islamaumaroc

مع حقوق الطفل.

  دعوة الحق

197 العدد

منذ عشرين سنة خلت، صدر عن هيئة الأمم المتحدة إعلان شريعة حقوق الطفل. وهذه المدة –كما لا يخفى- كافي لجعل أطفال الأمس- إذا ما قدر لهم طول العمر- يتخطون طور الطفولة، ليضعوا أقدامهم على عتبة باب الرجولة . ولو كانت الحكومات والمنظمات والهيئات والمجتمعات والجماهير والأفراد، كلهم قاموا بواجباتهم نحو الطفولة  خير قيام، أو كانت حركة النسل والتكاثر غير متعاقبة تعاقب الملوين، أو غير متحددة تجدد مياه النبع الصافي، لثبت الطفولة عن الطوق مرة واحدة، واستؤصلت مشكلاتها من الجذور، ولا محى الحرمان من الوجود !
بيد أن الفطرة وسنة الله في الكون، علمتنا أن الوالدين ينسلون الأولاد، والأخلاق تعقب الإسلاف، وأن التقدم العلمي والوعي الصحي يحفظان الحياة أطول مدة ممكنة. ومع هذا، ورغم هذا، نجد المنون ما زالت تنشب أظفارها في الأطفال غضيضي الأهب، ناعمي الأظافر، وتصول وتجول في عالمهم كما تصول وتجول الأسود في عرائنها، ومن ينج من الموت يقع تحت طائلة الحرمان. وهكذا نجد مرى (1) الإحصاءات يشير إلى أن نحو من خمسين وثلاثمائة (350) مليون طفل من أطفال العالم، أمسوا عرضة لأن يعضهم الجوع بنيبه، أو يخيم المرض بساحتهم فيفتك بهياكلهم اللدنة تاؤكل أجسادهم خشيا مسندة، وصرعى كإعجاز نخل منقعر، أو يعشش الجهل ويفرغ في أذهانهم فتمتلئ أوكارها خرافات وأوهاما وإجراما. حالهم ينبئ عن مقالهم، هم- كما كان أسلافهم منذ عشرين عاما أو عشرين قرنا- في حاجة ماسة إلى مدد من الأقوياء القادرين، يذود عنهم ألد أعدائهم، وأعند خصومهم، المتمثل في هذا الثالوت الجبار المفضي دائما إلى العدم: وهو الجهل والفقر والمرض.
وشعورا من الإنسانية بأوجه في تربية الأطفال وإعدادهم للحياة، وتنبيها لأذهان الغافلين، ولفتا لأنظار الأغنياء المحظوظين، وإيقاظا للضمير العالمي، عقدت الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة جلستها السادسة بعد المائة بتاريخ الواحد والعشرين من شهر ديسمبر من سنة 1976 لتصدر قرارها 169/31/       بجعل سنتنا الحالية 1979 السنة العالمية للطفل، تعزيزا لإعلان حقوق الطفل الآنف الذكر، وتشجيعا للهمم، وتحريضا على تنفيذ بنود ذلك الإعلان، وإرساء لقواعد الدعم المادي
والمعنوي للسنة العالمية للطفل، بغية تحقيق أهدافها المتوخاة، سواء على الصعيدين الإقليمي والوطني، أو على المستويين الدولي والعالمي.

النمـــو البدنـــي للطفــل
قبل التطرق إلى بعض حقوق الطفل التي منحتها إياه الطبيعة قديما، وعززتها- أخيرا- أكبر منظمة دولية في الوقت الحاضر، بل في تاريخ الشرية جمعاء، يجدر بنا أن نقول كلمة عن مراحل النمو الزمني للطفولة التي قدر لها اليوم أن تكون محط أنظار العالم الذي يرنو ويهدف إلى معاملتها معاملة أطفال، حتى إذا استحال أطفال اليوم إلى أمهات وربات بيوت ورجال غد، حينئد تنبغي معاملتهم بطرق أخرى تختلف. ألم يقل القديس بولص في رسالته إلى أهل قورنتيه: ( حينما طفلا كنت، كطفل كنت أتكلم، وكطفل كنت أفهم، وكطفل كنت أفكر، ولكن لما صرت رجلا أبطلت أمور الطفولة) ؟
اختلف العلماء حول تحديد المراحل الزمنية لنمو الأطفال. اختلاف الناس في معاملتهم على مر العصور وكر الدهور. فمن العلماء من دقق في التقسيم، وضيق المراحل فجعلها سبعا مثل عدد أيام الأسبوع :
1- مرحلة الجنين. 2- مرحلة المهد. 3- الطفولة المبكرة. 4- الطفولة المتوسطة. 5- الطفولة المتأخرة. 6- مرحلة المراهقة. 7- مرحلة البلوغ.
ومنهم من عمم في التقسيم، ووسع من نطاق المراحل، فجعلها مثل فصول السنة أربعا على المنوال التالي (3) :

 

ذكــــــــــــور

إنــــــــــاث

مراحـــل النمـو

1- الطفولة الأولى

2- الطفولة الثانية

3- المراهقـــة

4- البلوغ أو الرشد

من .... إلى .....

الــولادة سـن السابعة

السابعــة الثانيـة عشرة

الثانية عشرة الخامسة عشرة

الخامسة عشرة السادسة عشرة

من .... إلى .....

الولادة ما بين السادسة و7

السابعة العاشرة

العاشرة الثالثة عشرة

الثالثة عشرة الرابعة عشرة

وكما أن الأيام الأسبوع وأشهر الفصول- وأن وقع الاتفاق بشأن أسائها وتعدادها- تتداخل فيما بينها بقدرة من يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وتختلف طولا وقصرا حسب مطالع الشمس في حركاتها الظاهرية على مدار السنة، وحسب مواقع البلدان، وتقلبات الظواهر الجوية، فكذلك مراحل النمو، لا توجد بينها حواجز منيعة تحول دون أن تطول هذه المرحلة وتقصر تلك، أو تحسب إحداها من حساب الأخرى، كل ذلك حسب تعدد البيئة، وتبعا لتنوع الوراثة، ووفقا لتباين الجنس. فالتحديد- إذن-تقريبي، لا في مظاهر الطبيعة وحدها، بل في مراحل النمو الزمني لدى الطفل أيضا.
ومهما يكن من أمر التقسيم، والاختلاف بشأنه، فإن الذي لا جدال فيه، هو وجوب العناية بالطفولة من المهد إلى الرشد، و في كل وقت وحين.

قــــرن الطفــل
إن ما قامت به الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما يقوم به المجتمع اليوم في مضمار العناية بالطفولة، يعتبر تحسنا مرموقا في معاملة الأطفال. وتعزيزا لما قام به فلاسفة التربية وعلماء النفس منذ بعيدا، حيث نادوا بوجوب تفهم الأطفال. والنزول إلى مستواهم بغية رفعه، وتهديبهم وتربيتهم فكريا ووجدانيا وعمليا.
ولعل من أثر ذلك إقدام الدول الراقية على تشجيع الدراسات النفسية، وتأسيس معاهد ومعامل لعلم النفس الطفلي بقصد إنجاز دراسات علمية رصينة تستقطب التكوين النفسي والاجتماعي للأطفال، وتمهيد الطرق لنموهم السوي، واختيار أحسن الأساليب والشروط  الممكنة لذلك النمو. مما أدى بالبعض إلى تسمية هذا القرن الذي تمت خلاله هذه الانجازات بـ «قرن الطفل»
وأدى بالبعض الآخر إلى اعتقاد أن العناية بالطفل اليوم أصبحت أحسن منها أمس، وأن الآباء المحدثين هم وحدهم الذين عرفوا طرق التربية الصحيحة وأحسنوها.
ولعل المربية الأمريكية مـز إيميلي بوست في كتابها القيم (الأطفال قوم)
تنهج النهج الذي يرشد إليه الأثر القائل: «آباؤكم خير من أبنائكم إلى يوم القيامة» ، فهي ترى غير ما يراه أنصار التربية المنزلية المحدثون، فهي تقول في مقدمة كتابها ذلك :
«لمدة طويلة وأنا أستمع – دون معارضة – إلى أفكار بعض المحدثين الذين اقنعوا أنفسهم بأن التربية المنزلية بالأمس ، كانت كلها خطأ، وأن آباء اليوم هم وحدهم الذين ينهجون النهج الصحيح، لكني لم أعتقد هذا بتات.
أن رأيي بصراحة هو أن التشجيع المطلق للتعبير عما في النفس، قد خطا إلى الأمام خطوات جد بعيدة، وأن ما يحتاجه الآباء الأبناء اليوم حقا، في حياة منزلية مثالية، هو العودة إلى الصحة العقلية، والبساطة، والنظام ».
وتسترسل الكاتبة قائلة :
«من الواضح أن (المنازل) لم تكن كلها بالأمس أكثر تماثلا مما هي اليوم. ربما كان هناك كثير من الآباء البالغي التعسف، الذين كانت توجيهاتهم وأوامرهم تنحصر في : ( افعل كما أقول، لأني أقول ذلك)، ولكن آباء اليوم الذين يعلنون أن الآباء والأمهات المثاليين بالأمس، لم يكونوا لأبنائكم صحابا بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، يجب أن تكون ذواكرهم تختلف عن ذاكرتي جد الاختلاف».
وتشنع إيميلي بوست على سلوك بعض الأسر الحديثة فتقول :
«كل أعضاء الأسرة (عدا الأم ربما) – غالبا ما تكون هي كذلك) يغشون المنزل ببساطة ليناموا، ليأكلوا بين الفينة والأخرى، ليلبسوا، ثم يخرجوا، فلا يتعدى حديثهم حدود : (أهلا)، ( صباح الخير)، (إلى اللقاء)، وهذا – فيما أرجو – لا يشكل صورة عادية للأسرة اليوم، لا في المدن الكبيرة فحسب، بل حتى في المدن الصغيرة التي تجل عن الإحصاء». وتتحدث المؤلفة عن القدوة الحسنة وأثرها في تهذيب الطفولة وتربيتها ثم تعقب على ذلك قائلة :
«أن تحل زرعنا البنفسج، والورود، ودوار الشمس (الهيليوتروب)، والسوسن، والياسمين، فإن الشذا سينمو عاطرا؛ وبالنسبة للبعض منا سينمو جد عاطر. أما إذا زرعنا مهماز الفارس (الدلفينيوم)، وذنب الفرس (الكلانديولس)، والدالية، وأشباهها، فإننا سنحصل على ألوان بهيجة، لكننا بالتأكيد لن نستطيع أن نمنحها الشذا بورشات عطر، ولا نسبغها بفرشاة طلاء، وهنا نود أن نرجع قليلا إلى الوراء، لنرى ما ذا زرع
الإنسانية في أرض طفولتنا؟ هل مهدتها جيدا وزودتها بما يجب من سماد وحرارة ورى لتنتج الأرضية أحسن غلالها فتجد الإنسانية ما تحصد؟ وهل مكنت الإنسانية صغارها كامل حقوقهم في مجالي الحياة؟ وهل قامت بواجباتها نحوهم كما ينبغي؟ أم أن في الأمر إجحافا وتقصيرا ينبغي التذكير به، والتنبيه عليه، ابتغاء تجنبه في المستقبل وتفاديه.

حقــــوق الطفــل الطبيعية
ونقصد بالحقوق الطبيعية تلك التي ترتكز على أساس من الغريزة أو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تلك التي تستند إلى قوانين وضعتها نخبة حاكمة لمجتمعات بشرية متطورة متجددة بتجدد الأفكار، وتطور النماذج الحضاري. إن حقوق الطفل بهذا المعنى عديدة تصعب معالجتها في هذه العجالة، لذا نرى أن نقتصر على أهمها، ويتمثل في حق الحياة، الذي يتوافره- مع الكفاح المستمر المتواصل في سبيل غذ أفضل- تتوافر سائر الحقوق.

حــق الطفـــــل في الحيـــــاة
أعز شيء في الحياة، الحياة نفسها. وأكبر الخاسرين، الفاقد وحياتهم غواية من أنفسهم، أو نتيجة تعدى غيرهم عليهم. وأول من تعرض لهذه الخسارة الفادحة- عبر مسافات زمنية فسيحة من الدهر- الأطفال ذكرانا وإناثا، كبارا وصغارا.
وقبل أن نتعرض للمعاملة السيئة التي لاقتها الطفولة على أيدي شعوب العالم المختلفة، ونتعرض كذلك لرأي الإسلام في هذا الجرم الشنيع، نشير إلى ثلاث حقائق هامة :
أ- أن جريمة الوأد، وقتل الأولاد في الجاهلية قبل الإسلام، لم تكن شائعة إلا في بعض البطون من قبيلتي (تميم) و (أسد)، لا في قبائل شبه الجزيرة العربية كلها، خلافا لما زعمه البعض جهلا أو لحاجة أو تلبيسا.
ب- أن هذه العملية البشعة كانت تزاولها شعوب كثيرة في مختلف أرجاء الكون- كما سنرى بعد قليل- وظلت تزاولها إلى وقت غير بعيد، وما تزال تزاولها اليوم في صورتي «الإجهاض» وترك المولود «غير الشرعي» في العراء، وعلى قارعة الطريق، ليتلقفه محسن أو محسنة، أو ليلقى مصيره المحترم.
ج- أن الإسلام أبطل كل هذا، وندد بمرتكبي هذه الكبيرة، بمختلف أساليب الاستنكار والوجر.
لم تكن شعوب الحضارة القديمة ترى أي بأس في ممارسة قتل الأولاد، بل كانت ترى في هذه الجريمة سلوكا معتبرا معقولا، وعادة متبعة مألوفة، وعملية سهلة ميسورة.
1) ففي أثينا مركز الإشعاع في ميادين الثقافة والفلسفة والحضارة والديمقراطية، كانت عملية قتل الأولاد عملية مستساغة، تجد المتحمسين لها والمدافعين عنها حتى بين عمالقة الفلسفة الإغريقية أمثال أفلاطون وأرسطوطاليس.
وعل سبيل المثال- لا الحصر- نجد هذا الأخير ينص في كتابه : السياسة
على أن القانون يجب أن يمنع تربية المعطوبين على وتغذيتهم، وإذا اقتضى الأمر، وداخل الوالدين أي شك في طبيعة المولود الجديد وفي كفاءته، فإن عملية الإجهاض يجب أن تتم في أقرب وقت ممكن، وبدون أدني حرج. 
2) وفي اسبوطة، كان القانون ينص على أن الأب مجرد ما يولد له مولود، يجب عليه أن يحمله  إلى مكان معين، ليفحصه كبار القوم، فإن وجدوا أطرافه مستقيمة، ونظرته صحيحة سليمة، أعادوه إلى والديه ليربوه، وإلا قذف به في مغارة كبيرة عميقة عند سفح جبل (تايجينوس) (4)
ومن سخرية القدر، أن هذا القانون- فيما  
قيل- كان له التأثير الحسن في جعل الأمهات أشد حرصا وأكثر عناية بتربية أولادهن وتغذيتهم وتمرينهم، ومن ثم اثبتن أنهم ربات بيوت ماهرات جديرات بالفخر والاعتزاز.
3) وفي سائر الجمهوريات الإغريقية الأخرى، كان الناس ينظرون إلى الأطفال الإعلاء نظرة كلها ازدراء وسخرية واحتقار، الأمر الذي كان يؤدي بهذه الطفولة الضعيفة المغلوبة على أمرها، إلى الهلاك والبوار غالبا.
4) أم في رومة القديمة، فعلى الرغم من قلة المصادر التاريخية، وسكوت معظم الباحثين عن طرق هذا الموضوع في مؤلفاتهم، يبدو كما لو كان من الثابت المؤكد، أن المسؤولية- في الدرجة الأولى- كانت تلقى على عاتق الوالد الروماني، فهو الذي كان ينبغي أن يقرر ما إذا كان ينبغي أن يسمح لولده بالحياة أولا يسمح.
5) في بلاد اسكندنافيا (النرويج مثلا) كان مصير الأطفال بمثابة ريشة في مهب الريح، وكانت حياة الواحد منهم تظل معلقة في الميزان، إلى أن يسلمه والده إلى ظئر تتولى رضاعته وحضانته وتربيته، فإذا كان المولود ضعيف البنية، أو كان أنثى، كان من المستهجن لدى الاسكندنافيين أن يبقوه على قيد الحياة، بل كان عليهم أن يعرضوه للموت بإحدى طريقتين أحلا حلاهما من :
أ- القذف به على الحيوانات والوحوش لكي تفترسه.
ب- تركه لعوامل الجو القاسية كي تفتك به.
6) في سائر الأقطار، وفي سائر البلدان القديمة، كان قتل الأولاد وتعريضهم للهلاك والموت، هو القاعدة، وإن كان لهذه القاعدة- كما هو المعتاد- بعض الاستثناءات.
وإذا تركنا الماضي جانبا، وعرجنا على العصور الحديثة لنقوم جولة سريعة في بعض جهات العالم، فإننا نجد جريمة قتل الأولاد، ما تزال تمارس هنا وهناك، بشكل أو بآخر :
أولا – في شبه جزيرة الهند : كان الهندوس يمارسون قتل الأولاد، وبخاصة الإناث منهم، بشكل مزعج، وكان من المحتمل أن يظل الهندوس سادرين في هوايتهم وغوايتهم تلك، لو لم يظلهم عهد ( ماركيز ويلسلي) الذي حال بينهم وبين الاستمرار في سفك دماء هؤلاء الأبرياء الذين لا حول لهم ولا طول.
ففي قبائل «الراجبوت» (5). كان مصير الذين يولدون إناثا، الإعدام لا محالة، ما عدا البنات البكريات، فقد كان الأبوان يبقيان على ابنتهما البكرية، وكأنهما إنما فعلا ذلك، حفاظا على النسل أو النوع، لا رأفة بهذه المسكينة.
ثانيا- في بلاد الصين : كان قتل الأولاد أمرا شائعا بين الصين، وكان السبب الرئيسي في ذلك، راجعا إلى حق خولهم إياه قانونهم الذي أباح لهم تطليق زوجاتهم في فترات دورية متعاقبة ... وإذا عرفنا مدى الكثافة التي يوجد عليها سكان الصين، أدركنا مدى الخسارة الجسيمة، والبوار التي كان يحيق بنسبة مرتفعة من هذه المخلوقات الضعيفة التعيسة الحظ.
ثالثا- في هولندا الجديدة ( وهو الاسم القديم الذي كان يطلق على استراليا الحالية) : كانت النسوة في استراليا، يجهضن أولادهن، ويقضين على أجنتهن، بواسطة الضغط على أرحامهم، وذلك بغية التخلص من الجنين الناشئ، وتجنب ما يترتب على الولادة من مخاض، وما يتبعها من تكاليف الكفالة والتربية والإعداد للحياة.
رابعا- في جزر فيجي (6) : شاع اقتراف هذا الجرم في هذا الأرخبيل، لدرجة كاد يصير معها نظاما متبعا، وقاعدة عامة مسلمة، يحدثنا أحد الثقات عما كان يجري في إحدى هذه الجزر فيقول : «في جهات من (قانوا ليفو : Vancalevo وصل قتل الأولاد إلى مدى هو أقرب إلى الثلثين منه إلى النصف».
يتضح مما تقدم، أن حرمان الطفل من مزاولة حقه في الحياة، بهذه الطرق الوحشية، وبمثل هذا الشيوع والانتشار عبر الزمان والمكان، إنما يشكل جريمة نكراء تستفظعها الأديان السماوية، وينكرها العقل والمنطق والشرع معا.
ولعلنا إذا تعمقنا في البحث عن جدور هذه العملية البشعة ألفيناها عن احد عوامل رئيسية ثلاث :
1- عامل ديني أو مذهبي: ويتمثل في ذلك الشعور الذي يحسه الوالدان أو احدهما، ويرتكز على أساس من الديانات الوضعية أو المذاهب الدينية الضالة المضللة.
2- عامل اقتصادي: ويتمثل في تكاليف الحياة ومصاعبها التي تترتب عادة على تربية الأولاد ورعايتهم.
3- عامل الميل والهوى: ويتمثل فيما كانت تقوم به الأمهات من أهالي جزر فيجي- مثلا- حيث كن يتخلصن من أولادهن غالبا بدافع من الشهوة والهوى. وللناس- كما قال الشاعر العربي- فيما يعشقون مذاهب.

الإسلام وحق الطفل في الحياة
جاء الإسلام وكثير من شعوب الأرض- كما رأينا تهدر دماء أبنائها، وتتصرف إزاء حقهم
الطبيعي في الحياة، ذلك التصرف الأهوج الذي ينم عن منتهى القسوة والظلم. وبعث محمد بن عبد الله- وسط بحر لجى من الزعازع والظلمات- رسولا ورحمة للعاملين، فوجد عدد الوباء الفتاك بالطفولة، قد أصاب بطونا من قبيلتي تميم وأسد العربيتين قد عض الجوع بنابه الحاد، بغض أفرادهما، وأغوى شيطان الغيرة والخوف من العار، البغض الآخر، فانساقوا مع المنساقين في هذا التيار الجارف الجائز. فما ذا كان موقفه- عليه الصلاة والسلام- وهو المبعوث رحمة وسندا للضعفاء، وهداية للبشر، وقيادة رشيدة لهم من تيه الظلمات، إلى عالم النور الفسيح ؟؟
لم يقف الإسلام إزاء المشكلة مكتوف اليدين، بل تصدى بالوحي الإلهي المقدس، لهذا المرض العضال المستشري في أعضاء من جسم الامة العربية خاصة، والبشرية عامة، فعمل على استئصاله من الجذر، إذ حرم- في حزم وعزم وإصرار- الوأد وقتل الأولاد. ولم يتكيف على هذا، بل حرص على إبقائهم على قيد الحياة، وعمل على توفير الرعاية والغذاء لهم، بما شرعه لصالحهم من وجوب العناية بالرضيع والمرصع على حد سواء. قال تعالى في سورة البقرة (233): «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
ولا يكتفي كتاب الله بالحرص على توفير لوازم الحياة الكريمة للأولاد، بل نراه يدعو ويشجع على إنجابهم وتربيتهم والحفاظ على حياتهم، حين جعلهم إحدى زينتي الحياة، حيث قال في سورة الكهف (46) : «المال والبنون زينة الحياة الدنيا».
وعالج القرءان الكريم داء قتل الأولاد في عدة سور قرآنية، بآيات بينات أثلجت صدور المومنين، وكانت لجروح الإنسانية الدامية بلسما شافيا، حين أوعد سفاحي دماء الأطفال الأبرياء بالويل والثبور، وحين وصفهم فوصمهم بالسفاهة والضلال والخسران
المبين. قال تعالى في سورة الأنعام (140): «قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله. قد ضلوا وما كانوا مهتدين».
وفي سورة الأنعام أيضا (151) ينهى القرءان عن قتل الأولاد، ويحرمه تحريما قاطعا حيث يقول : «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم».
ونفس الموقف نجده في سورة الإسراء (31) حيث نقرأ قوله تعالى : «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا».
وليدنا وقفة قصيرة إزاء هاتين الآيتين الكريمين، ابتغاء لمفهوم، وذكر لنكتة بلاغية غابت عن أذهان الكثيرين.
فتصحيح المفهوم يتعلق بترجمة الآيتين إلى اللغات الأوروبية الحديثة، ذلكم أن جل المترجمين –إن لم نقل كلهم- يسوون ترجمتهم عبارتي (من إملاق) و (خشية إملاق) فيقولون عنهما مثلا بالإنكليزية:
وبالأسبانية :
بينما كان ينبغي أن يقولوا عن الأولى
في الإنكليزية أو ..   في اللغة القشتالية، فلا يسووا بين العبارتين في الترجمة، فيضيعوا المفهوم الحقيقي للتعبير القرآني البليغ.
أما النكتة البلاغية فلتبيانها أقول : أن (من) التي في العبارة الأولى تفيد العلة والسبب، ومن تم كانت تختلف عن العبارة الثانية من حيث الدلالة :
فالأولى ( من إملاق) تعني (نتيجة إملاق)، أي أنها تفيد أن قاتلي أولادهم يفعلون ذلك، لأنهم بالفعل يقاسمون الفقر، ويعانون العوز، ولدا وعدهم الله ومناهم، وعلل الحكم مانحا إياهم الأسبقية في الرزق حين قال: «نحن نرزقكم وإياهم»، أي أنه ذكر رزق الوالدين المحتاجين أولا، ثم شفعه برزق الأولاد الذين ولدوا حديثا أو سيولدون . .
أما العبارة الثانية (خشية إملاق) فتفيد أن قاتلي أولادهم يفعلون ذلك خوفا من الفقر الذي فسد بدهمهم في المستقبل، ولذا تناسب أن يكون تعليل الحكم بهذه الصيغة : (نحن نرزقكم وإياكم)، أي أن الله تبارك وتعالى نص- أولا- على رزق الأولاد الذين هم مظنة افقار والديهم، تطمينا لهؤلاء، ثم اتبعه يرزق الآباء الذي لا تكتسي الآن أهمية قصوى، لأنه واقع بالفعل، فهم وقت الخطاب، كانوا يتوفرون على أرزاقهم لدرجة من الاكتفاء الذاتي لا بأس بها. تلك هي النكتة البلاغية، وذلك هو سر الاختلاف في التعبير.
ولنرجع إلى ما كنا بصدده من شرح موقف الإسلام إزاء قتل الأولاد، فنقول : أنه على الرغم من الإناث يندرجن- لغويا- تحت مدلول كلمة (الأولاد)، فإن كتاب الله عز وجل، لم يفتأ يخصهن بالذكر في غير ما موطن أو آية، ويشنه على ما كن يقاسينه من الوأد، وما كان يستشعره والدوهن من مشاعر الخزي والفضيحة والعار ... وما يساور نفوسهم من روح إجرامية ترمي إلى التخلص من المولود الجديدة.
يقول تعالى في سورة النحل ( 58- 59) :
«وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون؟ أم يدسه في التراب؟ إلا ساء ما يحكمون !».
ويقول بصدد الإنكار على من يزعمون أن الملائكة بنات الله، بينما يأنفون هم من أن تكون لهم بنات : «أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ؟ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم». (الزخرف 16- 17 ).
وفي سورة التكوير ( 8-9) يتدد القرءان بالذين وأدوا بناتهم، يوعدون بالعقاب الذي ينتظرهم عند ما تجيب المؤودة عن السؤال المطروح عليها يوم الدينونة : ( وإذا الموءودة سئلت : بأي ذنب قتلت؟) »
ولم يكتف الإسلام بهذا الموقف المشرف، بل نجد الشريعة الإسلامية حاطت برعايتها النفس الإنسانية بهالة من الحرمة والتقديس، وحافظت حتى على الأجنة في بطون أمهاتهم، فحرمت بإجماع
 
آراء العلماء المسلمين، عملية الإجهاض، واعتبرتها من الوأد الذي يعاقب عليه دنيا وأخرى.
ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن أحد الكتاب الغربيين حاول أن يجعل المسلمين مثل قبائل الراجبوت الهندوسية في قتل أطفالها الإناث، واستحياء البكرية منهن، حين قال :
«كان المحمديون (كذا !) يميلون إلى ممارسة العملية ذلتها، لكنهم كانوا ينجزون غرضهم- بصفة رئيسي- بوسطاء الإجهاض».
المسلمون الجديرون بهذا الوصف، برءاء من هذه التهمة، برآءة الذئب من دم يوسف. والإسلام – كما رأينا- يدين عمليات القتل والوأد، والإجهاض ويشجبها، فكيف يجوز عقلا أن يجعل إتباعه يميلون إلى ممارسة هذه العملية أو تلك؟ إن هذا تناقض ظاهر، لا يمكننا التسليم به. أم أولئك الذين أغواهم الشيطان، وخافوا الفضيحة أو طائلة الشرع الإسلامي أو القانون، فقاموا بعمليات إجهاض، فإنهم لا يمثلون جميع المسلمين بحال، ولا يعتبر عملهم الإجرامي هذا تطبيقا لما يأمر به الإسلام، وأم أمثالهم لكثيرون حتى في أرقى الأمم المعاصرة، وأكثرها تقدما.
إن موقف الإسلام من العمليات الثلاث : القتل والوأد والإجهاض، واضح سليم لا غبار عليه، ولا يمارى فيه إلا مغالط أو جاحد.

1) المري: اسم فاعل من أرى الرباعي، فالكلمة عربية صميمة حافظت عليها اللهجة المغربية الدراجة بكل أمانة.
2) فورنتيه او كرنث: بلدة اغريقية قديمة واقعة بالبرزخ يحمل اسمها والذي شقت فيه قناة كورنت لمرور السفن. ويشق هذه القناة، وقع الفصل بين القسم الشمالي من بلاد الاغريق ، والقسم الجنوبي منها ويعرف بشبه الجزيرة موره.
3) بتعديل طفيف يمكن تطبيق هذا التقسيم على أطفالنا، فالبيئة المغربية لا تختلف كثيرا عن المصرية وقد اعتمدنا في التقسيم على رأي أستاذنا محمد عطية الأبراشي الذي اعتمد بدوره على كتاب (نفسية الطفل) لمؤلفه الخبير السوسيري الأستاذ كلاباريد الذي كانت وزارة  المعارف المصرية استدعته سنة 1929 مع الخبير الانكليزي مسترمان  فكتب كل منهما تقريرا ما رآه في التعليم من عيوب، وما اقترحه من وسائل لعلاجها.
4 ) يقع جبل Taygetus جنوبي مدينة اسبرطة، بأقصى جنوب شبه الجزيرة ( موره) الممتدة في مياه البحر الأبيض المتوسط على شكل أصابع اليد.
5 ) Rajpurs  كلمة سنسكريتية الأصل، مأخوذة من Rajan  بمعنى ملك، و Purta  بمعنى أين، فالمعنى الحرفي للراجبوت، أبناء الملوك إما من طائفة الكشاترية Kahuri  أو طائفة تنحدر من أصول هندوسية ملكية قديمة، وك. وتطلق كلمة الراجبوت على عدة قبائل هندية المحاربين، وكلتا هاتين تشكل الطبقة الثانية في النظام الاجتماعي للهندوس البراهمة.
6 ) يتألف راخبيل فيجي من 322 جزيرة، منها 106 غير مسكونة. ويقع شمال خط عرض 20 من خطوط العرض الجنوبي، وغربي خط 180 من خطوط الطول. العاصمة الحالية لجزر فيجي سوفا Suva  بجزيرة ليفو Vitilivo  أهم المنتجات السكر والموز والارز والبن والكاكاو.
  وبها مناجم الذهب والفضة والنحاس والحديد.مساحتها 18.233 كيلومتر مربع، وسكانها أزيد من نصف مليون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here