islamaumaroc

الصفحة السياسية

  دعوة الحق

3 العدد

كان شهر غشت المنصرم شهرا مثقلا بالأحداث الجسام في الداخل والخارج، ولم يكن ذهاب جلالة الملك للاستجمام بضعة أيام ليجعل الركود يخيم على المصالح الحكومية كما يقع عادة عند أمم أخرى في مثل هذا الفصل، بل حرص على أن لا يتغيب جميع الوزراء عن العاصمة، وأمر بأن لا يتمتعوا برخصهم السنوية كاملة، نظرا للمشاكل العديدة التي تواجهها البلاد، وطبقا لهذه الإرادة السامية فإن الوزراء تغيبوا عن العاصمة بالتناوب ولمدة بضعة أيام فقط.
وقد افتتح في أوله المعهد الصيفي الدولي أشغاله بتومللين، بخطاب قيم ألقاه سمو الأمير مولاي الحسن وحضره ما يزيد على مائتي عالم يمثلون ستا وعشرين دولة، من بينهم كبار الفلاسفة والمفكرين، وألقيت فيه محاضرات ذات أهمية كبرى تناولت جوانب كثيرة من التفكير الإنساني، ومن جملتها محاضرة الأميرة عائشة عن تطور المرأة المغربية، وبعدما اختتم المؤتمرون أشغالهم حضروا إلى الرباط حيث استقبلهم جلالة الملك قبل صلاة جمعة يوم 23 غشت، وتحدث إليهم عن سماحة الإسلام وفضائله السامية.
واحتفل المغرب خلال هذا الشهر بثلاث ذكريات قومية عزيزة، ذكرى وقعة وادي المخازن (4غشت) التي انتصر فيها الجيش المغربي على الجيش البرتغالي، وذكرى مولد الملك (10غشت)، وذكرى ثورة الملك والشعب (20غشت)، وقد جرت الذكرى الأولى في دائرة محدودة لم تتعد مكان المعركة والقبائل المحيطة به، ووقعت الثانية في بساطة تامة وقوفا عند رغبة صاحب الجلالة الذي أراد ألا تتجشم الأمة مشاق وتبذل نفقات في مولده، وأما الثالثة فإنها جرت في نطاق واسع شمل البلاد كلها، وامتازت بنقل جثمان الشهيد علال بن عبد الله من القبر الوضيع الذي أراده له الاستعمار إلى القبر الرفيع المعروف الذي أراده له الاستقلال، كما امتاز بالخطاب القيم الذي ألقاه جلالة الملك فمجد فيه الشهداء، وقرر مبدأ إطلاق أسمائهم على شوارع المدن وساحاتها، وعزم حكومته على أن تحوط بالعناية كل من ساهموا في المقاومة والتحرير، منذ بدأت الحركة السياسية في المغرب إلى أن أخرج منه الاستعمار مذموما مدحورا.
واجتازت العلائق بين المغرب من جهة، وفرنسا واسبانيا من جهة أخرى، مراحل صعبة خلال هذا الشهر، ودخلت في مآزق حرجة، أما التوتر بين فرنسا والمغرب فكان حول شروط اتفاقية الاستيطان التي ظهر بوضوح أن الفرنسيين يرمون من ورائها إلى فرض معاهد حماية اقتصادية، وقد أشعر وزير الخارجية، المكلف بشؤون سفارة فرنسا بالرباط، أن المغرب لا يمكنه أن يمضي في المفاوضات قدما إلى الأمام بعدما اشتط الفرنسيون في الطلب وتراجعوا عما وقع الاتفاق عليه بين الخبراء، وانعقد مجلس وزاري بالوليدية صدر على إثره بلاغ حازم يؤكد عزم جلالة الملك على المحافظة على حرية المغرب واستقلاله، وفي الحين أوفدت الحكومة الفرنسية الكولونيل طويا إلى الرباط لإصلاح ذات البين، وكان من نتائج تردده على الرباط تسمية سفير مغربي بباريس، وإلغاء تأشيرة السفر بين البلدين، وسافر وفد المفاوضات المغربي إلى باريس. وأما المصاعب مع اسبانيا فترجع إلى موقفها المتعنت من قضية إيفني، وعدم إقرارها بالحق القاضي بعودة هذا العضو من جسم المغرب إليه، وقد استدعي السفير المغربي بمدريد إلى الرباط حيث كلفه جلالة الملك بلفت نظر الحكومة الاسبانية إلى خطورة الحالة وتنبيهها إلى ما يخلفه موقفها من آثار سيئة في نفوس المغاربة.
وسافر وزير الخارجية إلى ماليزيا عبر أوربا وآسيا للحضور في استقلالها، وقد حمل معه خطابات من جلالة الملك إلى ملوك ورؤساء الدول التي مر بها، وأجرى في كل من روما وطهران وكراتشي ودلهي وجاكارطا محادثات ذات أهمية كبرى حول الشؤون العالمية، واكتست محادثاته بروما صبغة خاصة لأنها تناولت الهدف الذي يرمي إلى قيام تعاون اقتصادي وثقافي وسياسي بين دول البحر المتوسط ولاسيما دول حوضه الغربي.
وبجانب هذا الوجه من النشاط فإن المغرب ما زال سائرا في طريق البناء والإنشاء والتنظيم، فقد توبعت الأعمال في طريق الوحدة، وعاد الضباط من الخارج، ووزعوا على وحداتهم المرابطة بمختلف الجهات، واتخذت تدابير اقتصادية ونقدية من شأنها أن تنمي الصادرات وتحمي ثروة البلاد، وأعلن عن اكتشاف الغاز البترولي بناحية الصويرة، ووصلت بعثة من الخبراء الصناعيين الإيطاليين لدراسة إمكانيات المغرب، ووضع التصميمات لجعله بلدا صناعيا من الطراز الأول.

[الصيف خارج  الحدود]
[الجزائر:]
وإذا تركنا المغرب جانبا وابتعدنا عنه قليلا إلى الخارج وجدنا المعركة في القطر الجزائري الشقيق، فالقتل والتشريد والتخريب وانتهاك الأعراض وكبت الحريات أصبحت شعار الحركات والسكنات هناك، وقد حدثت مجازر رهيبة خلال ذلك الشهر هناك سيما بندرومة وتلمسان، كما أمعن الفرنسيون في قتل المسلمين، وتقدر دوائر لاكوست أن عدد من يموت منهم من كل أسبوع يبلغ ثمانمائة، أما في الميدان السياسي فإن حكومة باريس بدأت تستعجل من أمرها ما كانت تستأجل، انتظارا للقضاء النهائي على الثورة، فقد اقترب ميقات اجتماع الأمم المتحدة، وأصبح لزاما على فرنسا أن تواجه الضمير العالمي الممثل فيها، والمستنكر لخططها الحربية، وأفكارها الجامدة، ولذلك شرعوا في باريس يحررون نظاما أساسيا يعرضونه على الهيئة الأممية برهانا على روحهم التحررية، وقد اجتمع الوزراء الفرنسيون يوم 21 غشت لوضع المشروع في قالبه النهائي. ويتلخص المشروع في تقسيم الجزائر إلى عدة نواحي، يكون لكل ناحية مجلسان تشريعي وتنفيذي ثم يتكون اتحاد فيدرالي بين هذه المجالس بإنشاء مجلسين آخرين بين العاصمة الجزائرية، ومحكمة للفصل في الخلافات بين هذه النواحي يكون مقرها بباريس، وستكون الجزائر فرنسية، ممثلة في المجالس الدستورية بباريس، ويكون على رأس المجالس التنفيذية موظف فرنسي حتما، أما المجالس التشريعية فستنظر في الشؤون المحلية كقضايا الأسعار والأجور وتوزيع المياه بين الفلاحين، أما الخارجية والجيش والشرطة والمالية والاقتصاد والبريد والتعليم والعدلية فهي من اختصاصات السيادة الفرنسية.

[عمان:]
وتغلبت قوات صاحبة الجلالة البريطانية على الأحرار الذين كان يقودهم إمام عمان، ودخل الجيش الإنجليزي إلى نزوة بعدما دكها سلاحه الجوي هي وعدد من الحصون بقنابله الثقيلة، وانتقلت المقاومة الآن إلى الجبل الأخضر الذي يعتصم به الإمام وأتباعه، وقد طلبت الدول العربية اجتماع مجلس الأمن للنظر في الاعتداء الإنجليزي، فرفض الطلب لأنه لم يحصل إلا على أربعة أصوات من أحد عشر صوتا، وستعرض القضية على الاجتماع العام للأمم المتحدة في دورته المقبلة.

[سوريا:]
وعاد إلى دمشق السيد خالد العظم وزير الدفاع السوري وزميله صلاح الدين البيطار بعدما أمضيا اتفاقيات تجارية مع الاتحاد السوفياتي، والجمهورية التشيكوسلوفاكية، وقد استطاع الوزيران أن يحصلا على إعانات مالية وحربية وفنية من ذينك البلدين الشيوعيين بدون قيد ولا شرط، وفي الحين ثارت ثائرة الدول الغربية ومن يسبح في فلكها من الدول الشرقية الضعيفة، سيما بعد اكتشاف مؤامرة أمريكية كانت ترمي إلى قلب نظام الحكم في سوريا وضمها إلى مبدأ ايزنهاور وبالتالي إلى حلف بغداد، واتهم الجنرال أديب الشيشكلي والكولونيل إبراهيم الحسيني الملحق العسكري بسفارة سوريا بروما بالعمل لحساب الأمريكيين، وأعلنت سوريا أن بعض الديبلوماسيين الأمريكيين أصبح بقاؤهم غير مرغوب فيه، فردت أمريكا على ذلك بطرد السفير السوري فريد زين الدين من واشنطن، وشنت صحافة الغرب وإذاعاته حملات عنيفة على النظام القائم في دمشق، وأصبح الكولونيل عبد الناصر في نظرها رجل الحكم والاعتدال، وصورت سوريا بصورة التابع الوضيع للاتحاد السوفياتي، وكان أكثرها حردا وأشدها ضراوة صحافة فرنسا التي بلغ بها الهوس إلى حد الزعم بأن آلافا من الروسيين وصلوا بالفعل إلى سوريا وأخذوا مراكزهم في الخطوط الأمامية المواجهة لتركيا وإسرائيل، وحتى كتابة هذه الأسطر استطاع السوريون أن يحتفظوا بزمام الحالة بين أيديهم، ولكن المؤامرات ما زالت تحبك سواء في نيويورك أو على ضفاف البوسفور، ولا يمكن من الآن التنبؤ بما سيسفر عنه المستقبل القريب أو البعيد.

[التسلح:]
وواصلت اللجنة الدولية لنزع السلاح اجتماعاتها خلال هذا الشهر في مجادلات أكاديمية عقيمة، وكلما تقدم الروس بمشروع تقدم الغربيون بآخر معاكس، ومن المؤكد أن الاجتماعات الحالية لن تسفر عن نتيجة إيجابية، لأن سوء النية يخيم على المؤتمر العتيد المجتمع في عاصمة الإنجليز، وسيكون على الأمم المتحدة أن تنظر في المسألة من نقطة البداية أثناء اجتماعها في شهر شتنبر المقبل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here