islamaumaroc

من أوصاف قضاة الأندلس من خلال كتاب "المرقبة الكبرى" -1-

  دعوة الحق

192 العدد

يبدو أننا لسنا بحاجة إلى التأكيد على الأهمية التي تكتسيها اليوم خطة القضاء في البلاد الإسلامية عامة أو ما كانت تمتاز به هذه الخطة بالخصوص في بلاد الأندلس طيلة المدة التي تغذي حياة الإنسان المسلم وتوجه المجتمع الإسلامي المنظم إلى السير في طريق الاستقرار والاستمرار.
وبالإمكان أن نلتمس الدليل على الأهمية الكبرى التي يكتسيها القضاء في الإسلام والخطوة التي كان يتمتع بها قضاة المسلمين في الأندلس خاصة بما نقرأه في كتاب "تاريخ قضاة الأندلس" لصاحبه الشيخ أبي الحسن بن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي(1) .
ويشتمل هذا الكتاب على قسمين ، قسم يستغرق أقل من ثلث الكتاب ويبحث في القضاء عامة وفي المسائل التي تتعلق به؛ وقسم آخر وهو أوفر من الأول هو عبارة عن مجموعة من التراجم يتصل أكثرها بمشاهير قضاة الأندلس؛ وهذا القسم الثاني هو الذي يعطي قيمة حقيقية للكتاب.
و "تاريخ قضاة الأندلس" على وجه العموم غني بالمعلومات التي تتعلق بحياة القضاة وسيرتهم ونوع اتصالهم بقصور الخلفاء وعلاقاتهم بعموم المواطنين كما يفيض هذا الكتاب الممتاز عن الحديث عما كان يتصف به القضاة من أخلاق سامية رفعتهم في كثير من الأحيان إلى أعلى درجة عند أمراء الأندلس وخلفائها؛ يضاف إلى ذلك أنه يوجد في الكتاب المذكور بيانات وتحقيقات متنوعة حول الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تطبع المجتمع الأندلسي أيام الخلفاء وتحت ملوك الطوائف وملوك بني نصر من بعدهم، كما نستفيد من هذا الكتاب أشياء كثيرة عن الوضعية السياسية التي كانت تعاني منها مدن الأندلس كلما اشتد عليها الضغط وضيق النصارى عليها الخناق.
هذا وقبل أن نتعرض لتعداد الأوصاف التي كان ينفرد بها قضاة الأندلس وعلماؤها يتعين علينا بادئ ذي بدء أن نعرف بالطريقة التي تتم بمقتضاها ولاية القضاء؛ فعلم من كتاب أبي الحسن النباهي أن خطة القضاء كانت تسند لصاحبها من طرف الأمير أو الخليفة، وهذا ما يعطي الدليل عن جلال المهمة وعلو منزلة القضاة عند ملوك الأندلس؛ وكان القاضي يتقلدها إما كمطلق قاضي معين على إحدى الكور والأقاليم، أو باعتباره قاضيا للجماعة أو قاضي القضاة. وكان القاضي يستعين بعدد من المستشارين من ذوي الخبرة والإخلاص لتبصرته عند الحاجة وتوضيح الأدلة التي من الممكن أن يعتدها قبل حكمه في كل قضية طرحت عليه؛ وكانوا يسمونهم فقهاء مشاورين؛ ونظرا لما كانوا يتصفون به من الكفاءة والاقتدار فقد كان القضاة يسمحون لهم بتوضيح بعض النوازل في شكل فتاو يصدرونها حول عدد من المسائل التي كانت تطرح على القضاة، أما من طرف المسؤولين بقصر الخليفة أو من طرف المواطنين أنفسهم؛ وهذه النوازل تتعلق بمختلف الأبواب التي يتصل أثرها بالمجتمع الإسلامي كالحدود وشفى الضرر والغائب والمريض والسفيه والمديان المفلس والسمسار والهبات والصدقات إلى غير ذلك من القضايا التي تطرح يوميا على أنظار القضاة.
وهذه الفتاوي هي التي يمكن اعتبارها مرآة للحياة الاجتماعية والاقتصادية في ذلك العصر، كما أنها تساعدنا على أن نتعرف على مختلف الطبقات التي كان يتكون منها المجتمع الإسلامي في الأندلس، كما تفيدنا أيضا بمعرفة نوع العلاقات التي كانت سائدة إذ ذاك بين مختلف الطبقات
ورد عن كتاب "تاريخ قضاة الأندلس" لأبي الحسن النباهي وعن غيره من الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع في أقضية الناس يسمحون للمتقاضين بإحضار وكلاء عنهم؛ وكان المتقاضي معفيا من نفقات القضاء كما أن القضاة وخدمة لمصالح المواطنين.
وقد يتفق للخليفة الذي كان يتتبع أمور القضاء باهتمام في عاصمة ملكه على الأقل أن ستدعي مجلسا أعلى بين يديه بحضور عدد من القضاة للنظر في جملة من القضايا التي يستعصي حلها على قاضي إحدى الكور. هذا وبالإضافة إلى مهامه الرئيسية فقد كان القاضي يتولى النظر في شؤون الأوقاف ويسهر على تنميتها وإنفاق مستخلصاتها في وجوه البر والإحسان؛ ولم يكن أحد غيره يستطيع أن يتصرف في موارد الأملاك الوقفية أو ينفقها في غير ما حسبت من أجله سوى إذا كان الأمر يتعلق بالدفاع عن حوزة الوطن.
وكان القضاة يتولون كذلك صلاة الجمعة وصلاة العيدين كما كانوا يدعون عند الحاجة لإقامة صلاة الاستسقاء، وتكون الصلاة إذ ذاك بحضور الخليفة أو الأمراء وكبار الشخصيات.
وكثيرا ما كان القاضي يضيف إلى مهمته الدينية القيام بالتدريس في المسجد الجامع أو في أحد المساجد الكبرى بالأقاليم لما كانوا عليه من قدرة على رواية الحديث والدراية بالأحكام والاستطاعة على التفنن في القول.
وبالقاضي أيضا كانت تناط مهمة ارتقاب الأهلة من أوائل رمضان وفي آخر شهر الصوم.
هذا ولم يقتصر نشاط القضاة على النظر في القضايا المعروضة عليهم داخل المحاكم أو القيام بخطة التدريس في المساجد، بل ارتقت أحوالهم في أيام الحكم الثاني على الأخص إلى رتبة وزير أو مستشار للمكل مما مكنهم من المساهمة في النشاط الحكومي العام والقيام بدور سياسي له قيمته واعتباره داخل أطر الدولة؛ وقد أدركوا من الحظوة والامتياز خلال القرن العاشر الميلادي وما بعده ما جعل الخليفة لا يقدم على إبرام أمر ذي أهمية إلا بحضور شخصيات ثلاث في مقدمتهم قائد الجيش الذي كان يرابط في الثغور العليا حول مدينة سرقسطة وأمير البحر الذي يوجد مقر قيادته بمدينة المرية وقاضي القضاة بحضور غرناطة.
هذا وقبل أن نتعرض في شيء من التفصيل إلى ذكر الأوصاف التي كان يتمتع بها القضاة في الأندلس والمزايا الخلقية التي كانت تطبع سلوكهم بصفة عامة وجب أن نعيد إلى الأذهان حقيقة الأوضاع الاجتماعية التي كان يعيشها المسلمون في ذلك الزمان وما كانوا يعانونه من المصائب والأهوال في بلد أحاطت به النصرانية من كل جانب حتى أصبحت تهددهم في كل وقت بالطرد من ممتلكات أفنوا أعمارهم في تمدينها
وتعميرها .. والذين يتبعون تاريخ تلك الفترة العصيبة من حياة المسلمين بالأندلس يدركون لا محالة مقدار تمسك المسلمين إذ ذاك بتعاليمهم الإسلامية كما أنهم يقتفون بحرص ملوكهم على تطبيق القوانين الشرعية تطبيقا دقيقا وإقامة الحدود طبقا للمذهب المالكي حتى يبعدوا عنهم خطر النصرانية المتربص بهم شرا في كل مكان؛ والشاهد على ما قدمناه ما رواه الشيخ أبو الحسن النباهي على لسان أحد أمرائها حيث قال متوجها بالحديث إلى جموع المسلمين بالأندلس. "أنا معشر بني مروان، لا تأخذنا في الله لومة لائم، وما نرى أن الله رفع ملكنا، وجمع بهذه الجزيرة فلنا وأعلى فيها ذكرنا حتى صرنا فيها شجن في حلق عدونا، إلا بإقامة حدوده وإعزاز دينه وجهاد عدوه مع مجانية الأهواء المضلة والبدع الردية(2) .
ومن هنا يفهم حرص الخلفاء الشديد على ألا يولوا خطة القضاء إلا من كان يستطيع القيام بها على أحسن وجه وأرضاه؛ والدليل على ذلك ما قاله المنصور للقاضي عبد المنعم بن الفرس حينما قلده قضاء غرناطة، فأثبت في صك التعيين ما خاطبه به قائلا : "أقول لك ما قاله موسى –عليه السلام- لأخيه هارون "اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (3) . فلا غرابة إذا اقتدى القضاء بنصائح الملوك والأمراء وأظهروا تشدد في الأحكام على أهل العتو والفساد.
أجل، كان خلفاء الأندلس وأمراؤها يقدرون خطة القضاء حق قدرها باعتبارها عاملا من عوامل تقويم المجتمع الإسلامي؛ ولذلك كانوا يختارون لها من أهل الرياسة في العلم والبراعة من أنفسهم من كان أقدرهم على تطبيق الشريعة الإسلامية وأن اضطرته الحال إلى أن يذهب في سبيل إقامة حدود كل مذهب؛ من ذلك أن علي بن يوسف بن تاشفين لما عزم على تعيين قاض على مدينة غرناطة اختار لها واحدا من الفقهاء المرموقين وثقاة الرواة المشهورين هو الشيخ أبو عمران موسى بن حماد، وكتب له مرسوما بالتعيين جاء فيه: "وبعد، فأنا فرغناك برهة من الدهر لشأنك، وأرسلنا على جهة الشرقية زماما من عنانك؛ وحين علمنا أنك قد أخذت لحظك من الإجماع، ودار بتودعك وراقتك دور أيام. خيرناك لحظة القضاء ثانية بزمامك، وأعدناك إلى سيرتك الأولى من لزامك، وقلدناك بعد استخارة القضاء بين أهل غرناطة وأعمالها –أمنهم الله وحرسها ! –للثقة المكينة بإيمانك، والمعرفة الشافية بمكانك؛ فتقلد معنا مسددا ما قلدناك، وانهض نهوض مستقل بما حملناك، وتلق ذلك بانشراح من صدرك، وانبساط من نفسك وفكرك، وقم في الخطبة مقام مثلك ممن استحكمت منه ورجح حلمه، وكفه عن التهافت ورعه ورعه وعلمه؛ وليس هذه بأول ولايتك لها، فتبتدئ بوصيتك ونعيد، ونأخذ بالقيام بحقها العهد الموثق السديد؛ بل، قد سلفت فيها أيامك، وشكر فيها مقامك، واستمرت على سنن الهدى أحكامك؛ فذلك الشرط عليك مكتوب، وأنت بمثله من إقامة الحق مطلوب؛ وأنا على ما نعمله جميل نظرك، واعتدال سيرك، لم نر أن نقفل توصيتك بحكام الأنظار القاصية عنك، والقريبة منك؛ فلا تنصر فيها إلا من كثر الثناء عليه، وأشير بالثقة إليه. ولتكن قريبا على أعمالهم، وسائلا عن أحوالهم؛ فمن بطئ به سعيه، وساء فيما تولاه نظره ورأيه، أظهرت سخطته، وأعلنت في الناس جرحته. فذلك يعدل جانب سواه، ويثريه النصيحة فيما يتولاه ! (4).
وتاريخ هذا المكتوب أوائل شهر رمضان المعظم الذي من عام 524هـ.
وكانت رسوم الولاية تقرا في المساجد على العادة بحضور وجوه البلد وعلية القوم من المدينة.
ومن أوصاف القضاة في الأندلس أنهم كانوا يحافظون على حسن هيأتهم في الصورة والملبس والمركب؛ وكان القاضي كريم النفس، سخيا، يبادر إلى إغاثة البؤساء وإطعام المحتاجين والفقراء؛ ومن هنا اشترط بعض الفقهاء من حق القضاة أن يكونوا ميسورين غير محتاجين حتى يضمنوا لأنفسهم الاستقلال في الرأي عند النظر في أقضية الناس ويتمكنوا بالتالي من أداء مهمتهم بكل نزاهة، متمسكين بتعاليم الدين الحنيف، لا يحيدون عنها
قيد أنملة؛ وكان هذا التشدد يؤدي بهم أحيانا إلى اتخاذ مواقف صلبة قوية حتى بالنسبة لزملائهم وشركائهم في الخطة؛ ونذكر كشاهد على ما نقول ما حدث بين القاضي يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري والقاضي ابن الوليد بن أبي القاسم بن رشد من المنافرة والمهاجرة بسبب إنكار الأخذ بالعلوم القديمة والركون إلى مذاهب الفلاسفة(5).
ومما يعطي الدليل على ورع القضاة وخشيتهم من الله وجل سرا وعلانية في أقوالهم وأعمالهم ما نقله القاضي أبو الحسن النباهي عن ابن بشكوال في صلته فيما يرجع لأخبار القاضي أبي الوليد يونس ابن مغيث قال : "كان ابن مغيث بليغا في خطبته، كثير الخشوع فيها، لا يتمالك من سمعه من البكاء ... كنت، إذا ذاكرته شيئا من أمور الآخرة أرى وجهه يصفر ويدافع البكاء ما استطاع وربما غلبه، فلا يقدر أن يمسكه (6) .
ويشهد كذلك على ورع القضاة وتمسكهم بالإيمان الراسخ القوي ما تبث عن القاضي محمد بن محمد اللخمي القرطبي من أنه كان إذا أتى المسجد للحكم فيه بين الناس يتركع ويتضرع إلى الله تعالى ...
وإذا فرغ من الحكم يسأله العفو والمغفرة مما عسى أن يكون صدر عنه، مما تلحقه تبعة في الآخرة(7) : وكان رحمه الله واحد قطره وفريد زمانه عدالة وصلاحا وفضلا؛ ولم يكن مع ذلك يأخذ من المتقاضين أجرا، بل علم عنه قبل توليته القضاء أنه اشترط، ككثير من القضاة النزهاء أن تكون جرايته من بيت المال؛ وفيما يتعلق علو وجه بباب النزاهة التي كانت حلية لجمهور القضاة بالأندلس خوفا من الله وابتعادا عن ملامة الناس ما جاء على لسان أبي حيان حيث قال في موضوع نزاهة القضاة في ذلك الزمان : "سمعت المشيخة يقولون أنه لما ولي القضاء محمد بن يبقى بن زرب احتبس خواص أصحابه المشاورين وقد جاؤوا عنده مهنئين؛ فأمر غلامه، فكشف عن مال عظيم صامت في صندوق به وقال : "يا أصحابنا، قد عرفتم ما نحن به من تولي القضاء قديما من سوء الظنة؛ وهذا حاصلي ومن العين كذا؛ وفي مخازني ما بقي بقيمته، وحظي من التجارة ما علمتم؛ فإن فشيء من مالي ما يناسب هذا فلا لوم، وإن تباعد عن ذلك وجب مقتي، وأسأل الله تخليصي مما تنشبت فيه". فدعوا له؛ وكان رحمه الله مع سعة حاله وعلمه مجتهدا، ..، كثير الصلاة والتلاوة حتى قيل كان يختم القرءان كل ليلة.
(يتبع)
إنه لا يوجد سبب على وجه الإطلاق يبرز الزعم بين العرب والمسلمين فقدوا الصفات التي مكنت أجدادهم من أن يقيموا حضارتهم العظيمة، ولا يزالون يملكون تلك الرجولة والمروءة وذلك الاستطلاع العقلي الحاد وذلك الخيال المبدع، ولا يستطيع إنسان أن يعيش بينهم دون أن يتأثر بإنسانيتهم التي تغمر القلوب".

(1) – يعتبر أبو الحسن النباهي من أعلام الأندلس في ميدان العلم والأدب؛ كان يعيش بغرناطة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) في أيام مملكة بن نصر؛ وقد عرف باتصاله الوثيق بشيخ أدباء الأندلس وأمام الكتاب الأندلسيين. أما عن كتابه حول قضاة الأندلس فإنه يحمل العنوان التالي : "كتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا"، وقد قدم له المستشرق 1. لفي بروفنصال، وتم طبعه على يد المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت سنة 1948.
(2) – تاريخ قضاة الأندلس، ص55.
(3) – نفس المصدر، ص 110.
(4) – تاريخ قضاة الأندلس، ص98.
(5) – انظر تاريخ قضاة الأندلس، ص124.
(6) – نفس المصدر، ص96.
(7) – نفس المصدر، ص134.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here