islamaumaroc

لماذا الهجوم على ماضي الأمة العربية وتراثها...؟

  دعوة الحق

العددان 188 و189

نشرت مجلة العربي في العدد 223 موضوعا للمناقشة تحت عنوان: «الماضي .. معروضا(1) للبيع!» بقلم الأستاذ فهمي هويدي، وفي عددها الأخير 234 بتاريخ جمادى الأولى 1398 (مايه 1978) نشرت ردا ضمنيا على ذلك المقال للأستاذ الكتاني بعنوان: «لماذا الهجوم على ماضي الأمة العربية وتراثها؟». ونظرا لأهمية هذا المقال استأذنّا فضيلة الأستاذ المذكور في إعادة نشره فزودنا بنص الرد الأصلي على مقال الأستاذ هويدي وفيه زيادات هامة على المقال المنشور بمجلة العربي.
لاحظت وتتبعت باهتمام بداية الهجوم المخطط على تراث الأمة العربية الإسلامية منذ سنوات عديدة، واستطاع المهاجمون أن يجعلوا جمهورا من المتعلمين والطلبة، يعتقدون بأن التراث العربي يمثل أحد المشاكل التي  تعرقل تقدم الأمة العربية، وأخذ هذا الهجوم يتسع شيئا فشيئا، ويمتد من الصحافة إلى المحاضرات، ومن الكتب إلى حلقات الدروس في المدارس الثانوية والكليات، وأحيانا يتسرب إلى الإذاعة والتلفزة برفق وهدوء، ومع مرور الأيام يكبر هذا الوهم، ويصبح تراثنا في نظر مئات الآلاف من تلاميذنا في الثانويات، وطلبتنا في المعاهد والكليات، وشبابنا المتفرنس أو المستغرب المستلب، ليس فقط مشكلة يجب التخلص منها، وإنما تمتلئ نفوسهم بالحقد والكراهية له، -ومن جهل شيئا عاداه- بعد أن تجسدت فيه الخطيئة، ونسب إليه الجمود والتخلف.
وقد تتبعت هؤلاء المهاجمين فإذا هم ينتمون إلى أربع  فئات:
1) فئة اليسار العربي الظاهر.
2) فئة اليسار العربي المستتر.
3) فئة اليمين العربي المستغرب (أو المستلب).
4) فئة الشعوبيين الجدد المستترين.
وقد يكون اليساري أو اليميني هذا شعوبيا أيضا.
وتختلف أساليب الهجوم على التراث باختلاف هذه الفئات، واختلاف المراكز الاجتماعية والثقافية لأفرادها، واختلاف أوضاع بلدانها السياسية، أحيانا نجده صريحا وعنيفا، وأحيانا أخرى يتسم بالمرونة والاعتدال، واستعمال الاستعارات البلاغية، كان يطلق على التراث «الماضي» من باب إطلاق المحل وإرادة الحال، ولكن السمة الغالبة في هذا الأسلوب، عند أغلب الكتاب، هي المبادرة بإظهار حسن النية، تجاه الماضي، والتنويه بأنه يحتوي على جوانب مشرقة وإيجابية في تاريخنا، يجب أن نتمسك بها، ونحافظ عليها، على أن نتخلص من جوانبه المظلمة وسلبياته!.
يقول الأستاذ هويدي مثلا: «لكن الاعتراض الوحيد هو أن يتحول الماضي –والتراث جزء منه- إلى عبء يثقل كاهلنا، ويعوق تقدمنا إلى الأمام من ناحية، ثم أن تكون كل حركتنا محصورة في هذا الماضي، بحيث ندير ظهرنا للعالم، الأمر الذي يحجب عنا رؤية الحاضر أو المستقبل».
إذا ثبت حقا أن كل حركتنا محصورة في هذا الماضي، أي في اجترار التراث!، وأننا فعلا أدرنا ظهرنا للعالم، أي للحاضر والمستقبل، حاضر الحضارة الغربية ومستقبلنا معها، يجوز حينئذ الإدعاء بأن هذا التراث قد تحول إلى عبء يثقل كاهلنا ويعوق تقدمنا، ولكن هذه المقدمة غير صحيحة على الإطلاق، وهذه بعض الحقائق الغنية عن كل بيان:
1) نظام التعليم في العالم العربي والإسلامي، من المدارس الابتدائية حتى  الجامعات، هو نفس النظام الغربي، بنفس المناهج والمواد والحصص تقريبا، ولا يمثل عدد طلبة المعاهد الإسلامية التقليدية (جامعة الأزهر بمصر، وجامعة القرويين بالمغرب، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، و معهد الزيتونة بتونس)، بالمقارنة مع عدد الطلبة العام في العالم العربي، إلا نسبة ضئيلة لا تكاد تذكر.
2) مواد اللغة والثقافة العربية في التعليم الثانوي والعالي العصري اختصرت كما وكيفا، فلم يعد المحصل على الثانوية العامة وطالب الجامعة، يستطيع أن يكتب بضعة أسطر دون أخطاء إملائية أو لغوية أو نحوية، أما المواد الإسلامية فقد جمعت كلها (في التعليم الابتدائي والثانوي) في حصة واحدة بعنوان: التربية الإسلامية، لا تتجاوز 45 دقيقة في الأسبوع، وهي مستبعدة، مع ذلك، من الامتحانات العامة، ولذلك لم تعد  تحظى بأي اهتمام من لدن التلاميذ ولا المعلمين.
ومادة الفلسفة جردت تماما من أي شيء اسمه الفلسفة الإسلامية أو الفلاسفة المسلمين، وبرنامجها عبارة عن ترجمة للبرنامج الفرنسي مثلا،  مع إعطاء الأهمية الكبرى للفكر الماركسي الإلحادي، والحاصلون على  الباكالوريا في المغرب مثلا، مثل زملائهم بفرنسا، لا يعرفون شيئا عن الفارابي وابن سينا وابن رشد والكندي والغزالي وابن تيمية!، ولا يعترفون بوجود فلسفة إسلامية.
3) أغلبية القوانين في هذا العالم – حاشا المملكة العربية السعودية- مقتبسة ومستمدة من القوانين الغربية والفرنسية بصفة خاصة، ولم تستطع التخلص من سيطرتها حتى اليوم.
4) أغلبية الذين يتحكمون في مصير العالم العربي، سواء في الحكومات أو الأحزاب أو المؤسسات الاقتصادية والثقافية، درسوا في المدارس والجامعات العصرية ذات النظام الغربي، في بلدانهم أو في الدول الغربية.
5) وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في هذا العالم، تنقل وتترجم كل ما تصل إليه إمكاناتها عن حركة الغرب والشرق الثقافية والاقتصادية والعلمية، وهذا فضلا عن الكتب والصحف والمجلات والأفلام والمسجلات الغربية الأجنبية التي تغزو أسواقنا وقاعاتنا السينمائية، بل هي في بعض هذا  العالم كبلدان المغرب العربي، تفوق، كما وكيفا واستهلاكا، الانتاج الوطني أضعافا مضاعفة.
أين هو إذن، في حياتنا اليومية، هذا التراث الذي أثقل كاهلنا، وعاق تقدمنا؟!.
باستثناء المعاهد الإسلامية المذكورة، وخزائن المخطوطات والمكتبات والمتاحف الوطنية، فإن شيئا من هذا التراث لا يكاد يعيش معنا، لا في بيوتنا، ولا في مدارسنا، ولا في محاكمنا، ولا في مكاتب عملنا، أو مصانع انتناجنا، أو مجالات نشاطنا ولهونا!
ومن حسن الحظ أن الأستاذ هويدي لم يذكر لنا، وهو يهاجم التراث، كتبا مثل دليل الخيرات وقرعة الأنبياء، والروض العاطر، وإنما اهتم بالدرجة الأولى بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لابن هشام، وتفسير الطبري، رغم أنهما لا يدرسان ولا يستعملان كمراجع، إلا للمختصين في المعاهد الإسلامية، ذلك لأنهما يدخلان في صميم أهداف المخطط الخاص بمحاربة التراث، إذ هما مصدرا التراث، ولكن الشيء الذي لم أفهمه شخصيا هو الهجوم على «تهذيب» فيض الخاطر لأحمد أمين «وتهذيب» «وحي الرسالة» لأحمد حسن الزيات، هل هو فقط لتبرير وتمرير الهجوم على السيرة والتفسير؟، أم لأن الأمر يتعلق بشخص الكاتبين الكبيرين، باعتبار أنهما من أنصار وناشري التراث العربي الإسلامي؟!
ويضيف الأستاذ هويدي:
«وفي الجامعات نجد الظاهرة ذاتها، رسائل الماجستير والدكتوراه يغوص أكثرها في الماضي بصورة تثير الدهشة، وآخر صيحة في هذه الرسائل هي أن تبحث عن مخطوط قديم وتقوم بتحقيقه»؟.
هل يمكن حقا أن يتجاوز مثقف عربي أبسط التقاليد العلمية المتبعة في الغرب نفسه، أو ينظر لها باحتقار، ليقف بصورة صلبة وحاقدة ضد التراث لهذه الدرجة؟!.
إن قبول تحقيق كتب التراث الإسلامي في الرسائل الجامعية تقليد أخذناه وتعلمناه من أساتذة الجامعات الغربية، والمستشرقين الذين حققوا ونشروا من كتب تراثنا في المشرق والمغرب الشيء الكثير، وإذا كنا نعلم بأن هناك أكثر من ثلاثة ملايين مخطوط عربي، بينها آلاف من الذخائر التي لا تقل شأنا عن أكبر الإنجازات العلمية، في حضارتنا الإسلامية العالمية، لم تنشر حتى الآن، فكيف نستكثر على بعض الباحثين الجامعيين في كليات الآداب خاصة، أن يدرسوا ويحققوا بعض هذه الذخائر، في إطار فروعهم التخصصية، وبهدف التوسع والتعمق فيها، ومعاناة التجربة التي مر بها عالم كبير متخصص قبلهم في هذا الفرع من المعرفة، وتقييمهم لها؟!.
الهدف الإيديولوجي من الهجوم على الماضي:
لن أقوم فيما يلي بعرض مبهم، ومتهم بالمبالغة، أو بالتحريف والتأويل، لشرح الأهداف الحقيقية من الهجوم على الماضي، ولكني سأقتصر على وقائع، ونماذج، ونصوص، ربما كانت أقوى دليل في هذه المناقشة، وأحب أن أطمئن الأستاذ هويدي بأن الرسائل الجامعية بدأت هي الأخرى تتخلص من التراث، وتهاجم الماضي فمنذ أقل من سنتين كان زميلنا في كلية الآداب المرحوم الدكتور زكريا إبراهيم بقطر(2) عضوا في لجنة مناقشة إحدى رسائل الماجستير، وقد جاء في نقده، مما يتعلق بصميم موضوعنا، ويشير إلى أهداف الهجوم على الماضي، قوله:
«... ولكن الطالب حين يتحدث عن فكر المرحوم علال الفاسي الذي يعد «العودة إلى الماضي بمثابة ضرب من (التحرر)»، نراه يأخذ على  المفكر الفلسفي الكبير أنه لم يدعنا إلى «تصفية الحساب مع الماضي، والتحرر منه»؟، ويتساءل المرء: كيف يطالبنا الباحث بالتحرر من الماضي، وهو يعلم أن هذه دعوى استعمارية استلابية، هدفها قطع جذور الأمة العربية، والعمل على فصل حاضرها عن ماضيها، والقضاء على شخصيتها التاريخية؟.
أنا أفهم أن يأخذ على أنصار السلفية المتزمتين محاولة تقليد السلف دون أدنى اجتهاد أو ابتكار أو تجديد، ولكن الذي لا أفهمه أن يدعونا الباحث إلى تصفية حسابنا مع الماضي والتحرر منه، وكأنما هو ينسى أو يتناسى أن الماضي هو ذاكرتنا القومية، وأن الكائن البشري (فردا كان أو جماعة) الذي لا تاريخ له، كائن عار لا يجسر أن يظهر أمام الناس!، بل لماذا لا نقول أيضا أن الحاجة إلى الابتكار والمبادرة والتجديد، قد لا تزيد أهمية في بعض الأحيان، عن الحاجة إلى التأصيل والاتباع والتقليد؟، إن المسألة
ليست مسألة تقليد أو تجديد، اتباع أو إبداع، اعتراب أو اغتراب، بل المسألة هي مسألة «وعي مستبصر» يعرف «ماذا يقبل» و«ماذا يرفض»، و«لماذا يقبل» و«لماذا يرفض»؟.
ولسنا نعرف في تاريخ البشرية الطويل، أمة واحدة وجدت في كل ماضيها مجرد سلسلة متلاحقة من الصور القاتمة، كما أننا لا نكاد نلتقي –في كل تاريخ المجتمعات- بمجتمع واحد رفض كل تراثه، لمجرد أنه يريد إحداث تغيير جذري حاسم!، والحق أن الثورة ليست ثورة على الأسلاف، بل هي ثورة على رواسب التخلف أينما وجدت، ولم يكن الأسلاف جميعا دعاة جمود، أو أهل تخلف بل لقد كان منهم دعاة التغيير، وأهل التقدم!، وما ذنب الأسلاف، إذا كنا نحن أبناءهم، لم نعد نعرف كيف نواجه ظروفنا بما تتطلبه المواقف الجديدة من حكمة، وتعقل، ومرونة؟!.
... إن المثقف العربي الذي يشعر اليوم بالاستلاب، إنما هو ذلك الإنسان المزدوج الذي يحيا التمزق العميق بين عالمين حضاريين ويتنازعان فكره وقلبه، ولكنني أعتقد أن كل مفكر عربي يرى في الحضارة الغربية تراثا إنسانيا شارك فيه العرب أنفسهم، كما شارك فيه الأوربيون، لن يجد نفسه صريعا لأي شعور بالاغتراب، بل سيجد نفسه منفتحا على هذا التراث، مستعدا للتواصل معه واثقا من أن التقدم الحضاري حق إنساني، لا شأن له بخطوط الطول والعرض، ولا علاقة له بمسائل الجنس والدين واللون»(30).
لقد كان المرحوم زكريا إبراهيم مثالا للعربي المسيحي المخلص لأمته وتاريخه ووطنه ومهمته العلمية، وكان شجاعا في شرح هذه الحقائق، رغم أنه كان يعلم أن أغلبية الحاضرين للمناقشة من الطلاب والأساتذة جاؤوا لتشجيع أنصار الاتجاه اليساري.
ولتذكير الشباب العربي اليساري بأنه عندما يهاجم ماضي أمته، ويدعو للتخلص منه باسم التقدمية والمعاصرة، إنما يقع في فخ «الدعوة الاستعمارية الاستلابية» التي أشار لها الدكتور زكريا إبراهيم، أعود ربع قرن إلى الوراء، لأقدم شهادة أخرى لعالم مجاهد شهير، عاش معركة تحرير الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي طيلة حياته، وعانى من أساليبه ومكره الشيء الكثير، إنه الشيخ البشير الإبراهيمي الذي جاء في خطاب له أمام وفود الدول العربية والإسلامية لمنظمة الأمم المتحدة بباريس يوم 29 يناير 1952:
(يقول المستعمرون عنا حين نعتز بتاريخنا وأسلافنا بأننا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي السحيق ونتكل على الموتى، يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا، أو في معرض النصح لنا –ومتى كان إبليس ناصحا؟- ونحن نعلم ما يرمون إليه، إنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض حتى إذا استيقظنا من تنوميهم ونومنا، لم نجد ماضيا نبني عليه حاضرنا، فنندمج في حاضرهم، وهو كل ما يرمون إليه.
لكن سلوهم هل نسوا ماضيهم؟ إنهم يكذبون، فهم يبنون حاضرهم على ماضيهم، ويعتزون بآبائهم وأجدادهم، ويخلدون رجال الفكر والأدب والفلسفة والجنود الفاتحين، وهذه شوارعهم (وشوارعنا التي سموها هم) تشهد ... أنهم يذكرون أبناءهم بماضيهم، ويلقنونهم أعمال أجدادهم، ويذكرون أبناءنا المتأثرين بعلومهم وفلسفتهم بذلك، ويأتونهم بما يملأ عقولهم وأنفسهم حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا، أن الواحد من هذا الصنف من أبنائنا ليعرف الكثير عن نابليون، ولا يعرف شيئا عن عمر، ويحفظ تاريخ «جان دارك» ولا يحفظ شيئا عن عائشة وخديجة، إنها الخسارة التي لا تعوض»(4).
وفضلا عن ذلك فإن الماضي ليس ذكرى وإنما هو تيار حضاري، وقد شرح هذه الفكرة جون بادو أحد مؤلفي كتاب «عبقرية الحضارة العربية» الصادر أخيرا في إنجلترا، فبعد أن تحدث عن العالم العربي المعاصر، وشخصيته السياسية، وتحرره من قيود
الاستعمار، وقدرته على استيعاب الحضارة العلمية والتقنية الحديثة، أضاف قائلا:
«في ظل هذه الحداثة يبدو الماضي العربي، فالعربي ككل إنسان لا يستطيع أن ينكر تراثه، ولا أن يهرب من ماضيه، الماضي يعيش معنا دائما لا كمجرد ذكرى وتاريخ، ولكنه تيار يسري ويتدفق في تصرفات الشعوب حتى ولو لم يشعروا بهذا أو ينتبهوا إلى تأثيره العميق.
الواقع أن الماضي العربي ليس ذكرى يعتز به الأبناء، ولا تاريخا تروى قصصه المجيدة لجيل يعشق الاستماع إلى الحديث عن هذا المجد التليد، ولكنه تيار حضاري يحمل معه دروسا يجب أن نتعلمها، ويحمل معه ذخائر تثري من ورثوا هذا التراث». ثم يروي جون بادو قصة هذا التيار الحضاري، بعد ذلك، في حديث طويل.
أن الباحث الاجتماعي الموضوعي لا يحتاج إلى تفكير عميق لكي يدرك أسرار المخطط اليساري، المطعم بالنصائح والتجارب الإستعمارية، للهجوم على ماضي الأمة العربية الإسلامية وتراثها، وقد ظهر الهجوم الصريح على  الدين وعلى  القيم والمبادئ الإسلامية وانتعش في عهود  الاستعمار الغربي القديم، ولكن الاستعمار الجديد، والماركسية العالمية، استبدلاه بالهجوم على التراث، في صيغ ثقافية مختلفة. واكتفي هنا بنقل فقرات صريحة في تحديد أسلوب وأهداف الإيديولوجية الماركسية من هذا  المخطط، للأستاذ عبد الله العروي، الذي طالب المثقف العربي «بأن ينفلت  نهائيا من غرور العمل السياسي التقليدي السهل، (أي أن يرفض المداراة، وينفذ إلى  الجذور)، ويتصدى لحرب إيديولوجية لا هوادة فيها، لقد كانت المواجهة الثقافية الإيديولوجية دائما هادئة، لأنها ميدان تعايش سلمي، على أساس عبادة المقدسات المطلقة، هذا الهدوء يجب أن ينتهي ويخلفه صراع متواصل، أن اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثقافي، يستلزم منا كثيرا من التواضع، ورب معترض يقول:
- ستكون حينئذ ثقافتنا المعاصرة تابعة لثقافة الغير!.
- فليكن، إذا كان في ذلك طريق الخلاص، سنؤذي بذلك ثمن سباتنا الطويل، وتقهقرنا المتواصل، واتباعيتنا (سنيتنا) المركبة.
تقاعسنا طويلا إزاء القومية الثقافية، إزاء تقديس اللغة والتاريخ والتراث، لنتقبل في هذا الميدان أيضا حرية الدرس والنقد)(5).
وفي ندوة علنية بالرباط لمناقشة كتاب (النقد الذاتي) للمرحوم الأستاذ علال الفاسي، قال الأستاذ عبد الله العروي:
«... إن الحركة السلفية عندما ركزت على فكرة الرجوع إلى السلف، ركزت في نفس الوقت على نمط واحد، أي أن هناك حقيقة تنزل من السماء على بعض الأفراد، ورغم كل مجهودات الحركة لم يتحرر المجتمع الإسلامي من هذا النمط في الفكر، وبقي نمط الوحي مسيطرا على جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.
لا أحد يناقش هل هذا النمط أحسن من غيره، نقول فقط هل «الوحي» هو أساس التخلف أم لا؟ ... لكننا قد اقتنعنا إذا أردنا التقدم، فلابد من إقصاء هذا النمط من التفكير، لكي لا يقول لنا أحد: أنا أدري بمصالحكم»(6).
هذه العبارات صريحة، ولا تحتاج إلى تعليق، فالتراث أو الماضي عند هؤلاء، لا يعني من حيث الزمن، عصور التخلف الأخيرة في حياة المسلمين، بل هو يمتد إلى ظهور الإسلام ونزول القرآن! ومن حيث المحتوى، لا يعني فقط المعوقات والسلبيات التاريخية، بل يشمل أساسا عناصر اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والتراث بصفة عامة، أي جميع مقومات الأمة العربية، نظرا للترابط العضوي الموجود بينها، فاللغة العربية هي لغة القرآن ووعاء الدين الإسلامي الذي سيظل حيا بحياتها، والتاريخ هو أساسا تاريخ الإسلام وحضارته العالمية، كما أن التراث العربي يعني في الطليعة الإنتاج الفكري الذي انبثق عنهما، وهذا الترابط العضوي جعل مفكري الماركسية العرب يعتقدون بأنه لا يمكن التخلص من الإسلام بدون التخلص من اللغة التي نزل بها القرآن، أو من تقديسها على الأقل، ولا يمكن التخلص من هذه اللغة، ولو جزئيا، إلا بالانفصال عن تراثها
التاريخي،  وهذا (البنيان المركب) والواجهات الثلاثة، هو ما يسميه العروي بالقومية الثقافية، ويطالب بتحطيم قداستها، واجتثات أصولها ومنابعها من محيطنا الثقافي!.
وبنفس الصراحة، يشرح العروي،  مرة أخرى أهداف الهجوم على التراث والثقافة القومية، لإحلال «الثقافة الجديدة» الماركسية محلها قائلا:
«... هل يجب أن يحتل مشكل السيطرة الثقافية محل الصدارة، على حساب مشكل الاستيلاء على الحكم؟، إننا لا نرفض هذا الاستنتاج، ولكن من يزعم أن الهدف يختلف في الحالتين؟، ومن منا يقول أن المعركة الثقافية أسهل من المعركة السياسية؟، الواقع أن السيطرة الثقافية لن تتحقق للماركسيين بسرعة ولا بيسر، وإذا ما تحققت فستعطي للمطلب السياسي صبغته الشرعية.. وستتأصل هذه المطالبة في تطور مجتمعي شامل نحو المعاصرة، وسيكون نصيب الماركسيين في إنجاز هذه المعاصرة وافرا أن الذين يكدون ويجتهدون لكي تنقل معاداة الرأسمالية، ومعاداة الاستعمار، ووحدة الأمة، من إطار (ديني قومي) إلى إطار (تاريخي طبقي) يخدمون في آن واحد تطلعهم نحو السلطة والكونية الفعلية»(7).
إنه موقف إيديولوجي صريح لأستاذ يساري آخر من التراث، ومن الماضي.. المحنط.. والمعروض للبيع!. وهذا هو الفارق بين اليسار المغربي واليسار المشرقي الذي يتسم في نظر اليسار المغربي بالضعف والزيف، وأحب أن أذكر هؤلاء وأولئك معا، بالحقائق التالية:
1- التراث الإسلامي هو الذي جعل الجهاد والمقاومة ضد المستعمرين والمستبدين والظلمة، جزءا من عقيدة المجتمع الإسلامي وأخلاقه، و بفضله قاوم هذا المجتمع الصليبيين والمغول والتتر والمستعمرين القدماء والجدد، واسترجع حريته من جديد، في المشرق والمغرب.
2- هذا التراث ليس مفروضا على أحد، يباع فقط في السوق الحرة، ويعيش محاصرا في مجال ضيق، فلماذا تثورون وتتضايقون من طبع بضعة آلاف نسخة من سيرة الرسول عليه السلام، أو من تفسير القرآن، ولا يكون لكم نفس الموقف من ملايين النسخ التي تنشر بأشكال مختلفة، عن حياة ماركس ومذهبه؟؟.
وكيف تسخرون من نشر بعض كتب الأدب العربي، ثم لا  تقولون شيئا عن ملايين النسخ التي تخرجها المطابع العربية (وأغلبها مترجم) من الكتب المدرسية، وكتب الإيديولوجيات والاتجاهات المعادية، التي  تزيف وتشوه حقائق التاريخ العربي الإسلامي في المشرق والمغرب، وتغذي الحقد والكراهية لهذا التاريخ، وتنشر الإلحاد، وتسعى لتعميق الخلاف والعداء بين أبناء الأمة العربية، فضلا عن قصص الجنس والاجراء التي تنشر الإباحية والانحلال والعنف؟!.
3- التخطيط الفكري والعلمي لبناء المستقبل، والاهتمام به في جميع الميادين، وعلى سائر المستويات، تقع مسؤوليته على رجال الحكم، وقادة الفكر والعلم الجامعيين، فإذا قصر أو تخلف هؤلاء عن دراسة علوم المستقبل، فهل من المنطق والعدل أن نصب جام غضبنا على الذين استمروا في دراسة علوم الماضي؟!.
4- الصراع المرير والطويل بين العالم العربي الإسلامي وبين أعدائه هو أساسا صراع من أجل المستقبل، وكل تخطيطات هؤلاء تهدف لضمان استمرار سيطرتهم الاستعمارية – الصليبية مستقبلا، وبث الألغام في طريق تقدم هذا العالم ووحدته، وأشغاله بمشاكل حاضره عن التفكير في بناء مستقبله، من ذلك مثلا:
أ‌) أن التفكير في تجميع يهود العالم وإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين منذ سنة 1840(8) كان تفكيرا وتخطيطا من أجل هذا المستقبل.
ب‌) وأن التآمر على الإمبراطورية العثمانية، وإثارة الفتن والاضطرابات الطائفية والعنصرية لإضعافها، وتفكيك أوصالها من الداخل، كان عملا مخططا من أجل هذا المستقبل.
ج‌) وأن وقوف العالم كله ضد الوحدة العربية(9)، سواء منه الدول الصناعية الأوربية، أو الدولتان الكبيرتان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، هو أيضا من مخططات ضمان مستقبلها.
د) وأن الغزو الفكري واللغوي والمذهبي لشعوب العالم العربي – الإسلامي، لم يهدف فقط لتفكيك وحدتها القائمة على أساس إسلامي، وإنما يسعى أيضا لعدم قيام أي وحدة لها، لا على أساس قومي لغوي، ولا على أساس مذهبي اشتراكي، ولا على أساس وطني جغرافي، ولا على أساس اقتصادي سياسي. هذا الغزو المتعدد الاتجاهات والأعماق، كان نتيجة تفكير طويل، وعمل دائب لعقول علمية خططت لضمان مستقبل دولها، ضد خطر قيام أية وحدة، من أي نوع، للعالم العربي أو الإسلامي. وضد نهضته وتقدمه في المستقبل القريب.
فهل يعتقد الذين يحملون معاولهم اليوم، للمساهمة في هدم ماضي أمتهم، والتخلص من تراثها، أن هذه الطريقة هي الخطة المثلى لبناء مستقبلها، وإظهار الغيرة والاهتمام بهذا المستقبل؟!.
وأخيرا يقول الأستاذ هويدي أن العقل العربي أعطى إجازة رسمية منذ أغلق باب الاجتهاد.
وأنا أسأله: من أغلقه؟ وبأي منطق أو نص؟!.
إن اتهام العقل العربي بالعجز والقصور عن مسايرة العقل الأوربي سيكون حينئذ نزعة عنصرية أو شعوبية، وفي نفس الوقت لا يستطيع مؤرخ منصف أن يتهم الإسلام بأنه  سبب قصور أو عجز العقل العربي، لأن الإسلام هو الذي حرر العقل العربي، وأخرج العرب من جزيرتهم ليقوموا بأداء رسالتهم الحضارية شرقا وغربا، خلال عصور طويلة من التاريخ.
ألم يكن من الحكمة والموضوعية، والبعد عن ردود الفعل الشخصية والعاطفية، أن تشغل وقت المفكرين والباحثين بالإجابة مثلا عن الأسئلة العلمية التالية:
ما هي عوامل تخلف المجتمع العربي الداخلية والخارجية؟
ما هي «مخططات» أعدائنا لاستمرار هذا التخلف؟
كيف نضع «مخططات مضادة» لمواجهتها؟ وكيف نطبقها؟
بدل أن نشغله بالسخرية الرخيصة من تراثنا وماضينا،  وترديد سخريات أعدائنا من مواقفنا الاجتماعية والدينية (الدين .. أو السكين؟)؟!.

(1) - هذه الصيغة، وقد شاعت في عناوين المقالات والكتب (كمال ناصر شاعرا ومناضلا)، خطأ نحوي واضح، فالاسم المنصوب حالا لا يأتي إلا في الجملة الفعلية، ولذلك يمكن رفع كلمة «معروض» هنا على أنها خبر للمبتدأ، دون أن يتغير معنى الجملة.
(2) - توفي بالرباط يوم 26 أبريل 1976 على إثر أزمة قلبية، ونقل إلى القاهرة حيث دفن بها.
(30) - بعد مرور أيام على مناقشة هذه الرسالة، التقيت بالمرحوم الدكتور زكريا إبراهيم، فعبرت له عن إعجابي بعرضه وكان مكتوبا، وطلبت منه نص هذه الفقرات لنشرها في مناسبة ما، فرحب بذلك وجاءني بالنص الكامل لنقده بخط يده، ومنه نقلت الفقرات السابقة.
(4) - مجلة «دعوة الحق» عدد 7 و 8 غشت وشتنبر 1977 ص 65 الرباط.
(5) - عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي، ص 205.
(6) - جريدة «العلم الأسبوعي» عدد: 100 في 5 يبراير 1971، الرباط.
(7) - عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي، ص: 143.
(8) - أنظر مقال الدكتور محمد حسن الزيات بعنوان، المؤامرة على فلسطين بدأت قبل هرتزل بنصف قرن، في مجلة «العربي» عدد: 220، مارس 1977.
(9) - انظر مقال الأستاذ أحمد بهاء الدين بعنوان: العالم كله ضد الوحدة العربية بمجلة «العربي» عدد: 220  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here