islamaumaroc

بين جيلين.

  دعوة الحق

العددان 188 و189

يكاد يكون في بلادنا شبه إجماع على أننا نعيش ونواجه أزمة إبداع فكري وأدبي وثقافي، توشك أن تضيق علينا الخناق في هذا الجانب أو ذاك من جوانب حياتنا الفكرية والأدبية والثقافية ... وقد قلت أزمة إبداع ولم أقل أزمة نشر، فعلى وفرة  وغزارة ما تقذف به إلينا المطابع كل شهر من مجلات وكتب، تنتمي لهذا اللون من الأدب أو ذاك، فإننا لا نعثر فيها إلا على مستويات هزيلة –وأحيانا هابطة ورخيصة- من الانتاج الأدبي نثرا كان أو شعرا.
إن الجيل المعاصر من الكتاب والشعراء الذي نقرأ له اليوم، أحسن حظا من أجيال أدبنا في فترة الثلاثينيات وحتى الخمسينيات في أوجه النشر ومجالاته المفتوحة له الآن بدون قيد أو شرط. ألا  ترى من هؤلاء من يطلع علينا برواية أو مجموعة قصصية أو مجموعة شعرية، ولما يمض على  كتابتها نصف السنة أو السنة على أكثر تقدير؟ لكن المرء حين ينتهي من قراءة تلك المجاميع، على تنوع أساليبها وتعدد موضوعاتها، لا يكاد يخرج منها بما يضيف إلى وجدانه وضميره شيئا يحس به إحساسا صادقا، يؤثر في ذلك الوجدان والضمير، ويعمق فيهما الروابط والصلات التي تكون مقومات الشخصية الذاتية أو الشخصية الجماعية، ويغذيهما بالقيم الأدبية والروحية والجمالية  الأصيلة، كما كان الشأن بالنسبة للكتابات والمقالات والقصائد التي كان يكتبها أدباؤنا وشعراؤنا منذ عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن على صفحات مجلاتنا الثقافية والأدبية التي كانت تصدر في تلك الفترة.
وليس قصدي هنا أن أعقد مقارنة بين ما يكتبه جيلنا المعاصر وما كانت تكتبه أجيال تلك الفترة، فتلك مهمة صعبة لا ينهض بها إلا من عاش وعايش بالقراءة والكتابة والدراسة والنقد كتابات أجيالنا الثقافية المتعاقبة وما تنتجه في شتى ألوان وفنون الأدب. وقد قلت مهمة صعبة، لأن من أوجه الصعوبة فيها أن إنتاج أدباؤنا وشعرائنا منذ فترة الثلاثينيات حتى الآن، لا زالت الصحف والمجلات التي كانوا يكتبون فيها تنطوي على ذلك الإنتاج الخصيب، وإن كان بعضهم قد تيسرت له فرص ومناسبات لجمعه وترتيبه ونشره على الناس في كتاب أو كتابين..
ولقد ظهر اختلاف في مفاهيم الأدب والكتابة والنقد من جيل إلى آخر، وهذا الاختلاف أمر بديهي ما دامت المسألة تتعلق بطبيعة الأدب والكتابة والنقد التي هي من أكثر المسائل تطورا وتغيرا في الحياة لارتباطها والتصاقها بها ارتباطا والتصاقا حميمين، ومادام المجتمع الذي عاش فيه كل جيل أدبي، كان يتسم بدوره بعلاقاته وملامحه الخاصة التي تميزه وتجعله مجتمعا متفردا بخصائصه، مع احتفاظه بقواعد ومقدمات كيانه الجوهري روحيا وماديا وحضاريا ...
وكان لهذا الاختلاف في المفاهيم، انعكاساته وتأثيراته المميزة على الرؤية الخاصة لكل أديب أو شاعر، لما يطرأ على المجتمع من تطورات وعلاقات جديدة سواء على بنيته الكلية أو الجزئية، كما كان لذلك الاختلاف اتجاهات عديدة اتخذت في بعض الفترات شكل التيار أو المدرسة وأحيانا شكل المذهب الأدبي الذي ينفرد عن غيره بآرائه وأفكاره وقيمه و رؤيته التي يتبناها أصحابه ويدعون إليها على صفحات الجرائد والمجلات، بالتصريح حينا أو بالإشارة حينا آخر..
وقد خلف لنا ذلك الاختلاف في المفاهيم الأدبية والنقدية بين جيلنا المعاصر والأجيال السابقة، آثارا أدبية وفكرية عميقة تتفاوت قيمتها من جيل إلى آخر. غير أن ما يلفت نظرنا أثناء قراءاتنا الدراسية أو النقدية إلى تلك الآثار، هو أن ما كتبه منها جيل الأربعينيات أو الخمسينيات مثلا، كان يتسم أولا بالأصالة التي تعتبر في ميزان النقد والتحليل ذات قيمة لا يمكن غض النظر عنها أو تجاهلها بدعوى أو بأخرى. والمعنى المراد بالأصالة هنا ليس التشبث بأهداب الماضي الفكري تشبثا أعمى، وليس الدفاع عن تقاليده دفاعا ينبذ معطيات الجديد وتقتصر رؤيته على زوايا وأبعاد معينة، وليس تبني موروث الماضي الأدبي والثقافي على علاته، في محاولة لصيانة وحماية قيمه عن طريق اجترارها لطرحها في النهاية في أي شكل من الأشكال الأدبية... إن الأصالة في الكتابة هي أولا وقبل كل شيء، الإيمان والصدور عن طبيعة الشخصية المغربية وروحها المتفردة بالخصائص والهيئات العالقة واللاصقة بها، والتعبير عن ذاتيتها المتميزة، من أجل تطوير تلك الطبيعة، والارتقاء بالروح إلى مدارج الشفافية والسمو والكمال، وتطعيم الذاتية بالقيم الحضارية الجديدة التي ثبت صلاحها وفرضت نفسها في البنيان الاجتماعي كإحدى الحوافز والدوافع التي تزود الإنسان بالأفكار الجديدة البناءة التي  تسهم في تقدمه وتطوره.
والأصالة بهذا المفهوم لا تعني نبذ الماضي، فالماضي جزء من الشخصية، وحتى في حالة ارتباطها به، فهو ارتباط استفادة واستثمار لما ينطوي عليه ذلك الماضي من إيجابيات ومعطيات خلاقة تمد أدبنا المعاصر، وتمد الجيل الذي يتحمل مسؤولية التعبير عن آمال وهموم أبناء مجتمعه، بنفس جديد نحن أحوج ما نكون إليه، خاصة  وأننا نعيش ونواجه أزمة إبداع توشك أن تضيق علينا الخناق في حياتنا الأدبية والفكرية والثقافية، كما قلت في صدر هذه الكلمة.
والسؤال الآن هو: أين تلك الأصالة وأين مظاهرها في ما يسمى بالأدب الحديث الذي ينشؤه جيلنا المعاصر، بذلك المفهوم الذي طرحناه للأصالة؟
إن أية قراءة –عابرة أو متأنية- لذلك «الأدب»  تجعلنا نقف منه وقفة تأمل ودراسة عميقة. ذلك أننا –قراء أو دارسين أو ناقدين أو باحثين- نتجه دائما إلى فنون الأدب وألوانه ومذاهبه ومدارسه ليس الاستمتاع فقط، وإنما بالدرجة الأولى بحثا عن «شخصية» هذا الأدب الذي نقرأه، أين تكمن تلك الشخصية؟ ما هي الملامح والظواهر الكلية والجزئية التي تدل على تلك الشخصية وتشير إليها؟ ما هي الخصائص والهيئات التي يتفرد بها ذلك الأدب في تعبيره عن الشخصية؟
وأظن أننا لو استبعدنا من ذهننا وفكرنا هذه الأسئلة أثناء قراءاتنا لنا إجابة عن تلك الأسئلة أو بعضها، فإننا نسقط في متاهة العبث واللهو واللعب ونقتل الوقت كما يقولون، كما سقط أصحاب ذلك الأدب الذين تجشموا مشقة في الكتابة، ما كان أغناهم عنها ماداموا لا يريدون ولا يقصدون إلى شيء إلا إلى ذلك العبث واللهو واللعب بنا وبأفكارنا، مهما تفننوا في أساليبهم، وتلاعبوا بألفاظهم، وحسنوا من وسائل وأدوات اجتذاب القارئ إليهم وإغرائه، ومهما ذهبوا هذا المذهب في الكتابة أو ذاك.
فإذا أردنا مثلا أن نبحث عن الشخصية المغربية في الإنتاج الأدبي الحديث، بكل فنونه وألوانه المعروفة، لم نجد فيه لهذه الشخصية أثرا من الآثار، أو علامة من العلامات التي تدل عليها وتشير إليها وتنم عنها. فالشخصية المغربية منعدمة في ما ينتجه الجيل المعاصر من كتابنا وشعرائنا أو تكاد تنعدم على أقل تقدير.
تناول على سبيل المثال رواية أو أقصوصة أو قصيدة مما ينشر هنا أو هناك، ولن أسمي لك تلك الرواية أو الأقصوصة أو القصيدة! –إنك إذا ألغيت من الرواية –مثلا- أسماء الأشخاص الذين
يتحركون فيها، وأسماء الأمكنة التي يضطربون فيها، ثم تناولت «نمط الأسلوب» الذي يغذي به الكاتب روايته، والبيئة العامة التي يحرك فيها الكاتب أبطال روايته وشخوصها ... إذا ألغيت ذلك كله أو بعضه من الرواية، وجدتها في النهاية «نصا روائيا» ينطبق على أي بلد آخر، ويعكس أية شخصية –نفسيا واجتماعيا وفكريا وحضاريا- تريدها من شخصيات  هذا البلد أو ذاك مما تشاء من البلدان والأقطار! كل ما تجده في النص الروائي بين يديك: أدب مستورد، وفكر مستورد، وتجارب مستوردة، وأفكار واتجاهات مستوردة، وأخيرا شخصية روائية مستوردة غريبة عن واقعنا، لا تعبر عنه ولا تمت إليه بصلة، إلا صلة اللغة التي يسرد بها الكاتب أحداث روايته ويرويها ويحرك بها أسماء الأشخاص وأسماء الأمكنة ... الخ. أي أنك يكفي أن تغير الأسماء في الرواية وتعوضها بأخرى –فرنسية أو إنجليزية أو ألمانية أو ما شئت من أسماء هذا البلد الأجنبي أو ذاك- حتى تحس أنك أمام نص روائي أجنبي، أي أمام عمل أدبي أجنبي في فكره وفي تجربته، لا ينتمي إلى هذا الوطن، وإلى الإنسان فيه، ولا يرتبط بهما بصلة أو علاقة، اللهم إلا صلة اللغة، وهي أداة تستخدم في التعبير عن صور الفكر وانفعالات العاطفة، فلماذا لا تستخدم أيضا –ما دامت مجرد أداة- في «التجربة»؟ وأي غرابة في أن تستعمل كذلك للتعبير عن صور فكرية وعواطف مستوردة؟!
إلى أين يسير إذن أدب هذه مواصفاته وصفاته؟ ولمن يتوجه به أصحابه؟
هناك احتمالان –أو إجابتان- لا ثالث لهما.  الأول أن هذا الأدب ليس موجها إلى المواطن المغربي مطلقا، فإذا كان يتوسل باللغة للوصول إلى القارئ، فاللغة ليست كافية وحدها. أما الاحتمال الثاني فهو أن أصحاب ذلك الأدب لا يكتبون عن الوطن، ولا يكتبون إلى المواطنين فيه، وإنما يكتبون لأنفسهم ولغرض غير الغرض الذي يكتب له الأدب الحقيقي الأصيل.
وأنا أعلم أن من يكتب ذلك اللون من الأدب، ويتجه فيه ذلك الاتجاه –أو قل تلك الاتجاهات- يؤمن بذلك كله إيمانا لا حدود له، ويتبناه إلى درجة من الصعب محاولة الدخول معه في مناقشة حوله، إذ هو عنده بمثابة العقيدة والمذهب الذي يدافع عنه بحرارة وحماس المؤمنين، فهو يسميه الأدب الجديد، والأدب الجديد عنده هو العبث حينا، واللامعقول حينا آخر، وما شئت من المسميات الجديدة اللامعة التي تلوكها الألسنة، وترددها الأقلام باستعلاء وتثقف، كان هذا الأدب بأرديته المتعددة أدب جديد حقا، وكأن الذين يذهبون في  كتاباتهم تلك المذاهب المتطرفة أدباء جدد حقا، والأمر بكل بساطة هو أن الأدب الجديد حقا، هو الجديد في أصالته، وفي مدى عمق تعبيره عن الواقع المعاش وليس في الأشكال  التي يرتديها، والألوان التي يصطبغ بها بين شهر وآخر، بل بين يوم و آخر.
وقد غاب عن أذهان هؤلاء أن ما يسمونه بالأدب الجديد –في مفهومهم الخاص به- قد تجاوزته الأحداث والتطورات، فهو يتخذ كل  يوم صيغا جديدة، وأصحابه الحقيقيون وآباؤه الأصليون يغيرون أساليبهم في الكتابة، ويطرحون مضامين جديدة تتلاءم مع التغير السريع الذي تشهده مجتمعاتهم، هذه المجتمعات التي تتسم بسرعة التغير في كل شيء.
لذلك، فهذا الذي يسمى عندنا بالأدب الجديد، ليس جديدا بالفعل، ولا يعيش بهذا المفهوم المتخلف إلا في أذهان من يتبنونه ويدعون إليه ويكتبون به في الشعر أو في النثر على السواء.
إن النتيجة الوحيدة التي يخرج بها المرء من قراءاته للكتابات من يسمون أنفسهم بالأدباء الجدد، هي أن هناك انفصاما خطيرا بين هؤلاء وبين مجتمعهم الخاص، وبيئتهم الطبيعية ومحيطهم الاجتماعي والثقافي الأصيل. إن المشاكل الحقيقية، والقضايا الجوهرية لبلادهم وللإنسان فيها، لا تشغل في كتابات «الأدباء الجدد» أي حيز ذي أهمية. أما المواضيع التي يكتبون فيها وعنها، فيسير على  المرء أن يدرك أن مادتها مستقاة مما تلفظه مطابع الغرب من أدب تنبعث منه رائحة القذارة، والتمرد، والانحلال، والاستسلام، والهزيمة! وعن قراءاتهم السطحية العابرة لذلك الأدب الذي لا يمكن، وليس بوسعه إلا أن يعبر عن المعاني الوحيدة التي يعيشها وينصهر فيها إنسان المجتمعات الغربية.
وعلى المرء أن يدرك بسهولة ويسر ذلك الإسقاط الفكري والأدبي والحضاري الرخيص الذي ينطبع وينعكس على ما يسمى بإصلاح البطل في هذا الأدب الذي يدعونه جديدا. وأعتقد أن «البطل» في
روايتنا وقصتنا هو أكبر نموذج يجسد هذا الإسقاط ويمثله.
هل يعني هذا أن أبواب التجربة موصدة أمام جيلنا الأدبي المعاصر؟ وأن معالم المغامرة الأدبية –في الشكل والمضمون- لا تفضي إلا إلى دروب ومسالك مسدودة؟ ولا تقدم لنا في النهاية إلا أدبا جافا، وميتا، أو مجهضا؟
كلا، فاقتحام أبواب التجريب، وطرق سبلها تخضع بدورها لقواعد وأصول وشروط، أعتقد أن قلة قليلة جدا من أدباء جيلنا المعاصر تقدر على الالتزام بها، لأنها تدرك مسؤولية التجربة، أي تستوعب حقائقها الموضوعية والذاتية، ليس من خلال الإسقاط والمغامرة العشوائية، والتخبط والاجترار، بل من خلال التمثل السليم، والإستيعاب الصحيح للأشكال والمضامين الجديدة المستوردة، ومحاولة تطويرها حتى تتناسب مع الواقع وتتطابق مع حقائقه ومعطياته وأبعاده.
ونحن إذن أمام جيلين، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها على الأقل من وجهة النظر التاريخية، أما الجيل الأول فقد حاول أن يعبر عن واقعه كما عاشه، وكان صادقا ومخلصا في ما كتب، فأما الجيل الثاني، فقد حاول ذلك –بنفس الصدق والإخلاص؛ ولم أكن أقصد إلى بيان وجوه الصدق والإخلاص في ما كتب الجيل الأول أو الجيل  الثاني، وإنما كان قصدي أن أبين أن المرء حين يقرأ للجيل الأول يجد في ما كتبه –فوق الصدق والإخلاص- نفسه أو بعض نفسه، أي يجد فيه نفسا من أنفاس ضميره ووجدانه وقلبه وعقله وشعوره، فإذا حاول أن يجد ذلك أو بعض ذلك في ما يكتب الجيل الثاني،  خانه ظنه، أو عثر على شيء من ذلك مبعثرا هنا وهناك عند  قلة قليلة جدا من الكتاب والأدباء والشعراء.
إن الكتابات التي تركها لنا الجيل الأول حين تعود إليها وتستغرق في قراءاتها بعقلك وقلبك، تجد فيها المتعة حين تطلب المتعة، وتجدها توفر لك الأفكار التي تغذي بها ذهنك وعقلك ووجدانك حين تنشد تلك الأفكار، لكن لا يفهم من هذا أن كل ما كان يكتبه الجيل الأول جيد في جيد، ولكنه على الأقل أفضل للقراءة مما يكتب وينشر اليوم ويطلق عليه اسم الأدب الجديد؟
فإذا خامرك الشك في ذلك، فاطلب شيئا من هذا الأدب الجديد، وشيئا من ذلك الأدب «القديم»، واقرأهما .. ثم احكم بنفسك
                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here