islamaumaroc

الإنسية المغربية

  دعوة الحق

العددان 188 و189

 ما هي الإنسية؟
إن تعريف كلمة الإنسية وشرح مفهومها يجر إلى مناقشات قضايا فلسفية ولغوية وأخلاقية تبعدنا عن الموضوع الذي نحن بصدده وهو الإنسية المغربية، لذلك سنتجاوز تعريفها إلى ما تدعو إليه الضرورة وسنختار لنعرب كلمة L’humanisme، الإنسية المنسوبة إلى الإنس بدل كلمة الإنسانية المعربة عن L’humanité وقد فطن اللغويون القدماء لهذه الدلالة في البيت الشعري المشهور:
وما سمي الإنسان إلا لإنسه
                   ولا القلب إلا أنه يتقلب
فلها علاقة (بالإنسان) أي (L’homme) أي البشر .. وما تعطيه من أبعاد بشرية، والإنسية بتعريف سهل بسيط هي مجموع التيارات الثقافية والفلسفية الهادفة إلى تقوية المقومات الأخلاقية الإنسانية عند الإنسان، فهي ليست اتجاها إنسانيا فتنكر لمساندة الآخر، أو انعزالية رهبانية أو  استعلاء سوبرمانيا .. فالأبيقورية بمعنى اقتناص الملذات المادية ليست إنسية، والرهبانية الاستسلامية في الصوامع والأديرة ليست إنسية كذلك، وحركة النازيين والفاشستية والسوبرمانية الآرية ليست إنسية في شيء..
والنزعة الإنسية بدأت واضحة في الديانات القديمة والآداب الإغريقية والسامية القديمة، على أنها لم تزدهر كفلسفة، ومذهب في أوربا إلا بعد ظهور اللوتيرية المتأثرة بالفلسفة الإسلامية.
أما في الآداب القديمة: ففي إليادة هوميروس صور أدبية تعكس الوجدان الإنساني، وفي الشهاناماه قصائد وجدانية تمجد الإنسان وكرامته، وفي فلسفة سقراط تحليلات لاهتمامه بالإنسان وإنسيته باعتباره محور التفكير الفلسفي الذي يجب أن  تنصب عليه التحليلات الفلسفية.
وكان أرسطو أعظم فيلسوف إغريقي قدم للإنسان إنسيته المعتمدة على الفكر والمنطق أي سيطرة العقل التي يتميز به الإنسان ... أما أفلاطون فقد بين في مدينته الفاضلة مجتمعا إنسانيا تسوده السعادة ...
ومع ذلك فليست بلاد الإغريق مهد الإنسية (كما يقول مالرو) بل إن الديانات الشرقية والحضارات القديمة هي مهد الإنسية، حيث تعطي الإنسان مدرسة ليعمل من أجل الإنسان ومن أجل السعادة والرفاهية، وكانت (الفروسية) في القرون الوسطى تعني إسعاد الإنسان وخدمته والترفيه عنه، على أن الإنسية لم تزدهر كفلسفة ومذهب إلا في القرن السادس عشر معتمدة، على الدراسات اللاتينية والإغريقية وبالأخص الإيطالية في إنسانية الإنسان على أساس الحكمة والسعادة، ثم ظهرت إنسية مسيحية دعا إليها (سان  فراسو أدوسال) Sanitfrancois Desales مستمدة من
 (رحمة المسيح) وإنسانيته، وبقيت تطبع الفكر المسيحي إلى أن جاء لوثر وكلفان اللذين فرقا بين ديانة المسيح والفلسفة المنادية بطبيعة الإنسان بطبيعته.
وكانت الحروب المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية ذات تأثير على الثقافة الإنسية فلم يبق مدلولها الحكمة والسعادة فقط بل أصبحت متأثرة بمعطيات الثقافات الوطنية التي كان ازدهارها حدا فاصلا بين الاكتمال الذاتي والتبعية والتقليد، كما أن التقدم العلمي حظي بشهرة المفكرين اللاتينيين والإغريقيين وأعطى نماذج جديدة للفكر الإنساني الأوربي.

الإنسية في الآداب الغربية:
ورغم هذا التعريف الموجز فإننا نشعر أننا في موضوع طويل ومتشعب، شغل الفلسفة والأدب والمذاهب، لهذا أبدى مسبقا تحفظا وحيطة من الوقوع فيه غير أننا ونحن نؤرخ للآداب اللاتينية الأوربية نتجاهل جهود الكتاب الأوربيون عامة في بلورتها، فقد عرفت ازدهارا مهما في القرن السادس عشر على يد الكاتب الغربي سواء من المسيحيين الذين لا ينكر جهودهم في هذا الميدان، وبالأخص على يد سان فرانسو دوسال، أو على يد غيره من الذين تأثروا بنظرية لوثر وكلفان المفرقين بين النظرية المسيحية والأفكار الفلسفية التي تعلن براءة الإنسان بطبيعته.
وكان شيشرون المفكر اللاتيني الذي استحوذت عليه الفلسفة الإغريقية يرى أن الثقافة هي دراسة الإنسانية والآداب...
غير أن الإنسية في بدء انطلاقها لم تر تحديدا معقدا في إسعاد الإنسان فكانت في الغالب أبيقورية النزعة مما نمى الجانب المادي لإسعاد الإنسان على حساب القيم والأخلاق وكان شعراء (التروبادور) الذين تغنوا بحياة اللذة وإسعاد الإنسان عن طريق إغراقه في الملذات مما أثار (حفيظة) البابا الذي رأى في ذلك تحويلا للفروسية إلى تمجيد الحب الإنساني، بل إلى ما يرمز إلى السعادة السماوية في صور أرضية، ليعطي للإنسان أبعاد سعادته المادية، لقد كان لابن رشد الفضل الكبير في تعريف جامعات أوربا بآثار أرسطو حيث عقب ذلك اهتمام رسالته بموضع الإنسان وحياته أكثر من الاهتمام بمصيره الغيبي، كما كان اتجاه الكنيسة ودراساتها ومع ذلك فلا نستطيع نكران أثر الفيلسوف الغربي (أوجستان) الذي أعجب به ميتراك وبالأخص بجانبه الإنساني أكثر من جانب تفكيره لقد عمل كتاب القرون الوسطى أن يأخذوا عن الإغريق وينشرون التمتع السعيد الطبيعي السليم بخيرات الحياة في حضارة إنسانية رفيعة ويعيشون في اعتدال دون شعور بالخجل والخطيئة، وكان المثل الأعلى (كن كاملا) أي صحيحا قادا عقليا وجسديا... وبذلك حرروا الإنسان من زهد الرهينة والتفكير في آخرته ونسيان سعادته الدنيوية ... ولاشك أن تعاليم أرسطو في الأخلاق علمت الفكر الغربي مبدأ الاعتدال الأرسططالي وانتصر هذا الاتجاه الطبيعي ليحول الإنسان الغربي عن مبدأ (المحبة) المسيحية الباكية إلى مبدأ الفرح باستعمال قوى الإنسان العقلية، والجسمية والوجدانية في تذوق جمال الطبيعة، فقادت المسؤولية الإنسان إلى الحرية بذل الخضوع المطلق للقدر بالمفهوم المسيحي .. ولا غرو أن يظهر (بيكو) ليقدم كتابه خطبة في كرامة الإنسان مركزا على اعتبار الإنسان نقطة الكون، مرددا الفكرة المسيحية بأن الله خلق الإنسان على صورته، بل أعلن بعض الكتاب الأولين ضرورة تمتع الإنسان، أما الرهينة فقسوة وجور، والتأمل كسل، والوحدة أنانية، وجاء (رابيله) ليعلن عن طموح الإنسان في الملذات وحياة الفرح، والملذات كرد على غلو الرهبان في الزهد وكان كتابه روح البحث والفضول، أعظم كتاب نموذجي لحركة الإيمانزوم (النزعة الإنسانية).
ولقد ظهرت اهتمامات بالإنسان وآماله والتعبير عن فرحته وسعادته وتآخيه فكان (الجنتلمان) نموذجا للإنسان حيث كان مزيجا من الفارس البطل والإنسان الرقيق العواطف المهذب الأخلاق، الذكي العقل، ومما لاشك فيه أن هذا المثل الأعلى غير القيم الاجتماعية ليجعل من الناس عاملين في حركة ذاتية لتطوير المجتمعات اقتصاديا، وباختصار فإن نزعة (الإنسية) كانت معتمدة على روح الأدب الكلاسيكية وظهرت بارزة على يد الكتاب والفنانين الإيطاليين. ويتقدم خلفية الإنسية على يد (إيرازموس)
الذي  سعى لنشر عقيدة عقلية أخلاقية، تأثرت المسيحية بالمفاهيم الإنسانية الجديدة، والأخلاق بكرامة الإنسان الفكرية والاجتماعية .. كما كان للعلم في تطور المفاهيم المحددة لوضعية الإنسان في الكون على يد فيوش ... فاستوعبت المسيحية اللوثيرية التيار الإنساني وتقلص مفهوم الكنيسة في اتهام الإنسان وخطيئته وانحطاط طبيعته وشددت الرونيسانس (في عصر التنوير) على قيمة الإنسان وإخضاع جميع الاعتمادات والعادات إلى مقاييس العقل والمنفعة في هذه الحياة، ونقد الفكر المسيحي من زاوية هذه المقاييس نقدا عنيفا.
وكان لفولتر وروسو الفضل في إبراز ملامح الإنسانية وهدم ضلالات القرون الوسطى... واستفادت الكنيسة من هذا النقد فحولت الدين إلى عقيدة تعتمد المنطق والعقل أو النزعة الإنسانية العقلية. وبالأخص عند كلفان والبروتستانتية بصفة عامة، ولقد كان لنيوتن أثر قوي في ظهور حركة علمية لا تؤمن بالتقليد.
وظهر أثرهما واضحا في نهضة العلوم الإنسانية والمجتمع البشري، وبذلك تطورت العلوم الإنسانية بصفة عامة سواء في ميدان علم النفس أو علم الاجتماع أو في الآداب والفنون، والعلوم الأخلاقية، وظهر كتاب إنسانيون أمثال (هوفز) الذي طبع قرنه بطابع قوي.
ونتج ذلك أفول الملكية المطلقة حيث ظهرت محلولة والية (فزياء اجتماعية) لتلبية المطالب الاقتصادية والبادية عما ساعد على ظهور الحكم الديمقراطي الشعبي على أساس الحقوق الطبيعية للإنسان ... وبروز الأخلاق العقلية والمناداة بالعدالة الاجتماعية والمثل العليا لتحقيق عدالة متكاملة، وإذا كان التقدم العلمي حقق التطور المادي فإن أثره على الإنسية ضعيف في الآداب الأوربية في أواخر عصر النهضة.
ويمكن أن نفهم الإنسية في اتجاهاتها الثلاث، في اتجاه أوجيستكوست الفلسفي الداعي لفلسفة وضعية كدين للإنسانية، وفي نظرية تشيلر الذي يرى أن معرفة الإنسان خاضعة لطبيعيته وحاجياته الإنسية، وبأن الرأي يكون صائبا أو خاطئا حسب قدرته التنفيذية ...

الإنسية في الإسلام:
والإسلام يقرر بأن الإنسان مدين بوجوده لخالقه. وهو مخلوق في أصله من مادة (أي من تراب ومن حمأ مسنون) وأن الله تعالى نفخ فيه من روحه... فله على سائر المخلوقات مكانة عظمى، لأنه أرقاها وأسماها... وقد زوده خالقه تعالى بالعقل وهداه النجدين فأصبح قادرا على تحمل الأمانة والمسؤولية في تعمير الأرض والاختيار والكسب الإرادي.
والقرآن الكريم يهدي البشر أجمعين للنزعة الإنسانية في الإنسان على أساس (الفطرة) التي معناها الطبيعة الإنسانية المعتمدة على الذات (الأنا) والغيرية معا من أجل نمو إنسانيته الذاتية على حدة وتعاونها مع المجتمع الصغير. والكبير على السواء لإسعاد الإنسانية وتطورها...
وقد كان القرآن الكريم أول من كرم بني آدم (ولقد كرمنا بني آدم  وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا) وأمر الملائكة أن تسجد له إشعارا بقيمته الكبرى واستخلفه في الأرض كما جاء في القرآن (إني جاعل في الأرض خليفة)، وجعل الشيطان يتحداه ليجلو مكامن الخير فيه. (قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم).
لقد كانت إنسانية الإنسان التي حددها القرآن الكريم في الخلق والتواضع والخير والإحسان والعدل والتسامح موضوع شرح وجدل بين المفسرين وعلماء الكلام.
وقد تساءل علماء اللغة والكلام عن حقيقة الإنسان... وذكر ابن حزم في الفصل النزاع الذي وقع بين أبي الهذيل العلاف والنظام حول مدلول الإنسان، فالعلاف يرى أنه لا يطلق إلا على الجسم وحده بينما يرى النظام أنه يخص بالنفس وحدها، ويرى آخرون أنه الوحدة التي تجمع بين الجسم والنفس معا.
أما المذهب المغربي الذي ارتضاه ابن حزم فهو (الإنسان) يطلق على الجسم لأن الميت يبقى إنسانا، كما يطلق على الروح لأنها نواة الأحداث الشعورية والأمزجة، ثم هو وحدة الجسم والروح لأن كلا منهما يرتكز على الآخر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here