islamaumaroc

الجملة القرآنية

  دعوة الحق

العددان 188 و189

للتعبير القرآني سحره في النفوس فقد أنزله الله بلسان عربي مبين مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وقد كان الشرك يلتهب حقدا على محمد صلى الله عليه وسلم ويصد عن دينه ما استطاع وهو مع ذلك يهتز لأسلوب القرآن يذهب مستخفيا لسماعه فإذا جوبه بالمؤاخذة قال في مرارة أن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة وأن أعلاه لثمر وأن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر.
وقد ظلت العربية في مدها الطويل ذات بهاء أسلوبي رائع مرده إلى كتاب الله حيث جعل المتأدبون وجهتهم القرآن يحفظونه صغارا ويتدارسون روائعه كبارا فأصبح كتاب الله نمطا رائعا يحاول الكاتب العربي أن يستفيد من روائعه وهو بذلك يعصم البلغاء من أسفاف القول وركاكة التعبير وأني والأنموذج البارع يتردد على الألسنة المؤمنة صباح مساء فيضع المثل الأعلى للقول العربي ويجعل بلاغة التعبير وفصاحة الأسلوب مطمح ذوي البلاغات ممن يحرصون على تسنم المنابر وامتشاق اليراع.
ثم جاءت النهضة الأدبية المعاصرة فشاء الله أن يتزعم كتابتها الفنية أمام مصلح من أئمة الدين هو الأستاذ محمد عبده رحمه الله مفسر كتاب الله ودارس أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز وقد سارت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية حافلة بمقالاته الإصلاحية الرائعة وهي قبس من وحي الذكر إذ جعل الإمام كتاب الله نمطه الأعلى الذي يحاول أن يستفيد من معجزه البياني فتوارت الجمل القرآنية الكريمة على أسلات يراعه اقتباسا واستشهادا فسنت طريقا مبينا للكتابة الأدبية ونشأ جيل من مدرسة الإمام يحتذيه منهجا وتعبيرا فعادت البلاغة العربية مرة أخرى قشيبة زاهية تذكر بعصور البلاغة في دنيا أمية وعصر الرشيد وساعد طبع التراث الأدبي على رواج هذا النمط الرائع من البيان العربي ووجد الأسلوب يختفي به ائتلافا ونصاعة وقوة تصرف وبراعة احتجاج وعادات ثمرات ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان تتساقط من أقنان مصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات والبشري وعبد الرحمن البرقوقي والمنفلوطي والمويلحي من تلاميذ الأستاذ الإمام، وهكذا كان القرآن مصدر فصاحة أسلوبية كما هو منار هدى تفكيري وشعاع إصلاح اجتماعي ومعجزة حية للمؤمنين.
ولكن قوما يحقدون على القرآن تأثيره الباهر في النفوس ويرون في بلاغته الآسرة حائلا دون ما يبتغون من توهين العروبة وانتكاس الإسلام وقد تستروا بالدعوة إلى اللهجات الإقليمية في كل دولة عربية لتتمزق عرى أحكمها القرآن وشدت قواها فصاحة الضاد فتعاوى العاوون في كل مكان بالدعوة إلى لغة محلية تجعل العامية مصدر التفكير والتعبير وبذلت الأموال الدافقة لتعضيد هذا العبث الممسوخ
وما أسرع ما نشط أدعياء وهتف وصوليون وتزعم أغوار ولكن سحر القرآن لا يقاووم فقد ارتدت كل السهام إلى صدور أصحابها ووضحت الأغراض الدخيلة وضوحا كشف عوارها وهتك أستارها وشاء الله للعربية أن تنتصر لأنه شاء للقرآن أن يخلد تصديقا لقوله عز وجل «إن نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
وإذا كان نابغة البيان العربي المعاصر الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله من أبرز البلغاء فصاحة وجزالة، وللكلمة القرآنية في بيانه وهج التماع إذ يستشهد بها في كل مجال فإن أعداء العروبة قد حاولوا أن يغمزون بيانه من ناحية إبداعه وهو عمى معرض ضرير يجعل الزين شيئا، والنهار ليلا. فقال قائلهم في مجلة مشبوهة لو ترك الرافعي إلتزامه بالجملة القرآنية لكان ذلك أجدى وأنفع وطار القول إلى الرافعي فنهض للرد عليه بما اشتهر به من اقتناع وقال فيما قال: لقد ظهر لي من نور الجملة القرآنية ما لم أكن أراه من قبل حتى لكأنها مكرسكوب يفصح عما يخفى من صغار الجراثيم مما يكون دقيقا فيستعظم وخفيا فيستعلق، وبلغ موضع النفاذ المصيب حين قال:
«وإذا تركت الجملة القرآنية وعربيتها وفصاحتها وسموها وقيامها في تربية الملكية وإرهاف المنطق وصقل الذوق مقام نشأة خالصة في أفصح قبائل العرب وردها تاريخنا القديم إلينا حتى كأننا منه وصلتنا به حتى كأنه فينا وحفظها لنا منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنطق الفصحاء من قومه حتى لكأن ألسنتهم هي عند التلاوة تدور في أفواهنا وسلائقهم في تقيمنا على أوزانها إذا أنا فعلت ذلك ورضيته افتراني اتبع أسلوب الترجمة في المجلة الإنجيلية واسف إلى هذه الرطانة الأعجمية المعوجة وأعين بنفسي على لغتي وقومي وأكتب كتابة تميت أجدادي في الإسلام ميتة جديدة وتنقلب كلماتي على تاريخهم كالدود يخرج الميت ولا يأكل إلا الميت وأنشئ على ستنس المريضة نشأة من الناس يكون أبغض الأشياء عندها هو الصحيح الذي يجب أن يكون أحب الأشياء إليها».
وقد قرن الرافعي رحمه الله الجملة القٍرآنية بالجملة الإنجيلية لهدف واضح إذ أن القرآن كما نعلم أرفع نمط بياني نجد سطوره في اللغة العربية ولبلاغته زهو ساحر لاسبيل إلى النيل منه. أما مترجمو الإنجيل إلى العربية فقد حرصوا على رداءة لغته حرصا متعمدا ليضعوا الحوائل بين فصاحة الأسلوب ونصوص الإنجيل واهمين أن الارتفاع بأسلوب كتاب النصرانية إلى مستوى بياني مقبول قد يدفع إلى الإعجاب بأسلوب القرآن وهو الخطر كل الخطر على من يريدون أن يطمسوا نور الله بأفواهمهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولعل ما يؤكد هذا الحرص الضرير على الدراءة التعبيرية لترجمة الإنجيل أن كلا من الشيخ إبراهيم اليازجي وأحمد فارس الشدياق قد حاولا أن يعيدا ترجمة الإنجيل إلى صورة ترتفع عن صورتها الراهنة باصطناع أسلوب بياني مصقول فقام القسس في وجه هذه المحاولة بهبة صارخة أن رجعت في بعض أسبابها إلى جهلهم بنصاعة البيان العربي فقد رجعت في أكبر أسبابها إلى خوفهم من الارتقاء بأسلوب الإنجيل إلى مستوى يجعل للضاد منه حصنا عاليا وموئلا كاملا، وإذا لاذت العربية بكتاب فقد مهدت السبيل لأسلوب القرآن وذلك ما يكرهون على أن الرافعي رحمه الله قد وفق كل التوفيق حين كشف هوى المستعمرين في النيل من لغة العرب كيدا لأسلوب القرآن فقال في صراحة آخذة:
«على أني لا أعرف من السبب في ضعف أساليب الكتابة والنزول باللغة دون منزلتها إلا واحد من ثلاثة، فأما مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به، ولنن تكون أمة إلا به وأمان النشأة في الأدب على مثل الترجمة في الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعويج اللسان بها وأما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف، فإنه ليس كل كاتب ببليغ ولا كل من ارتهن نفسه بصناعة نبغ فيها وأن نسب إليها وعد في طبقة من أهلها والكتابة صناعة لها أدواتها».
وقد كان لمقال الرافعي دوى رنان حيث نشر في أكثر من صحيفة يومية وتوالت التعقيبات عليه من أقلام مختلفة تسير في طريق الحق ومن أظهر من أوسعه تحليلا وتعقيبا أمير البيان الأمير شكيب أرسلان رحمه الله نحيث نشر بحثا مستفيضا تحت عنوان : (ما وراء الأكمة) نقل فيه من عبارات الرافعي جملا ذات أهداف ثم رأى أن يخالف الكاتب الكبير في رده أسباب الضعف الأسلوبي والحرص عليه إلا ثلاثة أسباب (معلنا أن السبب الأساسي واحد. وهو أصيل جوهري تتعدد ظواهره وتشعب روافده ولكن النبع واحد لا يتعدد إذ أن هذه الحملة الموجهة إليه في البلاغة العربية لا تعني البلاغة في ذاتها ولكنها تعني القرآن الكريم وتضمر الاضطعان على الإسلام بدليل أن هؤلاء المتبرمين بالبيانب الأسلوبي يروون الشعر الجاهلي والأدب الأموي والتراث يروون الشعر الجاهلي والأدب الأموي والتراث العباسي دون أن يتنكروا لما يحمل من البلاغة ولكن بلاغة القرآن تقف في حلوقهم لحاجة في نفس يعقوب وقد عبر الأمير شكيب عن ذلك بوضوح حين قال:ذ
(إن الوجوه الثلاثة متوفرة ولكن الوجه الأول أقواها، وأصحاب هذا الوجه منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمة لمبادئ الاستعمار الأوربي، ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة أنها أقرب إلى الأفهام ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها لا حبا في اللغة ولكن علما باستحالة تنصل العرب من لغتهم وأدابهم ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط ألا يكون ثمة قرآن ولا حديث وأن تكون الصبغة لا دينية).
ثم قال الأمير رحمه الله:
(أن هذه الفئة تريد حربا وتورى بغيرها فهي تبغي نقض قواعد القرآن التي هي السد الأمنع الحائل دون الاستعمار والثقافة الإفرنجية وتأتي ذلك من طريق نبذ القديم والبالي والأخذ بالجديد والحالي ومن جملة هذه الإشراك أن القرآن حائل دون القومية العربية لا يفصح لها مجالا فتراهم يغصبون له العداوة وامراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان وتلك لا حيلة فيها).
إن هذه الفئة تحارب القرآن والحديث وجميع الآثار الإسلامية وتريد أن تتبدل بها كلام الجاهلية وكلام فصحاء العرب حتى من المخضرمين والمولدين وكل كلام لا يكون عليه مسحة دينية وهذه الفئة قد تعددت غاياتها واتفقت في الوسائل فمنها من لا يجهل بلاغة القرآن وجزالته وكونه من العربية بمنزلة القطب من الرحى ولكنه يدس الدسائس من طرف خفي لاقصائه عن دائرة الأدب حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غض مكانة القرآن في صدور الناس يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه على حين يزعمون أن الموضوع موضوع أدب لغوي لا مدخل للسياسة فيه).
وقد أوقعتنا الأيام في تجربة عملية تنطق بأثر البيان القرآني في ارتقاء الأسلوب الفكري نطقا تقوم على صحته الشواهد الناطقة بما لا يقبل المراء واللجاج فقد مر الأدب المعاصر بفترتين متعاقبتين كانت أولاهما وتقع ما بين الحربين العالميتين قترة إزدهار فكري تتنوع ثماره ويغزر إنتاجه ويرتقي شكله ومضمونه وكانت الفترة الثانية وتبدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بطيئة مملولة في خطا طريقها المتطاول حتى تصل بنا إلى يومنا الراهن وهي فترة تدهور أدبي تضطرب فيه القيم الفنية وتضحل المعطيات الفكرية ضحولة تورث العقم والأمحال ومهما اختلف الباحثون في تعليل الإزدهار الرائع في الفترة الأولى والامحال الجديبب في الفترة الثانية فلن يهملوا جانب الثقافة الإسلامية في العهدين ثباتا وزوالا، حيث كان أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد وإبراهيم المازني ومصطفى الرافعي وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات وعبد العزيز البشري ممن يحفظون جميعا كتاب الله ويرون في أسلوب القرآن نمطا رائعا للتعبير الممتاز مع ما أضافوا إليه من ثقافة معاصرة تلاقت مع الثقافة الإسلامية لا لتطغى عليها بل لتزيد في إثرائها وتضاعف في إنمائها فكان القراء يجدون في ثمارهم الرائعة ما يرفدهم بالغذاء الجيد والصحة الفتية وكان من الرائع أن تظهر لهؤلاء الكبار مؤلفات بارعة تدور حول الإسلام مثل وحي القلم وضحى الإسلام وفجره وحياة محمد وعبقريات محمد وصحابته وعلى هامش السيرة وعلي وبنوه والشيخان والوعد الحق إلى ما لا أعد من الآثار التي تزدحم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولم يكن هذا الاتجاه الديني سوى استجابة لهواتف صادقة تنطلق بها حناجر مسلمة ترى في كتاب الله آية الآيات وكنز الكنوز ولا أظن هؤلاء الأماثل قد وجدوا صعوبة في التأليف فنسجوا من الثياب الرائعة ما يجلو عرائس أفكارهم في أحلى الابراد، ثم تفرق هذا الرعيل ليحتل القيادة الفكرية خلف لا يقرأ القرآن ولا يرد مورد الأصالة الأدبية تفكيرا وتعبيرا فاصبحت مقالاتهم شبيهة بأحاديث العامة وافتن كل كاتب في يوميات يسجلها في صحيفته المختارة فكانت في أكثرها فضولا لا يحلق
في أفق ولا يرتقي بجناح ولن تعود للأدب العربي هيمنته الآسرة إلا حين يجد قادة كفاءة العهد الأول يصلون الجديد بالقديم ويستمدون من القرآن إلهاما حيا يوقظ الأرواح ويحيى النفوس ولعل ما طرأ من النكسات في عهود الضياع ينادي التائهين في الشعاب أن أقبلوا، فقد استبان الطريق بعد إعصار عاصف أبهم العالم وأضل القافلة فتاه الحادي وسقط الدليل ولن نلتفت بعد الآن إلى أصوات الضغينة ممن كشفلا دخائلهم أمثال الرافعي وشكيب فقد أدرك المنصفون ما تستر من عوار، وتضمر من عداء أما المخدوعون الأغرار فمن الأسف المرير أن تجد هذه الأقوال المدخولة بعض الصدى لديهم إذ انصرف شذاذهم إلى بواعث الهدم والتجني ورأوا في مترجمات الأدب الإفرنجي والهابطة منها بالذات ما يوافق أهواءهم العليلة ثم تصدروا الكتابة في الصحف فكانوا مثالا للركاكة المسفة والانحدار المخجل ومنهم المسلمون الذين راتت عيونهم الأغشية على حين نجد نفرا من عقلاء العرب المسيحيين يؤثرون القرآن باستظهار والحفظ فنضج عليهم بيانه وكانوا من كبار أدباء العصر وشعرائه ومن هؤلاء خليل مطران وشبلي الملاط وأمين نخلة وأمين الريحاني وكان المحامون من نصارى مصر إلى عهد قريب من ذوي البلاغة العالية إذ قرؤوا القرآن ودرسوا روائعه واعترفوا بذلك مباهين وفيهم مكرم عبيد ووهيب دوسص وويصا وأصف ممن سار لهم في بلاغة الدفاع وقوة الحجاج ذكر بعيد وأذكر أن الدكتور زكي مبارك قد سأل في بعض مقالاته بالرسالة عن السر في بلاغة أسلوب مكرم عبيد وركاكة مقالات سلامة موسى فوضح أثر القرآن في ارتفاع الأول لأنه يحفظ آياته الشريفة، أما ركاكة سلامة موسى فناشئة عن عداوته الوغلة لروائع الذكر الحكيم وهذا كلام لو أطلناه لامتد دون انتهاء فحسبنا أن نكتفي بالهادف المصيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here