islamaumaroc

أبو عنان وحي بن يقظان.

  دعوة الحق

العددان 188 و189

في صيف من صيوف العقد الثالث من القرن الحالي، كنت أصيخ إلى رجل يتحلى بالعلم، وهو يقص على والدي – رحمهما الله، بجنان السبيل من فاس، حيث كنا في زيارة أخي الذي كان يدرس بالقرويين – قصة السلطان أبي عنان، فكانت كما يلي:
توفيت أم الطفل، إثر وضعها له في صحراء، فدفنوها بها وتركوا الطفل على قبرها ...
وبينما الطفل كذلك، إذ بغزالة تأتي إليه وترضعه، ثم تحمله معها، فيظل في صحبتها طيل النهار، فإذ جن الليل، أتت به إلى قبر والدته، فتركته هناك، إلى الصباح، فتصطحبه معها، وهكذا دواليك...
وترعرع الطفل، وصار يتبع مرضعته الغزالة، واستمرت هذه تأتي به إلى القبر ليلا، ثم تعود إليه صباحا، فتنطلق به عادتها في البراري، وهو في صحبتها، يرعى الأعشاب، كما ترعى، ويجري في سرعة بالغة، كما تجري ... ظبيا من الظباء، لا فرق إلا في خلقته ..
ولما عادت القافلة إلى والد الرضيع وأخبرت السلطان الوالد، بوفاة زوجه في الصحراء، إثر وضعها، وما كان منها –القافلة- من دفنها وترك الوليد، في رعاية الله، على قبرها، مضطرة في ذلك تحركت رغبة السلطان، في نشد ابنه، وإحضاره إلى حضرته ..
فعبأ لهذه جماعة أقوياء، جردهم كوكبة من  الفرسان توجهوا إلى ذلك المكان الصحراوي.. وبعد لأي استطاعوا أن يتعرفوا على القبر الذي لازموه عن كثب، أو من بعيد...
وما كان شفق المساء يدركهم، حتى كانت الغزالة، تأتي إليه، يتبعها الصبي اليافع في خفة وسرعة، ثم تركته على القبر وذهبت ... فحاول الرجال أن يضعوا أيديهم عليه، ولكنه سرعان ما فر منهم، ولم يستطيعوا اقتفاء أثره ...
وتكرر الاتيان، وتكررت المحاولات، التي لم تجد شيئا، ونفقت بعض الأفراس، وتحطم عنان بعضها، وهي تركض في طلبه، فسمي هذا الطفل، أو اليافع بعد ذلك باسم «أبي عنان»...
وفكر القوم طويلا في المصير الذي يواجههم، إذا ما عادوا إلى سيدهم، مخفقين في مسعاهم، وبعد طول تفكير وتقليب فيه، قرروا هذه الحيلة الجهنمية، وهي:
إنه بعد ما يعود الطفل، مع مرضعته الغزالة، إلى القبر، وتتركه هناك، يوقدون النار ويحوطون بها مكان القبر، ويؤرثونها، بشدة، تجعل حرارتها تنال من قوة الطفل، فتخور بسببها، وفي هذه الحال لا يقوى على الهروب الذي يفوتهم به ...
 وكان الأمر، كما دبروا، وتمكنوا من الطفل الغزال، وأتوا به إلى والده، وهو لا يفهم شيئا مما يفهمه الإنسان، لا تصرفا ولا كلاما. ولكن الأيام الطويلة، والمراس الحثيث، جعل الطفل فيما بعد يستأنس، فكانت الكنية «أبو عنان» تثبت عليه طيلة الحياة ...
قصة سمعتها في صباي، وتأثرت بها، لعامل الأمومة المفقودة، منذ الطفولة الأولى، ولكن ظل تصديقها، صارية قلص مع الأيام. ولا أدري، كيف كان وقعها في نفس الوالد، حينما سمعها من ذلك الشيخ الوقور، وهو يتحدث عنها، وعن مصب وادي فاس من مكان سمعته منه لأول مرة، «سايس»...
واحتفظت الذاكرة، بهذه القصة الخيالية، ولم استطع أن أجد لنسجها سدى ولا لحمة، إلى أن كان هذا اليوم الذي كنت فيه أقرأ قصة «حي بن يقظان» وإن كنت قد سمعت منذ أربعين سنة، أستاذنا أحمد ملين –رحمه الله- يحاضر فيها ببيت المغرب الذي كان بالقاهرة، أو ميدان «الأوبرا» منها، فما تعرض لهذا الجانب، حتى أتنبه لخيوط قصتنا، وكذلك لم يذكر هذا الجانب، في قصة «روبنسن كرزوا» التي يقال، أنها اقتباس من حي بن يقظان، وقد درسناها بكلية الآداب على أستاذنا – المأسوف عليه- Astbory (أرى أنها منفصلة تماما عن قصة «حي بن يقظان» وهذا لا يعنينا الآن)...
أما الجانب الذي يعنينا في قصة حي بن يقظان، فهو كما نرى: عند الفيلسوف الموحدي، ابن طفيل الأندلسي:
أنه كان بإزاء تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة متصلة الأكناف، كثيرة الفواكه عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة، وكانت له أخت، ذات جمال وحسن باهر، فعضلها ومنعها الأزواج، إذ لم يجد لها كفؤا، وكان له قريب يسمى «يقظان» فتزوجها سرا، على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم، ثم إنها حملت منه فوضعت طفلا ...
فلما خافت أن يفتضح أمرها، ويكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه، بعد أن أورته من الرضاع، خرجت به في أول الليل، في جملة من خدمها وثقاتها، إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابة به، وخوفا عليه، ثم إنها ودعته وقالت:
اللهم إنك قد خلقت هذا الطفل، ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكلفت به، حتى تم واستوى، وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفا من ذلك الملك الغشوم الجبار العتيد، فكن له ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين ..
ثم قذفت به في اليم، فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها.. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر.. ثم أخذ الماء في النقص والجزر عن التابوت في ذلك الموضع ... وعلت الرمال .. حتى سدت باب الأجمة على التابوت.. فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد قلعت، وألواحه قد اضطربت، عند رمي الماء إياه في تلك الأجمة، فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى ... فوقع صوته في أذن ظبية، فقدت طلاها، خرج من كناسه فحملته العقاب، فلما سمعت الصوت، ظنته ولدها، فتتبعت الصوت، وهي تتخيل طلاها، حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه، فحنت الظبية، وحنت عليه، ورئمت به وألقمته حلمتها، وأروته لبنها سائغا، ومازالت تتعهده وتربيه، وتدفع عنه الأذى...
قال ابن طفيل: ونحن نصف هنا، كيف تربى، وكيف انتقل في أحواله، حتى بلغ المبلغ العظيم ... إن الظبية التي تكلفت به، وافقت خصبا ومرعى أثيثا، فكثر لحمها ودر لبنها، حتى قامت بغذاء ذلك الطفل أحسن قيام، وكانت معه لا تبعد عنه إلا لضرورة الرعي، وألف الطفل تلك الظبية، حتى كان بحيث إذا هي أبطأت عنه اشتد بكاؤه فطارت إليه.
ولم يكن بتلك الجزيرة شيء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما واغتذى بلبن تلك الظبية إلى أن تم له حولان وتدرج في المشي، وأثغر، فكان يتبع تلك الظبية، وكانت هي ترفق به وترحمه، وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر، فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة، وما كان منها صلب القشرة، كسرته له بطواحينها، ومتى عاد إلى اللبن أروته ...
وإذا جن الليل صرفته إلى مكانه الأول، وجللته بنفسها، وبريش كان هناك، مما ملئ به التابوت أولا، في وقت وضع الطفل فيه، وكان في
غدوهما ورواحهما، قد ألفهما ربرب يسرح ويعيش، ويبيت معهما حيث مبيتهما.
فما زال الطفل مع الظبي على تلك الحال، يحكي نغمتها بصوته، حتى لا يكاد يفرق بينهما ... فألفته الوحوش وألفها... وقد قارب سبعة أعوام .. فنبل ... قدره عند نفسه.. فأكسبه ذلك ... مهابة في نفوس جميع الوحوش ...فصار لا يدنوا إليه شيء منها سوى الظبية التي كانت قد أرضعته وربته، فإنها لم تفارقه ولا يفارقها، إلى أن سنت وضعفت، فكان يرتاد بها المراعي الخصبة ويجتني لها الثمرات الحلوة ويطعمها ... إلى أن أدركها الموت، فسكنت حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها، فلما رآها الصبي على تلك الحالة جزع جزعا شديدا وكادت نفسه تفي أسفا عليها، فكان يناديها بالصوت الذي كانت عادتها أن تجيبه عند سماعه ...
وبقي على ذلك برهة من الزمان يتصفح أنواع الحيوان والنبات، ويطوف بساحل تلك الجزيرة ... واتفق في بعض الأحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ (يعني القصب) على سبيل المحاكة، فلما بصر بها رأى منظرا هاله، وخلقا لم يعتده قبل، فوقف يتعجب منها مليا، وما يزال يدنو منها شيئا فشيئا.. وأراد أن يأخذ منها شيئا، فلما باشرها أحرقت يده، فلم يستطع القبض عليها..
وحينئذ اتفقت له صحبة «ابسال» .. الذي كان قد سمع عن الجزيرة التي ذكر أن «حي بن يقظان» قد تكون بها ... فأجمع على أن يرتحل إليها ... وودع صاحبه سلامان، وركب متن البحر ... فبقي ابسال بتلك الجزيرة، يعبد الله عز وجل... وكان في تلك المدة «حي بن يقظان» لالتماس غذائه وابسال، قد ألم بتلك الجهة، فوقع بصر كل واحد منهما على الآخر ... (وخاف منه ابسال) وأما حي بن يقظان، فلم يدر ما هو لأنه لم يره على صورة شيء من الحيوانات التي كان قد عاينها قبل ذلك ... فلما رآه يشتد من الهرب خنس عنه وتوارى له حتى ظن ابسال أنه قد انصرف عنه ... ورأى ما عنده من سرعة الحضر وقوة البطش فرق منه فرقا شديدا، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان، ولا يدري ما هو... حتى سكن جأش ابسال ... وكان ... قد تعلم أكثر الألسن ومهر فيها فجعل يكلم «حي بن يقظان» ويسأله عن شأنه بكل لسان ... وحي بن يقظان في ذلك كله يتعجب مما يسمع ولا يدري ما هو عليه، غير أنه يظهر له البشر والقبول ... وكان عند ابسال بقية من زاد .. فقربه إلى حي بن يقظان فلم يدر ما هو ... فأكل منه ابسال وأشار إليه ليأكل ... ولم يزل ابسال يرغب إليه ويستعطفه ... فأقدم على ذلك الزاد وأكل منه.
ولما رأى ابسال أيضا أنه لا يتكلم ... رجال أن يعلمه الكلام ... فشرع ابسال في تعليمه الكلام، أولا بأن كان يشير له إلى أعيان الموجودات، وينطق بأسمائها، ويكرر ذلك، ويحمله على النطق، فينطق بها مقترنا بالإشارة، حتى علمه «الأسماء كلها»، ودرجه قليلا قليلا...
وهكذا انتهت هذه الصبة باللسن والتعلم والتدرج في مدارج الكمال، إلى أن أصبح لحي بن يقظان مكان عظيم وصار من «أولي الألباب»... وسولت له نفسه أن يهدي الناس، بعد ذلك، وفاوض صاحبه أبسالا... وطمع ابسال أن يهدي الله على يديه طائفة من معارفه المريدين.. فساعده على رأيه ... وابتهلا إلى الله بالدعاء أن يهيئ لهما من أمرهما رشدا، فكان من أمر الله ... أن سفينة ضلت مسلكها، ودفعتها الرياح وتلاطم الأمواج إلى ساحلها، فلما قربت من البر رأى أهلها الرجلين على الشاطئ، فدنوا منهما، فكلمهم ابسال، وسألهم أن يحملوهما معهم، فأجابوهما إلى ذلك وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحا رخاء حملت السفينة في أقرب مدة إلى الجزيرة التي أملاها، فنزلا بها ودخلا مدينتها، واجتمع أصحاب ابسال فعرفهم شأن حي بن يقظان فاشتملوا عليه اشتمالا شديدا واكبروا أمره واجتمعوا إليه وأعظموه وبجلوه ...
وهكذا نجد في القصتين معالم، كثيرة انتهت أخيرا بالبحر وركوبه وعصفه بالسفينة التي كتب لها النجاة أخيرا، وعلى إثر ذلك اجتمع الناس على حي بن يقظان، الذي وقعت مكانته في قلبهم، وإن تعثرت فيما بعد كما تقصه القصة بعد ذلك، وفيها ملامح مما وقع لعبد الله بن ياسين مع أصحابه المرابطين بجزيرتهم. وكان ابن طفيل قد عاش في أيامهم الأخيرة فاستوحى مما حدث في قيامهم، الذي تعرض لنفور بعضهم من ابن ياسين ..
وكذلك انتهى أبو عنان إلى الملك، بعدما عصفت الرياح بأسطول أبيه أبي الحسن في المياه التونسية، فبايع الناس ابنه أبا عنان، وحدثت بعد ذلك من الوقائع التي انتهت بتخلي أبيه عن الملك، وإن لم يصف الأمر تماما لإبنه وتعرض لبعض الزعازع...
وكأن قصة القافلة التي توفت فيها زوجة أبي الحسن أتت كذلك من حوادث ركب الحاج الذي كان يعتسف البلاد ويقطع القفار نحو الشرق، وتوفيت في هذه الأثناء بعض النساء اللائي هممن بالحج وعزمن عليه، فكتب في ذلك أبو الحسن إلى بعض مماليك مصر ...
ومن عناصر القصة الموت والنار والخوف والتعليم الذي اتخذ طريقه تعليم الذي اتخذ طريقة تعليم الله لآدم الأسماء «ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء» (مشيرا إليها وهي أحدث الطرق الآن)...
والقصة التي تهدف إلى أمر فلسفي تجمع بينه وبين الدين (وسبق إلى نحوه ابن سينا، ثم تلا هذا السهروردي) لا نتعرض لها من هذا الجانب، الذي يبتدي بالفلسفة وينتهي إلى التصوف، بل كل ما نريده منها هذا الاتصال الذي حدث بها فيما بعد في قصة أبي عنان الخرافية التي حكيت –ولاشك- لبهر العامة واستمالتهم إليه بهذه الطريقة الخارقة للعادة، والتي تقبلها حتى الذين فقهوا، فكانت سلامة صدورهم لا تعوقهم عن تقبلها. وما أكثر ما كانت تتقبل تلك الصدور، من خرافات في شكل الكرامات وغيرها.
ومن الدعائم التي  وجدناها في قصة حي بن يقظان، دعائم القرآن، في قصة أم موسى التي وضعت طفلها في التابوت وألقت به في اليم، وفيها فيما لم يذكر هنا، قصة قتل «هابيل» لقابيل، وعجزه عن كيفية دفنه، حتى بعث الله له غرابا علمه ذلك ببحثه في الأرض ... وفيها من القرآن أيضا كون «الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين»، كما أن فيها كثيرا من الاقتباس منه، أو التمثيل به والاستعمال لتعبيراته، تقدم من ذلك «ولم يكن شيئا مذكورا» و«لبنا سائغا» و«أن يهيأ لهما من أمرهما رشدا» و«ريحا رخاء» و«علمه الأسماء كلها» و«أولي الألباب» .. وهذا ما وجدناه يقوى بقوة، في قصة حي بن يقظان، التي قلده فيها –ولا شك- معاصره السهروردي، وإن جنح فيها نحو فكرة متصوفة متطرفة، قال بها ودفع روحه ثمنا للقول بها، وهو لما يزل حديث العهد بسلخ العقد الثالث من عمره الفتي..
ومن الأدلة القاطعة على اقتباس هذا المتصوف الشرقي من الفيلسوف المغربي، ما ورد في أول قصته:
سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر.. فوقعنا بغتة في قرية الظالم أهلها، أعني مدينة «قيروان».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here