islamaumaroc

قضايا أدبية

  دعوة الحق

العددان 188 و189

-1-
تجديد بيعة شوقي:
عشاق البيان، ابشروا، فقد بويع شوقي من جديد أميرا للشعراء.. وحضرت البيعة رعية الشاعر، ومحبوه الذين طووا صدورهم على حب عميق عقودا من السنين .. لا يجرؤون على البوح به .. خشية أن يتهموا بأنهم شيعة لجمال اللفظ .. ومنحازون لأناقة الفن..
كرمة ابن هانئ التي كانت ذات يوم روضا من رياض عبقر .. آل أمرها إلى الصمت والكآبة، ونعقت فوق أطلالها الغربان .. و رجمت بالحجارة والنعال البالية .. تتألق اليوم بألف نجم من نجوم العين والأذن .. ويبعث فيها شوقي ليأخذ مجلسه العتيد .. يوزع على الحاضرين كلماته الرقيقة .. ويضيء لهم شموع الأدب والفن .. ويأخذ عنهم الإيمان بأن ينصبوه دائما أميرا عليهم، لا ينكثون له عهدا مهما تراخى بهم الزمن.
من زمن غير قصير على كرمة ابن هانئ وهي تجتر ذكرياتها الجميلة الحزينة .. غارقة في صمت ثقيل، ووحشة قاتلة، لا يرن فيها وتر.. ولا يشدو صوت، ولا ينساب قصيد، ولا يمرح خيال .. وكل جريمتها أنها كانت يوما متنزلا للشعر الراقي، والبيان الفاخر .. وأنها كانت تعد للأدب حلله القشيبة، وللبلاغة حليتها المتألقة، فلا تصدر عنها الكلمات إلا وقد أخذت زينتها الكاملة .. وزخرفها البديع .. فيخطب ودها كل عاشق للجمال .. ويمشي خلفها كل مستهام بروعة الحرف .. وبذلك كانت الكرمة مثل أرقى دور الأزياء في أوربا اليوم .. تصنع الجمال، وتخلق الفن، وتتوالى بدائعها على الناس صورا ترهف لها المشاعر .. وآيات تزدان بها المحافل .. وطرفا تتيه بها  دنيا العرب شرقا وغربا .. في كرمة ابن هانيء كان شوقي يكتب التاريخ الشعري للهرم والوادي وعروس النيل .. ويستحضر الأمجاد العربية الخالدة، فتتهادى نحوه عبقة الثوب، مشرقة المحيا، موفورة الجمال، فما أن يلمسها بأنمله حتى تغرقه في فيوض من نور وهاج، وتأخذه بفنون من سحر أخاذ، فيقبس منها معاني لكلماته، ويستوهبها شيات لبيانه ..
ومنذ اليوم أصبحت كرمة ابن هانيء أجمل جامعة في البلاد العربية كلها .. تقف ببابها قصيدة نهج البردة، إلى جانب قصائد الحب والغزل والوصف لاستقبال الوافدين .. يسعى بين يديها نور وهاج .. وتتقدمها ألطاف من روح الشاعر العظيم .. وأضيفت مؤسسة شوقي لتصدير الكلمة الجميلة إلى كافة الأقطار العربية .. ولاشك أن فرحة العرب ستكون كبيرة وهم يرون دار شوقي لإنتاج الكلام الجميل تتحفهم بروائع خالدة تكون لهم فخر إلا تطاوله الأيام ..
لما أدينت بلاغة شوقي في وقت سابق .. وعفر وجهها بالطين .. ورميت بالخيانة والعمالة .. وسجلت في القائمة السوداء .. قائمة المقاطعة
الجماعية .. كان الأدب العربي يندب حظه العاثر .. لأن بلاغة شوقي كانت تمنحه الرواء والبهجة والجمال .. وتفرغ عليه كل يوم حلة جديدة ..  وتحافظ له على أناقة هندامه .. وصفاء نضارته ..  ورقته في تناول الأشياء .. فلما أبعدت عنه بلاغة شوقي تعرض للتشرد .. صار يتسول على أبواب المحسنين .. علهم يتصدون عليه بفكرة .. أو بكلمة .. أو بشعار .. و تعري من كل ثيابه القومية الأصيلة .. وارتدى بدلها ثيابا مستوردة .. ليست على قدر قامته .. فبدأ فيها على غير طبيعته .. يتكلف الحديث .. ويتكلف المشي .. واغترب في عقر داره .. بين أهله وذويه .. كان وردة زاهية على فنن شوقي .. ونغما عذبا يصدر عن شفتيه الشاعريتين .. فانقلب خادما في مقهى وضيع .. يغسل الكؤوس والأطباق .. ويبيت على الأرصفة .. ويلتقط أعقاب السجائر .. وكبر قوم وملأوا الدنيا من فرحة وحبور، لأن الأدب أصبح (واقعيا) .. يزحف على أربع ... بين أرجل الموائد .. ويقتات من القمامة .. ويشرب من ماء المستنقعات .. ويقاطع كل أسباب النظافة ..
والآن ها هو شوقي يرد إليه اعتباره، وها هو صوته ينطلق هادرا من إذاعة القاهرة .. مساء يوم جمعة مضى، إيذانا بأن البلاغة العربية التي تعرضت لصنوف الإهانة .. قد وردت إليها أملاكها المنتزعة منها .. وعادت إلى بيتها الذي طردت منه.. وإلى أهلها الذين حرمت عليهم رؤيتها منذ عهد ليس بالقريب ..
بعد الآن نأمل أن نرى الكلمة العربية كما عهدناها فتاة مدللة .. كريمة الجانب .. عزيزة المنزلة .. تملأ الدنيا حكمة ونورا .. متلقية أجمل الهدايا من صفوة أبناء العرب .. من أنبلهم نفسا ..وأكبرهم قلبا .. و أرقهم طبعا .. فترد عليهم هداياهم فيضا من نخوة آسرة .. وفضلا من نعمة سابغة .. كفا الكلمة العربية أنها جوعت .. وفرض عليها ألا تستحم .. وألا تغير ملابسها الداخلية .. وألا تجلس إلى مائدة زينتها .. إلى أن شاهت بشرتها .. وشاخت مفاصلها .. وانطفأ في عينيها بريق العافية .. وغاض من محياها ماء الشباب .. حتى أصبحت جلدا على عظم .. ليس فيها ما يثير الخيال .. ويفتن العين .. ويغري الأذن .. كفاها ذلك. والآن، وبعد تجديد البيعة بإمارة الشعر لشوقي .. تشرئب أعناقنا إلى رؤيتها كما كانت دائما ربيبة عز قديم .. وصاحبة شرف رفيع .. تروق من نقاء .. وتهاب من سلطان .. وتنتصب منارة للإلهام والإشعاع.
وكل العرب يحبون شوقي .. ولكن فريقا منهم فتنهم عن حبهم صنيع الوشاة .. فقاطعوه .. وامتنعوا عن التأدب بأدبه .. ورفضوا الأكل على مائدته .. والاتناس بحديثه في مجالس المسامرة .. كل العرب يحبون شوقي ..  ويتعطرون بكلماته .. ويتغنون بأناشيده .. ويتجملون ببيانه .. لكن لائميهم في تعلقهم بالشاعر أخذوا يتكاثرون ويتوالدون .. زاعمين لهم أن هذا التعلق فقد مشروعيته .. ولم يبق له معنى على الإطلاق .. لأن شوقيا في زعمهم أصبح حجر عثرة في طريق الأدب العربي ..  نسيجا باليا .. شيئا من مخلفات الماضي العتيق ... عنكبوتا ضخما .. فجازت الحيلة على الكثيرين، وثاروا على شوقي .. ومزقوا كل الأسباب التي تصلهم به .. كلما بعث إليهم ببطاقة دعوة أتلفوها .. كلما هتف إليهم ألقوا السماعة بعنف .. كلما طرق أبوابهم أغلقوها في وجهه .. ومع ذلك فشوقي هو الذي رصعت كلماته سماء البلاد العربية .. وعومت فيها الأحلام الجميلة .. وجعلت آفاقها تردد رائع الصدى وعذب النغم ..
-2-
شيكات بدون رصيد:
أية ظروف هذه التي يمر بها الأدب العربي في الوقت الراهن؟ لقد أقفرت مائدته من الأطعمة الفاخرة .. والفاكهة الشهية .. كما خلقت ثيابه ونسلت خيوطها بعد أن كانت بهجة الأنظار، ومجتلى الجمال والفن .. يدخل يده في جيوبه ثم يخرجها فارغة أو كالفارغة .. ويلوك لسانه في فمه ثم لا يقول شيئا ذا غناء .. ويوقع شيكات بدون أرصدة ضامنة .. بينما نجده قد تراجع عن صدر المجلس .. الذي كان يدير منه دفة حديث شائق بارع .. يساهم فيه متحدثون ذوو فصاحة وفنون من القول تخلب الألباب وتبهر العقول .. ماذا هنالك؟ أهو مجرد كسل يسري في مفاصله سينتفض بعده من جديد، ويعاود سيرته الأولى، كقوة معنوية خارقة في البلاد العربية، تشيع الدفء، وتبعث على الثقة وتحمي القيم؟ أم هو داء مستع لابد أن يطب له مهرة
وصحته المعهودة تان؟ إن كانت الأولى فالهجعة قد طالت حتى أوشكت أن تكون سباتا، والكسل استشرى حتى لتظن به القدرة على التمكن طويلا، مع ضعف الأمل في اليقظة المرجوة. وإن كانت الثانية فهو الشر إذن، وهو العاهة الفكرية التي كثيرا ما تتربص لمسيرة الآداب والفنون على مدار التاريخ.
وأيا ما كان الأمر، فالمحقق أن الأدب العربي يقف اليوم في أسماله البالية،  وفقره الفاضح، وعاهاته البشعة، حسير النظرات، مضطرب الخطوات، خافت الصوت، زري الهيئة، بعد أن كان غطريفا عربيا امتلأت خزائنه بالنفائس، وفاضت على جوانبه الخيرات، ومشى بين يديه ومن حوله الأعوان والأنصار. بدأ بالتخلي عن أناقة مظهره، ورائع شاراته، وأصول حديثه، مزريا بموسيقية الأسلوب، ورشاقة الفواصل، وثراء ما بين السطور، زاعما أنه بلغ سن التعقل الصارم، متجاوز أطوار المراهقة، مقبلا على مضمونه يمد له في أفق الرؤيا، ويوسع له من مجال الحركة، غير مستعد للانخداع ببريق اللفظ، وسطوع العبارة، وهمسات الحرف .. وانطوينا على مرارة اكتأبت لها النفس، وانقبض منها الخاطر، واعتكر المزاج، إذ عز علينا أن تصاب البلاغة العربية بالتشويه، وتنتشر في محياها البثور، وأحزننا أن يتخلى الشادي عن حصته من الجمال، ونصيبه من البراعة، وينبذ الفنان لهجته الرقيقة، وحليته البديعة، وهندامه الأنيق. ونظرنا إلى أدبنا العربي فإذا هو كمفلس بعد يسار، ومسلوب بعد نعمة، وذليل بعد صولة. ولكن لم نلبث أن أصبنا بخيبة أمل جديدة. فالمضمون الذي ضحى من أجله بأناقة الهندام، وهجر في سبيله مجالس الأنس، وقاطع ليالي السمر، قد أصابه الهزال وفقر الدم، فصار أمره إلى التهافت، وآل أمره إلى كساح أوشك أن يكون مزمنا، ولم يعد يلبس أسمالا بالية على عضلات قوية، ولم يستعض عن الحيلة الزخرفية بالمعمار الضخم، ولم يستبدل الطعام الغليظ العسير الهضم، بالفواكه التي تزدرد في كل، وتبلع في انتشاء، وإنما قارب أمره أن يكون وجودا شبيها بالعدم، إذ طارت عنه النقوش والزركشات، وأنسحبت منه الأفكار والفلسفات، فلا يده مزدانة بحلية، ولا رأسه عامر بفكرة. وهذا أمر يبعث على الأسف، ويدعو إلى الرثاء فحرام أن ينتهي أدبنا العربي إلى هذا المصير التعس، لأنه فخر أمتنا، وعنوان مجدنا، هو الأغنية التي تربت على وقعها أذواقنا، وائتلفت معها طباعنا. منه كان اشتقاقنا لشمم الأنف، وارتفاع الهامة، وكرامة النفس. وعلى ضوئه عشقنا بعفة، وحاربنا بشرف، وخاصمنا بشهامة .. من حوله انعقدت أيدينا، ومرحت قاماتنا، وزهت أيامنا، وسالت أغانينا. إليه يعود ما في نفوسنا من ذوق، وما على جباهنا من سطوع، وما بأخيلتنا من صور، وما بأعماقنا من أصداء. ولكل ذلك فنحن اليوم جد آسفين، بل جد حزانى كاسفين .. بين أيدينا ذبل زهر كان أريجه يعطر الجو، وأمام أبصارنا تهاوى كوكب عهده بالتألق غير بعيد، وفي حناجرنا اختنقت أغنية طالما سكر الناس  على مقاطعها في الخالي من الأيام..
لماذا حدث؟ وكيف انتحر النبات في مغرسه؟ وانطفأت العين في محجرها وماتت البلابل في وكرها؟ إن أمة العرب مازالت قائمة، بل إنها –زادها الله بسطة وبركة- قد استبحر عمرانها، وتكاثرت أعدادها، ووفرت خيراتها، واشتهرت أخبارها. فما كان خليقا بأدبها أن يفيء منها إلى ركن ركين، ويحل منها بحرز ملين؟ كيف ارتفعت الشجرة، وجفت الثمرة؟ وتألقت الوردة، واختنق العطر؟ وتدافع الوادي وتجمدت عروق النبات؟ أتكون هذه الأمة قد أدمنت الأدب حتى أتوت، واتخذته مادة غذائها الوحيدة في صباحها والمساء أجيالا وعصورا، إلى أن لفظته أحشاؤها، ولم تعد قادرة على اساغته؟ أم يكون انحدارنا الأدبي رد فعل هذا الذات، في عصر تربع فيه العلم طاغيا بآلاته، معربدا بمخترعاته، ذا مخالب حادة، وأيد حديدية تقبض على عالم اليوم بشدة؟ قد نقبل ذلك لو أننا بلغنا من العلم أن نرود مجاهله، ونرفع معالمه، ولكن أمة العرب مازالت تغازل العلم ولا تداخله، وتأمله ولا تواكبه. لم تنل من بحره إلا بعض الرشاش، ولا من فيضه إلا قطرات لا تطفئ الأوار. أم يكون انحدارنا الأدبي راجعا إلى أننا ناقصون في الاستعداد، لم ننهض إلى مسؤوليتنا الأدبية مسلحين بعلم غزير، ومحصول وافر، وملكات راسخة، فأحسسنا بالعبء يثقل كاهلنا، وبالرسالة ترهق أعصابنا، فألقينا بالعبء وتخففنا من الرسالة، وبذلك استرحنا من عناء لا نتحمله، ومن واجب لسنا له بأكفاء؟ إن كل نهوض أدبي لابد أن يعتمد على معرفة تستجمع أشتات العقل، وتستنهض عزمات الإرادة، وتستنفر طاقات النفس، وتعبء قوي الوجدان. وبهذه الخصال تفجرت حنجرة المتنبي،
وتألق عقل أبي العلاء، وتبرج لفظ البحتري، ومتنت لغة أبي تمام. ما من فكرة عبقرية تفتقت عنها أذهانهم، أو خاطرة ساحرة اختلجت بها أنفسهم، أو حيلة لفظية ازدانت بها بلاغتهم، إلا وكانت ذات صلة بإطلاع لا يعرف الحدود، ونهم إلى المعرفة لا يقنع بشيء. ولن يتهيأ لأمة العرب أن تعيد الأمجاد الأدبية الماضية، إلا إذا عادت عاشقة للمعرفة كما كانت من قديم. فنحن من أصلاب قوم كان حب المعرفة مزاجا لنفوسهم، وطبعا لعقولهم ومضمونا لأسفارهم وتنقلاتهم. ولذلك كان وردهم دائما ناضرا، وخاطرهم متفتقا، و ماء بيانهم مترقرقا. اقتعدوا من البلاغة قمم الجمال، وصاغوا من اللغة روائع الكلم، وشققوا من المعاني مذاهب الرأي. لكي تتفجر العيون لابد أن ترتوي الأرض، ولكي تزدهر الحقول لابد أن تتحرك السواعد، ولكي ينتج المصنع لابد أن تدور الآلة، ولكي ينهض الأدب لابد أن يمتلئ الفكر، ويرحب الأفق، ويتسع مجال الرؤيا. وبدون ذلك يبقى الأدب كسيحا يشكو لين العظام وانحلال الخلايا.
لقد امتلأ أبو تمام بكل عصور الشعر العربي السابقة عليه، قبل أن يبدع قصيدته في فتح عمورية.. وحول ابن زيدون كل بلاغة العرب إلى عين تسجل، وأذن تلتقط، وذوق ينتقي، قبل ابتكار نونيته البارعة .. قارن ذلك بما يفعل الشباب المثقف في البلاد العربية. إنه يريد شهرة بدون جهد ونباهة بغير عناء، ونهايات ولا بدايات، وغايات ولا وسائل. فهل رأيت وردة تحمر من جفاف، أو ثمرة تكبر من عطش، أو أدبا يصدر عن فراغ في الرأس، وفقر في النفس؟
-3-
ما مصير نظرية الخلود الأدبي؟
ارتبط الأدب بالخلود في أذهان عشاق الكلمة الجميلة منذ أزمنة قديمة، سواء كانوا منتجين مبدعين، أو متلقين ناقدين، أو هواة متذوقين. وكان الخلود أبرز مميزات هذا الكلام العذب البديع، حيث يفرزه من الكلام العادي، المتردي في هوة السوقية والابتذال والمستوى الدارج. واستمرت هذه الصلة الحميمة بين الأدب والخلود قائمة في الأذهان إلى أيامنا الحاضرة. ولكن يبدو أنها قد بدأت في الاهتزاز. فذوق العصر يميل إلى الموقت الآني، وينفر من بعض الأشياء التي تفرض نفسها باستمرار، تريد أن تضمن البقاء الطويل، دون أن تترك مواقعها لأشياء مستجدة، خصوصا في عالم الأدب والفن. فما كان فضيلة أدبية أوشك أن يتحول إلى رذيلة. وإذا كان ثبات بعض الأنواع الأدبية وارتفاعها فوق تناقضات العصور والمجتمعات، لتحتفظ بالباقي من الجهد البشري المشترك بين المجموعات البشرية، مما يثبت للأدب والفن عامة صلاحية للانتقال مع الإنسان في كافة المراحل التي يجتازها على امتداد الأجيال والأزمنة، فإن هذا نفسه هو ما أصبح يبعث على القرف بل على الغثيان لدى أغلبية الجيل الجديد من محترفي الكلمة وهواتها في أيامنا هذه. إذ يضيق ذرعا بأدب الأمس والأمس الذي قبله، وربما ضاق ذرعا ببعض ما صدر من أدب في أيامه ولما يمض عليه إلا بعض الوقت يستهويه الأدب الآني، ابن اللحظة الحاضرة، الصاعد من أخلاق الشاعر، لا الهابط من منازل الإلهام، وسماء العبقرية. ومن هنا جاء ازدراؤه لجماليات الأشكال، وتعلقه بالمعاني الوقتية المنتزعة من الظرف الصغير، لا من الظرف الكبير الممتد عشرات السنين. أنه يود أن يكون الأدب في المساء على غير ما كان عليه في الصباح، وأن يتغير عطاؤه باستمرار. يرفض أن يأخذ عنه نفسه ما أخذه في مرة سابقة. فهو يكره الهدايا الأدبية المكررة، ويتوق إلى أن تكون هدية الأدب إليه دائما من صنف مختلف. وعلى ذلك فلا خير عنده في تمسك الأدب بفكرة الخلود، لأن الخلود عنده لا يعني إلا الإعادة والتكرار، والقناعة بالتعامل بالعملة القديمة، ولو أن قيمتها قد هبطت أو آل أمرها إلى الإفلاس الكامل. لا جدوى اليوم عند الجيل من الأدب الذي يحلق ولا يقع، ولا يجرب الارتطام بصخور الواقع، والتنفس من خلال مشاكله وأزماته. لا قيمة اليوم للأدب الذي يحافظ على ثيابه من التلوث، وعلى أخلاقه من الانفعال بأخلاقيات العوالم السفلية والأوكار المشبوهة. لا أهمية للأدب ما لم تشم فيه روائح الثوم والبصل، والعرق المتلبد في مطاوي الجلد من مدة بعيدة .. وأنت لا تعدم أن تجد صدى هذه الآراء هنا وهناك، حيث أصبح الأدب الخالد موضع تندر سخيف، يحمل على الرثاء لكثير من الأشياء الثمينة التي ينظر اليوم إلى نقائها وسموها على أنه بلاهة وبلادة وتفاهة ..
وعندي أن تفسير ظاهرة الزراية بنظرية الخلود الأدبي يتضح في اليأس المستولي على إنسان
العصر. إذ الإيمان بالخلود الأدبي إنما يكون من نصيب الواثقين بأنفسهم وبالمستقبل، المحسنين ظنونهم بالآتي المنظور وغير المنظور. أما عندما تسود النظرة المتشائمة إلى ما يحمله الغد من أحداث وتقلبات، فإن الخلود الأدبي تفقد كثيرا من أسباب سحرها، وتصير غير منظور إليها بشيء من الارتياح، بينما ينحصر الاهتمام في الظرف الراهن، ويكون الأدب الأولى بالعناية، هو ذلك الذي يكف عن الطموح إلى الامتداد نحو الأيام أو السنين المقبلة، مكتفيا بعكس قضايا الحاضر والتصدي لها بالتحليل المقترن بالاستجابة الواعية النافذة. إن أكثر الأدباء اليوم لا يدخلون الغد في حسابهم وهم يشاركون في الحياة الأدبية منتجين وناقدين ومتذوقين، ولا تتملكهم فكرة أنهم يكتبون حتى للناس الذين سوف يأتون بعد عقود من السنين، أو مئات من السنين. فلم يعد الطموح الأدبي يتطلع إلى هذه الغاية البعيدة. ذلك أنهم يدركون جيدا أن الغد لن يكون امتدادا لليوم، كما كان اليوم امتدادا للأمس في شيء غير قليل من الجهد الفني والأدبي، استنتاجا من معطيات حضارة الظرف الواعدة بتطورات خطيرة في حياة الإنسان على سطح هذا الكوكب. وأشد ما يزرع بذور الشك والقلق في عقول الأدباء والمتأدبين، أن الانصراف عن الروائع الأدبية الخالدة قد بدأ من اليوم، إذ أن جل البيئات الأدبية أصبحت تتضايق من الأعمال الأدبية التي أثبتت صلاحيتها لتكون غذاء روحيا للناس في كل زمان ومكان. بل إن بعض الأصوات ترتفع أحيانا لاتهام هذه الأعمال الجليلة بأنها حجر عثرة في طريق المواهب الأدبية الواعدة، وأنها تصرف الجليل الحاضر من رجال الفكر والأدب عن شق سبيلهم نحو إبداع حقيقي لا مجال فيه للتقليد أو الانفعال بمراكز القوى التي تضعهم داخل إمبراطوريتها وتفرض عليهم أداء الجزية..
إلى هذا المصير المؤسف صارت فكرة الخلود الأدبي. وما أظن مستقبلها إلا أشد ظلاما من حاضرها، نظرا لكون حضارة الكلمة الجميلة ربما أوشكت على الانتهاء، لندخل في حضارة لا تتحدث إلا بالأرقام والرموز والإشارات والعقول الإلكترونية وبقية الآلات البالغة التعقيد. وحينئذ تختفي كل الظواهر التي صاحبت الكلمة منذ ظهورها، ولا يبقى منها إلا ذكرى غامضة، كذكرى النقش على جدران المغارات والكهوف بالنسبة إلى أهل العصر الذي نحن فيه.
لقد تواضع أديب اليوم في مطالبه، وكف عن التطلع نحو المجد الذي «تتكسر دونه أعناق الرجال» وتبدد عنده الحلم بتأسيس إمبراطورية أدبية يكون فيها الروح العظيم المشع من باسق الأعمدة ورفيع البنيان وآيات الفن والجمال. يكفيه اليوم أن يختلس من القارئ بضع لحظات، ويلتقط أذنه –ولو إلى حين-  ليبثه حديثا مقتضبا تخفف من الزينة واعتاض عنها بنكتة تشرح القلب، أو نادرة تنتزع الابتسام . .
-4-
فاصلة بين كلمتين:
بين الكلمة التي قلناها والكلمة التي سنقولها بعد حين، فاصلة حائرة قلقة، ينحبس خلفها النفس، لينطلق بعدها قويا مندفعا إلى أن تواجه فاصلة أخرى يعيد معها سيرته الأولى. وإذا كانت الفواصل فرصة لالتقاط الأنفاس، وانتظام الأصوات، وتنويع الطبقات الصوتية، فهي من جهة أخرى خدعة في مراوغات الألفاظ، وتآمر على أفكار الكاتب، فقد تكون نشازا في توارد الخواطر، أو عرقلة في انسياب المعاني، وقد تأتي مقحمة، أو فضولية، عازلة بين لفظتين بينهما التحام وانسجام. وقد تسرق من الكاتب القدرة على امتداد الرؤيا، وتسلبه القابلية للإنسياب الحر، والتدفق الطوعي عبر مجنحات المعاني والخواطر ..
وكل من تمرس بالأساليب البيانية يستشعر طباع الفواصل، ويقف على أنواعها المختلفة. وفي ذلك أن الفاصلة كثيرا ما تكون شوكة تدمي من يتعثر بها، وتقطع عليه متعة السير في طريق محفوف بألوان الزهر، وأقانين الجمال. وكثيرا ما تكون كالأنف الذميم في الوجه الوسيم، أو كالكلمة النابية في العبارة المستملحة،  تطفئ وهج العاطفة، وتصدم طلاقة الخيال، وتعترض بشاشة الطبع، وتزكم الذائقة الفنية. وقد تجدها غليظة، صلبة، وقحة، حتى ليخيل إليك أنها جاوزت بكثير حجمها الطبيعي واستحالت إلى مادة صماء، توحي بالغباء، ويتملكها العناد، وحينئذ تجيء كالحصاة الحادة في حنجرة عندليب، أو كالطعنة النجلاء في جناح طائر .. وفي مقابل ذلك، تجدها أحيانا رقيقة، خفيفة، رشيقة، كالإيماءة في سياق حديث عذب، أو كسكتة شاعر خلال إنشاده قصيدة الجميل، أو كغمزة العين للعين، أثناء التراسل بالنظرات، والمناجاة باللمحات.
ولطالما دوختنا فواصل الأدباء، وتفجرت بين أيدينا بفيوض من الفتنة والسحر. إذ ترى هذه الفواصل طيورا دقيقة ملونة تحلق في سماء المخيلة، أو فراخا ناعمة دافئة في أعشاش الأدب الرفيع، أو منى معسولة حائرة بين منازع الهوى ومطارح الأحلام الهفهافة. وتسمو الفاصلة أحيانا إلى مستوى التعبير من حيث تعجز الكلمات عن أداء ما تؤديه الفاصلة من خواطر وإيحاءات. فكأن الفاصلة عندئذ كانت في الأصل كلمة، ولكنها اختزلت وتناقصت أطرافها حتى لم يبق منها إلا نقطة صغيرة خطفها القلم فكانت فاصلة.
وعشاق الأدب يدركون جيدا متى تكون الفاصلة طاقة تعبيرية زاخرة بالمعاني عامرة بالصور، وقارورة عطر دقيقة ما أن تلمسها حتى تضمخ أصابعك بأزكى الطيوب، وأروع النفحات. الفاصلة في الأسلوب البياني الرفيع إطراقة خفيفة للتأمل، ونقرة رشيقة على الوتر، إشعارا بقرب انهمار النغم، وانسياب العزف.. إنها علامة هربت من النوطة الموسيقية، واستقرت بين جمل البلغاء ومبدعي الكلمة الجميلة..
وغريب أن يقف نقدة البيان عند الألفاظ والعبارات والأساليب والأخيلة والعواطف، دون أن يعيروا إلتفاتا للفواصل، حاسبين أنها مجرد عرض زائد، أو كعلامات المرور المنصوبة على جوانب الطرق.. ولم تهمل الفواصل هذا الإهمال، إلا لأنها من دقة الدلالة، ولطف الإشارة، وبعد المرمى، بحيث لا تملك الضجيج الذي تحدثه الألفاظ .. فحديثها همس، ولغتها إيماء، ووجودها رمز. فهي لا تقرأ، وإنما تعاش، ولا تفرك، وإنما تشم، ولا تسمك، وإنما تناجى .. وما ظنك بشيء قريب كالبعيد، حاضر كالغائب، موجود كالمعدوم، ممكن كالمستحيل. تحتال عليه بأدوات الدرس، وتراوغه بألاعيب الفن، فيفلت منك ويستعصي عليك، فلا تنال منه بعد جهد جهيد إلا ما يسمح به من الرؤى والأطياف.. كآثار أقدام قوم مهاجرين، أو بقايا قوافل الراحلين، أو نفحات عطر مجهول المصادر ..
قف عند الفاصلة، تشممها، تحسسها، استمع إلى نبضها، اندس بين قامتها وظلعها على الورقة، هب نفسك لايحائها، إنس ذكائك وعلمك، ولكن متواضعا، واحلم بها لحظة من زمن، فسوف ترى أنها تقول أشياء كثيرة لا تقولها الكلمات، لأنها ألطف وأرق من أن تحيط بها الكلمات. قد تصل إلى هذه النتيجة إذا كانت الفاصلة ذكية، بارعة، متفتحة، ذات شفوف ورهافة إحساس. ويخيب ظنك متى كانت بليدة، صماء، فضولية، يلقيها صاحبها بين الكلمات كما يلقي الحجر الثقيل على مرجى غدير، أو يقذفها كما يقذف سيء الأدب اللفظ البذيئي..
وإن عجبي منها وإعجابي بها ما لهما من حدود. فبينما تراها في موضع جادة وقورا تأمرك بمهلة لالتقاط الأنفاس، كالعصا المايسترو الدقيقة في إيقاعها ونقراتها أثناء العزف، إذا بك تراها في موضع آخر مرحة لعوبا تداعبك وتدغدغ مشاعرك، كأنها طفلة نزقة تدعوك لمشاركتها ما هي فيه من لعب وقفز ... فلا يسعك إلا أن تترك سمتك وتسلمها قيادك عن طواعية. وأحيانا يمتد بك النفس طويلا قبل أن تأتي فاصلة تهبك فرصة لضبط النفس، وأخذ دفعة من الهواء. وأحيانا تتوالى عليك أسراب من الفواصل ليس بين الواحدة والأخرى من الفرق، إلا بمقدار ما يكون بين غمضة عين وانتباهتها، فلا تودع واحدة حتى تتلقفك أخرى، لتسلمك إلى التي تليها، وكأنك واقف في وسط طريق يعدو به سرب من الأطفال، ما أن يمر بك الواحد منهم حتى يشد ثوبك، أو يصطدم بقدمك. ولا أكتمك أني أحيانا أحس الفواصل المتتابعة مطارق تهوي على رأسي فتحدث لي الصداع والألم .. وأحسها أحيانا أجنحة خفاقة ترف من حولي فتنعشني منها نسمات رقاق. وأحيانا أحسها تدب في مفاصلي دبيب النمل. حركة دائبة مجتهدة هي حركة الفواصل ..
وأجملها عندي ما كانت تحمل معنى المشقة، وتوحي بالجهد، ولها وخز يثير ولا يؤلم، ويدفع بالدم ولكنه لا يحطم الأعصاب. وعلى ذكر الأعصاب لا يفوتني الإشارة إلى تلك الفواصل العصبية الحادة، تأخذ بتلابيبك، وتسطو عليك، وتكاد تجلدك، ولكنها رغم ذلك قد تكون محبوبة ولها روعة وفنون. والغناء مع هذا الضرب من الفواصل قد يكون أحسن بكثير من الراحة مع فواصل أخرى، إذ في ذلك العناء معنى التوتر، والقلق، والمكابدة، والمعاناة، وتصادم المشاعر، ومفارقات الوجدان، وتناقض الخواطر، حتى لكأن الفاصلة مادة متفجرة، أو مصباح راقص بين أجسام متوثبة أخذها الجهد وسال منها العرق ..
ودونك فواصل أخرى تلسع، وتجرح وتسمم، وكأنها أذناب عقارب، أو أنياب أفاع، أو سياط
جلادين. تخزو وخز الإبر، وتنغرز في الأعصاب انغراز الأشواك، وكأنها أسلاك شائكة، أو حواجز مكهربة مدببة الرؤوس. ويخيل إلي أحيانا أنها –أي الفواصل- يد الكاتب تمتد إلي من بين الألفاظ لتصفعني وتوجعني وتأخذ بمخنقي فتتركني ألهث وأمسح عرقي وأصلح ما فسدت من هندامي. ولكن مع ذلك أعذر أصحابها. فهم قلقون، عصبيون، معقدون، معانون، أجهدتهم الحياة، وأضناهم الطبع، فحولوا غضبهم وميولهم الانتقالية إلى قرائهم، كي يرتاحوا، ويهدأوا، ويدخلوا في هدنة ولو قصيرة، مع أنفسهم وأعصابهم. بيد أن نارهم اللاهبة، وأنفاسهم الساخنة، كثيرا ما تحركنا بعد خمول، وتشعلنا بعد انطفاء، وترتفع بدرجة حرارتنا بعد أن كاد يقتلنا الصقيع..
ومن الفواصل ما تكون متثاقلة واهنة، كأنها عجوز تدب على عكاز. ومنها ما تكون مشدودة القامة، راسخة، متعالية، وكأنها شابة واثقة بنفسها، جريئة. ومنها ما تكون حيية خجولا، تلامسك على استحياء، ولا تطيل التحديق فيك، ولا تتصدى لمواجهتك. ومنها ما تكون وقحة، ملحاحة، تقفز إليك، وتلف من حولك، وتحاصرك، وتفرض نفسها عليك. ومنها ما تكون زئبقية الطبع، حائرة لا تكاد تستقر.
بعض الكتاب يهملون الفواصل في كتاباتهم، فتبدوا أطرافها متداخلة، لا يمتاز شيء منها من شيء، إلا إذا بلغ منهم الجهد كل مبلغ .. أو كأنهم يجتهدون ليقولوا كل ما يودون قوله دفعة واحدة وبأسرع ما يمكن .. وكأن لا وقت لديهم للتريث وتقديم كلماتهم جرعة بعد جرعة، أو موجة في أعقاب موجة. فإن هم إلا تيار واحد لا يمهلك لحظة واحدة، بل هو منصب انصبابا متدافعا. ومع ذلك فالفواصل موجودة في هذا الضرب من الكتابة، تحسها مخنوقة بين الكلمات لا تكاد تهم بالظهور حتى يجرفها التيار المتدفق، فتنكس أعناقها وتلملم أطرافها مغلوبة على أمرها، دون أن ينفي ذلك كونها موجودة بالإمكان، وإن لم  تكن موجودة بالفعل. فهي جزء طبيعي من أجزاء كل كلام يقال أو يكتب، ولا يوجد كلام بدون فواصل، حتى عندما لا تراها ترفع رؤوسها الدقيقة بين فجوات السطور، فكل كلام هو خليط من مواد مختلفة المعادن، إذ هو بناء تداخلت فيه الحجارة مع الحديد مع الحصا والطين، وتكون من المجموع هيكل متنوع المواد. هذا علاوة على أن كل جملة ذات طبيعة خاصة، كأنها النغمة الموسيقية في لحن متكامل. وهذه الطبيعة هي  التي تفرض لها نوعا من القابلية لأن تمتاز مما قبلها وما بعدها بينما هي تؤلف معهما وحدة متماسكة الحلقات..
إذا أنت شئت الفاصلة الرصينة الهادئة، تأتيك في الوقت المناسب، ودونما عجلة أو نزقا، فدونك فواصل طه حسين. وإذا أنت رغبت في الفاصلة الحادة القاطعة كحد الموسى، لا تظفر بها إلا إذا تعبت من الإجهاد والعناء، فإليك فواصل العقاد. وإذا تاقت نفسك إلى الفاصلة المرحة، الخفيفة الظل، الفاصلة التي لا تكبر أبدا، ولا تصل إلى سن الرشد أبدا، فالطفولة ملازمة لها على أية حال، فاعمد إلى فواصل المازني ويحيى حقي. أما إذا كان عندك شوق إلى الفاصلة المترفة، الناعمة، المدللة، لا يلذ لها إلا أن تتبرج بين السطور، وقد أخذت كامل  زينتها، فعليك بفواصل جبران خليل جبران ونزار قباني الزيات ..
أيكفيك هذا؟ إذا لم تكن لك فيه الكفاية، فعندك فواصل أخرى متغطرسة، متعاظمة، تكاد ترعف من اعتداد بالنفس، هي فواصل ذلك الأديب الذي تعذب كثيرا وعذب به الناس، إنه زكي مبارك، زوبعة الأدب العربي الحديث. ولك مندوحة عن ذلك في فواصل من نوع مختلف، نوع يتحداك، ويراهن على أنك لا تستطيع فهمه بسهولة، عنيد، صعب المراس، كلما اقتربت منه ازداد منك بعدا، والتف بدخان كثيف من الغموض، إنها فواصل عازف الأدب العربي الوحيد الذي يمتع، في الوقت الذي يشرع وفواصل محمد شاكر، صاحب ذلك الكتاب المثير: «أباطيل وأسمار» فإنها خشنة الملمس، مهاجمة، مقاتلة وخيمة العواقب، فإذا كنت معجبا برؤية الأشلاء البشرية تتناثر وتمزق في غير رحمة، وإذا كنت من هواة رياضة القتل كالتي كانت تجري في ملاعب الرومان القديمة، فأنت واجد ضالتك في فواصل هذا الكاتب الرائع (أي المخيف) فهو الكاتب العربي الأصم: مصطفى صادق الرافعي. وإياك فيه فواصله كمدى حادة الأطراف، يمزق بها لحم من يقع تحت رحمته من الخصوم والمناوئين...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here