islamaumaroc

لنرفع الظلم عن هؤلاء الأطفال

  دعوة الحق

197 العدد

ليس من الممكن أن يتحدث الباحث الاجتماعي عن مشاكل الطفولة المغربية في مقال واحد، إنها تملأ آلاف الصفحات، ألا إن أعظم مآسي الطفولة على الإطلاق، يتمثل في اقتياد الأحداث إلى السجون كمجرمين، والحكم عليهم بأحكام تتراوح بين أقل من شهر حبسا، وبين السجن المؤبد !، حسبما جاء في تقرير مندوب إدارة السجون، في ندون رعاية الطفولة والشباب، والتي انعقدت بالرباط أيام 20- 22 أبريل 1977 (1)
وبينما عدد المجرمين الكبار يرتفع سنويا بنسبة 10 % أي أنه يفوق نسبة نمو السكان بأكثر من 3 مرات، فإن عدد المنحرفين الصغار يزداد بنسبة 14 % .كان عددهم سنة 1960 يبلغ 2.047، وارتفع سنة 1973 إلى 8،476 ، وهذا يعني أن عددهم تضاعف خلال 14 عاما أكثر من أربع مرات، وهي زيادة تفوق بأكثر من أربعة أضعاف نسبة الزيادة السنوية للسكان.
وإذا كان عدد الأحداث المنحرفين والمتشردين المقبوض عليهم أو المحكوم عليهم بالسجن سنة 1972 قد بلغ 19.000 فتى وفتاة، فمن المعروف في كافة الإحصاءات الاجتماعية أن الذين يقعون في قبضة العدالة لا يمثلون إلا خمس العدد الحقيقي، وبناء على ذلك فغن التقدير العلمي لعدد المنحرفين السنوي في المغرب يصل إلى 95.000 حدث، حسب إحصاءات السنة المذكورة (2)

محاكم وقوانين خاصة بالأحداث، يساقون بعدها للسجون !
لقد كان الهدف الأساسي والعلمي من إنشاء محاكم للأحداث، وقوانين خاصة بهم يحاكمون بمقتضاها، يرمي لإصلاحهم وإعادة تربيتهم، ووقايتهم من دخول السجن كمجرمين، لأنهم شرعيا وقانونيا قاصرون لم يبلغوا سن الرشد الجنائي، وتأديبهم مهما عظمت الجريمة، يقوم طبق الأسس العلمية، والأساليب الحديثة النفسية- الاجتماعية، في التقويم وإعادة التربية، ولذلك كانت محاكمهم تختلف شكلا وأسلوبا وإجراءات عن محاكم الكبار، وقوانينهم وضعت عناية على هذا الأساس، وتعتمد في أحكامها التربوية على الأبحاث الاجتماعية التي يقوم بها المتخصصون الاجتماعيون عن تاريخ الطفل الاجتماعي، ووسطه العائلي، لمعرفة أسباب وعوامل انحرافه، قبل الحكم بإقامته في أحد مراكز الملاحظة وإعادة التربية، أو تحت نظام الحرية المحروسة أو غيرها.
بيد أن ما يحدث عندنا يتعارض مع هذه الأهداف، إذ أول شيء يواجهه الطفل الذي يلقى عليه القبض في حالة سلوك منحرف- وبعد إقامته في مراكز الشرطة لأيام طويلة قصد التحقيق- هو نقله إلى السجن في انتظار محاكمتهـ وهو انتظار قد يطول عدة أشهر، وقد تنتهي المحاكمة ببراءة الطفل، لكن بعد أن تكون معنوياته وسمعته قد تحطمتا لأنه عرف السجن فعلا، وعايش المجرمين فيه.

سن الرشد الجنائي عقدة المشكلة :
بدأت المشكلة في عهد الحماية الفرنسية عندما وضعت حكومتها العنصرية قانونين لتحديد سن الرشد الجنائي، أحدهما يتعلق بالأطفال الفرنسيين والأوربيين عامة، ويحدد هذه السن بثمانية عشر عاما، والآخر خاص بالأطفال المغاربة ويحددها بثلاثة عشر عاما، فإذا تجاوزها بيوم وأحد اعتبر راشدا كامل المسؤولية، وحوكم على أقل جنحة بقانون الكبار !!!.
وبعد استقلال المغرب وقعت مراجعة هذا التشريع المنصري الظالم في «قانون المسطرة الجنائية» الجديد، ولكن المشرع المغربي، الذي لا يزال يعاني من عقد النقص، ومن تأثير الغزو الفكري الاستعماري، لم يجرؤ أن يرفع سن الرشد للطفل المغربي إلى 18 عاما مثل غيره من أطفال العالم الحر، مع أن هذه السن هي أدنى حد في التشريعات المعمول بها عالميا اليوم، بل هي السن المقررة في الفقه الإسلامي حسب الرأي المشهور في مذهب مالك، ومذهب أبي حنيفة، ومن العلماء من رفعها إلى 19 سنة، ورغم ذلك فقد حددها المشرع ب 16 عاما، ولما شعر بوخز الضمير، عاد ليعطي للمحكمة حق الحكم على الأحداث الذين هم بين 16 و 18 سنة بقانون الأحداث شريطة تعليل هذا الحكم.
وفضلا عن ذلك فإن المشرعين المعاصرين في مختلف الدول، بدؤوا يعيدون النظر في مفهوم سن الرشد، نظرا لقصور الملاحظ عند شبان اليوم، في قدرتهم على استيعاب مفاهيم الحضارة المعقدة والمتناقضة التي نعيشها، التي تتداخل تتعارض فيها القيم والثقافات والحاجات تداخلا كبيرا، لم تعد معه سن 18 عاما تكفي لحصول مفهوم الرشد القانوني القديم، ولذلك أصبح التمييز التقليدي بين القاصرين والراشدين نحل جدل ونقاش كبيرين، لصالح رفع هذه السن إلى سن 21 عاما أو أكثر.

11.300 طفل يدخلون السجون سنويا ! :
وهكذا، وبسبب تحديد سن الرشد الجنائي بـ 16 عاما، لأن قضاة الأحداث عندنا، مع الأسف، هم أحداث القضاة وأقلهم خبرة، وليس لهم تكوين اجتماعي يؤهلهم لفهم الطفل، ومعرفة أساليب علاجه، وأنه قبل الثامنة عشر من عمره لا يزال ناقص المسؤولية الجنائية ولو ارتكب جريمة قتل، وإن التشريع الإسلامي، والقانون الدولي، والعلوم الاجتماعية، تتفق كلها على أن جزاء هذا الطفل المنحرف لا يتمثل في العقوبة الرادعة، بل في الإصلاح، وإعادة التربية، وإعادة الاعتبار، طبق الأساليب الاجتماعية الحديثة، لذلك فإن قضاة الأحداث فلما يستعملون الحق الذي منحهم إياه المشرع، بالحكم على فئة الأحداث الذين هم بين 16 و 18 عاما حسب قانون الأحداث، وتحويلهم إلى مؤسسات إعادة التربية.
وهكذا اشترك المشرع المغربي مع قضاة الأحداث، منذ عشرين عاما، في سوق عشرات الآلاف من الفتيان والفتيات إلى السجون وتحطيم مستقبلهم، وتعذيب عائلاتهم، ورغم أنني اكتشفت هذه المأساة منذ سنوات طويلة، وشرحتها بتفصيل في كتابي «ظاهرة انحراف الأحداث» حيث شاهدت مآسي الطفولة المغربية في سجن الدار البيضاء، وأنا أدرس 15 حالة منها، وقلبي يكاد يتمزق ألما عند سماع قصص البؤس والشقاء التي عاشها فتيان وفتيات انتهت بهم إلى هذا السجن.
رغم ذلك لم أسمع، ونحن نحتفل بعام الطفولة العالمي، من أشار لهذه المأساة، أو تحدث عنها، مع ـن أول إحسان يجب أن تقدمه للطفل المغربي، هو رفع الظلم عنه، فكيف إذا علمنا أن هذا الظلم الاجتماعي قد لحق بنحو 110.000 فتى وفتاة من أبنائنا في العشرة أعوام الأخيرة فقط، أي بمعدل 11.300 طفل في السنة، حسبما يتضح من البيانات والإحصاءات الرسمية التي تمكنت من جمعها خلال سنوات وأنشرها لأول مرة فيما يلي :

جدول توزيع الأحداث المتواجدين بالسجون يوم 31 دجنبر، ومجموعهم السنوي خلال 10 سنوات

السنوات

أقل من 15 سنة

الجمـيع

أقـل من 19 سنة

الجمـيع

جميع الأحداث يوم 31 دجنبر

مجموع الداخلين خلال السنة

ذكــور

إنــات

ذكــور

إنــات

1968

1969

1970

1972

1973

1974

1975

1976

1977

131

40

181

40

48

47

61

39

55

13

11

15

4

6

9

8

9

3

144

51

196

44

54

56

69

48

58

1.744

1.683

2.220

1.887

2.008

2.102

1.893

1.978

2.336

413

297

388

185

162

231

183

161

164

2.157

1.980

2.6.8

2.072

2.170

2.333

2.076

2.139

2.500

2.301

2.031

2.804

2.116

2.224

2.389

2.145

2.187

2.558

11.032

9.992

13.795

10.410

10.942

11.753

10.553

10.760

12.585

المعدل العام

71

8

80

1.983

242

2.226

2.306

11.313

ولشرح هذا الجدول أشير إلى أن جميع أرقامه رسمية باستثناء الضلع الأخير عن اليسار، الذي يتضمن مجموع الذين دخلوا السجون خلال العام، ممن تقل أعمارهم عن 19 سنة. وذلك لأن الإحصاءات التي تقوم بها إدارة السجون لعدد الداخلين السنوي غير مصنفة بحسب الأعمار، فكيف نستطيع إذن تقديرهم ؟
هناك مقاييس يمكن استعمالها، لننظر إلى الأرقام الرسمية التالية عن مجموع السجناء، بقطع النظر عن أعمارهم، في يوم واحد من السنة، هو يوم 31 دجنبر آخر السنة، حيث يجري إحصاؤهم، ولنقارنه مع مجموع الداخلين الجدد خلال السنة :

إحصاء يومي وسنوي لنزلاء عن أربع سنوات

السنــة

مجموع السجناء يوم 31 دجنبر

مجموع الداخلين خلال السنــة

1972

1973

1974

1977

15.634

16.335

17.748

19.398

81.197

87.523

89.185

82.766

المعدل العــام

17.278

85.167


إن الإحصاء اليومي العام الذي تجربه إدارة السجون يوم آخر السنة، له أهداف اقتصادية، وقلما يفيدنا من الناحية الاجتماعية، فالذين يدخلون السجن ابتداء من فاتح يناير، ويغادرونه قبل 31 دجنبر، وهم الأغلبية الساحقة، لا يشملهم هذا الإحصاء.
وبمقارنة المعدل العام للعددين اليومي (17.278) والسنوي (85.167) نلاحظ أن هذا الأخير يفوق العدد اليومي بما يناهز خمسة أضعافه وبالضبط (4.92)، وبناء على ذلك، يمكننا، بطريق القياس، استخراج العدد السنوي للأحداث الذين تقل أعمارهم عن 19 سنة خاصة، بضرب العدد اليومي لهم، في (4.92)، وهذا ما فعلناه في الضلع الأخير عن اليسار في الجدول الأول.
ولاختيار هذا التقدير والتأكد من صحته، بطرقة أخرى، نشير إلى أن معدل نسبة الأحداث من عموم السجناء فيما بين سنتي 1972- 1977، تبلغ 13 %، فإذا نحن أخذنا هذه النسبة من معدل مجموع السجناء السنوي المذكور أعلاه (85.167)، نجدها تبلغ (11.071)، وهذا الرقم لا يختلف عن الرقم الذي استخرجناه بالطريقة السابقة وهو
2.14 % وعلى هذا يكون تقدرينا السابق لمعدل الأحداث الذين يسجنون سنويا بنسبة 97.86 %.

إدارة السجون عاجزة عن إيواء ورعاية 3000 طفل :
إذا كان عدد الأحداث اليومي المتواجد في السجون المغربية قد بلغ (2.558) سنة 1977، فمن المرجح أنه في هذه السنة (1979) قد ناهز 3.000 طفل، ومن الجدير بالذكر أن مندوب إدارة السجون في ندوة إصلاح المنحرفين التي أشرنا إليها في طليعة هذا البحث، بعدما حذر من خطورة تضخم عدد السجناء الأطفال الذي وصل إلى 2.187 في نهاية سنة 1976، قال :
«ولمواجهة العجز الكبير الحاصل في الإيواء (يعني بالنسبة لعموم الأعمار)، فقد وضعت إدارة السجون ضمن أهدافها إيجاد أحياء خاصة بالأحداث متوفرة على كل التجهيزات الضرورية، وفعلا أدرجت ضمن المشاريع التي شرع في إنجازها في نطاق التصميم الخماسي الحالي ( أوقف العمل بهذا التصميم!)، والتي عددها 21 مشروعا، مشاريع لإقامة أحياء للأحداث في جميع المؤسسات العقابية الجديدة، حتى يتسنى إيواء هذه الفئة من النزلاء في أحسن الظروف . .
ورغم هذا العجز في الإيواء الذي يجاوز 100 % في بعض المؤسسات، فإن إدارة السجون تقوم بمجهود كبير في ميدان إصلاح النزلاء عامة والشبان خاصة عن طريق التعليم والتكوين المهني، فبالنسبة للتعليم، تنظم في جميع المؤسسات دروس للتربية الأساسية ومحاربة الأمية، وتوجد أقسام ابتدائية في 17 مؤسسة، كما تتوفر مؤسسة السجن المدني بالدار البيضاء على ثانوية تشتمل على سلكين كاملين . . . كما أن مؤسسة السجن المدني بتازة قد فتحت هذه السنة قسما للسنة الأولى من الثانوي، يعد نواة لإدخال التعليم الثانوي لها، خصوصا وأن ثانوية الدار البيضاء قد بدأت تضيق بالوافدين عليها».

الإسلام يحرم سجن الأحداث :
هذه فقرات من هذا العرض الهام لمندوب إدارة السجون، تشرح بعض المشاكل الهامة التي يواجهها الأحداث في السجون، وكيف تضخم عددهم حتى اضطرت إدارة السجون لإنشاء مدارس ابتدائية وثانوية لهم في مؤسساتها العقابية، وجميل والله أن تساهم مدارس السجون في حل مشكلة المطرودين من مدارس وزارة التعليم !.
وعلى ذكر سجن الدار البيضاء المدني الذي يأوي من التلاميذ الأحداث ما ملأ ثانوية كاملة بسلكيها، ولأخذ صورة عن أزمة غرف السجون التي ضاقت بسكانها، أشير إلى أن هذا السجن يأوي اليوم 3000 سجين مع أن مساحته الصالحة للإيواء وهي 2000 متر مربع؛ معدة أساسا لـ 600 سجين فقط، وهذا يعني أن هناك تكديسا للسجناء،كبارا وصغارا، داخل عنابر السجن، يشكل تعذبهم، ويجعل منهم قطيعا من الحيوان، وهذا شيء يحرمه الإسلام، وقد نص ابن القيم الجوزية بأن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعريق الشخص ومنعه من التصرف، سواء كان بيت أو مسجد، ولهذا سماه النبي (ص) آسيرا، وقال العلماء : «أن الحبس الموجود الآن، لا يجوز عند احد من المسلمين، وذلك لأنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، فلا يتمكنون من الوضوء والصلاة، وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحر والصيف(3)».
وإذا كان العلماء قد اختلفوا في جواز سجن الكبار، فإن أحدا لم يقل قط بجواز سجن الأحداث، ولم يعرف تاريخ الإسلام الحضاري شيئا عنه، لا في تشريعاته ولا في واقع حياته قبل العصر الحديث.

رفع سجن الرشد الجنــائي إلى 18 سنة ومنع سجـن الأطفــال منعا باتا :
من الواضح أننا لم نتحدث في هذا العرض القصير عن الظروف الأخرى التي يعاني منها أطفالنا في السجون، كنوع التغذية، والعلاج الصحي،
والعلاقات الإنسانية، ومعاملة السجانين، وطرق التربية والتعليم والتكوين، وشروط النظافة والراحة وغيرها، فضلا عن زحمة الغرف، وتكدس الأطفال فيها، إذ لم نكن نقصد القيام بمثل هذه الدراسة، رغم أهميتها القصوى.
إن سجن الأحداث من حيث هو، وحتى مع احرص على إنشاء أحياء عصرية جميلة خاصة بهم داخل السجون، هو ما نعتبره عملا همجيا لا إنسانيا، من تقاليد عصور أوربا الوسطى، لم تعرفه الحضارة العربية لا في المشرق ولا في المغرب، وقد حرمه الإسلام قبل أن يدرك علماء الاجتماع في القرن العشرين أنه يتعارض مع جميع أهداف ونظريات الإصلاح، وإعادة التربية، وحماية الطفولة، والتشريعات الحديثة الخاصة بها.
ولذلك فإننا نتوجه إلى الوزراء المعنيين بالأمر، وإلى أعضاء مجلس النواب، وقادة الأحزاب الوطنية، والعلماء ورجال الفكر والثقافة، وإلى مؤسسات رعاية الطفولة، راجيين أن يتحملوا مسؤولياتهم، ويبذلوا أقصى جهدهم، لرفع الظلم عن 11.000من أطفالنا يسجنون كل سنة، و 11.00 من الأسر المغربية، تصاب في مستقبل أبنائها وبناتها، وتصاب في سمعتها وأمنها وسعادتها، و 11.000 من المواطنين الشباب نقذف بهم إلى عالم السدود والقيود، ليصبحوا مجرمين حقيقيين، ثائرين ومتمردين على مجتمعهم الظالم.
نرجو من هؤلاء جميعا، ومن أعضاء مجلس النواب المسؤول المباشر، اتخاذ القرارات التالية:
1) رفع سنن الرشد الجنائي إلى 18 سنة.
2) منع دخول الأحداث (لغاية 18 سنة) إلى السجون منعا باتا.
3) تعويض أقسام الأحداث بالسجون، والأحياء الخاصة بهم المزمع بناؤها في السجون الجديدة، بمؤسسات مغلقة، يمكن أن تحمل اسم: «مدارس التربية المحروسة»، وتكون تحت إشراف وزارة الشبيبة والرياضة، أو وزارة الشؤون الاجتماعية، طبق نظام تربوي محكم، وبإدارة حازمة ذات تكوين اجتماعي وعسكري رفيع.
أن صورة الفتاة لم تتجاوز ثلاثة عشر عاما من عمرها، وكانت تقضي مدة الحكم الصادر عليها بعشر سنوات سجنا من محكمة الأحداث بالرباط، هذه الصورة المؤلمة، وهي تقص على مأساتها في سجن الدار البيضاء، وتقول: إنها لم تبلغ الحلم، ولم تصم رمضان، إلا بعد مضي عام على سجنها، تلاحقني دائما بوخز الضمير، ضمير الإنسان الشاعر بأنه شارك في ارتكاب جريمة ضد هذه الفتاة مع المجتمع، لأن المجتمع لا علم له بها، فأنا أتحمل عنه عذاب الضمير.
فتاة من 11 عاما يزوجها والدها لمطلق له طفلان، وبعد 6 شهور من زواجها، وبينما هي تقطع الطماطم لتحضير الغذاء، هاجمها أحد الطفلين وخطف واحدة بسرعة وهرب، وكان رد فعلها الطفولي أن رمته بالسكين التي كانت تقطع بها الخضر، فأصابت عنقه ومات (4).
هذه الفتاة ظلمها والدها بتزويجها في سن مبكرة، وظلمها القانون الذي سمح بدخولها للسجن، وهي لم تبلغ الثانية عشر من عمرها، وظلمها قاضي الأحداث بهذا الحكم الجائر، وظلمها التشريع الناقص إذ لم يقم وكيل الدولة باستئناف الحكم نيابة عن والدها الجاهل الفقير، وظلمها المجتمع كله لأنه لم ينشئ من المؤسسات الاجتماعية، وتشريعات الحماية والرعاية والضمان الاجتماعي للطفولة والأسرة، ما كان كفيلا بوقاية هذه الفتاة، وعشرات الآلاف من أمثالها، من الوقوع فيما وقعت فيه.
إنه ظلم اجتماعي صارخ، وتجاهلنا له، وسكوتنا عنه، وقبولنا باستمراره، لهو التخلف الفكري والحضاري والسياسي، والتناقض مع ما ندعيه من نشبت بحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، ونحن نحتفل بعام الطفولة العالمي !.

1) انظر مجلة الشرطة عدد : 113- 1398.
2) انظر هذه الموضوعات بتفصيل في كتابي : «ظاهرة الانحراف الأحداث».
3 ) انظر كتاب التراتيب الإدارية للكتاني ج 1 ص 296.
  وبدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق ج 2 ص 242.
4) انظر تفصيل القصة ونظائرها في ص 299 من كتاب «ظاهرة انحراف الأحداث»

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here