islamaumaroc

49 سنة: جهاد واجتهاد وجهد

  دعوة الحق

العددان 188 و189

** الحديث عن جهاد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله ودوره الطلائعي الكبير إلى جانب والده بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس في سبيل الاستقلال وبناء أسس المغرب الحديث لن يكون أبدا حديثا سياسيا منغلقا محصورا في نطاق ضيق ومقصورا على جانب أو جوانب معينة، وإنما هو شامل، ممتد، غزير المادة، متعدد الجوانب، ذو أبعاد وآفاق ودلالات ومعان، يكتسبها من ارتباط حياة العاهل الكريم بأحداث المغرب وتطوراته وظروفه وصراعاته ومراحل كفاحه التحريري على مدى نصف قرن.
نشأ سيدنا المنصور بالله في بيئة كفاح وصراع ومواجهة مع القوى الاستعمارية. وترعرع في جو الوطنية المتدفقة الصاعدة، والحماس الشعبي الفوار، ولم يكد يشب عن الطوق، ويبلغ طور الوعي والرشد، حتى وجد نفسه وأسرته الكريمة وعلى رأسها الرائد الكبير محمد الخامس رحمه الله وجها لوجه أمام تطورات خطيرة دفعت بالمغرب إلى الدخول في مواجهات مباشرة، وتحديات صارمة مع الوجود الاستعماري. وكان القدر اختاره –أعزه الله- منذ نعومة أظفاره ليخوض المعارك المتواصلة، معركة تلو معركة، على جبهات متعددة، بدأت بواحدة، ثم لم تلبث أن تعددت وتنوعت، وازدادت تعددا وتنوعا بعد الاستقلال، ولا تزال آخذة في الازدياد إلى يومنا هذا.
هذه النشأة الوطنية الفريدة جعلت من جلالة الحسن الثاني رجل دولة محنكا بصيرا عارفا بطبيعة المعارك السياسية مدركا ومحيطا بما يدبر ضد الوطن: نظاما وكيانا وعقيدة ولغة وتراثا. فكان التحدي قدره، وكان الصراع الشاق اختياره.
ومن هذه الزاوية فإن الحديث عن جهاد الحسن الثاني الرائد الملهم جزء لا يتجزأ من قصة الكفاح المغربي الطويل ...
* هذه الخصوصية، وهذا التميز، وهذه الاعتبارات جميعها تجعل من غير الممكن استيعاب سيرة الحسن الثاني المناضل دون الأخذ بعين الاعتبار مختلف الجوانب والزوايا المتصلة بجهاد الشعب منذ أن هب لينقض ما أبرمه الاستعمار في غفلة من الزمن.
لم تكن حياة العاهل الكريم منعزلة عن مجريات الأحداث، كما لم تكن الأسرة المالكة الشريفة مفصولة عن قضايا الشعب الثائر. وكيف به ينعزل وينعم بما ينعم به أقرانه في دول أخرى والنار مشتعلة تكاد تلتهم الجميع، والقصر مطوق بدبابات الاحتلال المتستر تحت ما دعي بالحماية، ووالده –قدس الله روحه- منهمك في اتصالاته مع زعماء الوطنية، والبلاد كلها متحفزة مترقبة متطلعة إلى التضحية متى آنت ساعة التضحية.
وأنه لأول مرة في تاريخ العالم المعاصر تصدر سلطات الاحتلال في بلد عربي وإسلامي حكمها بالإعدام على أمير بتهمة التحريض على الأعمال الفدائية وتنظيم المظاهرات وتوزيع المناشير المناهضة للوجود الأجنبي.
لم يحدث هذا قط إلا في المغرب كما لم يحدث في أي بلد عربي وإسلامي، بل في أي بلد من بلدان العالم إن ثار الشعب ثورة دموية عارمة احتجاجا على نفي ملك البلاد وأسرته.
كانت السلطات الاستعمارية تنظر بعين القلق والارتياب والشك إلى الأمير مولاي الحسن، الأمر الذي جعلها تضرب حوله نطاقا من المراقبة والتحفظ، وتتعقب خطواته ونشاطه واتصالاته، بما كانت تملك، يومئذ من أدوات ووسائل التعقب. فماذا يمكن أن يقال عن أمير ينشأ في هذا الجو؟ أليست هذه نشأة نضالية وطنية بالمعنى الواسع للنضال والوطنية؟
إننا نستطيع أن نقول، دون أن نخشى من الاتهام بالمبالغة والغلو في القول، إن  المغرب البلد الوحيد في العالم –ونؤكد على أنه البلد الوحيد حقيقة لا مجازا- يحكمه قائد مناضل أشربت روحه النضال منذ وعيه المبكر، وقاسى وعانى أضعاف ما يقاسي ويعاني –عادة- الزعماء والرواد والقادة المخلصون. لقد تعرض لأعنف مجابهة مع الاستعمار دون أن يكون يمكن أي سلاح، اللهم إلا سلاح الإيمان والثقة بالنفس. ورأى عرش أجداده يهدد، وكرامة وطنه تمتهن، وخيرة أبناء الشعب تعتقل وتسجن وتنفى وتعذب، والوطن العربي الإسلامي الكبير يرسف في أغلال الاحتلال، والعالم كله –شرقية وغربية- يجمع على إخماد شعلة الجهاد والمقاومة في بلده، فما وهن وما ضعف وما استكان إلى الواقع المفروض بالحديد والنار والإرهاب والقمع.
ولم يخلد إلى راحة بعد الاستقلال، فما يعرف ملوك هذه الدولة الشريفة راحة، وإنما مضى في عزم حديدي يشق الطريق نحو بناء الوطن، وإقامة المؤسسات، وتكون النواة الأولى من بناة الاستقلال، دون أن يغفل لحظة واحدة عن ضرورة استكمال الوحدة الترابية في الشمال والجنوب والشرق.
* كان نصيبه من المعاناة والمكابدة في عهد الاستقلال لا يقل في ميزان التضحية عما ناله قبل الاستقلال، وكان الله –سبحانه وتعالى- أراد أن يضاعف له الأجر، فضاعف له صنوف الجهاد، فصدق عليه حديث جده الأكرم المصطفى –صلى الله عليه وسلم- حين دخوله مكة المكرمة فاتحا مظفرا.
هو جهاد أكبر ما في ذلك شك ...
وللجهاد ثمنه، وبقدر ما يكبر ويعنف ويشتد، بقدر ما يغلو الثمن وتعسر المعاناة وترتفع التكاليف ...
وهكذا فنحن لسنا في نزهة في عرض البحر، ولكننا نركب سفينة في خضم أمواج هوجاء تعصف بنا عن اليمين واليسار يقودها ربان بصير واسع الأفق حصيف العقل..
وما من دولة من دول عالمنا المعاصر إلا وتركب سفينتها في بحرها ..
الرحلة واحدة. ولكن السفن والبحور تختلف ..
تلك –إذن- هي الصورة المجسمة لواقعنا الراهن على الصعيد الوطني والدولي ..
* وهذا هو رباننا وقائد مسيرتنا: علم وخبرة، ثقافة ومعاناة، عقل ونظر، ذكاء وفطنة، اعتدال واستقرار، حلم وتواضع؛ إذا جلس إلى العلماء والفقهاء والمحدثين أجاد وأتقن، وسحر بفصاحة لسانه، وبلاغة لغته، ورجاحة عقله، وعمق ثقافته، وسعة محصوله العلمي، وإذا حضر مؤتمرا للملوك والرؤساء والقادة استولى على الألباب بحكمته ورزانته وكياسته وبعد نظره، ودقة حكمه، وصواب رأيه ..
قائد موسوعي هو.. فخر للعرب والمسلمين .. وحقيق بأن يكون مجدد العصر بلا منازع، وأميرا للمؤمنين وإماما للمسلمين ..
وهكذا فإذا تحدثنا عن الحسن الثاني الرائد لا يكذب أهله فلأجل أن نحيي في جلالته الروح الإسلامية الحق، والفهم الإسلامي المحض لمشاكل المغرب وقضايا العالم العربي ومعضلات الفكر الإسلامي المعاصر..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here