islamaumaroc

الشيخ ابن القرشي لدى حضرة أسد الجريرة العربية

  دعوة الحق

العددان 188 و189

في موسم حج سنة 1936 كان يبدو واضحا مدى الاستقرار الذي يخيم على المملكة السعودية بعد حربها مع اليمن، وقد وضعت أوزارها قبله، وكان ملحوظا اغتباط العاهل عبد العزيز آل سعود، فبعد حضوره حفلة عشاء ذوي الحيثيات من مختلف الأقطار الإسلامية مع حاشية رجال دولته، ومن ضمنهم كان وفد المغرب برئاسة الشيخ الوزير سيدي عبد الرحمن بن القرشي يضم كاتبه هذا والسيد مصطفى بن غبريط.
وقد سبق حفلة العشاء حفلة شرب القهوة العربية التي كان موعدها بعد المغرب مباشرة، وكان على المدعوين أن يحضروا قبل صلاة المغرب لأن العاهل يصلي ثم يخرج إلى الحفلة، وكان يتعذر على المدعوين الذين يبلغ عددهم ثلاثة مائة أن يؤدوا صلاة المغرب في الصالون الذي يضمهم، فما كان من الشيخ ابن القرشي إلا أن تنحى إلى زاوية من الصالون يتبعه المغاربة وبعض الجزائريين فأم بهم صلاة المغرب وكان لصوته الجهوري أثناء الصلاة في اللحظة التي حضر فيها الملك صيت ملحوظ لفه صمت رهيب، فلما سلم بنفس الصوت تقدم ياور للأخذ بيده والذهاب به إلى منصة الملك حيث قام وصافحه ثم أقعده معه، وبعد برهة من المحادثة أبلغه فيها الشيخ عواطف وتمنيات جلالة محمد الخامس والشعب المغربي المسلم الذي ينظر إلى حامي حمى الحرمين الشريفين بالإعجاب والتقدير.
وبعد حفلة العشاء، والانتقال إلى أعلى القصر الذي ازدحم بالمدعوين بمن فيهم الصحفيون والشعراء أعطى العاهل الإشارة للخطباء والشعراء فكانت القصيدة العصماء التي ألقاها شاعر نجدي تعكس ذلك الاستقرار والتي جاء مطلعها:
قر في غمده الحسام الفرند         سيد العرب إن عيشك رغد
وقد استعادت حاشية الملك ووزراؤه كثيرا من المرات الأبيات التي تضرب على وتر النهاية المحمودة لتلك الحرب.
من هو الوزير الشيخ الإمام سيدي عبد الرحمن بن القرشي؟
لا أعني هنا تحرير ترجمة الشيخ مثل تراجم الإعلام، فإن ذلك قد يكون تكفل به ولده الروحي العلامة المدرس الفتي الشريف مولاي أحمد الشبيهي رحمه الله، حسبما علمت منه قبل وفاته، أنه جمع مخطوطا في ترجمته الكاملة، وعسى أن نقرأها مطبوعة بعناية عائلته.
وإنما أعني هنا نشر مشاهدات تاريخية محدودة، وما رافقها من محادثات في ندواته وملاقاته في مختلف الحالات، وقد يكون تعبيرا عن حياة فترة معينة، خلال حياة رجل عاش تلك الفترة المغربية المظلمة فاستطاع أن يحافظ على مثالية الشيوخ الذين نقرأ سيرتهم في كتب التراجم والفهارس، ونتلمس من ذكرهم بركات صلاحهم وتقواهم، ونكبر صلابتهم في الحق والدين، حيث لا يخافون في الله لومة لائم، رغم عدم توفر المناخ لشيخنا الذي يكون توفر للآخرين.
وإذا كان من حقي أن أنفض الغبار عن كناشتي، التي سجلت فيها ما سجلت أيام دراستي بجامعة القرويين خلال الثلاثينيات، وبالأخص بمناسبة رحلتي معه إلى شمال المغرب وجنوبه، اللتين كانتا بمثابة اختبار لقدرته على تكبد مشاق الرحلة الطويلة إلى الديار المقدسة عن طريق القاهرة، فإنما ذلك قد يكون فيه من الطرافة والعبر ما يستحب تسجيله وقد يكون أيضا من العقوق ترك تلك الملابسات في طي الكتمان أو الإهمال، مع أنه قد يكون فيها ما يدل على واقع عربي في وقت محدد عرف فيه المغرب ضمن الأقطار العربية صدمات صمد لها من رزق الثبات واليقين، ممن اعتاد المغرب أن ينجبهم، من بين من يؤهلهم للذود عن الإسلام، ونصر السنة النبوية غير متأثرين إلا بتعاليم الشريعة السمحاء يقفون عند حدودها، وفي إطارها يناصرون القضايا الوطنية.
كان الشيخ ابن القرشي في فترة الثلاثينيات مسنا بلغ من العمر عتيا كنا نحزر عمره بما ينيف عن  تسعين سنة، ولا يعرف بالضبط تاريخ ولادته، إلا أنه يقدر أنه ولد في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن ابن هشام المبايع عام 1238 هـ والمتوفى عام 1276 هـ .
ولم يكن في إمكان أي أحد كيفما كانت حيثيته أن يتجرأ بسؤاله عن سنه، لما في السؤال عن السن من سوء الأدب، لأنه مظنة تكذيب صاحبه، وبالأخص أن الشيخ شديد التمسك بالجادة حتى أن الجالس معه يشد أنفاسه، خوف أن تبدر منه بإدارة تثير كوامنه عند استفزاز تلك الملاحم الإلهية التي يشع منها النور الرباني في هدوء ورضى، المطبوع من عبر الزمان، وهدى السنة النبوية والتاريخ الإسلامي عامة، والمغربي خاصة، يحيط بما له وما عليه، من دون أن يتشبع إلا عن اعتقاد راسخ مستوحى من نظريته النابعة عن أصول فلسفة التاريخ.
وبذلك كانت مجالسه حلقات مترابطة، يحادث جلساءه كأنه في عمر مقتبل، وفي عنفوان الذكاء، ويستظهر النصوص بحرفيتها في شتى الميادين المطروقة، ويضفي على سامعيه ما شاء الله من الجاذبية الحلوة، التي تبهرهم في حديث المجرب الخريت الذي يحمل على أكتافه بعد ما تحمل مسؤولية العلم مبكرا عهود ستة ملوك علويين من محمد الرابع إلى محمد الخامس.
أصله من تافيلالت يوقع على الإجازات التي كنت أتولى تحريرها في رحلاته وبالأخص رحلة المشرق الحسني الإدريسي، ورد على فاس لمتابعة الدراسة في القرويين، عايش جمعا من الشيوخ المرموقين أمثال الشيخ سيدي أحمد بن الخياط والشيخ سيدي محمد كنون والشيخ سيدي امحمد القادري والشيخ سيدي احمد البلغيثي والقاضي العراقي وغيرهم، وحياته اليومية في فترة الثلاثينيات، كانت رتيبة هكذا يصلي الفجر في جامعة القرويين رغم كبره يركب من داره على دابته المسرجة بمعية خادم له، وكان قبل ذلك يصلي في مسجد ضريح مولاي إدريس، فقصد الجمهور الصلاة هناك اقتداء به فلما رأى ذلك خاف أن يعتقد الناس أن لمولاي إدريس التأثير في فضل الصلاة هناك فانتقل إلى القرويين، ويقال أنه داوم صلاة الفجر فيما بين جامع مولاي إدريس والقرويين مدة أربعين سنة.
ولكبر سنه في هذه الفترة كان لا يستطيع أن يلقي أكثر من درس واحد، يلقيه بعد صلاة العصر ما عدا يومي الخميس والجمعة، ودروسه في موضوع صحيح البخاري أو صحيح مسلم، وكان يقول أنه يريد أن يلقى الله وهو في حالة الاشتغال بالعلم، وكان يحكي عن أحد الشيوخ الفضلاء، أنه لما مرض مرض موته دعى عائلته وهو طريح الفراش ليدرس لها في الأجرومية ليلقى الله وهو في هذه الحالة.
استعدادا للدرس كان يطالع مظان درسه أما بعد الضحى أو بعد  الظهر أو فيهما معا وكان يطالع بالعين المجردة، ولم يلبس على عينيه قط النظارات المكبرة، إلا أنه كان يقترب من الأوراق حتى تكاد تلمس عينيه،
وكان يداوم عندما يريد أن ينام مباشرة على أن يتطبب عينيه بماء فاتر يلقي فيه نقطة من دواء يضعها في كأس طبية، كما احتفظ بأسنانه الأصلية إلى آخر عمره رحمه الله رحمة واسعة.
وما عدا أوقات المطالعة ينكب على تلاوة القرآن في المصحف الكريم، وغالبا ما كان يجلس على «فرتلة» بباب داره الكبيرة التي تسامت بانحراف شيئا ما البوابة الخلفية لمسجد ضريح الشيخ الإمام سيدي التاودي رحمه الله، وفي الليل عندما يأوي إلى فراشه يتلو القرآن سرا إلى أن يأخذه النوم.
كانت أدعيته كثيرة، وكلها مأخوذة من المأثور عن السنة، متبعا في ذلك السلف الصالح من العلماء الأعلام، ويرى مثل سابقيه، أن الوسيلة المثلى هي في إتباع السنة مع الإعراض صفحا عن تهافت المتفقهة الذين يتلمسون طرائق موضوعة محتوية على الغث والسمين.
له تعلق مدهش بالجانب النبوي الكريم وكنا معشر الطلبة في حلقته الدراسية نشفق عليه إذا وصل به الدرس إلى حياته صلى الله عليه وسلم الأولى مع قريش، وبالأخص حول قضية ذهابه إلى الطائف، وما قبول به عليه الصلاة والسلام هناك، فإنه تبدو رحمه الله ذاته ترتعش، وكذلك بالنسبة لما عليه جمهور المحدثين من إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم للإيمان به إكراما له، وفي هذا المعنى بلغه ذات مرة أن أحد المدرسين من مدينة الصويرة تكلم في القضية بما يخالف ما ذكر، فكان رحمه الله عندما يطرق هذا الموضوع، يكاد يسقط من على الكرسي تأثرا بمقولة المدرس، وكان يصف الذين كانوا في حلقة ذلك المدرس بالمخذولين حيث لم يضربوه بنعالهم على كرسيه حتى يسقطوه انتصارا للجانب النبوي الشريف. تولى رحمه الله قضاء جامع الرصيف بفاس في عهد مولاي عبد العزيز، وكان على فاس خليفة للسلطان عمه مولاي عرفة، وكان القاضي لا يقبل من الخليفة السلطاني، شفاعة لديه في بعض القضايا الشرعية وربما أغلظ القاضي القول في مكتوب إلى الخليفة، مثل لا أسمع لك قولا ولا أرفع لك رأسا في الشؤون  القضائية، الأمر الذي أدى بالحاجب أبا أحمد بن موسى أن يعمل على نقله (القاضي) من فاس إلى مراكش لا كقاض ولكن كمحدث دارس للعلم، ويبدو أن ترحيله من فاس كان من وحي الخليفة السلطاني الذي قد يكون تذرع بخوف هيجان الأهالي الذين كانوا يرون فيه القاضي العدل الذي يستعدونه في قضاياهم، أمام أمثال الشريف الوزاني بوشنافة الذي كان لا يرضخ للقضاء إلى أن أرغمه القاضي بالحضور بنفسه أمام خصمه رغم إلحاح الخليفة السلطاني بإعفائه من الحضور فلم يسمع منه ذلك.
وقد تعجب سكان حي دار بوعلي، من القاضي غداة رحيله حيث عمد إلى رهن مرشته عند بقال حيه المدعو بنيس في ثمن الصابون البلدي لغسل ثياب العائلة.
وقد سار على هذا المسلك الصلب رحمه الله عندما تولى وزارة العدل أيام السلطان مولاي يوسف ابن الحسن الأول، فعندما بدأ الإفرنسيون يدقون المسمار في نعش حمايتهم بالمغرب باستصدار الظهير البربري (16 ماي 1930) امتنع أن يزكي الظهير بإصدار المرسوم الوزاري بتطبيق الظهير حسب البروتوكول المعهود في مثل الحالة، وقد كان يحكي رحمه الله، أنه راودته الإقامة العامة بكل أساليب الضغط أدى به إلى حوار خشن مع الكاتب العام للإقامة في مكتبه (الوزير) قائلا له أن الذي بيدي هو القلم فقط أما الإقامة العامة فبيدها القوة العسكرية، إن شاءت تطبيق الظهير فلتطبقه بالقوة، أما أنا فلا أغير الشريعة  الإسلامية بالأعراف ولو طبقت السماء على الأرض.
وهنا و صلت الحالة إلى منعرج خطير، حيث لم ينفع فيه إلا أن أشعر بأن له رخصة ليذهب إلى فاس ليستريح، وأقيم مقامه نائبه، الذي أمضى المرسوم، إلا أن الرخصة لم تنته، ولم يسأل هو كيف؟ ولا متى تنتهي؟.
ومع ذلك فقد بقي حرا معززا لدى المواطنين وحتى عند الحكام الإفرنسيين فكان لا يحضر إلى فاس أية شخصية مغربية أو فرنسية إلا وكان أول مهامه أن يزور الشيخ في داره، وكان يحكي رحمه الله أنه زاره ذات مرة المرشال اليوطي في داره، وأجرى معه  حديثا عن المبادئ الإسلامية، التي بينها له الشيخ على نصاعتها، فلما أعجب بها المرشال قال له «إن الإسلام على هذا البيان لم أسمعه من غيرك، وأنه اقتنع الآن بأن الإسلام دين سماوي صحيح» قال الشيخ فقلت له إذن أسلم فورا، ثم يردف تعجبا «ومن يضلل الله فلا هادي له».
وعلى أن قضيته مع الظهير البربري لم تنته عند حد امتناعه عن توقيع المرسوم، بل شارك كمواطن مسؤول لمقام مركزه العلمي، إزاء مجتمعه وأمام الله، وذلك عندما وضعت قضية الظهير البربري في محك الامتحان الوطني، فكان أول من ترأس الوفد الوطني، الذي سافر من فاس إلى الرباط للمثول أمام السلطان مولاي يوسف بتاريخ 1930 للاحتجاج لدى جلالته(1) إذ ألقى أمامه موعظة نصوحة مستمدة من أصول الإسلام، قائلا أن هذا الملك لم يصل إلى جلالته إلا بمحافظة أسلافه على الشريعة الإسلامية، الأمر الذي تأثر به مولاي يوسف أيما تأثر حتى بكى فلم يعبأ الشيخ بالسلطة الاستعمارية رغم تعقبها لأعضاء الوفد وزجت بهم في السجون ما عدا الشيخ الذي لم تستطع أن تمد إليه يدها نظرا لسنه ومقامه عند الجمهور كما لم يقعده عجزه السني عن القيام بواجبه الوطني الإسلامي.
كانت الدوائر الوطنية، وجمهور المغاربة قاطبة يرون في مدرسته المدرسة السنية، إذ أدرك شعبية قل نظيرها حتى أن المارين إذا سمعوه يعلعون نعالهم في الشارع ليمروا حفاة احتراما لمقامه السني، بل أدى ببعض النساء والرجال أنهم يدلفون إلى خرسة باب داره يتعلقون بها للتبرك والتمسح بها، ويقولون أنها دار السنة، وذلك لمقام تمسكه بالمسلك الأمثل في شؤونه الدينية والدنيوية.
يعود بنا الحال إلى دراسة بعض ظواهر الحياة العلمية في فاس بين الاتجاهات أثناء فترة الثلاثينيات.
ويمكن أن نرتب تلك الاتجاهات في المناحي، كلها مستمد أصولها من تعاليم القرويين، ولكن يميز بعضها عن بعض، الأسلوب المنطقي، الذي يصبغ كلا على حدة.
فالاتجاه المفاجئ الذي أبهر الأهالي بالاغتباط، والاستعمار بالامتعاض، كان يتمثل في المدرسة العصرية الحديثة، التي اندلعت من القرويين ذاتها، بالدروس الملتهبة شواظا عن لسان صدق ينفثها عالم شاب حديث التخريج من القرويين حاد النظر فصيح اللسان، سلس الإلقاء، قلب ميزان الدروس، من أعلى منابر المسجد الجامعي، تلفح القلوب المتعطشة، تلك الدروس التي أحدثت انقلابا فجائيا في صيغة الإلقاء، وفي محتوى الدروس، التي يدعو في مضمونها، إلى الثورة العارمة، بأسلوب تعليمي، من خلال السيرة النبوية التي لا يمكن لمتعاونين أن يطعنوا فيها جهارا، وإلا رجموا بالحجارة من الجمهور المأخوذ بسحر البيان، الذي يسترسل مسلسلا من إلقاء الأستاذ علال الفاسي زعيم هذه المدرسة التي بلا شك كانت نتيجة تلقي مبادئها على السلفي المتحرر الشيخ سيدي محمد بن العربي العلوي، والتي طعمت فيما بعد بعناصر أخرى  تسير على نهجها.

مدرسة ابن القرشي السلفية:
أما المدرسة المتميزة للشيخ الإمام سيدي عبد الرحمن ابن القرشي، فهي امتداد للمدرسة الفلسفية المتوارثة لعلماء السنة بالمغرب والتي جاءت مسلسلة محفوظة من شيوخ سلفيين فالشيخ ابن القرشي في حياته في هذه الفترة، كان يعتبر فيما على المدرسة السلفية، التي درج عليها شيوخ العلم بالمغرب، وبالأخص شيوخ العلم بفاس، الذين عمروا جامعة القرويين، واستمدوا حياتهم العلمية، والدينية، من السنة المثلى، ولم يتلمسوا وسيلة غير وسيلة الهدى النبوي، فكانوا ينافحون نفاح المتضلعين من فحول الاستقلال الفكري، والتجربة في اصول التشريع الإسلامي، وإذا أردنا استعراض نظائر الشيخ ابن القرشي في هذا المضمار بفاس، فإن الأقرب بحياته ثلاثة نظائر.
1) الشيخ الإمام سيدي حمدون بن عبد الرحمن بن الحاج السلمي أصلا المدراسي نسبا، الفاسي دارا  ومنشأ، (1176-1232 هـ).
فمن خلال وصف الشيخ وأمثاله في كتب التراجم، نجد أن المدرسة السلفية هذه بقيت محفوظة من أئمة العلم والشريعة تركوها تركة لمن بعدهم وكان على القيام عليها أن يوصف بأنه انتهت إليه الرياسة في العلوم، وأنه القائم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الممد بالمنح الإلهية والمواهب
الاختصاصية وأنه انتسب للتدريس وخصوصا في الحديث والتفسير.
وكذلك كان الشيخ حمدون، فقد انتصب للتدريس في القرويين، وهو ابن نيف وعشرين سنة، وكان يستحضر حديث الصحيحين وجل الكتب الستة، لا يغرب عن باله من صحيح البخاري كلمة ولا حرف، وكان في آخر عمره يقرأ صحيح البخاري بعد صلاة الصبح، وفي العاشرة مختصر الشيخ خليل، وبين الظهرين تلخيص المفتاح بالمطول أو المختصر، وبعد صلاة التفسير بالبضاوي، وبين العشاءين التفسير أيضا ولا يتقيد بتفسير ما.
وكان متصفا بمكارم الأخلاق شجاعا جوادا مقداما، في الصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محبا للشرفاء.
وكان له جاه في الدولة، فولى خطة الأحكام بنواحي المغرب، وأقعده السلطان في ثغر العرائش، واشتهر في سائر النواحي، ثم استعفى منها بقصيدة فأعفي رحمه الله(2).
2) الشيخ الإمام المؤلف القاضي سيدي المهدي ابن الطالب ابن سودة المتوفى 3 رمضان 1292 هـ .
كان يوصف بأنه عالم المغرب في وقته، إذ فاق أهل زمانه، علامة فصيح، عارف بصناعة التدريس متقن حسن الإيراد فيه، تولى قضاء مكناس(3).
اختاره مولاي الحسن الأول من بين جم من علماء وقضاة المغرب لختم صحيح الإمام البخاري برباط الفتح يوم 29 رمضان عام 1290 هـ.
3) الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد المدني كنون المتوفى في فاتح ذي الحجة 1332 هـ، كان في وقته إذا قيل الفقيه في فاس لا ينصرف إلا إليه، انتهت إليه رياسة العلم والفقه في المغرب، متضلع قوال بالحق صادع به لا يهاب في ذلك صغيرا ولا كبيرا(4) شديد التمسك بالسنة النبوية قيم على مدرستها اختصر حاشية الشيخ الرهوني على الزرقاني اختصارا كان مرجع المتناول بيد المدرسين والطلبة، كان يشنع على من يبحث عن وسيلة غير السنة النبوية، التي هي الأصل الأصيل للوسيلة إلى الله لعبادته.
ففي خضم الحياة الدراسية في هذه الجامعة من 8 إلى 11 صباحا ومن 15 إلى 17 مساء عندما تكون حلقات الدراسة معقودة هنا وهناك في زوايا المسجد الفسيح، وعند أساطينه.
هذه حلقة الشيخ سيدي محمد بن الحاج لتفسير ابن كثير، وهذه حلقة الشيخ سيدي الحسن مزور بشرح القسطلاني عن صحيح البخاري، وتلك حلقة الشيخ سيدي الطايع بن الحاج في الأصول بمجمع الجوامع، وهذه حلقة الشيخ سيدي الحسين العراقي بشرح الزرقاني لفقه خليل، ثم حلقة الشيخ سيدي العباس البناني في الجغرافية وفلسفة التاريخ، وحلقة الشيخ سيدي محمد العلمي في علوم الفلك وحلقة الشيخ سيدي محمد الأعرج في اللغة والأدب، وحلقات أخرى للشيخ سيدي عبد الرحمن العراقي، وسيدي الحسن الزرهوني وسيدي عبد العزيز بن الخياط وسيدي محمد الطاهري وسيدي ابن سعيد المكناسي وسيدي أبي الشتاء الصنهاجي إلى غيرهم.
وذلك مدة خمسة أيام من كل أسبوع يتوج الأسبوع بدرسين اثنين يلقيهما أحد فحول تلك النخبة صباح يومي الخميس والجمعة في الأصول وفي فقه الشيخ خليل بالزرقاني، ذلك هو العالم المحقق رئيس المجلس العلمي الشريف الشيخ مولاي عبد الله الفضيلي العلوي، حيث يتابع تلك الدروس في الزرقاني لمدة ثلاثين سنة ولم يختمه حتى عندما كنت ساردا له آخر دروسه في الوصية إلى القسم الأول من الفرائض كما كانت دروسه في تنقيح القرافي في أصول الفقه كذلك.
كانت دروس الشيوخ المشار إليهم عدا رئيس المجلس العلمي ضمن التنظيم الذي أدخل حديثا على القرويين، والذي حبذه بعض الجمهور دون البعض الآخر، وبالأخص الطلبة الأفقيين مما أدى إلى الإضراب عن الدراسة لأيام محدودة.
حتى إذا  هدا هدير الدروس عشية كل يوم اشرأبت الأعناق إلى شيخ رضى بهي في بياض البشرة والقلب واللباس، يدخل من إحدى البوابات  الجنوبية للقرويين يهد الأرض هدا متكئا على ذراع أحد معاونيه، وبعد تحية المسجد يعتلي منبر العنزة: ذلك المنبر الذي لا يقتعد عليه إلا فحول العلماء، أمثال شيخنا ابن القرشي.
في حلقة تجمع شتات الطلبة والتجار، وعشاق الحديث النبوي، وقد لا تجد موضع قدم لجلوسك، وكان الطلبة يتهافتون على دروسه، لأخذ سند الحديث عن بقية السلف الصالح، الذي ترجى بركته.
وكان موضعي أول الأمر ملاصقا بالقارئ (السارد) وهو طالب من الصويرة، وكان عليه أن يضبط متن الحديث، والانتباه إلى مراد الشيخ من فقرات الشراح الملائمة للنص، ويعتبر مساعدا خاصا للشيخ فإذا قال الشيخ قال القسطلاني أو ابن حجر أو العيني مثلا  وارتج على الشيخ مبدأ الفقرة، فعلى القارئ أن ينتبه للفقرة في أحد هؤلاء الشراح الذي يكون قد استحضرها معه، ويحكي أولها، وبذلك كانت وضعية السارد صعبة للغاية، في موضعه أمام شيخ سريع الانفعال، وعندما يغيب السارد فإن مهمته تنتقل إلي لأنوب عنه لمكان قربي منه، ثم لما استكمل تحصيله في القرويين، وأخذه الإجازة، سافر إلى بلاده، فلم يكن بد من أن أحل محله، بأمر من الشيخ، وهنا توطدت علاقتي معه.

رحلة الجنوب والشمال:
من عادة علماء فاس، وبطبيعة الحضارة المدنية، التي  ترعرعوا فيها موروثة لهم، أنهم كانوا يقومون مرة في كل سنة على الأقل برحلة داخل المغرب أو إلى الجزائر، ويحسبون لهذه الرحلة حسابها من حيث رصد ميزانية لها مخصومة من الصائر اليومي المعاشي طيلة السنة.
وتكون الرحلة ممتعة، ذلك لأن علماء فاس بما يقومون به من بث العلم في صدور طلاب العلم يقتبلون أينما توجهوا من جهات المغرب من طرف أولئك الطلاب الذين ما أكثرهم،  والذين أصبحوا هم أيضا شيوخ العلم في مساقط رؤوسهم، فيجتمع الأصل والفرع، ويلتذ اللقاء والحديث وتكثر الضيافات والندوات، والدروس الحديثية في المساجد العظمى من المدينة.
إلا أن الشيخ كانت له فلسفة أخرى في رحلاته، إذ كان قر عزمه على أداء فريضة الحج، فكان عليه أن يجرب قدرته على تكبده مشاق الرحلة.

(1) - كتاب الحركات الاستقلالية في المغرب العربي للأستاذ علال الفاسي، ص: 146.
(2) - الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، ج .3، ص: 117، المطبعة الملكية بالرباط.
(3) - الاستقصا، ج 7 ص: 163- والإعلام ج 3 ص: 174.
(4) - نفس المصدر ص: 178.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here