islamaumaroc

سلبيات الطفرة الصناعية الحديثة

  دعوة الحق

العددان 188 و189

من البديهيات أن النهضة الصناعية في عالمنا المعاصر غيرت المفاهيم وقلبت الأوضاع بشكل ملحوظ في كثير من مجالات الحياة الفردية والاجتماعية والدولية، والمفروض في هذه الطفرة الحضارية العملاقة أن توفر السعادة للبشر وتجعل الحياة هادئة بما تطالعنا به التكنولوجيا المتطورة من اختراعات مدهشة ينعم معها الفرد والأسرة والمجتمع بالاطمئنان، وتجد فيها الإنسانية مبتغاها.
والحقيقة أن النهضة الحديثة لو اتجهت اتجاها سليما لعم الرخاء الدنيا واستظلت المجتمعات البشرية بظلال الراحة والأمن، إلا أنها سلكت –مع الأسف- نهجا معكوسا ارتكز على الاستغلال والابتزاز والاحتكار وإعداد أدوات الفتك والدمار، وبقدر ما تزداد التكنولوجيا تطورا وتقدما تتسع الهوة بين الاستقرار المنشود والحياة المعقدة التي ملتها الشعوب، وعصفت بها –أو كادت- في متاهات موحشة.
فأينما توجهنا ببصرنا نشاهد تصاعدا مريعا في الاضطرابات الجماهيرية، وحيثما أصخنا بآذاننا نسمع الأصوات ساخطة متذمرة، وكلما أردنا مؤشر المذياع تصدمنا صيحات بأن الضائقة الاقتصادية مستفحلة في مكان ما، والميزان التجاري بهذه الدولة أو تلك في تدهور مستمر، والتضخم المالي في كثير من البلدان بلغ منتهاه، والمضاربات النقدية تهدد العديد من العملات بالانهيار، والنزاعات المسلحة تتكاثر باستمرار، وأطماع الأقوياء وشره الاحتكاريين تتصاعد إلى حد الهوس، والتنافس على اقتسام خيرات الدنيا والتصارع على مناطق النفوذ يهدد العالم بمواجهة نووية لا تبقى ولا  تذر، والحرب الباردة تتصدر أجهزة الإعلام لبث الحقد والكراهية بين الأمم، والكثير من الدول الصناعية نفسها تكتنف مجتمعاتها الحيرة والارتباك، ويستحوذ على شبابها الانحراف والتمرد والعنف «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون».
هذا التناقض الفظيع والشره المريع يحفزنا لمعالجة الموضوع بمنظارنا الخاص كمسلمين، ولا مناص أولا من النظرة الفاحصة إلى المجتمعات المعاصرة التي تتخبط –بما فيها من قادة ومسئولين- في مشاكل لا عد لها ولا حصر، وأمامنا المجتمع الصناعي الذي دفعته طفرته التكنولوجية وجنونه المادي إلى الابتعاد كليا أو جزئيا عن تعاليم السماء وقطع الصلة التي كانت تشده إليها فتحول بينه وبين أن ينقلب خاسرا.
عوامل الانحراف
وبغض النظر عن دوافع كثيرة لهذه القطيعة والعوامل التي أثمرت هذا الانحراف في تلك المجتمعات التي نراها في طليعة الركب الحضاري المادي،
ودون أن نحشر أنفسنا في تحليل الأسباب القريبة والبعيدة لهذا التمرد، يظهر لنا أن الطفرة المادية الحديثة ومانتج عنها من ترف جنوني، وما استهدفته من رغبة جامحة في السيطرة على خيرات العالم، ومحاولة استغلال الضعفاء إلى أقصى حدود الاستغلال، كانت من العوامل التي دفعت بها إلى الغرور والتنكر للمبادئ السامية والأخلاق الرفيعة، وحفزت بمجتمعاتها إلى الإنغماس في المتع المريبة المؤدية حتما إلى الانحراف سلوكيا وعقائديا، وكنتيجة منطقية لهذا التمرد على الله سلط عليها الكثير من القوارع والعديد من النكبات «أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون».
قد يعترض البعض بأن هؤلاء يملكون من المال والنفوذ والقوة والعلم ما جعلهم يتحكمون في مصير العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وهذا صحيح إلى حد ما عند النظرة السطحية للأوضاع، وعند التحليل العميق نجد تلك الشعوب والدول رغم ما لديها من الوسائل المتعددة والإمكانيات الضخمة، وما وصلت إليه من تقدم تقني مدهش تحيا في حيرة وارتباك، وتعيش في خوف وفزع، وتتخبط في مشاكل معقدة لم تستطع حل أبسطها فضلا عن أخطرها، ولا تكاد التغلب على كارثة حتى تلاحقها قارعة مماثلة أو أشد فظاعة، فحياتها في دوامة من أتعاب وأهوال لا تقوى على الإفلات منها مصداقا لقول الله تعالى «سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم، إن كيدي متين».
ولا أحد يستطيع إنكار ما يكتنف تلك الدول من خيال، وما تعانيه مجتمعاتنا من تفسخ وانحلال، وما تتخبط فيه من مشاكل داخلية وخارجية تعقدت وتشابكت وتداخلت حتى استعصى حلها على أكبر الأدمغة علما وذراية وعبقرية في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولعل ما تختزنه من اختراعات جهنمية مرعبة، وما تخفيه من أدوات الفتك والدمار، لا يعدو أن يكون من قبيل القوارع النفسية لتعيش في قلق وهلع من الخراب وهي تحتضن تلك الأسلحة في قواعد محصنة، فضلا عن استخدامها في حالة جنون دولي، أو نوبة عصبية ممن بيدهم الحل والعقد، وحتى إذا لم يكن للإنسان دخل في كارثة من هذا النوع، ألا نضع في الحساب أي خلل إلكتروني في جهاز معقد يفجر القوة المدمرة تفجيرا يجعل حدا للنوع البشري؟ «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض».
فقدان العنصر الضابط
من هنا نستنتج أن الطفرة التكنولوجية «المنحرفة» لم  تأت بخير حقيقي للإنسانية، لارتكازها  أساسا على الاستغلال الفظيع، والرغبة الجامحة في التسلط، وافتقادها للعنصر الضابط الذي يكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، ولا اختلاف في أن كل تقدم لا يرتكز على الأخلاق، ولا يخضع لمقاييس الفضيلة، يقود حتما للهلاك عاجلا أو آجلا، وقد حذر القرآن الكريم من عواقب السلوك المنحرف بقوله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا».
والتدمير يمكن أن يكون ردما وخسفا، ويحتمل أن يأتي في صور مختلفة كالبلبلة والقلق والفتن والزوابع والفيضان والجفاف والضائقة الاقتصادية وخطف الطائرات واحتجاز الرهائن واغتيال القادة وانتشار المخدرات وارتفاع حوادث العنف والأوبئة، وغيرها من الكوارث والمشاكل التي يتخبط فيها عالمنا المعاصر «وكأي من قرية أمليت لها وهي ظالمة، ثم أخذتها، وإلي المصير».
تناقض غريب
ولا ننكر أن الحضارة الحديثة طلعت علينا بكثير من الاكتشافات النافعة، وحلت العديد من المشاكل المستعصية، وسهلت أنماطا من مظاهر الحياة، ووفرت وسائل لم تكن تخطر ببال، إلا أنها في المقابل خلقت أوضاعا أخرى معقدة وخطيرة لم تكن متوقعة أيضا، وكمثال على هذا التناقض أنها ساهمت في القضاء على كثير من الأمراض والأوبئة، بما وفره الطب الحديث من إمكانيات مدهشة، ولكنها أعدت ما يكفي لإبادة ملايين البشر في رمشة عين وتخريب حضارة تطلبت آلاف السنين واستنزفت ما لا يحصى من الأموال، وحصيلة مهمة من عبقرية العلماء والفنانين والمهندسين والمعماريين، بالإضافة إلى بحور من عرق ملايين العمال الذين ساهموا في إقامتها بسواعدهم.
واقع المسلمين اليوم
إلى هنا تحدثنا عن المجتمعات الصناعية الكبرى وأبرزنا ما تعانيه من أتعاب، وما تتخبط فيه من خراب نفسي، واضطراب اجتماعي، وتدهور اقتصادي، ونزاع سياسي، كنتيجة حتمية للخروج عن الجادة والتطاول على الإرادة الإلهية التي لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا مناص من معالجة أوضاع المجتمعات المسلمة ليكون تحليلنا متكامل الحلقات، وحتى نتبين مواقع الزلل في سلوكنا كموحدين نتطلع بلهف إلى تطهير مجتمعاتنا مما علق بها من أدران نتيجة سلوك غير واع.
فواقع المسلمين اليوم يشهد بأن الاختيار –في مجمله- كان غير موفق إلى حد ما، فبدلا من أن يسلكوا طريق العلم ويتسلقوا سلم المعرفة لينتجوا ما ينتج الغير، ويصدروا ما يصدر، عمدوا إلى فتح أسواقهم وجيوبهم لما تمطرهم به الصناعة الأجنبية من كماليات لا  تخرج عن نطاق البذخ والترف، وكان عليهم أن يحتاطوا كل الاحتياط في هذا الباب حتى لا تتبدد ثرواتهم وتنساب في جيوب من لا يريد بالمسلمين إلا السوء، وجولة عابرة في الأسواق ونظرة خاطفة على البيوت توقفنا على ما أنفق المسلمون من أموال بالعملات الصعبة في التوافه وفيما يعد من الكماليات، إن لم يكن من المهلكات.
وليتهم اقتصروا على استيراد مظاهر البذخ ولم يتورطوا في استيعاب ما لدى الغرب من ميوعة وتهتك واستخفاف بالقيم مما أدى إلى الوقوع في شرك الغزو الفكري والإيديولوجي الذي تطاول إلى حد مرعب ومخيف، مع العلم بأن ديننا يطالبنا ويلح في مطالبتنا باقتحام آفاق المعرفة والتزود منها بما ينفع المسلمين ويخلصهم من التبعية، ولا يرضى لنا أبدا أن تكون في مؤخرة ركب الحضارة في «إطارها الصحيح» ويرشدنا إلى الأخطاء التي وقع فيها غيرنا لنتجنب عواقبها ونحمي مجتمعاتنا من ويلاتها «فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم ا لله، وأولئك هم أولوا الألباب».
الإسلام والعلم
والعلم في نظر الإسلام من أوجب الواجبات على اتباعه، وكتاب الله وسنة رسوله يطفحان بتمجيد العلم وينوهان بالعلماء، إلا أن العلم الذي يعظمه الإسلام ويدعو إليه ويبشر به ويحث عليه لا مجال فيه للتنكر للفضيلة ولا مكان فيه للاستغلال وصبغ الحياة البشرية بصبغة مادية صرفة وعلى أساس المردود الخاص، وإنما العلم الذي يستخدم لخير الإنسان وإسعاده، والذي له ضوابطه الهادفة إلى الحق والتي تدفع بالمسلم ليكون هاديا ورائدا.
والمسلمون اليوم في حاجة ماسة وأكيدة إلى الصناعة الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، وفي لهف للأخذ بأسباب الارتقاء في جميع المجالات لمواجهة التحديات المعاصرة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في أهم الميادين، حتى لا يظلوا تحت رحمة أعدائهم كمستوردين ومستهلكين وخاضعين لتيارات السياسة الدولية المتلونة تلون الحرباء...
ومن هنا تبرز أهمية مراحل إعداد الشباب المسلم على النطاق التعليمي باعتباره العنصر الذي ستوكل إليه مهمة التطبيق العملي في المستقبل، ومعنى هذا بالحروف العريضة وضع مناهج تعليمية متناسقة ومتكاملة من الناحيتين التربوية والعلمية.
فانطلاقا من المدرسة إلى الثانوية فالكلية تتكون العقلية التي ستتحكم في مستقبل العالم الإسلامي، وتطلعنا إلى نهضة إسلامية وعلمية حقيقية تفرض علينا أن يكون عنصر الإسلام حاضرا في مناهجنا لصياغة عقول طلابنا وطالباتنا صباغة علمية ممزوجة بالإيمان العميق الذي من شأنه أن يقود إلى الخير ويجعل من صاحبه عنصرا مبدعا في جميع المجالات، ونحن كمسلمين في عنقنا رسالة إنسانية كبرى وخطيرة لابد من أدائها على الوجه الأكمل، وهي امتداد للرسالة التي جاء بها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا».
فالتعليم الهادف هو حجر الزاوية في بناء نهضة المسلمين، وهو الكفيل بإعداد الجيل المرتقب الذي سيتولى حمل مشعل النهضة الحديثة التي نريدها إسلامية تعيد للمسلمين أمجادهم وتحقق الهناء والسعادة لهذه البشرية الحائرة، والسبيل إلى هذه المعطيات هو أن نسير في خط متواز مع تعاليم
الإسلام، بحيث لا يطغى جانب المادة على الروح، ولا تمتص الروح ما في الإنسان من بشرية، ولئن استطاع المسلمون الحفاظ على هذا التوازن في نهضتهم الحديثة فمن المؤكد أن شمس مدنيتهم ستسطع من جديد، وسيجدون من توفيق الله ومدده ما يدفعهم لبعث مجدهم التليد «فذكر بالقرآن من يخاف وعيد».
لابد من حضور ضمير المسلم
إن القافلة الإنسانية تسير بسرعة، وتاريخ البشر في تطور مستمر، ولابد في هذا الزحام من اقتحام الميدان بشجاعة المسلم الذي أعيته التبعية وأدمته قيود الاستغلال والابتزاز الأجنبي، والشرط الوحيد الذي يجب أن لا نفرط فيه ولابد أن يتوفر لدينا هو أن نسير وأيدينا على «الفرامل» حتى لا ننزلق وحتى نتقي الأخطاء ونتجنب الأخطاء، فالاندفاع الجنوني لا يقود إلا للكوارث ولا ينتج إلا المصائب، والأمة الإسلامية لا مناص لها من أن تظل أمة وسطا في تحركاتها كما أرادها الخالق سبحانه «وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا».
ومن هنا ندرك أن نهضة المسلمين لابد وأن تخضع للضمير الذي يحس ويشعر دائما وأبدا بأنه تحت الرقابة الإلهية، لأن الإسلام دين متكامل ولا مندوحة من تطبيقه ككل وفي جميع الحالات، فإن كان ضمير المؤمن حاضرا في خطواته، ويقظا في تصرفاته، ومنتبها في تطلعاته، فسوف نشق طريق نهضتنا على بصيرة وفي أمن وأمان، وسنقيم دعائم حضارتنا على أساس من هداية الله القائل في كتابه الحكيم «وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون».
لدينا كل الإمكانيات
والمسلمون وهم يمتلكون الكثير والعديد من وسائل التطور الصناعي، ويتوفرون على طاقات مدهشة لتطوير أوضاعهم وفرض وجودهم، لا يتصور عاقل أن يتخلفوا في ميدان الحضارة، فباستغلال مواردهم المالية وطاقاتهم البشرية وعبقريتهم الفكرية في الميادين الجوهرية والحيوية يستطيعون التغلب على الصعاب والمعوقات التي تعترض المشاريع الضخمة في مرحلتها الأولى، وبالعزم والتصميم والسير في الخط المستقيم يبارك الله الخطوات ويطوي المسافات، وما عليهم في هذا الظرف إلا وقفة تدبر وتأمل وإمعان في قوله تعالى «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
البشائر
ونحمد الله ونشكره على أن الوعي الديني في المجتمعات الإسلامية آخذ في النمو، وأن جل القادة والمسئولين في عالمنا الإسلامي يعملون جاهدين لإقامة هياكل صناعية ضخمة ومتطورة من شأنها أن تجعل حدا فاصلا للتبعية التي يفرضها عليهم الشرق أو الغرب، ويتخذها ورقة سياسية للتلاعب بمستقبل الأمة الإسلامية والتحكم في سياستها حسب أهوائه ومصالحه ومطامعه.
فلنسر على بركة الله وباسم الله مجراها ومرساها بخطوات عملاقة ومتزنة لتأكيد حضورنا في طليعة الركب الحضاري النظيف، والله ولي الهداية والتوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here