islamaumaroc

التبعية

  دعوة الحق

196 العدد

** الارتباط بالاستعمار، بشكل أو بآخر، ظاهرة عامة في دول العالم الإسلامي؛ فقد تكون للدولة إدارة مستقلة، وراية وطنية، ونشيد وطني، ومقعد في هيئة الأمم المتحدة، وليس لها من الاستقلال إلا الشعار والمظهر، وليس لها من حرية التصرف والمبادرة ألا ما للسجين المطوق داخل سجن فسيح شاسع ممتد. فالمظهر لا بغير من الجوهر في شيء.
وللاستعمار قدرة خارقة على التغلغل والنفوذ والهيمنة والاكتساح. وهذه الأساليب ليست جديدة حتى يوصف اليوم هذا النوع بـ «الاستعمار الجديد». فهذه خدعة وضرب من التلاعب بالألفاظ.
وفي الارتباط بالاستعمار انحلال وضعف وهوان، حينما يتصدى الأمر التعاون التقني، والتبادل التجاري،واكتساب الخبرة التكنولوجية، والاقتباس من فنون التطور الاقتصادي في جانبه المادي المحض، في هذه الدائرة يمكن التجاوز- نسبيا- عن هذا النوع من الارتباط لأنه وليد الضرورة، ومطلب حيوي ملح لا غنى عنه. ولكن الخطورة، وفقدان الشخصية، وضياع الاستقلال، وضعف الهمة، في الانحياز المطلق غير المشروط إلى القوى الأجنبية بحيث تتشابك المصالح وتمتزج بصورة يصعب التفريق معها بين الغالب والمغلوب.
* نعتقد أن هذه بديهية لا تستحق كبير عناء في الشرح والتحليل، ولكن كم البديهيات في زمن الغفلة والشرود واليته، تدق عن الفهم، وتستعصي عن الإدراك؟
ولقد اعتاد المفكرون والمنظرون ومحللو السياسة الدولية على تصنيف الدول إلى رأسمالية واشتراكية، حتى وقر في أذهان الناس أن
الدولة أما أن تكون رأسمالية ليبرالية، أو تكون اشتراكية شيوعية. وفي كلتا الحالتين هي تابعة ومرتبطة بالمعسكر إلام الذي يقود هذه النظرية السياسية أو تلك.
ومن هنا تنبع الصعوبات التي تلقاها الدول الرافضة الدخول في إطار هذه اللعبة، إذ تأبى الانحياز إلى احد المعسكرين المتصارعين، وأن تكون نابعة لهذه الدولة أو تلك، من قريب أو بعيد.
والمغرب في مقدمة هذه الدول من في ذلك شك..
لو كان المغرب منحازا إلى إحدى القوانين لما تكبد كل هذا المشاق ونحمل كل هذه التضحيات التي تفوق الحصر دفاعا وصمودا ومواجهة ونباتا وحماية لمكتسباته.
ولا عجب، والحالة هذه، أن نجد هناك شبه إجماع على إقامة دولية عملية ماركسية في صحرائنا المسترجعة من طرف القوى الاستعمارية الدولية، وأن أخفى بعضها تخطيطه وتآمره ونيته تحت قناع من هذه الأقنعة المزركشة التي لم تعد تنطلي حيلها على ذوي العقول وأرباب الفهم.
وتلك تضحية شريفة نتحملها عن طيب خاطر، ما دامت تؤمن لنا وجودا مستقلا، وتضمن لبلادنا حرية التحرك والمبادرة واتخاذ القرار الوطني، الذي نعتقد في صحته وجدواه وضمانه لمصلحتنا العليا.
* وكما تكون التبعية أو عدمها في السياسة والدبلوماسية والاقتصاد، تكون كذلك في الفكر والثقافة والإعلام والتعليم، وإذا كنا أحرارا في اختياراتنا السياسية ومستقلين في موقفنا الدبلوماسية، فمن باب أولى أن نكون كذلك فيما يتصل بتشكيل وحداتنا وتكوين عقليتنا وصياغة تصورنا للحياة والكون.
إن التبعية في الفكر أشد ضررا وخطورة من التبعية في أساليب الحكم والاقتصاد والتعامل الخارجي. لأن في الحالة الثانية يمكن انتحال الأعذار وإيجاد المبررات التي قد تقنع فئة دون أخرى استنادا إلى الضغوط والتحديات والمتغيرات الدولية وتوازن القوى، إلى ما يردد دائما في مثل هذه الحالات. بينما في الحالة الأولى، وحينما يتعلق الأمر بفكر الأمة ووجدانها وعقلها، يتعذر إيجاد سبب مقنع للتخلي عن الذاتية، والتفريط في المقومات، والانسلاخ عن القيم التي تشكل الكيان المعنوي للأمة.
وإذا كانت التبعية تفرض نفسها أحيانا كشكل من أشكال الارتباط الحتمي، وخاصة في الميدان التقني الصرف، بحكم ظروف التخلف – مثلا- فلا تثير شبهة ولا تلحق عارا بأحد، فإنها في الميدان الفكري
تعتبر تفريطا لا يغتفر، غالبا ما يؤدي إلى وضعية تمس الاستقلال السياسي، وتعرض البلاد للخراب والإفلاس، ناهيك عن سوء الأحدوثة، وتدهور السمعة، وزوال الهمة والهيبة، على الصعيدين الداخلي والخارجي.
* ومن هذا المنظور، وبهذا الفهم المستوعب لجوانب القضية، يمكن القول أن التبعية سواء أكانت في الفكر والثقافة، أم في السياسة والدبلوماسية، وفي النظرية أم في التطبيق، تعتبر حالة ضعف، ومجلبة للمذلة والهوان والمسكنة.
ومن ثم يصح القول أن التحرد في الميدان الفكري، والاستقلال في الثقافة والإعلام والتعليم،يؤدي حتما إلى تعزيز الموقف السياسي للدولة، وتقوية نفوذها على الصعيد العالمي، ويجعل لكلمتها الصدى الواسع والتأثير المنشود.
* التحرر من التبعية ضرب من الاستقلال المعنوي القوي، الذي يعطي للشخصية الوطنية ثقلا ووزنا، ويقي البلاد ضد المؤثرات الخارجية، ويرفع من شأن الأمة، ويجعلها دائما مرهوبة الجانب، عزيزة الكيان، قوية البنيان.
ونعتقد أن هذا سبيل المغرب. ليس فقط في الميدان الدبلوماسي والسياسي، ولكن أيضا في المجال النظري والتصوري.
وكلتا الحالتين متلازمتان ومرتبطتان، بحيث لا يمكن الفصل بينهما لكسب معارك التحدي وبناء مغرب القرن القادم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here