islamaumaroc

الطفولة في الحديث الشريف وعناية الإمام البخاري بها في صحيحه

  دعوة الحق

197 العدد

أخذت الطفولة حيزا واسعا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلام، واعتنى علماء الحديث الذين أجمعوا السنة النبوية الشريفة بهذا الجانب، ولم يغفلوا الأحكام والآداب المتعلقة بالطفل في سائر مصنفاتهم الحديثية. وسأتتبع في هذه الدراسة بحول الله بعض ما ورد من ذلك في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، لأن البخاري بالإضافة إلى كون صحيحه أصح كتاب في حديث رسول الله فاته قد اعتنى بتراجم هذا الكتاب، أي في اختيار تبويبه وعناوينه، عناية دقيقة فائقة، بحيث أصبحت تبرز شخصية البخاري وأفهامه واستنبطاته.
أعطر رسول الله عليه وسلم ولادة الطفل التفاته كريمة، فليست ولادة الطفل أمرا عاديا يمردون انتباه، فمن حق المولود أن يسمى ويختار له الاسم الحسن، وأن يماط عنه الأذى، وأن يحنك، وأن يدعى له ويبرك عليه، وأن يعق البخاري في باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : ( ولد لي غلام، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إلي)، وكان أكبر ولد أبي موسى (1). وروى في نفس الباب عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها حملت بعبد بن الزبير بمكة، قالت : ( فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت قباء، فولدت بقباء ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعته، ثم دعا بثمرة فمضغها، ثم تفل فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له فبرك عليه). وروى في باب أماطة الأذى عن الصبي في العقيقة عن سلمان بن عامر الضبي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى» (2). فإذا رأى رسول الله غلاما لم يحسن أبوه تسميته بادر فغير اسمه، فقد روى البخاري عن سهل قال : ( آتي بالمنذر ابن أبي أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين ولد، فوضعه على فخده، وأبو أسيد جالس، فلهي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بين يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من فخذ النبي، فاستفاق النبي فقال : «أين الصبي؟»، فقال أبو أسد : قلبناه يا رسول الله. قال «ما اسمه؟»، قال : فلان. قال: «ولكن اسمه المنذر»، فسماه يومئذ المنذر (3) وإنما لم يذكر في الرواية الاسم الذي كان سماه به أبوه لأنه لم يكن متحسنا فسكت الراوي عن تعيينه.
وكان صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة والشفقة بالصغار، بحسن معاشرتهم، ويحملهم ، ويضعهم في حجره، ويقبلهم، ويعانقهم، ويمسح على رؤوسهم، وينهى عن قتل الأولاد في الحرب، فهم أطفال أبرياء لا يؤخذون ولا يؤاخذون بجريرة آبائهم المناوئين للهداية الربانية. روى البخاري في باب بول الصبيان وفي باب وضع الصبي في الحجر عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فاتبعه إياه) (4)، وهكذا ينتهي الأمر بغاية التبسيط والتيسير، يغسل ما أصابه من بول الغلام دون ضجة ولا كراهية ولا امتعاض.
وفي باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته روى البخاري هذه الأحاديث :
عن ابن أبي نعم قال : كنت شاهدا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض، فقال : ممن أنت ؟ .
فقال : من أهل العراق.
قال : انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم ! وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « هما ريحانتاي من الدنيا».
- عن عائشة قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته ، فقال : «من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار».
- عن أبي قتادة قال : خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضع وإذا رفع رفعها.
- - عن أبي هريرة قال : قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الاقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: أن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم».
- عن عائشة قالت : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أو أملك لك أن نزع الله قلبك الرحمة؟ » (5).
  وفي هذه الأحاديث مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم على الأطفال ورحمته بهم حبه له، حتى أنه ليحمل أمامه بنت ابنته زينب وهو في الصلاة، يضعها على الأرض إذا هوى للركوع، ويحملها مرة ثانية إذا رفع من السجود. بل كان صلى الله عليه وسلم يخفف الصلاة والناس مؤتمون به إذا سمع بكاء صبي حتى لا تفتن أمه في صلاتها ولئلا تبطئ عن إسعاف حاله وإصلاح شأنه.
روى البخاري في باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فاتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه » (6).
وشرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عيادة الصبي المريض، وكان يمسح بيد البركة والرحمة والحنان على رأس الطفل المريض ويدعو له، وفي باب عيادة الصبيان روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن ابنة للنبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه . . . فرفع الصبي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه تقعقع، ففاضت عينا النبي، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال : «هذه الرحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» (7). وفي باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له روى عن السائب بن يزيد قال : ذهبت بي خلتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول أن ابن أختي وجع.
فمسح رأسي ، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوءه (8)
وكان ظئر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم (أي زوج مرضعته) قينا ( أي حدادا) وكان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يذهب لزيارة ولده إبراهيم.
روى البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا بك لمحزونون عن أنس بن مالك قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين – وكان ظئرا لإبراهيم - ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله؟ فقال : «يا بن عوف إنها رحمة»، ثم اتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم : «أن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (9).
وجعل عليه الصلاة والسلام من أعظم الذنوب أن يقتل الإنسان ولده كما كان منتشرا عند أهل الجاهلية. روى البخاري في باب قتل الولد خشية أن يأكل معه عن عبد الله بن مسعود قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال : «أن تجعل الله ندا وهو خلقك». قال: ثم أي؟ قال : «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك». قال : ثم أي؟ قال : «أن تزاني حليلة جارك». وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم : «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر» (10).
وروى البخاري في باب قتل الصبيان في الحرب عن ابن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وفي رواية : فنهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء و الصبيان (11).
أما عن ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال ومداعبته لهم فقد روى البخاري عن محمود بن الربيع قال : عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو (12). أي أن النبي عليه الصلاة والسلام ملأ فمه ماء دلو ثم أفرغه في وجه الطفل الصغير محمود بن الربيع من باب المزاح والمداعبة.
وكان لأخي أنس الصغير وكنبته أبو عمير نغير (طائر) يلعب به، فمات، فحزن عليه. روى البخاري في باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، وكان إذا جاء قال : «يا أباعمير، ما فعل النغير؟ » (33).
وروى البخاري في باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها عم أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سنه سنه». قال عبد الله : وهي بالحبشية حسنة. قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : «دعها» ثم قال : «ابلي واخلقي ثم ابلي واخلقي ثم ابلي واخلقي» (14). دعا لها بطول العمر ثلاث مرات.
ومما رتب النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل لمن يعول طفلا يتيما أنه جعله معه في الجنة،فقد روى البخاري في باب فضل من يعول يتيما عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وقال بأصبعيه السبابة والوسطى (15). أي قرنهما وأشار بهما.

أما في مقام التربية فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلك سبيل التقريع أو التعنيف فضلا عن اتباع طريقة الضرب، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها فيما رواه الإمام مسلم قالت: ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله ) (16). وقال أنس بن مالك الذي خدم رسول الله عشر سنين قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة – أي زوج أمه – بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أن أنا غلام كيس فليخدمك. قال أنس فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟ ) (17).
وقال عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كنت غلاما في حجر رسول الله صلى اله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد ) (18).
وكذلك يروي البخاري في أدب السلام بين الصغار والكبار في باب يسلم الصغير على الكبير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (19).
وقد عني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يهيء الطفل ويدفعه إلى حياة المستقبل الكريمة، ومن ذلك تحريم أكل أموال اليتامى، فقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا : يا رسول الله وما هي؟ قال : «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (20). والطفل إذا كان له مال فهو بحاجة إلى من يحفظه له يحفظه له وينميه بالطرق المشروعة الحلال، وإذا لم يكن له مال فهو بحاجة إلى أن يترك له والده ما يستعين به على مواجهة الحياة ومتطلباتها، ولذلك لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يعود سعد بن أبي وقاص وهو بمكة مريض، وأراد أن يوصي خشية أن يدركه الموت وأن كان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، ويروي البخاري عنه قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال : «لا» قلت : فالشطر ؟ قال: «لا»، قلت : فالثلت؟ قال: «فالثلث، والثلث كثير، أنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وانك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك الناس ويضر بك آخرون». ولم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة (21)، ومع ظلم لم يسمح له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصي من ماله بأكثر من الثلث، رعاية لحق ابنته ولما قد يرزقه الله من أولاد إذا من عليه بالشفاء. وحتى يكون الأولاد جميعا متساوين في هذا الحق، أراد من الناس أن يسووا بين أولادهم في العطية، فقد روى البخاري في باب الهبة للولد عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما. فقال : «أكل ولدك نحلت مثله؟»، قال : لا ، قال : «فأرجعه» (22). وفي باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر روى البخاري عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أنها قالت لبلال : سل النبي صلى الله عليه وسلم أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ فدخل فسأله، قال : «ونعم ولها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (23)، فجعل نفقة الأم على أولادها ليس فيه أجر واحد بل أجران.
وكان عليه الصلاة والسلام يشعر الأطفال بشخصيتهم، ويربي فيهم روح الفتوة والشباب، ولم يكن تسليمه مقصورا على الكبار، بل كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ويمح على رؤوسهم ويدعو لهم، فقد روى البخاري عن أنس  بن مالك رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله) (24). وقال ابن حجر : رواه النسائي بلفظ: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم).
وجعل النبي عليه الصلاة والسلام سن الخامسة عشرة حدا بين الصغير والكبير، وبذلك عجل بنقل الأطفال إلى صف الكبار، وسواء أكانوا ذكورا أم إناثا، بينما لا يزال العالم حتى اليوم لا يدخل في صنف الكبار إلا من بلغ الثامنة عشرة أو الحادية والعشرين. روى البخاري في باب بلوغ الصبيان وشهادتهم عن نافع مولى عبد الله بن عمر قال: ( حدثني ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. قال نافع : فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث فقال: أن هذا لحد بين الصغير والكبير. وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة) (25). قال شارحه ابن حجر : ( زاد مسلم في رواية : ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال. وقوله «أن يفرضوا» أي يقدروا لهم رزقا في ديوان الجند، وكانوا يفرقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء، وهو الرزق الذي يجمع في بيت المال ويفرق على مستحقيه). ومعنى قول ابن حجر هذا أي أن كل مولود ولد في الإسلام كان يفرض له عطاؤه من بيت مال المسلمين، فإذا أصبح كبيرا ودخل سن المقاتلة المجاهدين يزاد له في العطاء، والحد الأفصل بين الصغير والكبير أما عن الجانب الذي يتعلق بالإسلام الطفل وعبادته فقد أورد الإمام البخاري منه أبوابا متعددة في صحيحه مما ثبت عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأساس في هذا تأكيد النبي عليه الصلاة والسلام أن كل طفل يولد فإنما يولد على الاستقامة والصدق والنقاء، وأن الانحراف إنما يصرا على الإنسان بتأثير البيئة المحيطة وأولها الأبوان، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟» قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال : «الله أعلم بما كانوا عاملين» (26).
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الصبيان إلى الإسلام ويعرضه عليهم، وهذا دليل على صحة الإسلام منهم، فقد روى البخاري في باب كيف يعرض الإسلام على الصبي عن ابن عمر أن عمر انطلق في رهط من أصحاب النبي مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ابن صياد (وهو غلام يهودي) حتى وجده يلعب مع الغلمان عند أطم بني مغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم، فلم يشعر بشيء حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ، «أتشهد أني رسول الله؟» فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الله الأميين، . . . (27). وفي باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام ؟ روى عن أنس قال:( كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا قاسم. فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقده من النار») (28).
وبالنسبة لوضوء الطفل روى البخاري في باب وضوء الصبيان حديثا فيه وضوء عبد الله بن عباس وصلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل، مشيرا بذلك إلى صحة الطهارة والصلاة من الطفل المميز وأنه يثاب عليها، وهو عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بت عند خالتي ميمونة ليلة، فنام النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان في بعض الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا، ثم قام يصلي، فقمت فتوضأت نحوا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله . . . (29).
أما الغسل فذكر في باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (30).
وكان الأطفال يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي، ويصفون خلف الرجال أمام صفوف النساء، وكانوا يشهدون الجمعات والجماعات والأعياد والجنائز، وقد روى البخاري في باب خروج الصبيان إلى المصلي عن ابن عباس قال: ( خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى، فصلى العيد، ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة) (31)، وروى في باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر قد دفن ليلا فقال: «متى دفن هذا؟ قالوا البارحة، قال : «أفلا آذنتموني؟»قالوا : دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك.فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس وأنا فيهم، فصلى عليه(32).
وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم  على رب الأسرة أن يخرج زكاة الفطر عنه وعن أطفاله، وفي ذلك تعويد للطفل على التصدق وأن صيامه لا يكون مقبولا إلا بمواساة المساكين والمحتاجين، وفي باب صدقة الفطر على الصغير والكبير روى البخاري عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك) (33). وأشار البخاري إلى أن أموال الصدقات لا تحل إلا لمستحقيها، وأن ولي الطفل ينهاه عن أن يمس أموال الصدقات إذا لم يكن من أهلها، ففي باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة؟ روى عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالتمر عند صرام النخل، فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كوما من تمر، فجعل الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعله في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه فقال: «أما علمت أن آل محمد - صلى الله عليه وسلم – لا يأكلون الصدقة؟» (34).
وكان أطفال الصحابة رضي الله عنهم يصومون فقد روى البخاري في باب ( صوم الصبيان، وقال عمر رضي الله عنه لنشوان في رمضان «ويلك وصبياننا صيام»فضربه) روى عن الربيع بنت معوذ قالت: ( أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم، قالت: فكنا نصوم صبياننا/ ونجعل لهم اللعبة من العهن(الصوف) فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار ) (35)).وهكذا تروي لنا هذه الصحابية رضي الله عنها كيف كانوا يعودون الأطفال الصغار على الصوم ويلهونهم باللعب انتظارا لوقت الإفطار. وفي باب حج الصبيان روى البخاري عن السائب  بن يزيد قال : ( حج بي مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين ) (36).
وأختم هذه المقالة بتعليم الأطفال القرءان وتحفيظهم إياه، فهو غذاء قلوبهم بالإيمان وعقولهم بالعلم والمنهاج، وقد روى البخاري في باب تعليم الصبيان القرءان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( جمعت المحكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل (37). وعبد الله بن عباس من أطفال الصحابة فقد ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومراده بالمحكم أو المفصل هو الحزب السابع من أحزاب القرءان حسب ما كنا في زمن النبوة وهو من سورة ق إلى آخر المصحف الشريف.


1) صيح البخاري مع فتح الباري 12/ص 3 – 5.
2) ج 12 / ص 9.
3) 13/196.
4 ) 1/338 و 13/40.
5) 13 / 32 – 36 ، وروى حديث أبي قتادة كذلك في 2 / 137.
6) 2 / 344.
7) 12 / 222.
8) 12 / 231 و 13 / 401.
9) 3/ 416.
10) 13 / 40.
11)  6 / 489.
12) 1 / 181.
13) 13 / 204.
14) 13 / 31.
15) 13 / 43.
16) صحيح مسلم مع شرح النووي 15 /84.
17 ) صحيح البخاري 6 / 324.
18) 11 / 450.
19) 13 / 252.
20) 6 / 322.
21) 6 / 292 – 297.
22) 6 / 139.
23) 4 / 70.
24) 13 / 269.
25) 6 / 204-206.
26) 14 / 295.
27 ) 6 / 512.
28) 3 / 464.
29) 2 / 490.
30) 3 / 11، 32.
31) 3 / 117.
32) 3 / 433، 443.
33) 4 / 120.
34) 4/ 93.
35) 5/ 104.
36) 4 / 443.
37) 10 /460.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here