islamaumaroc

تصفية حساب (مسرحية)

  دعوة الحق

العددان 188 و189

الممثلون:
1- عزوز: في الخمسين من العمر.
2- الشرقي: في الخامسة والثلاثين، بلحية كثيفة.
المكان: على مائدة مقهى فارغ.
الزمان: العاشرة صباحا.
(عزوز قاعدا إلى مائدة ساهما بعينيه في الفراغ).
الشرقي: (يقف عليه) السلام عليكم.
عزوز: عليكم السلام.
الشرقي: (مشيرا إلى الكرسي الفارغ): هل تسمح لي بالجلوس معك؟
عزوز: (ينظر إليه غير فاهم) نعم؟
الشرقي: هل تسمح لي أن أجلس معك؟
عزوز: (ينظر حواليه إلى الموائد الفارغة، ثم إلى الشرقي ويقول بتردد) لا أستطيع أن أقول لك لا .. ولكن المقهى فارغ ..
الشرقي: أريد أن أقعد معك .. أنت ..
عزوز: تفضل .. إذا أصررت ..
الشرقي: يظهر أنك لم تعرفني آسي عزوز.
عزوز: (يفاجأ بنطق اسمه فينظر إلى الشرقي) لا يا سيدي، لم أعرفك.. واسمح لي إذا نسيتك. فقد تغيبت طويلا عن البلد.
الشرقي: (ضاحكا) أعرف، أعرف .. أنظر إلي جيدا .. آه. ربما كانت لحيتي الجديدة هي السبب في عدم تعرفك علي..
عزوز: (شاكا): صوتك مألوف .. ولكن لا أستطيع تصور وجهك بلا لحية .. فاعذرني.
الشرقي: لا ألومك بالمرة. فمن الطبيعي أن تنساني، أو تعمل في عقلك الباطن على نسياني، لأنني مقترن في ذهنك بأسوأ الذكريات ..
عزوز: ما معنى هذا ؟
الشرقي: هل أقعد ..
عزوز: تفضل ..
الشرقي: شكرا .. هل تتذكر عبد الجليل الشرقي .. شاهد الإثبات الوحيد في محاكمتك منذ ست سنوات؟ أنا هو عبد الجليل الشرقي، أنا الذي شهدت ضدك في المحكمة .. وأنا السبب في الحكم عليك بعشر سنوات سجنا.
عزوز: (يقف لينصرف)
الشرقي: أرجوك .. أرجوك .. لا تذهب الآن.
عزوز: (مرتعش ينادي ليدفع حسابه) نادل .. نادل ..
الشرقي: أرجوك أن تعطيني دقيقتين فقط من وقتك حتى أشرح لك شيئا مهما ..
عزوز: كيف تجرؤ على القدوم إلي والوقوف أمامي بهذه البساطة؟ بعد كل ما سببته لي ولعائلتي من شتات وشقاء أيها المجرم؟!
الشرقي: أرجوك أن تخفض صوتك، ولا تنفعل .. فما فات مات، ونحن أبناء اليوم ..
عزوز: (منفعلا)، ابتعد عني أيها المجرم الحقير .. ابتعد عني قبل أن أقترف فيك جريمة حقيقية، لا كالتي ألصقتها بي زورا وبهتانا.
الشرقي: أنا أعترف أنني شهدت الزور ضدك. كذبت عليك .. وكنت شاهد الإثبات الوحيد في القضية. ولكن، ألا تريد أن تعرف لماذا؟
(فترة صمت فيها لهاث عزوز، والشرقي)
أرجوك آسي عزوز .. أعطني دقيقتين فقط .. أرجوك .. تفضل.
عزوز: (بحقد كبير) اسمع يا هذا .: ستة أعوام قضيتها وراء القضبان .. وكل ليلة من تلك الأعوام الستة كنت أبيت أحلم وأنا صاحي باليوم الذي أخرج فيه من الحبس، وألتقي بك لأشرب من دمك، وأمزق أحشاءك أيها الظالم. الآن، وبعد ست سنوات من أحلام اليقظة بالانتقام منك، أجد نفسي أمامك وجها لوجه، فلا أدري ما أفعل ..
الشرقي: ألم يخطر ببالك طوال سنوات حبسك أن تتساءل عن الأسباب التي دفعتني للشهادة ضدك؟
عزوز: الأسباب؟ أية أسباب؟ أنا لم أراك قط من قبل. رأيتك لأول مرة في المحكمة تقف أمام القاضي وجميع الحاضرين، وتشير إلي بأصبعك قائلا بكل ثقة ودم بارد ذلك الرجل هو الذي قتل الغلام بسيارته، وهرب! رأيته بعيني هذين! وسجلت رقم السيارة. ويشهد الله والملائكة أنني بريء من قتل الغلام المسكين .. بريء براءة الذئب من دم يعقوب. فماذا تقول لخالقك يوم تقف أمامه يوم القيامة؟
الشرقي: أنا أعرف أنك بريء ..
عزوز: (غير مصدق) تعرف .. تعرف .. تعرف أنني بريء وتشهد ضدي؟
الشرقي: بريء فقط من الجريمة التي نسبت إليك، وشهدت بها ضدك؟
عزوز: (مستغربا) ماذا تعني؟
الشرقي: هذا ما أريد أن أشرحه لك .. تفضل، إجلس .. فقد بدأنا نثير فضول أصحاب المقهى ..
عزوز: (يجلس) طيب .. ها أنا قاعد ..
الشرقي: هكذا أحسن .. آسي عزوز ..شهادتي ضدك بقيت عبئا ثقيلا على ضميري طول هذه المدة ..
عزوز: ضميرك ؟ أتضحك علي؟
الشرقي: لا يا سي عزوز .. صدقني .. فلست أضحك عليك .. ولولا ثقل ذلك الذنب على ضميري ما بحثت عنك بعد علمي بخروجك لأشرح لك، ولما عرضت نفسي لخطر نقمتك وانتقامك .. ولما احتملت غضبك وإهاناتك هذه ..
عزوز: إذا كان لك ضمير كما قلت، فلماذا لم تذهب إلى المحكمة وتتراجع عن شهادتك وتخرج إنسانا بريئا من الحبس، وتعيده إلى زوجته وأولاده.
الشرقي: لأنني أردتك أن تعاقب ..
عزوز: أعاقب؟ على ماذا؟
الشرقي: على جريمة أخرى ارتكبتها في حقي أنا، ولا يعاقب عليها القانون.
عزوز: أنا؟
الشرقي: نعم أنت.
عزوز: أنا لم أرك في حياتي حتى واجهتني بالتهمة الظالمة في المحكمة.
الشرقي: طبعا لم ترني. أمثالك لا يرون أمثالي .. أنا بالنسبة إليك مجرد حشرة تافهة تدوس عليها دون أسف أو تأنيب ضميرك.
عزوز: ماذا تعني؟
الشرقي: قد لا تذكر الحادث بالمرة .. ففي ذلك اليوم المشؤوم عليك، وعلي، وعلى ذلك الغلام المسكين الذي قتل في حادث سيارة، كنت واقفا على جانب الطريق المقفر بين سوق السبت والعرائش أنتظر سيارتك أنت بالذات حين علمت بأنك في القرية وستعود للمدينة ذلك الصباح .. وكان لابد أن أصل إلى عملي في الوقت بالضبط .. الشركة كانت معتمدة علي لكسب صفقة هامة. ورأيتك قادما بسيارتك الفارهة الفارغة إلا منك وزوجتك إلى جانبك ..  ووقفت تقريبا وسط  الطريق رافعا حقيبتي الصغيرة في يدي، أشير لك نحو العرائش، وأبوس يدي مستعطفا وقوفك .. ولكنك، بدل أن تستجيب لاستعطافي، كدت تدوسني، وذهبت دون إلتفات وتركتني خلفك أسبح في الغبار، وأتميز من الغيظ، وألعنك وألعن المال الذي رفعك فوقي، وجعلني أذل نفسي أمامك .. (يلهث في صمت) وجاءت بعد فوات الأوان، ناقلة فحملتني إلى العرائش لأجد باب الشركة موصدا في وجهي، وورقة طردي تنتظرني عليه .. وأقسمت أن انتقم من مخرب حياتي .. وكنت أنت هدف غضبي كله في تلك اللحظة .. وعلمت بالحادث فتقدمت إلى الشرطة، وأدليت بمعلومات كاذبة ضدك ..  وحين حكمت عليك المحكمة بالسجن أحسست بارتياح عظيم لانتقامي منك ومن جميع من لا رحمة في قلوبهم مثلك .. وبحثت عنك، بعد خروجك، لأشرح لك هذا .. ولأخبرك بأن عقوبتك لم تكن ظالمة تماما كما تتصورها ..
عزوز: هكذا؟ نصبت نفسك قاضيا ومدعيا، وشاهدا على شخص عابر سبيل لا تعرف من ظروفه، هو الآخر، شيئا. وكأنه ذبابة لدغتك فقتلتها، أنا الآخر إنسان، رغم ركوبي السيارة الفارهة .. لم يخطر ببالك لماذا لم أقف لك في ذلك الصباح المشؤوم؟ سأقول لك لماذا، لأنه لم يكن لي مكان لك ..
الشرقي: هذا غير صحيح. المقاعد الخلفية كان فارغة. رأيتها بعيني.
عزوز: في المقعد الخلفي كان ولدي راقدا مصابا بالتهاب رئوي حاد، ونار الحمى تأكل جسمه الصغير .. وكل ما كنت أفكر فيه هو إيصاله إلى المستشفى في أقرب وقت .. فهل كنت سأفكر في رجل واقف على حافة الطريق، لا أعرف ظروفه، يريد إيقافي؟ هل كنت تقف في مثل ظروفي؟
(صمت قصير)
الشرقي: (مبهورا ومتأثرا) يا إلهي! يا إلهي! أنا .. أنا .. لا أدري ما أقول .. حقيقة ظلمتك .. لم يخطر ببالي مثل هذا. أنا حزين من أجلك يا رجل .. وأريد أن تصدقني.
عزوز: أنا أشد حزنا منك. فقد انهارت حياتي وسمعتي انهيارا كاملا .. ماتت زوجتي في السنة الأولى من سجني وتركت أطفالي الأربعة للأقدار .. تركتهم في سن هم أشد ما يكونون حاجة إلى الوالدين .. إلى حب وعطف وحنان الأبوة والأمومة .. ولا يمكنك تخيل قلقي الشديد، وحزني العميق على موت زوجتي، ومصير أطفالي، وأنا وراء القضبان بلا حولا ولا قوة .. حي بلا حياة، ميت بلا قبر. وكان ما كان في وسعي عمله هو الطاعة العمياء لأوامر السجانين كيفما كانت. وإعطاؤهم من أموالي ما يريدون حتى
أحظى بتخفيض مدة حبسي إلى الحد الأدنى، وأخرج للبحث عن أولادي، وأجمع قطع ما تبقى من حياتي ..
(يبكي في صمت)
الشرقي: أرجوك .. لا تبكي .. بكاؤك يمزق قلبي.
عزوز: أرجوك أن تذهب .. لا أريد أن أراك أبدا .. أبدا .. دعني أنسى، أرجوك!
الشرقي: لا يمكن أن أتركك هكذا وأذهب .. لن أستطيع مواجهة نفسي بعد الآن .. وخصوصا بعد أن عرفت مبلغ بشاعة الظلم الذي أنزلت بك. فمجرد الاعتذار عن مثل هذه الأغلاط الفادحة لا يكفي .. لذلك أريد أن أعوضك على ما تسببت عنه لك من شقاء..
عزوز: تعوضني؟ كيف؟
الشرقي: لن أستطيع تعويضك على الزمن الضائع، وآلام الظلم الكبير الذي حاف بك، ولكن لا تعتقد أني إنسان بدون ضمير، سأضع ثروتي رهن تصرفك، فأطلب ما شئت.
عزوز: آسف .. لا حاجة لي بمالك.
الشرقي: (يتنهد) كنت أظن أنني سأريح ضميري باعتراف لك بالحقيقة. ولكن الوقائع التي انكشفت لي زادت ضميري ثقلا على ثقله السابق .. فإذا لم تسامحني فلست أدري كيف سأعيش مع نفسي.
عزوز: هل حقيقة جئت لتريح ضميرك، أم لتحاكمني بعد تنفيذ الحكم، وتتشفى في؟
الشرقي: حاشا لله .. والله العظيم لم تبق في نفسي عليك ذرة حقد. وقد تشفيت فيك ما يكفي أثناء المحاكمة .. وقد بحثت عنك لأواسيك، وأشرح لك موقفي، وإذا اقتضى الحال لأشكرك ..
عزوز: (مستغربا قليلا) تشكرني؟
الشرقي: نعم .. فقد كان طردي من الشركة، بسبب تأخري ذلك الصباح خيرا وبركة علي! فقد وجدت عملا آخر أحسن من العمل الذي طردت منه .. عملا يناسب مواهبي الفنية، ويذر علي المال والشهرة، والرضا النفسي. فبدأ ضميري يؤنبني .. وقلت في نفسي، وأنا أفكر في محنتك .. من يدري؟ لعل الله ألهمك ألا تقف لي من ذلك الطريق المهجور حتى أطرد من ذلك العمل، وأجد ما هو أجدى وأنفع منه. لذلك فأنا الآن، حين أضع بين يديك ثروتي، أتمنى، من صميم قلبي أن تقبل مساعدتي لك، ولو بالسلف .. برأس المال حتى يستقيم حالك .. أرجوك أن تقبل .. فذلك من حقك.
عزوز: لقد قلت لك أنه لا حاجة لي بمالك ..
الشرقي: اسمع يا آسي عزوز .. أنا أريد أن  تسامحني أمام الله، الآن .. فأنا رجل مؤمن .. ولا أحتمل تأجيل تصفية هذا الحساب الذي بيننا حتى يوم القيامة. أرجوك، وأقبل رأسك .. اشترط ما شئت. لن أتركك حتى تفعل!
عزوز: (يتنهد متأثرا) آسي الشرقي .. ما دمت قد فتحت لي قلبك، وأعلنت توبتك عن ذنبك .. وطلبت مغفرتي، فأنا الآخر عندي ما اعترف لك به، فأنت، في الحقيقة لم تكن إلا آلة مسخرة في يد الأقدار لتحويل مصيري، وإيقاظ ضميري .. العقوبة التي حكم بها علي بشهادتك، كنت أستحقها، وأستحق أكثر منها.
الشرقي: كيف؟ ماذا تقول؟
عزوز: كما تسمع .. ولكن ليس على قتل ذلك الغلام، فأنا بريء من دمه كما قلت لك؛ ولكني مذنب في حق مجموعة من الأيتام تركني أبوهم وصيا ووكيلا عليهم، للصداقة التي كانت تربطني به .. واستخلفني على فراش موته، وهو على باب لقاء ربه أن أكون لأبنائه التسعة مكانه هو، فأقسمت له .. ومات الرجل وترك في يدي ثروة طائلة .. وأعترف لك، أن الشيطان لعب بضميري بمساعدة أحد القضاة المجرمين فأسأنا التصرف في أموال اليتامى التسعة .. ولم يكبروا حتى وجدوا ثروة أبيهم قد تبخرت..
الشرقي: يا إلهي!
عزوز: وحين نزل علي ظلمك كالصاعقة، كانت الفكرة الوحيدة التي تخفف من شعوري بذلك الظلم، هي أن هذه عقوبة من الله على ظلمي أنا لأولئك المساكين وقد منعني الكبرياء والخوف حتى بعد خروجي من الحبس، من الاعتراف لأبناء صديقي بذنوبي، وطلب غفرانهم .. ولكن مجيئك عندي هذا الصباح، واعترافك لي بذلك في حقي، جعلني أفكر جديا الاعتراف لأبناء صديقي بذنبي، وليكن ما يكون .. فالأحسن، كما قلت أنت، مواجهة العقوبة في هذه الدنيا، على الوقوف أمامهم غدا يوم القيامة! وأنا مدين لك بهذا القرار .. وأشكرك عليه، وأسامحك على كل ما صدر منك.
الشرقي: أخي عزوز أحس بقلبي يرتعش من التأثر والسعادة الحقيقية .. فدعني أقبل رأسك .. إني أكاد أرى حواليه هالة من نور .. (يقبل الرأس) ..
عزوز: أنا الآخر أحس بدفء كبير في قلبي وروحي .. وبحرية عظيمة وخفة في ضميري الذي كان منذ حين، مثقلا بالهموم .. أرأيت كيف كان كلانا آلة في يد الخالق لإصلاح الآخر ..
الشرقي: أتعرف يا آسي عزوز؟ أنا أشعر بأننا محبوبان عند الله .. وإلا لما كان هدانا، ونحن في هذه الدنيا، إلى تصفية هذه الحسابات..
عزوز: أرجو أن تكون على حق.                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here