جرفوها أمامهم مع بقية القطيع الكبير . .
واعتراض منصور الأغنام محاولا الإمساك بقرون بعض كباشه، ولكن أحد القراصنة قبض عليه من رقبته، وطرحه أرضا، وصوب مسدسه نحوه مهددا :
- إذا حاولت ذلك مرة أخرى أفرغت هذا فيرأسك !
وجلس منصور ينظر إلى القراصنة وهم يضعون الأغنام في الزورق، ويحملونها إلى المركب، حتى شحنوها كلها، وأطلقوا المحرك، وانطلقوا يشقون عباب البحر.
وقف نساء القرية على الشاطئ يبكين، ويندبن، ويدعين على القراصنة بالفرق والموت.
وعاد من كان في السوق من رجال القرية ونسائها. وحين عرفوا بخير السرقة ذهب بعضهم لأخبار مركز الدرك، والتف الباقون حول منصور ليحكي لهم عن نزول القراصنة.
وجاء رجال الدرك فسمعوا القصة مرة أخرى، وكتبوا المحضر. وسأل قائدهم منصورا :
- هل يمكنك التعرف على القراصنة إذا رأيتهم ؟ فأجاب منصور :
- بكل تأكيد !
وبات منصور تلك الليلة يبكي من القهر والغضب. فقد
 كانت الأغنام هي مصدر حياتهما الوحيد، هو وأمه.
وجلست والله إلى جانبه تهون عليه، رغم حزنها هي الأخرى، وتقول له :
- لا تبك، يا ولدي . . الحمد لله على أن تركوك لي حيا . . أما الأغنام فسوف يعوضها لنا الله. وقد يقبض عليهم الدرك قريبا.
وفي الغد، ودع أمه، ونزل إلى المدينة ليبحث عن عمل.
وتسكع بين الشوارع، والأزقة، والدكاكين، ثلاثة أيام لا يتجرأ أن يسأل أحدا عن عمل. وكان ينام في المراكب القديمة المهجورة على الشاطئ، أو في بيت المحامل بالمقبرة . .
وحين نفد ما كانت أمه وضعته في قفته من خبز، تبن مجفف، وزيتون، اضطر إلى العودة إلى قريته (الدمينـة)، بقلب حزين.
وصادف وقت روجعه، لحسن حظه، خروج طائفة من البنات والغلمان من إحدى المزارع، فاختلط بهم. ووجد من بينهم من يعرفهم ويعرفونه.
وحين عرفوا أنه كان يبحث عن عمل اقترحوا عليه الانضمام إليهم. فصاحب المزرعة في حاجة إلى يد عاملة إضافية.
وفعلا، أصبح عاملا بمزرعة الشمندر الشاشعة الأطراف. وأصبح يتقاضى ستة دراهم أجرة يومية على عمله.
وعند نهاية الموسم، كان قد توفر لمنصور من عمله، ولأمه من عملها هي الأخرى، ما استطاعا به شراء خرفان صغيرة
  
وجاء أحد أقربائه من الخارج، فأعطاه مبلغا من المال لشراء نعاج أخرى يشتركان فيها مناصفة.
وأصبح منصور مسؤولا على قطيع أكبر من قطيعه الأول. فكان ينزل به كل فجر إلى الغدير الغزير الكلا قرب الشاطئ، ويعود بعد كل مساء لإلى الدار.
وكفت أمه عن العمل مع الناس. وتفرغت لمخض الحليب، وصنع الجبن، والزبدة وبيعها في الأسواق.
وتحسنت حالهما كما تحسنت حال جميع أهل القرية، بعد أن عوضوا ما أخذه منهم القراصنة. ونسوا جميعا ذلك اليوم المشئوم.
ولكن منصورا لم ينس الأيام الثلاثة التي قضاها متسكعا في المدينة، ينام في المراكب المهجورة على الرمل، وبين المحامل في المقبرة. وما كان يعانيه من رعب بالليل. فقرر أن يحتاط أكثر هذه المرة. وخصوصا أيام السوق، حين تخلو القرية.
وفي صباح أحد أيام السوق فعلا بينما منصور يفتل الشريط، ويرعى أغنامه قرب غديره المعشب، إذ لمح شيئا يتحرك على الماء. وحين دفع بصره رأى مركبا كبيرا يقترب بشراعه المنتفخ بسرعة مزعجة نحو الشاطئ، وقد أسكت محركه . .
فوئب إلى قدميه، وأخذ يهش على غنمه بعصاه، حتى أدخلها غابة من القصب والعليق بعيدة عن الطريق القراصنة إلى القرية.
في وسط تلك الغابة كان قد صنع زربية، وجعل لها بابا من القصب.
وحين استقرت الأغنام بها ، وقف هو يراقب حركات القراصنة وهم ينزلون القلوع ويهبطون من المركب الكبير إلى الزورق. ثم يجدفون إلى الشاطئ، ويخرجون القارب إلى الرمل . .
ورأى كبيرهم الأصلع صاحب اللحية الكثيفة، يتقدمهم ، ويستعجلهم للصعود إلى القرية . ودق قلب منصور حين وقف القرصان الكبير ينظر إلى آثار مرور أغنامه على الأرض . . وأنحى ، فالتقط بعض الروث ، ونظر في اتجاه غابة القصب. ثم وقف ، ورمى الروث، وأشار إلى أصحابه ليتبعوه في اتجاه القرية . .
وتنفس الصعداء، حين لم يقصده القرصان . ورفع رأسه قليلا، ليراقبهم وهم  يصعدون المنحدر نحو القرية المسكينة كذئاب بشرية جائعة.
ونظر إلى المركب الكبير بإمعان فلم ير فيه أحد. وخلع ملابسه وتحزم بشريط، وعلق به سلكا كان يحتفظ به في الزريبة. ونزل إلى الغدير الذي كان يصب في البحر ، فعام به حتى وصل الموج وغطس. ودار ليخرج خلف القارب الذي خرج منه القراصنة، وتركوه نصفه في الماء، ونصفه على الرمل.
وأطل بداخله، ومد يديه فأخرج المجداف الأول ، ثم الثاني، وجرهما خلفه وزحف بهما على يديه وركبتيه وسط الغدير حتى لا يترك أثرا.
ثم حملهما إلى بئر عميقة فرماهما بداخلها، فانغرسا في الطين الناعم بقعرها.
وعاد إلى البحر زاحفا حتى وصل الموج ، وأخذ يسبح تحت الماء، لا يخرج رأسه ألا ليتنفس ثم يعود إلى الغطس.
ومن تحت الماء نظر إلى بطن المركب الكبير كحوت ضخم معلق في الهواء. ودار حوله حتى وصل المروحة الحديدية، وأخذ السلك من حزامه فعلقه عليها. ثم ربط الشريط بالإطار الذي تدور بداخله المروحة، واستنشق نفسا عميقا، وغطس إلى القعر.
وهناك بحث عن حجر صلب، وربطه بطرف الشريط، وصعد بسرعة إلى السطح الماء وقد ضاقت أنفاسه. وأطلع الحجر بالشريط حتى أمسك به. فوضعه على إطار الرقاص ( المروحة) وأدخله بين شفرتيه، وشدة إلى الإطار والمروحة بالسلك شدا وثيقا، بحيث يستحيل على المروحة أن تدور دون أن ينكسر ريشها . . .
وبينما هو يستريح، استعدادا لرحلة العودة إلى الشاطئ، ممكنا بسلم الخشب المدلى على جانب المركب، إذ أحس كأن أحدا يراقبه . . وحين رفع عينيه، رأى وجها غارقا في لحية سوداء، وعينين يتطاير منهما الشرر :
- ماذا تفعل هناك ؟!
 صاح الرجل كالرعد !
- لا شيء يا سيدي . . . كنت أعوم فقط . .
- ابتعد من هنا و إلا أطعمت لحمك للحيتان !
- حاضر يا سيدي حالا !
- وأبعد منصور، وقد زاد سروره، وقد زاد سروره بما فعل.
   وعلى الشاطئ سمع طلقات البارود، وأصوات النساء والأطفال، ورغاء الشياه، وثغاء الماعز، والقراصنة يسوقونها أمامهم، وهو يتضاحكون.
  و ابتعد عن طريقهم، واختفى بين القصب حتى خرج في مرج قريب ترعى به فرس اعتاد منصور ركوبها . .
وحين رأته رفعت أذنيها وجاءت نحوه. فصعد على ظهرها بقفزة واحدة، وصاح فيها : «ري! ري!» وصهلت الفرس، وانطلقت تركض كسهم يخترق الهواء.
ولمحه أحد القراصنة فصوب مسدسه نحوه  . وأخذ يطلق عليه الرصاص. والتصق منصور بظهر الفرس حتى أصبح طرفا منها . .
ومن سفح التل المؤدى إلى الطريق العام، حيث يوجد مركز الدرك، رأى منصور رئيس القراصنة يتوجه نحو زريبته بين القصب، فيفتحها ، ويخرج الشياه ، فزاد ذلك حقدا عليهم ، ورغبة في الانتقام.
وعلى الشاطئ، شحن اللصوص خمسة أكباش في القارب. وحين بحثوا عن المجذافين لم يجدوهما.
وأخذ رئيسهم الشرس يصيح فيهم، ويركلهم، صارخا :
- أبحثوا عن المجاذيف ! أين وضعتموها، أيها الكلاب ! ؟
وانتشروا يبحثون بين الأعشاب، ووسط القصب، وكبيرهم يحاول جمع الأغنام التي بدأت تتفرق..
واجتمع عليه كلاب القرية ينبحون، وهو يطلق عليهم النار ليبعدهم عنه، فلا يزدادون إلا غضبا وشراسة..
وأخيرا صاح بهم ليرجعوا. وحين اجتمعوا حوله، قال لهم :
- سننقل الأغنام إلى المركب بدون مجاديف.
فسألوا جميعا باستغراب :
- ولكن كيــف ؟
-سنجره بالحبل بين المركب والبر.
وفعلا عام أحد القراصنة بطرف الحبل إلى المركب، ومن هناك أخذ بحر القارب المشحون بالأغنام، هو وزميله الميكانيكي، فيفرغانه، ثم يجذبه الآخرون من الشاطئ بحبل آخر فيملأونه بالحيوانات . . وهكذا حتى شحنوا آخر خروف.
ووقف نساء القرية، وصبيانها، وعجائزها يتفرجون في حزن على القراصنة، من بعيد، وهم يركبون القارب، ويتضاحكون، ويلوحون إليهم صائحين :
- إلى السنة القادمة ! علفوا أغنامهم جيدا ! وتضاحكوا، والقارب يبتعد عن الشاطئ . .
وفي المركب صاح رئيسهم بالميكانيكي :
- أدر المحرك  !
فأجاب الميكانيكي :
- حــاضر !
ودخل غرفة القيادة. وما أن أدار المفتاح في المحرك حتى سمع صوتا غريبا كصوت انفجار سكت المحرك على إثره.
وعاد يدير المفتاح لإشعاله، مرة أخرى، بدون جدوى.
وسمع الرئيس ذلك فجأة :
- ماذا حــدث ؟
- لا أدري . . المحرك لا يريد أن يدور.
فاستشاط القرصان الفظ غضبا، وضرب الميكانيكي بكلمة قوية على وجهه، صارخا فيه :
- مــاذا تقــول ؟ !
وأمسك بتلابيبه، وأخذ يهزه بعنف قائلا :
- أصلح ذلك المحرك حالا، وإلا ملأت رأسك رصاصا !
ووضع فوهة مسدسه في فم الميكانيكي الخائف !
وهنا سمع طلقة مدفع قوية من بعيد، وجاء أحد اللصوص مسرعا إلى رئيسه :
- سيـــدي انظــر . .
وخرج القرصان الكبير من غرفة القيادة، ونظر فإذا خافرة شواطئ ضخفة تشق البحر نحوهم.
وحين اقتربت منهم أخرج قائد الحرس بوقا ووجه الكلام إلى القراصنة :
- مدافعنا موجهة نحوكم ! أرموا بأسلحتكم في البحر، وأرفعوا أيديكم ! ورمى القراصنة بأسلحتكم، ورفعوا أيديهم. ولكن رئيسهم ركز المسدس في حزامه، وقفز إلى الماء وأخذ يسبح بسرعة نحو الشاطئ.
وما كاد يلمس الرمل حتى لمس أحذية الدرك الكبيرة. وهم ينتظرونه على الشاطئ.
وأخرج القراصنة الأغنام من المركب إلى الشاطئ، بنفس الطريقة التي شحنوها بها.
ووضع الدرك السلاسل في أيديهم، وقادوهم إلى المركز، يتبعهم النساء يزغدن تثفيا وفرحا.
ورجمهم الأطفال بالحجارة، وغرزوا فيهم الأشواك والقصب، في غفلة من رجال الدرك . . .
وأجتمع أهل القرية أمام مركز الدرك، فخرج القائد وأخبرهم بأن مركب القراصنة سيباع، وستدفع لهم من ثمنه تعويضات على ما سرق منهم في العام الماضي. وسيعطى ما تبقى جائزة لمنصور الذي لولا ذكاؤه، وخياله، وشجاعته، لما قبض الدرك على هؤلاء القراصنة الذين دخلوا الشواطئ.
وأقام أهل القرية حفلة لمنصور. وتنازل له كل واحد عن كبش و معزى هدية وتقدير لشجاعته.
ووصل الخبر إلى عامل الإقليم، فبعث في طلبه، وهنأه على عمله الجريء، وسأله ماذا يريد أن يكون، فأجابه منصور :
- أريد أن أكون دركيا، أو حارس شواطئ لأخدم بلادي . .
وهكذا دخل منصور مدرسة خفر السواحل، وأصبح قائد خافرة سريعة تحمي شواطئ الوطن.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here