islamaumaroc

على ضفاف وادي المخازن

  دعوة الحق

192 العدد

لا أستطيع الكتابة عن معركة وادي المخازن بحياد المؤرخين، بعد أن أنزل بدرجة حرارتي إلى مستوى تزول معه الحدة من لساني، والوهج من كلماتي، والانحياز من قلمي ..ها هنا لا قدرة لي على إقامة منطقة عازلة بين عقلي وقلبي، وتجريد عواطفي من جواز المرور إلى مناخ العقل البارد، في الوقت الذي تطالبني فيه كل ذرة من كياني بمزاولة حقوقها الطبيعية .. وأنا لا أستطيع محاصرة نفسي، ومنعها من الذهاب إلى ملتقى غرامها بالتاريخ .. ولا قبل لي بوضع خواطري تحت (دوش) بارد، حين تحرص هذه الخواطر على نبضها السريع، الزائد على المستوى العادي ..
عندما اقتحم الفارس المغربي أرض إسبانيا، وأباح لحوافر فرسه أن تختال فوق أديمها الموشي الجميل، وليده أن تمتد نحو فاكهتها المدلاة من حانيات الأغصان، ولقدمه أن تمشي فوق سجاد قصورها العجمي، اشتعل قلب أوربا غضبا ..وتولت أعصابها هزة كلفتها أرقا طويلا، وحولت أيامها إلى ليل ما له من آخر .. ولم يكن الفارس المغربي ضابطا في عصابات هولاكو .. ولا قائد كتيبة في جيش جنكيز خان الهمجي .. وإنما كان سليل قوم توارثوا الشرف كابر عن كابر، وتأدبوا بروائع دين عطر شذاها سائر الآفاق. فلم يأت إسبانيا إعصارا يحطم الأشجار ويعيث فسادا في زينة الطبيعة، ولا زلزالا يضرب المباني ويردم معالم الحضارة، ولكن أتاها شاعرا يهيم بقطرات الندى، وأجنحة الفرشات، ودقائق الحصى إذ تترقرق في صفاء الغدران .. فلم تمض على إقامته بها بضع عقود من السنين، حتى جعل من تلك البلاد أجمل هدية من المغرب الإسلامي إلى الغرب المسيحي .. وكانت الهدية من الروعة بحيث أذهلت الكثيرين، فاستكثروا على المغربي أن تكون إقامته في إسبانيا بكل هذه الروعة والرقة والشاعرية، وهو الذي يحمل في برنسه نثار الرمال، وفوق جبينه بقايا من غبار المعارك .. تعجبوا، كيف تنبت الزهور في الكف الخشنة، وكيف تتفجر العيون من بين الأصابع الغليظة، وكيف تخضر الأرض تحت الأقدام المحروقة بنار المراقع .. ومن تم فإنهم بيتوا للفارس المغربي الشر المستطير. أقسموا جهد أيمانهم أن يشعلوا النار في ثيابه، وغرفة نومه، وأوراقه الخاصة، ويسمموا المياه التي يشرب. والفاكهة التي يأكل، والهواء الذي يستنشق، وأن يأسروا زوجاته، وبناته، ويردوه إلى البحث عن منفذ للخلاص. لم يشفع له عندهم أنه جعل البناء أشد ارتفاعا، والفن أفر إبداعا، والحرف أنقى جمالا، وأنه حول اسبانيا الشعرة، اسبانيا الفاتنة، إلى عاصمة لكل البلاد الأوربية، تشع عليها فنا وعلما وأدبا. تريها أزياء الحضارة زيا بعد زي، وتبهرها بفنون العيش فنا بعد فن، وتتحفها بآيات الجمال آية بعد آية، حتى غدت اسبانيا تحفة مغربية عربية إسلامية. لم يشفع له كل ذلك، إذ عز عليهم أن تمطرهم سحب قادمة من سماء بلاد إسلامية، وتنشر عليهم حضارة منبثقة من روائع الإسلام، ويقف بينهم رجل منحدر من أرض العروبة، لا تحمل يداه الدمار والخراب، ولا تنبعث عنهما السنة النار، وإنما تسيل منهما الجداول، وتصدر عنهما القصائد، وتنساب رقائق البيان، ويرتفع بديع المعمار والبنيان ..
كان هذا أول عهد أوربا بالحقد على المغرب، ومن يومها وهي تستعدي عليه الصلبان، وتؤلب ضده المسيح، وتشي به لدى القساوسة والرهبان ..نكاية فيه كفرت بفضيلة المحبة، جففت ينبوعها، أحرقت أغصانها، أبادت خبزها، سممت ماءها، حتى لوت المسيحية عن قصدها النبيل، ونشرت البشاعة في وجهها الجميل، وأثارت الشبهات حول سمعتها العطرة .. والمغرب لم يفعل شيئا سوى أنه قام بدوره التاريخي. كانت الظروف قد هيأته للقيام به. ولم يكن في وسعه التخلي عنه، لأنه كان له قدرا ومصيرا .. والحياة رواية يقوم فيها البعض بالأدوار الثانوية، كي يترك للبعض الآخر دور البطولة. وهو لا يسند إلا لمن برزت مواهبه في الأداء .. وكان أقدر على الاستفادة من إمكانياته. ولقد كان دور البطولة يومئذ من نصيب المغرب، بينما تركت الأدوار الثانوية للآخرين. ولم يكن هو الذي رشح نفسه للبطولة، وإنما التاريخ هو الذي رشحه لها. وهو لا يستطيع أن يرفض، لأن الظروف كلها كانت قد هيأته للاضطلاع بدور البطل. وأحيانا تكون البطولة قدرا لا مفر منه، فلا يملك من أنيطت به إلا أن يفي بما تفرضه من التزامات .. والمغرب بتاريخه وحضارته، وأخلاقياته، وموقعه الجغرافي، كان مهيأ ليصبح مركز التحولات السياسية في الشمال الإفريقي وقيما جاوره من بلاد أوربا. ولم يكن في إمكانه أن يكف شخصيته عن الامتداد، وأن يصد يده عن الاستطالة، وأن يطفئ في حضارته مصابيح الإشعاع، لأنها تفعل ذلك من تلقاء نفسها، ودون استئذان أحد، طالما كان ذلك جزءا من طبيعتها ..
وبالرغم من أن قضية الأندلس كانت قد دخلت سجل الأمجاد المغربية القديمة، والأحزاب المغربية القديمة، واستقرت في وجدان الأمة العربية كلها، فصارت مجرد أغنية يترنم بها في فاس ودمشق والقاهرة وديار نجد .. بكل ما تحمله من شجن وحنين إلى الفردوس المفقود، وبالرغم من أن المغرب كان قد كتم خروجه ونزيفه الداخلي بعد الفاجعة الأندلسية، فإن الحاقدين عليه كانوا ما زالوا يطرحون القضية المفروغ منها بإلحاح شديد، ويحتدون في مخاصمة المغرب بناء على أنه العدو التقليدي رقم واحد. ومن ثم أخذوا يجربون فيه نزواتهم الآثمة، وينشرون على أشجاره غسيلهم القدر، ويرمون أزبالهم ونفاياتهم فوق مراسيه وشواطئه الجميلة .. ثم لم يلبثوا أن أعملوا أضراسهم في لحمه، فانكسرت الأضراس ولما يتحول اللحم إلى لقمة سائغة .. لم يجدوا لحم المغرب كلحم الأرانب أو الغزلان، ولكن وجدوه كلحم الأسود والجوارم، فخاب أملهم في الوجبة التي يسيل لها اللعاب. وازداد حقدهم على اللحم الصلب الصعب المراس، فاستبدلوا المدى والسكاكين بالأضراس المكسورة .. ولكن اللحم كان قد تحصن وراء قشرة سميكة تجرح أحيانا وتنزف دما، ولكنها لا تتحول أبدا إلى حطام في شدق، ولا إلى نفاية في جوف طعمها شديد المرارة، وبشرتها خشنة الملمس، شائكة الأديم، كأنها مزروعة بالحصى الحاد الزوايا أو برؤوس المسامير.. كل من جرب قدرته فيها على أكل لحم الشعوب، امتلأ فمه دما، ودمره غثيان لا يطاق، وفضل المجاعة على خطر الغذاء من لحم الأسود ..
واستمر الحقد على المغرب يتضخم، ويمتلئ بالصديد وبالدم الفاسد، إلى أن وقع الانفجار بوادي المخازن، وخرج الجندي المغربي من المعركة منتصرا، فانحنى النخيل في بلادنا ساجدا لله، وتمنت كل زوجة أن تلد ذكرا، وتحول الحصى إلى لآلئ تلتمع، والتفت التاريخ مأخوذا إلى هذه الناحية من العالم العربي، وتساءلت جبال الحجاز : ما بال جبال الريف وجبال الأطلس المغربية تقيم الأفراح، وترفع قممها أكثر مما فعلت في يوم من الأيام ..؟
في معركة وادي المخازن، قاتل المغاربة تحت راية القرءان، وقاتل النصارى تحت ثالوث الصليب، فأثبت القرءان مرة أخرى أنه أكبر ثروة يعتز بها المسلمون، وأعظم قوة فرضت لهم مكانتهم العتيدة من التاريخ. فالأولوية التي قرئت عليها مائة ختمة من القرءان في مراكش القادحة عيناها بالشرر، قبل توجه جموع الأبطال نحو ساحة المعركة، بقيت تبارك المقاتلين، وترفرف كالمظلمة فوق رؤوسهم، إلى أن عادوا بها مهللين مكبرين، وهي تنتقل من ساعد إلى ساعد، مديدة القامة، يسعها الفضاء من غبطة وانشراح ..
من معركة وادي المخازن خرج رجالنا الأشاوش، خروج أبطال المسلمين من معركة بدر. يقبلون أيديهم ويقبلونها طهرا لبطن، ويرطبون ألسنتهم بمسؤولية جسيمة ألقت بثقلها فوق كواهلهم، وهي لا تنوء بكلكلها الأعلى ظهور الرجال الذين هيأهم القدر للنهوض بأضخم التبعات. إن الرجال الذين أذكت قلوبهم حرارة الإيمان، ظلوا يحتفظون بذكاء قلوبهم وحرارتها من أيام فتح الأندلس، إلى أيام معركة وادي المخازن. لم تنزل درجة هذه الحرارة عن مستواها المشبوب طيلة هذه المدة، تشغلهم في أية لحظة حرجة، وتدفع قلوبهم إلى التوثب والتلذذ بالاحتراق على أرض الجاهد ..
حارب الجيش المغربي بوادي المخازن، ببسالة كوماندو إسلامي، قرر أن يعود بالنصر مهما كان الثمن. والثمن هنا رخيص مهما كبر. ولذلك خاضها حربا لا تحتمل إلا معنى واحدا هو الظفر برأس العدو، وليست لها سوى غاية واحدة، هي أن تظل جبهة المغرب أكثر إشراقا، وقممه أعلى شموخا، وزنده أشد قوة .. كل جندي من جنودنا البواسل، كان يعرف –وهو يقتحم المعركة كسيف من سيوف الله- إنه يقاتل عن الأبقار المتهادية في الحقول، والسنابل المشرئبة في المزارع، والنساء المحجبات داخل البيوت، وآيات القرءان المحفورة في محاريب المساجد .. ومن يدري .. فربما آخر البناء بابنة عمه المشوقة ليشتري سلاحه وفرسه ومؤونته، وربما أقسم أن يكون صداقه المقترح، رأس أكبر فارس من فرسان العدو المغير، وربما أسف لأنه لم يحضر الزلاقة، فذوب أسفه في وادي المخازن ..
جاء الجندي البرتغالي إلى القصر الكبير، ورأسه محصن ضد أي فهم صحيح، لحقيقة المواجهة المسلحة مع المغرب، لأن جدران هذا الرأس مشغولة بخرائط المناطق المغربية التي تم احتلالها، وتصميمات المناطق التي يراها محتلة مستقبلا،  والمغرورون دائما يخطؤون في الحساب، لأن غرورهم ينتزع منهم القدرة على الرؤية الواضحة، ويزين لهم خداع النفس، والثقة بأكاذيبها إلى أبعد الحدود. جاء وفي تصوره أن راكب الجمل لا قبل له بالصمود أمام راكب الأسطول .. وأن صاحب النخلة والخيمة والساقية لا شيء أمام صاحب تجاره الرقيق ..ومالك مناجم الذهب .. والمتوسد أدرع المحظيات.. غير ملق بالا إلى أن عطش الرمال كثيرا ما يمتص خضرة الروابي.. وأن عناد النخيل قد يقهر عاتيات الرياح .. وأن زهور البراري أصلب عودا من زهور البساتين الطرية الأديم ..
هناك فرق بين المقاتل المزود بآيات القرءان والمقاتل المزود بقنينة خمر .. بين من يحارب بغية الشهادة .. ومن يحارب بغية التشفي .. بين من يستأنس في حربه بصورة ميراندا .. ومن يستأنس بسورة الفتح .. بين من يرى مثله الأعلى في سبستيان .. ومن يراه في يوسف ين تاشفين ..
لقد تعلم المحاربون المغاربة أسلوب إحراق المراكب منذ ايان طارق بن زياد .. حتى يخوضوا المعركة بدون عقد ولا مركبات.. وهذه المرة لم تكن لهم مراكب يحرقونها، فأحرقوا مركب العدو، وهو الجسر الذي كان له حزام أمن، وطوق نجاة : أحرقوا مركبه ليخلصوه من نقد وعهده باللقاء الدموي الرائع : والجسور كانت وما تزال مصدر متاعب أو مسرات للمقاتلين، والفائز هو من يحطم الجسر في اللحظة المناسبة، وكل الجسور عرضة للتحطيم في أيام الحروب، لأنها المعايير التي تصل بين جناحي المعركة. فغيرها تمر السنة اللهب، وإليها يرتد المهزوم المنكسف، وتحتها يختفي الرعد يد الجبان.   
كنا نود أن يكون لقاؤنا بأوربا في معارك الحضارة، على مستوى العلم، وعلى مستوى الفن، على غرار غرامنا القديم بالأندلس، حيث أعطاها المغرب ساعده القوي، لتتكئ عليه، وقدم لها أبناؤه ليكونوا واجهته الفنية المفتوحة على العالم. ولكن شهوة الغزو كانت يومئذ كانت أقوى من نزعة الفن ومن نزعة العلم فزينت لبعض الشعوب أن تمتلك جبين الشمس، وتضع رجلا في الشرق، وأخرى في الغرب، وتتوسع كنقطة الزيت في قطعة قماش : وكنا يومئذ غير مستعدين للتنازل عن أي جزء من مساحة شخصيتنا :
ولا عن أي صخرة من صخور شواطئنا، أو غيمة من غيوم سمائنا، أو سمكة من أسماك مياهنا الإقليمية ..رفضنا أن تكون بلادا مفتوحة، وقد تعودنا على أن نكون الفاتحين منذ أيام طارق وموسى ابن نصير، وأن نصبح في بلادنا مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، لم نقبل أن يتحول تلاميذنا 
في الفروسية، وفي الحضارة، إلى أساتذة لنا، بعد أن كنا تقدر لهم الدرجات، ونمنحهم الجوائز المدرسية، والشهادات العلمية.. وحيث أنهم واجهونا في ساحة المعركة، بعيدا عن حجرة الدرس، فقد اضطررنا إلى ترك سمت الأساتذة، والدخول في لبوس المقاتلين .. فأمسكنا السيف عوض القلم .. ولم نحتفظ من صور البيان إلا بآيات القرآن وقصائد الحماسة .. محولين الجانب الحربي منها إلى واقع .. يبدأ من لمعان السيوف .. وفوهات البنادق .. لينتهي إلى صدر العدو ..
وقد كان من عادة المغربي ألا يفرط في سلاحه، حتى عندما يكون شبح الحرب لا وجود له، يزين به صدر بيته، ويجعله قرين الصلابة في الزند. والشهامة في الرأس، والاعتداد في الشارب ..ما يفتأ يوليه من عنايته الشيء الكثير. يعلمه، ويصقله، ويشرب كؤوس الشاي المنعنع، وهو يقلبه بين يديه، ويختبر قدرته على الضربة الفاصلة، والحسم السريع .. كل مغربي كان يومئذ فارسا بالوراثة .. الفروسية جزء من نظام حياته اليومي، كما أن تحويم النسور فوق قمم الجبال جزء من نظام حياتها اليومي .. ولذلك شهدت معركة وادي المخازن تحول كل المغاربة إلى مقاتلين.. لا فرق بين الفقيه والأديب، والشاعر، والتاجر، والفلاح. كل واحد منهم عاد إلى سلاحه القديم، فحمله من صدر البيت إلى ساحة المعركة، ونقله من معنى الأثاث الثمين يزين الدار، ويروق الضيف، إلى معنى الإدارة القاطعة، وتوجه الأحداث، وتمزق العدو ...
عندما قاتلنا بوادي المخازن كنا نقوم بعملية تحجيم للجيش المغير .. ونحن خبراء في هذه العملية .. أنجزناها مرات عديدة .. وكانت دائما تكلل بالنجاح، حتى اشتهر المحجم المغربي في كل الآفاق .. بمبضعه القاطع .. العامل بخفة طيف ...ورشاقة سيف .. كلما دعي لهذه العملية حمل أدوات العمل وذهب لإنجازها بدقة ومهارة .. والمحجمون الذين أجراها عليهم إذا لقوه يوما طأطأوا رؤوسهم، وتولاهم الخجل من أنفسهم، وتلوت في أعماقهم عقدة الشعور بالنقص، وأخذهم ما يشبه الإحساس بالذنب .. ونحن لا نخصي خصومنا .. وإنما نحجمهم فقط، حتى لا يقال عنا أننا ضد عوامل الإثمار والإخصاب .. والتحجيم الذي أجريناه بوادي المخازن، تأخر عن موعده المناسب .. لدرجة أن المحجم كان قد استغلظ فاستوى على سوقه ..واحتاج إلى عملية قيصرية .. لتحجيمه بنجاح تام .. وفعلا فإننا أحضرنا لقطع مباضعنا، وأمضى أمواسنا .. وأشد رجالنا، حتى نضمن قدرتنا على المرور بالعملية من المراحل الصعبة، ونثبت مرة أخرى أننا ماهرون في تحجيم من يعتدون على شرفنا .. لإزالة الدم الفاسد ..
وأخذ الجيش المغير ينزف بوادي المخازن بعد إجراء العملية .. ولكن النزيف لم يستمر إلا يوما واحدا .. ولو تركناه يمتد إلى أكثر من ذلك، لكان نجاح العملية أمرا مشكوكا فيه .. واستمرار النزيف يوما كاملا كان كافيا لتحويل الوادي إلى نهر من الدم .. من دم الأزرق .. الذي لوث كل منحنيات الوادي .. فاضطرت الأشجار والكروم والزهور إلى الشرب من مائه القدر مدة غير قصيرة .. وكفت الصبايا عن النزول إلى ضفافه .. ليغمسن فيه أطرافهن .. ويملأن منه جرارهن .. ويقرأن في صفحته أخبار فرسان الأحلام القادمين .. وحزنت مدينة القصر الكبير .. واحتارت بين فرحة النصر ومصابها في الوادي .. الوادي الذي كان لها واجهة جميلة خارجية .. ومصدر هبات ثمينة لا تنتهي .. يهبها زهورا تنثرها على سريرها .. وحللا تختال بها فوق بساطها .. وما ينفك يحيط عنقها بالقلائد .. ويرمي على خاصرتها أطواق الياسمين، ويضع على رأسها أكاليل الورد .. الوادي الذي كان يتحفها بكل ذلك قد تسمم .. وتعرضت مياهه لجرثونة التلوث .. وسكنته الأشباح .. واستوطنت المردة والشياطين .. وأقسم الناس أنهم كانوا يشاهدون كل ليلة خيولا مخيفة تخرج منه .. وقد أضاء في محاجرها ما يشبه الجمر المتوهج .. وعليها فرسان مخيفون .. تلوح منهم أحيانا ملامح كريهة ترعب الناظرين .. ما يفتأون يركضون بخيولهم العجيبة تلك، حتى تواريهم أمواج الظلام ..
كان وادي المخازن فيما مضى من تاريخه مجرد واد من أودية المغرب العديدة .. شريانا من شرايينه التي توزع دورته الدموية .. وتحكم الصلات بين شرقه وغربه، وشماله وجنوبه .. ولا أحد يفكر في أن يسوق إليها كلمة شكر، أو يقيم لها حفل تكريم .. اعترافا بجميلها العميم .. كما لا أحد بفكر في شكر عينه إذ تعكس الضوء .. أو يده إذ تجلب الرزق .. أو رئته إذ تختزن الأوكسجين.. إلى أن شهد الوادي المعركة ذات الصيت البعيد، وانحازت مياهه لسكان الأرض التي يجري فوقها .. وضحت
قنطرته من أجلهم بوجودها الذاتي .. وائتمرت ضفتاه بالأعداء المهاجمين .. فتحول الوادي من خط باللون الطبيعي، يشق لوحة من أجمل ما أبدعت الطبيعة .. إلى معلمة تاريخية توسدت أكبر صفحات التاريخ .. ونافست مثيلاتها في شرف المجد، وجاذبتها ثوب الخلود. ومن تم صارت له سيرة أزكى عطرا من سيرة الرياحين، وانقلبت كل قطرة من مياهه إلى ماسة متلألئة، في ذاكرة الأدب والتاريخ ..
الوادي الذكرى .. الوادي الأمل .. الوادي المقبرة .. الوادي الخرافة .. الوادي المسحور .. ذلك ما يكون الظلال النفسية لوادي المخازن. بعض هذه الظلال شفاف، رقيق، وبعضها مغرق في العتمة، ذاهب إلى أعمق متاهات الغموض. لقد غير الوادي مجراه عدة مرات .. مرة انجذب نحو مياه التاريخ الشديدة الانحدار .. ومرة انعطف نحو مروج الأدب الخضراء .. فقطف من زهورها قبل مواصلة رحلته الأبدية .. ومرة عرج على المخيلة الشعبية، فرأى نفسه في مرآتها عجيب الشكل، غريب الأطوار .. ومرات رفض لونه التقليدي .. وفضل ألوان العيون المطلة عليه خلال أدوار التاريخ ... ولذلك شوهدت مياهه تارة زرقاء .. وتارة عسلية .. وتارة رمادية .. كأنها تمل لونها باستمرار .. فما تنفك تنقلب عليه بين الحين والحين .. وها هو الوادي العجيب يصل إلينا نحن أبناء هذا الزمن :
مسافر زاده الخيال
والسحر والعطر والظلال
ظمآن والكأس في يديه
والحب والفن والجمال1 
ونحن نستقبل المسافر الحبيب، الآثي من رحلته الطويلة .. راكبين إليه كل القطارات، وكل السيارات، وسيرا على الأقدام .. نحمل في أيدينا أغصان الزيتون، وفي لهواتنا كلمات الشعر، وفي قلوبنا عواطف الأعزاز وفي مخيلتنا صور الماضي الأغر. قبل اليوم، وفي وقت معين من الأسبوع والشهر والسنة، ذهبنا إلى وادي المخازن مقاتلين موتورين، لأن أسرار دارنا كانت تحترق ... وسوالف تخيلنا كانت تحترق .. وصمامات قلوبنا كانت تحترق .. أتينا الوادي بعد أن أمضينا وثيقة تنازلنا عن حياتنا وتحللنا من كافة ارتباطاتنا .. وألغينا كل تعهداتنا .. لأن التعهد الذي نحن بصدده أولى بالتقدير من جميع تعهداتنا الأخرى. ولم نترك وراءنا أي شخص يرضى منا بغير النصر النهائي .. أو الموت النهائي .. لا أب يستطيع لقاء ابن منهزم .. لا زوجة تستطيع احتضان زوج منهزم لا أخ يستطيع استقبال أخ منهزم .. الشعب المغربي كله لا قبل له بإيواء أي محارب ألقى سلاحه وهرب .. لذلك كان مقاتلونا فرقة انتحارية .. لا تدخل النجاة في حسابها إلا إذا انتهت من إنجاز مهمتها بنجاح تام ..
كذلك ذهبنا إلى وادي المخازن في وقت مضى. وها نحن نتجه نحوه اليوم، ولكن بروح مختلف .. أتيناه هذه المرة بلهفة عاشق ذاهب إلى موعد غرام .. وغرامنا خرج من حدود الآني، واندمج في المطلق .. لأنه مشبع بجلال القدم، متحد بخلايا الأمة، سابح في الدورة الدموية للوطن ..
وأما وادي المخازن نستطيع أن نذكر أمورا كثيرة .. أرضنا الملتهبة .. أفقنا الراعف .. سواعدنا الغاضبة .. خيولنا الراجعة من المعركة وقد علا أشداقها الزبد .. ونضحت مسامها بالعرق .. غير مقتنعة بأن المعركة قد انتهت .. فما تكف عن التوثب براكبيها، تتطوح بهم هنا وهناك .. وتندفع بهم في كل الاتجاهات .. لأن لديها فضلا من طاقة .. وبقية من عزم جموخ .. تكفيها لخوض معركة ثانية في حجم المعركة المنتهية .. ولأن الفارس لا بد أن يتأثر بأخلاق فرسه .. مثلما يكون الأمر في الاتجاه المضاد، فإن الفرسان المغاربة لم يسعهم إلا أن يضعوا أنفسهم في حوافر خيولهم .. مجاراة لها في خوض معركة وهمية .. جمرها يتوهج في الأحداق .. ويلتهب بين الحنايا والأكباد ..
الخيول العائدة من وادي المخازن صارت أجمل الخيول المغربية .. وأعز الخيول المغربية .. واعتبرت سلالتها أنقى سلالات الخيول بهذه الديار .. حرصت على امتلاكها قبائل الشمال .. وقبائل الجنوب .. والحظيرة الخالية من بعض أفرادها تلحق بحظائر الحمير والبغال .. ومن لم يركب فرسا
شهد وادي المخازن في يومه الكبير .. يعتبر فروسيته ما زالت تتلقى دروسها الأولية ..
لقد أهدت فاس لهذه الخيول مروجها المطرزة بخيوط الحرير المذهبة .. وتقدمت إليها مراكش بأمهر الخدم .. وأكفأ الساسة .. وتولت نساء البوادي تضفير أعناقها ونواصيها .. وتوشية أطرافها بالحناء .. وكانت كل الخيول تتودد إليها .. وتحتك بها .. وتمشي خلفها .. وحرض جميع العرسان على أن يزفوا إلى عرائسهم ممتطين بعض خيول وادي المخازن .. بينما تيمن الحجاج بركوبها قبل التوجه نحو الديار المقدسة .. وأعفيت من أكثر ما كانت تؤديه بقية الخيول من خدمات .. وأوشكت أن تتخصص في حمل زعماء القبائل أثناء مواسمها الكبيرة .. ولولا أن المغربي بطبعه يمقت التدليل .. لترك لها الحرية المطلقة في التجوال عبر الزارع والحقول .. كأبقار الهند المقدسة .. ولأعفاها من سائر الخدمات .. قاصرا إياها على ممارسة الغزل .. بين جنبات الطبيعة ..
لقد سبق أن قدمت اعتذارا لقرائي .. عن ارتفاع درجة حرارتي عند كتابة هذه الكلمات. ذلك أني لا أستطيع الكتابة عن وادي المخازن بحياد المؤرخين .. فأنا منحاز منذ اللحظة الأولى .. مغربي مائة بالمائة .. وإذا كنت قد بدوت غير منحاز في بعض ما كتبت في هذا الموضوع، فالحقيقة أني منحاز حتى في هذا، كل ما هناك أني حاولت إخفاء انحيازي، ولكن فضحتني عبارات ندت عن قلمي في هذا الموضوع أو ذاك ..
في وادي المخازن قاتلنا عن العروبة من موقعنا الخاص .. كما تقاتل الأسود عن مجموع الغاب من مربنها الخاص .. ومثلما تردد الغابة زئير الأسود فقد هزت أصداؤها كل بلاد العروبة .. فالتمعت عيون في ديار نجد .. وحمحت خيول في بلاد الشام ورقصت قدود بأرض الكنانة .. وكل الأخوة أبناء العمومة شكرونا .. لأن لصوصا كانوا قد دخلوا بعض غرف البيت العربي .. فأجليناهم عنها .. وأعنا للبيت حصانته العتيدة .. وديدن العروبة أن نحتفل بالأبطال.. لأن ولادتها كانت على فراش البطولة .. ودرجت بين صفوف طويلة من كبار الرجال .. تلقت درسها الرياضي الأول فوق هضبات صدورهم .. وعلى ربوات زنودهم .. واشتقت كلمات الحماسة من صيحاتهم .. وشمم الأنف من كبرياء أنوفهم .. وفصاحة اللسان من رائع بيانهم .. ولذلك تعشقت الرجولة .. وهامت بحجب الأبطال. فالبطل هو رجلها .. وهو والدها .. وهو ابنها .. وهو أخوها .. صلتها بكل واحد منهم أن يكون رجلا .. ورجلا فقط .. ومتى تخلت الرجولة عن واحد منهم .. ورفضت أن تكون له طبعا وخلقا .. لم تسمح له العروبة برؤية وجهها .. ولمس يدها .. والتدفؤ بعطفها ..
لقد كان انتصارنا بوادي المخازن مفخرة لكل القبائل العربية .. ليس ذلك لأننا محدثو نصر .. ولا لأننا كنا نتوقع الهزيمة فجاءنا النصر هدية من هدايا الصدفة .. فنحن قوم لا نرضى بنصر مجاني .. ونرفضه متى رزقناه كالصدقة .. نحن كادحون في ساح العالم .. وفي ساح التاريخ .. نعرق لنعيش .. ونعطي من ذات أنفسنا الكثير، لنحصل علة مقعد في صفوف الخالدين .. لم يكن نصرنا مفخرة لأجل ذلك، بل لأن عائلة عربية صغيرة .. قامت بالحراسة الشاملة لسلاسل الجبال العربية، والأدوية العربية، والصحاري العربية .. وأدت ضريبة الدم .. لتسهر سائر مدن الوطن العربي .. منصته إلى ربابة الشاعر .. مأخوذة بأحاديث السامر .. قريرة العين .. رضية النفس .. يذهب أولادها إلى اللعب .. وتثرثر نساؤها في مداخل البيوت .. ويسمر رجالها سمرهم الممتع .. فلولا وقفتنا البطولية بوادي المخازن، لكانت العروبة مهددة بالوقوع في الأسر .. ولربما أخذت خادمة في بيت أعجمي .. ولربما أرغم أبناؤها على أن يشتغلوا رعاة للخنازير .. أو سقاة في خمارات العجم .. ولكن قطف رأس سبستيان بوادي المخازن حسم الموقف .. وأتاح للعربي أن يمد رجليه .. وأن يضيف إلى ديوان الحماسة .. وأن يلعب بفرسه في حلبة القبيلة .. مزهوا بنفسه .. ومن بعيد ترقبه عيون مأخوذة عارمة الأشواق ...
عند رجوعنا من وادي المخازن طالت المسافة بيننا وبين بوتنا أكثر من اللازم .. حتى لقد بدا الطريق وكأنه بدون نهاية .. ذلك أن كل البيوت صارت بيوتنا .. وكل المغاربة صاروا أهلنا .. كل قرية مررنا بها احتضنتنا .. وقرأت على رؤوسنا آية الكرسي .. وأحاطتنا بالمعوذتين .. وألقت علينا بمسحوق الملح .. وكل مدينة أردنا اجتيازها اعترضت سبيلنا .. وقادت أعنة خيولنا نحو أحضانها
.. فأطمعتنا من راحة يدها .. وقطفت لنا من يانع زهرها .. وأرتنا ألوانا من فنها .. وما نكاد نرحل عنها رحيل الربيع عن الحقول .. حتى نجد في استقبالنا مدينة أخرى .. جميلة الزي .. مبسوطة الراحتين .. ممدودة الذراعين .. تقول : شرفونا يا أبطال ..! دعونا نمسك بأعنة خيولكم .. ونداعب صلب سواعدكم .. ونتيه قليلا في محاسنكم .. لكم هنا متكأ مريح .. ولسان شاكر فصيح .. ووداد رائع صريح ..
عودتنا من وادي المخازن كانت طريقها مفروشة بالقلوب والأكباد .. كل حجر رأيناه تحول إلى غصن أخضر .. كل شبر وطئناه انشق عن نوار أزهر .. كل رابية اتكأنا عليها أحسسنا قلبها ينبض بقوة ... لقد كانت العودة أروع من كل ما كنا نتصور .. لأننا رفعنا المغرب فوق كاذبات الظنون .. وأبعدناه عن مغرضات الأماني .. وحصناه ضد سافل الأطماع .. وأوقفنا على أبوابه الكبيرة حراسا لا يغمض لهم جفن .. ولا يسهو لهم بال .. فطيوره تحلق آمنة .. وزهوره تبرهم وادعة .. وأطفاله يتسلقون الأشجار ويقطفون الفاكهة .. لا يرعهم شيء .. ولا يتهددهم مكروه .. ومكروه يومئذ كان يظهر حيثما ظهرت القبعة الأجنبية .. والأحذية الأجنبية .. والبنادق الأجنبية .. حتى لقد تكونت لدينا عقدة تجاه هذه الأشياء .. إذ فضل الأجنبي أن يجيئنا غالبا وعلى كتفه بندقية .. وفي حزامه رصاص .. وفي يده الموت .. وبين عينيه ينعقد ما يشبه شبح الرعب ..
واستمر المغاربة يحتفظون زمنا طويلا بسلاحهم الذي عادوا به من معركة وادي المخازن .. يتوارثونه .. ويتهادونه .. ويبرمون حوله أوثق العهود .. ويقسمون بشرفه على أنبل الغايات .. فهو فخر الأسرة، ومجد القبيلة .. وشرف الأمة .. وعز الوطن .. به يتواصل الأنداد ويتفاخر الرجال .. وتتباهى ربات الحجال ..
عدنا من وادي المخازن بثروة معنوية غير قابلة للنفاذ ... وأصبحت للوادي جداول بين كل قرية وقرية ... ومزرعة ومزرعة .. ودار ودار .. لقد كبر الوادي، وامتدت شرايينه إلى الكيان الوطني كله ... لأنه بعد شهوده المعركة، رفض إقليميته ... وفضل الانتساب إلى كل شبر من أرض الوطن .. فكل فراشة تحط على فنن، وكل وردة تتفتح في أيك، وكل شحرور يغرد فوق غصن، وكل نسمة تعبر الجو، فيها شيء من هبات وادي المخازن.

1 البيتان لعلي محمود طه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here