islamaumaroc

من تاريخ العمارة الدينية في عصر السعديين: أضرحة الأشراف السعديين بمراكش -2-

  دعوة الحق

العددان 188 و189


وتعرف كذلك بروضة السعديين ذات الشهرة الواسعة في فنون العمارة والزخرفة والنقوش والكتابات العربية، وتقع قبلى جامع المنصور من القصبة بمراكش.
وتضم تلك الروضة عددا من قبور الملوك العظام في تاريخ الأشراف السعديين وأولهم أبو عبد الله محمد القائم بأمر الله المعروف بالشيخ والملقب بالمهدي (896-964 هـ).
ويغلب على الاعتقاد بأن روضة السعديين قد شيدت من أجله على يد ابنه وخليفته أبي محمد عبد الله الغالب بالله (رمضان 933- رمضان 981 هـ). وممن دفن بها كذلك السلطان العباس أحمد المنصور بالله المعروف بالذهبي (955- 1012 هـ) وهو أخ أبو محمد عبد الله مؤسس الروضة (المقبرة) وابن أبي عبد الله محمد الشيخ، وقد أمر المنصور الذهبي بدفن الحرة للا مسعودة الوزكيتية زوجة السلطان ابن عبد الله محمد الشيخ بروضة السعديين بعد وفاتها 27 محرم سنة ألف هجرية.
وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين يسمونها قبور الأشراف، غير أن بعض الإشارات توحي بأنها كانت سابقا للدفن منذ عصر الموحدين ثم المرينيين من بعدهم. إلا أن تاريخ عمارة تلك الروضة يتضح ابتداء من عصر الأشراف السعديين بحيث تعتبر القبة الشرقية أقدم أثر جنائزي تاريخي يعكس أسلوب المقابر المغربية التقليدي(1).
وتشتمل قاعة الدفن الرئيسية على قبر السلطان محمد الشيخ المتوفى في العشرين من ذي الحجة سنة 964 هـ (1557 م) بحيث يمكن تأريخ بنائها من عصر ابنه مولاي عبد الله المتوفى سنة 981 هـ (1574 م)، وقد نقشت على رخامة قبر السلطان محمد الشيخ أبيات شعرية ذكرها صاحب الاستقصا ومنها:
حي ضريحا تغمدته رحمات
                وظللت لحده منها غمامات
يا مهجة غالها غول الردى قنصا
                وأثبتت سهمها فيها المنيات
دكت لموتك أطوار العلا صعقا
                وارتج من بعدك السبع السموات
كما نقشت على رخامة قبر السلطان أبي محمد عبد الله أبيات ذكرها السلاوي في نهاية سيرته نذكر منها:
أيا زائري هب لي الدعاء ترحما
                   فإنني إلى فضل الدعاء فقير
وقد كان أمر المؤمنين وملكهم
                  إلى وصيتي في البلاد شهير
فها أنا قد صرت ملقى بحفرة
                  ولم يغن عني قائد ووزير
تزودت حسن الظن بالله راحمي
                 وزادي بحسن الظن فيه كثير
وفي عصر السلطان أحمد المنصور السعدي ثم توسيع البناء الذي أحيط من جوانبه الثلاثة بقاعة داخلية وممرين للدخول بمناسبة دفن الحرة للا مسعودة الوزكيتية المتوفاة(2) فاتح سنة ألف هجرية (1590 م) حيث أقبرت على مقربة من قبر زوجها محمد الشيخ بأمر ولدها أحمد المنصور، ولهذا تعرف تلك القبة إلى اليوم بقبة للا مسعودة.
أما المنصور السعدي، فقد قام على غرار سلاطين المماليك بمصر ببناء مقبرة لنفسه في حياته تشتمل على البناء الغربي بقاعاته الثلاث وخاصة القاعة الوسطى ذات الاثنى عشر عمودا حيث يتوسطها قبر المنصور بعد أن نقله ولده على إثر وفاته بفاس سنة 1012 هـ(3) (1603 م) ، ومما نقش على رخامة قبره:
هذا ضريح من غدت
            به المعالي  تفتخر
أحمد منصور اللوا
            لكل مجد مبتكر
يا رحمة الله أسرعي
            بكل نعمى تستمر
ثم دفن ابنه مولاي زيدان بدوره إلى جانبه وتبع ذلك دفن بعض الشخصيات العلمية داخل تلك القباب أو في نطاق التخطيط العام للروضة حيث يمكن اليوم ملاحظة ما يزيد عن خمسين شاهد قبر منشوري الشكل من الرخام وعددا كبيرا من قبور ذات غطاء خزفي (كسوة من الزليج).
وهكذا تبرز داخل أسوار قبور السعديين مجموعات للبناء أصغرهما بناء جانبي (قبة للا مسعودة) يعتقد جورج مارسيه أنه سبق البناء الرئيسي بنحو ثلاثين أو أربعين عاما. وهو بناء صغير يشمل على قاعة صغيرة جنوبا وقاعة أخرى شمالا أقل سعة تعتبر النواة الأصلية للبناء.
وقد ارتأيت بعد مقارنة التخطيطات المحفوظة بمصلحة الآثار بالرباط التي نقل عنها جورج مارسيه وبعد دراستي المباشرة لقبور السعديين بمراكش وتصحيح الأخطاء الواردة في تلك التخطيطات أن أقدم وصفا موجزا لهيئة العمارة والفنون التطبيقية المتصلة بها.
ففيما يتعلق بقبة للا مسعودة الواقعة غرب قبة المنصور نجد أن النواة الأصلية للبناء وهي القاعة المربعة الشمالية تنحصر بين رواقين شرقا وغربا بينما تتصل جنوبا بالقاعة الأكبر مساحة. ويتفق كل من الرواقين المذكورين مع الآخر تمام الاتفاق من حيث التخطيط والمساحة والعناصر المعمارية والفنون الزخرفية.
ويتقدم كل رواق مدخل من فتحة كبيرة الارتفاع يحف بها من كل جانب عمود رخامي فوقه تاج ثم كنف مستطيل إلى أعلى تغطيه النقوش الجصية ثم عقد مستقيم من الخشب المنقوش بزخارف متنوعة تبرز وسطها النصوص الدينية (أعوذ بالله ...) ويعتبر هذا المدخل كأهم عنصر معماري وزخرفي بكل واجهة.
غير أنه يتضح من التخطيط الذي نشره جورج مارسيه نقلا عن مصلحة الآثار بالرباط وجود باب واحد هو الباب الشرقي وغياب الباب الغربي الذي وضع حائط بدله يسد الرواق الغربي وهو خطأ يتعارض مع واقع الآثار حيث يوجد بابان شرقا وغربا يتقدم كل منهما رواق على المحور الأفقي للقاعة الصغرى الشمالية.
وتتميز زخارف الرواق خلف كل من البابين بحزام من الخط النسخي المقشر في الزليج الأسود يدور حول جدران الرواق ويستمر في القاعة الشمالية الصغرى كما يدور حول جدران القاعة الكبرى الجنوبية مع خلاف واحد وهو أن حزام الخط النسخي المقشر في الزليج يعلوه بشريط آخر من الخط الكوفي المحفور في الجص بكل من الرواقين، بينما يوجد إطار آخر من الخط النسخي الأندلسي في الجص يعلو شريط الكتابة النسخية المقشرة بالقاعتين الشمالية والجنوبية.
وبعد الولوج من الباب الغربي وعبور الرواق  تصل إلى فتحة في الجدار الغربي للقاعة المربعة الشمالية ويواجهنا على محور الباب دخلة في الحائط معقودة بقوس مقرنص حوله شريط كتابي بينما يتوسط الجدار الشمالي دخلة أكثر عمقا على هيئة المحراب تغطيها قبة مقرنصة يقابلها جنوبا فتحة أخرى تصل هذه القاعة بالقاعة الأخرى الجنوبية الأكثر منها مساحة، وتغطي القاعة الصغرى الشمالية المشتملة على عدد من شواهد القبور الرخامية المنشورية قبة مقرنصة.
وإذا ما تقدمنا جنوبا إلى القاعة الكبرى نجد فتحة أخرى على المحور الطولي للفتحة الواقعة بين القاعتين كما نجد فتحة في كل جانب بالحائط الشمالي للقاعة الكبرى إحداها تتصل بالرواق الغربي والأخرى تتصل بالرواق الشرقي. وتشتمل هذه القاعة على عدد أكبر من شواهد القبور الرخامية منشورية الشكل ويغطيها سقف قوامه برشلة من أربعة جوانب. ويستمد البناء في القبتين والرواقين روعته الزخرفية ورقته الجمالية من انعكاس الأضواء على الزوايا والسطوح المتعددة لتظهر ثراء النقوش السعدية في الزليج والجص باتساع مساحة الأسقف والجدران.
وبالنسبة لبناء العمارة الرئيسية في أضرحة الأشراف السعديين حيث دفن المنصور السعدي، فإننا عن طريق ممر متعرج يدور حول محراب المسجد نصل إلى الداخل حيث الصحن الفسيح والقباب القائمة لصق حائط مسجد القصبة. وهذه المجموعة المعمارية تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية تتوسطها العمارة المركزية الممثلة لقاعة الدفن الكبر. وهذا العنصر المركزي يتصل جهة الجنوب بالعنصر الثاني وهو بيت للصلاة كما يتصل من جهة الشمال بالعنصر الأخير وهو عبارة عن قاعة قليلة العمق ولكن بنفس اتساع القاعة الرئيسية للدفن.
فإذا بدأنا ببيت الصلاة جنوبا وهو أقل الأقسام احتفالا بالزخرفة في مجموع البناء نجد مساحة مستطيلة يزيد اتساع قبلتها عن العمق.  ويتصدر هذه المصلى محراب مضلع الجوانب محفوف بكل من جانبيه بمجموعة من الأعمدة الرقيقة الملونة تغطيه قبة ذات مقرنصات ويفتح على أسكوب القبلة بعقد منكسر على هيئة حدوة الفرس يرتكز على  الأعمدة النصفية. وتخطيط هذه المصلى ينقسم إلى ثلاثة أساكيب وثلاثة بلاطات عن طريق أربعة أعمدة وضعت على صفين تحمل عقودا متقاطعة من النوع المتجاوز المنكسر.
وعن طريق باب على محور المحراب يتصل هذا البناء شمالا بالقبة الرئيسية المشتملة على قبر المنصور والتي تتصل بالممر الرئيسي عن طريق بابين مستقلين. وهي ذات تخطيط مربع وقائمة الوسط على ا ثني عشر عمودا منجمعة في مجموعات من ثلاثة أعمدة. وتفتح مجموعة من العقود بكل جانب من الجوانب الأربعة المحيطة بالساحة الوسطى المحصورة بين الأعمدة. وتتكون كل مجموعة من ثلاثة عقود أوسطها أكثر اتساعا وارتفاعا وكلها عقود متجاوز منكسرة BRISE وذات مقرنصات وتذكر بنظام عقود الخصة الشرقية لصحن جامع القرويين. أما الساحة  الوسطى بنفس القاعة فقد غطيت بقية مقرنصة ذات زخارف هندسية ينساب أسفلها اقريز من المقرنصات وشبكات المعينات المحفورة في الجص والكتابات النسخية الكبيرة. وقد اكتسبت جدران هذه القبة البالغ ارتفاعها 11.50 مترا حلة رائعة من الخزف الملون متعدد الأشكال يستمد روعته من التكوينات الهندسية. وتختتم التكوينات الهندسية في الزليج بشريط كتابي يدور حول القاعة بالخط النسخي المملوكي المقشر
في الزليج. وأعلى الشريط الكتابي المذكور تبدأ الخطوط النسخية المملوكية في الجص وأعلاها كسوة فريدة تغطي بقية جدران القاعة كغلالة من الدانتيل ذات عناصر دائرية مذهبة متصلة ترتفع إلى الإزار الخشبي أسفل الأسقف. وبأعلى كل من الجدارين الشرقي والغربي نلاحظ مجموعة من ثلاثة نوافذ من الجص المخره والزجاج الملون مما يمنحها منظرا خلابا عندما تسلط الأضواء على تلك المواد فتعكس ألوانها الذهبية الزاهية إلى اليوم وتبرز تفاصيل عناصرها الزخرفية المنحوتة في الجص والخشب والزليج والرخام.
وإذا ما واصلنا الاتجاه شمالا من القاعة الكبرى الرئيسية عبر بابين مقرنصين شرقا وغربا نصل إلى العنصر المعماري الثالث وهو قاعة بنفس الاتساع ولكنها أقل عمقا لنقابل بنهايتها حائطا قسم إلى ثلاث دخلات RECESS مسطحة على هيئة المحراب وذات عقد مقرنص وقبة مقرنصة. ويبدأ هذا الجدار الشمالي بالزليج في قسمه الأدنى ثم تبدأ أشغال الجص بالقسم الأعلى حيث التقسيمات الهندسية والنجمية وشبكات المعينات باتساع مساحة الجدار العليا كما تدور أشرطة من الكتابة النسخية حول فتحات الدخلات الثلاث الموزعة على ذلك الجدار، وينقسم سقف القاعة إلى ثلاثة أقسام وقد صنع من الخشب المضفر مع وجود منور علوي للإضاءة بكل من ناحيتيه الشرقية والغربية.



(1) - G. Marcais. Larchitecture Mus. P. 393 et fg. 241 p. 394
(2) - راجع أصلها ونسبها وأعمالها الصالحة كبناء مسجد باب دكالة وغيره بالاستقصا ج 5 ص 126.
(3) - مرض المنصور بمحلته خارج فاس الجديد ودخل إلى داره بالمدينة البيضاء (فاس الجديد) فتوفى هناك ودفن بإزاء مقصورة الجامع الأعظم ثم نقل إلى مراكش حيث دفن بقبور الأشراف قبلى جامع المنصور من القصبة، انظر تفاصيل ذلك بالاستقصا ج 5 ص 186-187.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here