islamaumaroc

الشباب المسلم

  دعوة الحق

العددان 188 و189

الشباب، فتيان وفتيات، درع الأمة، وحصنها، وزهرتها وأملها، والأمم في كل العصور، تعقد آمالها، وتضع رجاءها في شبابها، لما فيه من القوى الدافعة، والروح التقدمية، والطموح إلى العلا، فما فتحت الحصون، ولا شيدت القلاع إلا بسواعد الشباب، ...
أما الشيوخ فقد انقطعت من الحياة آمالهم، وأغلقت أبواب المستقبل أمامهم، ودب اليأس إلى عقولهم وقلوبهم، بعد أن أدوا رسالتهم في عصرهم الغابر، وألقوا القيادة إلى أبنائهم، وقد ألفوا الحياة الرتيبة، فالأغنياء ألفوا حياة البذخ والترف، كما ألف الفقراء منهم، شظف العيش، وخشونة الملبس.
وهؤلاء وأولئك لا ترجو الأمة من ورائهم نهوضا أو توثبا إلى الأمام، حيث ماتت في نفوسهم الثورة التقدمية، وخمدت جذوة الشباب التي كانت تتقد فيهم، اللهم إلا من عركتهم الحياة، وتصارعوا معها، فخرجوا بنتائج التجربة التي قد يأخذ منها الجيل، ما ينفق وشؤون عصره ...
ومن المأثور ألا تعودوا أبناءكم على طباعكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.
وقال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الخير كله في الشباب ... والشباب في سماحة نفسه، ونقاء فطرته، وطموحه إلى الإصلاح، وتشوقه للمثل العليا، نزاع إلى الخير، مندفع نحو الكمال النفسي، ما وجد التوجيه الصالح، والإرشاد السليم، والقيادة الحكيمة، والقدوة الطيبة، فهو يقتحم عقبات الحياة، ويندفع إلى ما يصبو إليه من كمال تتطلع إليه نفوس الشباب...
وإذا رجعنا إلى ماضينا المجيد، وجدنا أن الشباب هو الذي صنع تاريخنا الحافل بالمفاخر والعظمة، وأنواع البطولات، وهو الذي رسم طرق العزة والكرامة، بموافقة المشرفة الرائعة، التي وقفها في كل عصر، وتعرض فيها لصنوف الأذى ..
والشباب هو الذي دافع دفاعا مجيدا عن حقوق شعوبنا في حريتها وفي عزتها وكرامتها، وحمل عبء القيادة إلى الطريق القويم، وهناك صنف من الشباب خانع مائع، تستحيي منه الفضيلة، ويندي
من أفعالهم الجبين، فلا فتوة ولا رجولة، بل خلاعة وميوعة، مشية متخاذلة، وألفاظ نابية، وتشبه بذوات الحجال، وإذا كان الشباب على هذا الحال، فلا خير فيه، ولا نفع يرجى منه، فهؤلاء ضلوا الطريق، وخابوا وخابت فيهم الآمال...
شباب قنع لا خير فيهم
               وبورك في الشباب الطامحينا
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
              فأقم عليهم مأتما وعويلا
فأين هؤلاء من الشباب الناهضين العاملين، الذين تفخر بهم بلادهم وأقوامهم، لأنهم يعرفون أنفسهم، ويدركون واجبهم، ويفقهون تاريخهم، ويتوجون ذلك كله –بالاعتزاز بدينهم، والفخر بقوميتهم، والوفاء لمليكهم وبلادهم، فيعملون- ويجددون، ويتسابقون في هذا الميدان، فلا  تطيب نفوسهم، حتى يروا بلادهم –تسير مع ركب الحضارة- إلى الأمام.
إن الظروف التاريخية الراهنة، التي تدفع العالم إلى إرساء أسس الحياة المستقلة، وبناء المجتمع الجديد، بعد أن تخلصنا من نير السيطرة الاستعمارية، هذه الظروف تحتم علينا عقد سلسلة من المحاضرات والندوات، تهدف إلى زيادة الاتجاه نحو سلوك طريق الاستقلال، والعمل البنائي – الذي يتناسب مع واقعنا ...
وكذلك نحن بحاجة إلى عقد المحاضرات والندوات- للتعرف على النتائج الإيجابية لجهودنا- الرامية على بناء الحاضر والمستقبل، انطلاقا من المبادئ الاستقلالية، والتي تعين المكافحين على توسيع مدى إدراكهم الصحيح لقضايانا، ودور الشباب في دفع عجلة التاريخ إلى الأمام، وإسهامهم في ترسيخ الاتجاه الاستقلالي، حتى نظهر على مسرح التاريخ بصورة مستقلة، بعد أن ظلت الأمة الإسلامية قرونا وقرونا تعيش على هامش التاريخ، بل و هدفا لمآسي التاريخ وفواجعه ...
إننا نعيش في عصر الاستقلال، وهو عصر يتميز بالاعتماد على النفس، ومعارضة كل تدخل وخضوع، وكل أنواع السيطرة وعدم المساواة ... وفي مطلع هذا القرن كما تعلمون، شهد العالم تغييرات وأحداثا تاريخية، تكتسب أهمية بالغة في طبيعتها، ومضمونها، بفضل الكفاح المصيري، الذي خاضته الشعوب المضطهدة، في سبيل تحقيق الحرية والاستقلال، وقد برز العالم الثالث قوة ثورية جبارة، معادية للإمبريالية في عصرنا..
وقد بات يلعب دورا حاسما في عملية التطور التاريخي، ونهض نهضة لم يسبق لها مثيل، بفضل الحركات التحررية، المناهضة للاستعمار –حتى ذهب إلى غير رجعة، وأصبح الشعب يتمتع بالوعي الرفيع، والإحساس القوي، بأنه سيد مصيره، وهذا يعني أن عصرنا هذا عصر جديد، يرفرف علينا، ونعيش في ظلاله..
وهذا العصر الجديد –يلقي علينا تبعات وواجبات، وهي خلق فكرة جديدة، للثورة والبناء في أذهاننا، حتى نحقق أننا مستقلون، نعمل على تطوير نضالنا، لنشعر بأننا أحرارا، وأننا أهل للمجد والرقي، ونرسم للشعب الطريق القويم –الذي يتيح له أن يصنع مصيره، على نحو مستقل، كما صنعت الأمم التي نهضت بشعوبها إلى مراقي العز والكمال ...
والشباب باعتباره –قوة الشعب، وعماد رقيه ونهوضه، يستطيع أن يعطي للشعب درسا عمليا، فيطور أفكاره، ويضطلع بكل ما يستطيع من الأعمال الفنية وغيرها، فيبدع ويخترع، ويعطي للمجتمع الذي يعيش فيه نظرة ثابتة، إنه سيد نفسه، ومن هذا المنطلق التحريري، يسير الشعب على هذا النحو –فتتغير طبيعة المجتمع، وتتطور أفكاره، إلى ما يحتاجه البشر في هذا العصر – من نهضات تقدمية، وبذلك يبدأ الشعب في مرحلة جديدة، فيكافح ليصنع مصيره بنفسه، ويمارس ما تمارسه كل الشعوب المعاصرة، ليدفع عجلة التقدم والازدهار، للأمة الذي هو عضو في مجتمعها، حتى تسير في ركب الأمم جنبا إلى جنب، فلنا عقول خصبة، وأرض غنية بمواردها، ومعادنها، التي لم تسعد بمثلها أمة من الأمم، ولا ينقصنا إلا أن نطرح الجمود الفكري الذي عشنا فيه أجيالا وأجيالا، ونطور أفكارنا إلى البحث في مجالات البناء، والإبداع،
والاختراع، معتمدين على أنفسنا، مشمرين عن ساعد الجد، في جميع الميادين العلمية والعملية، لنحيا حياة كريمة، مستقلة، وخلاقة، شعارها الاكتفاء الذاتي، والثورة على أسباب التخلف، الذي عاش فيه المجتمع الإسلامي فترة غير قصيرة من الزمن...
وحيث تحررت أفكارنا، وخرجت من الركود إلى التخطيط، والتنظيم، لبناء مجتمع جديد، يسهم إسهاما عمليا في تكوين أمة قوية، تصون استقلالها، وتحترم مبادئها، وتقف كتلة واحدة أمام أعدائها .. فما الذي يقعدنا؟
وإذا أردنا أن نخطط لهذا النهوض المرتقب، فعلينا أن نستنهض العديد من المفكرين، والباحثين المجددين، ونهيب بهم أن يجتمعوا، وأن يفكروا، وأن يخرجوا نتائج دراساتهم إلى حيز الوجود، ودنيا العمل، وأن يكون لهم برنامج للتجربة والاختبار ...
وفي رأيي أن الشباب بما فيه من الطموح، الثورة التقدمية، لا يقعده عن الانتاج العملي، والظهور على مسرح التاريخ، إلا فقد المادة –التي أصبحت في حوزة الرجعيين، الذين يعيشون لأنفسهم، ولا يفكرون في مستقبل أمتهم، بل ربما يتمنون أن لو دامت أمتهم على ما هي عليه، من الركود والجمود، ليظلوا هم سادة المجتمع، بما لديهم من أسباب الترف والنعيم، حيث نشأوا في الأنانية وحب الذات، وماتت في نفوسهم أسباب المعالي والطموح، وهؤلاء داء الأمة، ومن عوامل تأخرها وانحطاطها...
ولو وجد الشباب من هؤلاء من يدفعهم إلى العمل التقدمي، ويمدهم بما يحتاجون إليه من أجهزة المختبرات، والإنفاق في سبيل الإبداع والاختراع، لو أتيح للشباب – أن يجدوا جماعة تتعهد بالإنفاق، لكنا الآن في طليعة الأمم المتقدمة، فإن لدى الشباب ثروة فكرية –تحتاج إلى من يخرجها إلى التطبيق العملي، وأن المال كما يقولون عصب الحياة، وهو العنصر الذي يخرج المعجزات من خزينة الأفكار – إلى عالم الوجود، فهو يسخر الماء والتراب والهواء – وأن ما تنتجه عقول المفكرين من مخترعات ومنشآت كونية، مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، فالله جلت قدرته يقول: «وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه»، ويقول سبحانه: «قل انظروا ماذا في السموات والأرض». فإعمال الفكر لإنتاج ما ينفع الناس، ويعلي شأنهم عبادة يرضاها الله تعالى، ويحث عليها، «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله» ...
وإن الله تعالى جعل المال وسيلة للانتفاع به عند الحاجة إليه، فيصرف في وجوه الخير، سواء لصاحبه أو المحتاجين إليه، أو لمصلحة الوطن، فحبسه عن الصرف في الخير،  وعن الانتفاع به جريمة منكرة، لا يرضاها الله تعالى، وحبسه عن الأولاد وحرمانهم منه مبعث فسادهم، والبخل به على الوطن، وعدم إطلاقه في مجال الاستثمار، وتعميم النفع به جريمة مزدوجة، وقد ندد الله تعالى بهذا الصنف من البخلاء فقال تعالى: «الذي جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله أخلده». وقال تعالى: «وتاكلون التراث أكلا لما، وتحبون المال حبا جما». فمن لنا بقانون يحتم على هؤلاء أن يخرجوا أموالهم المكدسة في المصارف والبنوك، لتنتفع بها الأمة في مرافقها، ومشروعاتها التي لا تقف عند حد، والتي هي بحاجة إلى هذه الأموال لتخرج الأفكار إلى دنيا العمل، فتزدهر الحياة، وينتعش المحتاجون وأن الفكرة التي تنير الطريق للتقدم والنهوض، لا تنشأ تلقاء نفسها، فهي في حاجة ملحة إلى عقول قوية، تستوعب متطلبات هذا العصر، وما يحمله من منشآت، ومبتدعات مستحدثة، تبرزها عقول المفكرين، ويشهد لها الواقع التاريخي، وأن أنواعها لا تقف عند حد...
أما هذه الحياة الخالية من التجديد والتطور، فليست بحياة، بل الموت خير منها، لأن أحداث العصر تملي علينا أننا لازلنا في ركود، نغط في سبات عميق، وكأننا نتمثل حياة أهل الكهف.
وأن الاستقلال ليصرخ في أسماعنا –أيها النوام ويحكمو، هبوا- فماذا تنتظرون؟ إن المستعمرين يرتقبون، وينظرون، ويعجبون من إعراض الكثيرين منا، وتخلفهم عن الأخذ بأسباب التطبيق العملي لسياسة التقدم ...
لقد عاشت أمتنا العربية من قبلنا قرونا فترت فيها العزائم وخمدت فيها الأفكار، وجمدت القرائح، فلم يخلقوا جديدا ولم ينشئوا طارقا ولا تليدا، ولم
يخرجوا على الناس بمجهود يبررون به استحقاقهم للبقاء في هذه الحياة، والانتساب إلى شرف البشرية المنتجة، والانسانية المثمرة، التي ما خلقت إلا للإنشاء والتعمير، والابتكار والتشمير، وهكذا كانوا أشباحا تدب على الأرض، وتنتقل في ربوعها، بين  الظل الظليل، والخضرة والسلسبيل ...
إن للمجد وسائل ومقومات. هي العلم والعمل. ولا يمكن أن يتحقق المجد، أو تتحقق العزة إلا لمن هيأوا هذه الوسائل، وأعدوها لأنفسهم، وليست هذه المقومات وقفا على جيل من الناس، ولا عصر من العصور...
إننا نرى العلم في تطور، ونرى الفكر الإنساني لا يقف عند حد، والعالم يستقبل كل يوم لونا جديدا من النظريات العملية، والابتكارات الفكرية، والإنسان أمام ذلك يتطور ويتجدد، والعصر نفسه يتحول، ويتابع هذه التطورات، فأين نحن من هذه العمليات الإنشائية، والنظريات العقلية والاجتماعية، وأين إنتاج شبابنا في هذا الخضم الزاهر بالعظمة، والمثل العليا ...
ومن الملاحظ أننا نتهافت على تقليد الغربيين، أو التشابه بهم في عاداتهم وتقاليدهم، وغايتنا من ذلك أن نلحق بركب الحضارة الزاحف إلى الأمام، وبهذا تذوب شخصيتنا، ونفقد كياننا، فيزيد احتقارهم لنا، وهذا التقليد لا يطبعنا بطابع القوة التي هي عماد نهضة الأمم، إنما القوة بالعلم الصحيح، والخلق الفاضل، والتفوق في الصناعة المهنية، والاستعداد العسكري، ولاشك أن هذا ليس وقفا على أمة دون أخرى، ولا هو كذلك قاصر على جيل من الأجيال، ولكنه ميدان مفتوح لبني الإنسان، وإنما تتفاضل الأمم، وتتفاوت الأجيال –بما يجددون ويحدثون، في هذه الآفاق – المادية، والصناعية، والعسكرية ...
ولذا فإن الإسلام يوجه أبناءه – إلى الاحتفاظ بشخصيتهم وتقويتها، وإبرازها قوية عصامية، وأن يقتدي كل مسلم بهذه الشخصية، ويحافظ عليها ليخرج للمجتمع الإنساني، جيلا قويا، وشبابا فتيا، سلاحه العلم والعلم، والفضيلة.
والإسلام يحث على تعليم الشباب فنون الحرب، يقول الله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» كما يحث على تعليمهم الدين والقرآن، وذلك لأنه يريد أن يجمع بين تهذيب النفوس بالعقيدة والعمل الصالح، وبين سلامة الأبدان، وتهيئة الإنسان للحياة، كما يحرص على أن يخرج شبابا من فتيان وفتيات، على مستوى النضال والجهاد، والاضطلاع بالمهام الجسام ...
وإذن فتبعة التخلف الذي نعانيه اليوم، تقع على الجامدين الذين كانوا سبب ما ابتلينا به من تدهور وانحطاط، وما أصبنا به من جهل وفقر وفاقة ...
ومن المعلوم أن تأخر الأمم يرجع إلى الركود الفكري، والانحلال الخلقي، وإلى تفشي الجهل، والقناعة بشظف العيش، وبؤس الحياة، والوقوف على أبواب التقليد، والقناعة بالقديم الموروث – قال الطغرائي في لاميته:
يرضى الذليل بخفض العيش مسكنة
                   والعز عند رسيم الأنيق الذلل
حب السلامة يثني عزم صاحبه
                  عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا
                 في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين على
                ركوبها واقنع منهن بالبلل
وإذا كانت العزائم قد فترت فيما مضى، فإن علينا أن نجدد تاريخنا، وأن نبعث المجد والبطولة من جديد، وأن نوقظ العقول من سباتها، وننبهها من غفوتها، وأن تلهب المشاعر حتى نسترجع مفاخرنا التي عفا عليها الزمن، فلا يهدأ لنا بال، ولا يطمئن لنا خاطر، حتى نرى الأرجاء تدوي بأعمالنا، ونسمع الدنيا تتحدث بنهوضنا وعزائمنا، وقد قال شاعر العروبة:
إذا غامرت في شرف مروم
                فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
               كطعم الموت في أمر عظيم
فلنحدث في كل يوم مجدا جديدا، ولنترك في كل بقعة من الأرض أثرا حميدا، فنحن أبناء الفاتحين، وأحفاد الأبطال الميامين، الذين مسحوا الكسروية الفارسية، ودوخوا القيصرية الرومانية، وليكن سقارنا قول الأوائل:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
             يوما على الآباء نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
            تنبني ونفعل فوق ما فعلوا
إن في الشباب قوة كامنة في نفسه، تزخر بها كيانه، وإن في صدره حماسة تتأجج، وفي قلبه وفكره شعلة تتوقد، ومن الواجب علينا أن نساعد على انطلاق تلك القوى إلى سبلها التي تنتظرها، وأن ننمي فيه تلك الروح التقدمية، التي تتحفز للوثوب.
نعم من الواجب علينا ألا نضع الأشواك والعقبات في سبيل عزيمته للقضاء على التقاليد البالية، وألا نقف في طريق ثورته على الركود والجمود، واجب علينا أن نولي الشباب من عنايتنا ما يشجعه على المضي بمواهبه، ومضاء عزائمه إلى الغاية التي يصبوا إليها من الرقي والازدهار، حيث نشأ هذا الجيل المعاصر بين أمم خلاقة، تقذف من آن لآخر بالآيات الكونية تترى، وبالمعجزات الفنية تتوالى، حتى أدهشت العقول، وحيرت الأفهام ...
ومع هذا فإننا متفائلون بمستقبل زاخر بالآمال، مليء بالتطورات التصاعدية للشعوب العربية، إذ نرى في رحابها قوى تتفاعل، وفي أرجائها طاقات فنية تتعاظم، ولاشك أن تطور الشباب في القرن العشرين سيتقدم بأمتنا العربية إلى الأمام بخطى سريعة، حتى يغير وجه التاريخ، ويصعد بالمجتمع الإسلامي إلى الغاية التي ننشدها ...
ويساعدنا على هذا التفاؤل، أن العقول قد تنبهت بعد أن كانت مغلفة، وتفتحت بعد كانت مغلقة، وانطلقت حرية الفكر والرأي والقول، وحرية العمل للفتيان والفتيات على السواء، وأقبل الجيل المعاصر –ينهل من العلوم والمعارف ما يشاء، وأخذ يعالج المشكلات الموروثة، ويحل العقد المزمنة، وبدأ يلعب دوره الإيجابي في رفع المستويات، والنهوض بالأفراد والجماعات، لتتطور الشعوب الإسلامية، وتساير عصر المدنيات الحديثة، وتتمشى جنبا إلى جنب مع الدول الناهضة وتحاول التغلب على متطلبات الزمن، ورغبات التجديد في العصر الحديث ...
ومن هنا تبدأ الأمة في كتابة صفحات من التاريخ ناصعة البياض، تبدد بها ظلام القرون الغابرة، ولا يدحر الظلام إلا النور، ولا يمحو السواد إلا البياض ...
ومن يمن الطالع أن جعل الله تعالى على رأس هذه الأمة المغربية ملكا قوي العزيمة، أعطاه الله من الخصائص والمزايا – ما لم يتوفر لغيره في هذا العصر، فهو سياسي بارع، وخطيب لامع، ومفكر مبدع، وعالم  المعي، ومسلم من طراز متفتح، يجمع بين شرف الماضي وترف الحاضر، وصرامة الحاكم، و سماحة الإسلام، حريص على النهوض بأمته، دائب السهر على مصالحها، فهو ينفخ فيها من روحه الفتية، وعزمه الوثاب، ويوجهها بعقله الراجح، وآرائه السديدة، وهو من الملوك المجددين، البنائين، الذين يثبون بأممهم إلى العلاء، ويسيرون بها إلى آفاق المجد والازدهار، حتى تنهض، وتلحق بركب الحضارة الزاحف إلى التقدم ...
وذلك الذي نأمله ونرجوه، وإنا لمنتظرون.
والليالي من الزمان حبالى
               مثقلات يلدن كل عجيب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here