islamaumaroc

مدينة سبتة في عهد الموحدين من خلال بعض الرسائل الديوانية

  دعوة الحق

191 العدد

في إطار التبادل الثقافي بين المملكة المغربية والجمهورية التونسية الشقيقة  زار المغرب مؤخرا العالمان التونسيان الكبيران فضيلة الدكتور بلخوجة  مفتي الديار التونسية والدكتور المؤرخ الحبيب الهيلة. وقد قام الضيفان العربيان بجولة ثقافية واسعة  عبر أقاليم ومدن المغرب ألقيا خلالها سلسلة من المحاضرات العلمية والإسلامية الهادفة خلفت صدى طيبا في أوساط المثقفين والجمهور المغربي.
ويطيب لنا أن ننشر المحاضرة القيمة التي ألقاها الدكتور الحبيب الهيلة تحت  عنوان: مدينة سبتة في عهد الموحدين من خلال بعض الرسائل الديوانية. بقاعة  المحاضرات بوزارة الدولة المكلفة  بالشؤون الثقافية.
أنه لمن دواعي الشرف والاعتزاز أن أمثل أمامكم   اليوم وفي ذلك تعبير عما جمع بين  بلدينا من  عوامل الالتقاء وعوامل الاتحاد في المسيرة الحضارية الإسلامية في مختلف مراحلها منذ عهد الفتح إلى  عهدنا هذا ولا أكتمكم أني عندما عرض على الموضوع الذي وددت أن تناوله كنت  بين عاملين: أحدهما يسألني ستكون كالذي يهب التمر للهجر، أيمكن أن يتكلم عن سبتة ممن لا يعرف سبتة ولا يعرف المجتمع المغربي عن قرب ولا عن معايشة والسبب  الثاني الذي  كانت له الغلبة في النهاية هو ما عرفته من تزاوج الحضارة وتكاملها  بين الجانبين المغرب الأدنى والمغرب الأقصى وما كنت  أومن به دائما من أنه لا سبيل إلى من يبحث أدبا ويواصل إنتاجا عمليا إلا إذا كان شرط الاتصال بين الجانبين الجانب التونسي والجانب المغربي.
فهل يمكن أن تدرس ظاهرة حضارية هنا أو هناك  دون أن يكون للباحث اتصال وطيد بالجانب الثاني  فهذا التكامل هو الذي شجعني من ناحية ثم من ناحية ثانية هو ما وجدته في مكتبتنا أي مكتبة جامع الزيتونة والمكتبة المغربية من وثائق منفردة  تتعلق بمدينة  سبتة. تتمثل في مجموعة من الرسائل صدرت عن إمارة تمثل عهد الازدهار الذي عاشته هذه المدينة وذلك بالنظر إلى أن هذه الإمارة التي اعتبرتها ويعتبرها الكثير من الباحثين مثالا للمستوى الرفيع ومثالا للعهد الذي عاشته هذه المدينة ونظرا
لذلك تاقت نفسي منذ سنوات طويلة إلى أن أتتبع هذه الرسائل وبتتبعي لها وجدت نفسي بجانب نفوس تقربني وتدينني من كل مظاهر الحركة العلمية من ناحية وتربطني  بكثير من مظاهر  التحول والأثر  السياسي الذي عرفته  المدينة في هذا العصر. كلنا على بينة على أن لدول  الإسلامية والنظم السياسية  في المناحي المغربية كانت دائما تقوم على مبادئ وعلى آراء عقلية وقلما تجد دولة أو نظاما قام إلا وقد أعتمد على هذه  الأصول نظرا إلى أن لأثر  الديني  وأثر الإسلام في المجموعة الإسلامية كان كبير.. كان بعيد المدى وأنك لا تجد من الدول ذات الأهمية إلا دولا تمثل نوعا من الحضارة وتمثل نوعا من النبوغ العلمي والفكري ودولة المرابطين لا بد أنها تتصل بوجيج النسب بطريقة نظرية علمية إلا وهي أن هذه الدولة هي دولة الفقه دولة الفقهاء خاصة  دولة  انتشار كنت الفقه وهذا التمثل أو هذا  الاتجاه الذي  سلكته هذه الدول والذي دفعها في شيء إلى أن تقف مواقف المعاداة من الاتجاهات  الصوفية أو العقلية الأخرى. فإذا موقفها  يتمثل خاصة فيما قامت به أي إحراق  كتب الغزالي ولئن كان هذا العمل في ظاهرة بسيطا، إلا أنه كان من أبعد الدوافع التي دفعت ذلك الشاب المهدي بن تومرت مع دعوات  أو مع توجيه من الإمام الغزالي على اختلاف فائقا نلاحظ أن انتصار هذا الاتجاه الجديد هز انتصار هذا الاتجاه  الدولة الموحدية يقوم على أسس نظرية عملية  تعتمد الأصلين القرآن والسنة، وكان رد الفعل شبيها بما أثار هذا المشكل وكان بإحراق كثير من كتب الفقه  الشرعية، لكن هذه الغلواء الموحدية لم تكن لتتواصل نظرا إلى أن النظر العقلي والبحث في معطيات الحضارة الإسلامية يجعل بين مختلف هذه الاختصاصات تزاوجا وتكاملا  ليس له انفصال ولا انفصام مما جعل الموحدين لا يتمسكون بمبدئهم هذا المعاش لفروع الفقه بل  يلحقون  العمل أو  المسيرة العلمية بما قاموا بت من جهد في جميع  المجالات فكان ذلك لاج المحدثين، وكان من ذلك ظهور مدارس فقهية ذات أهمية ولعلها كانت أقوى من تلك التي كانت في عهد المرابطين ثم ظهرت بعد ذلك  الدولة المرينية التي لم تقم في  حقيقة الأمر على مذهب نظري  عقائدي  حضاري علمي  وإنما هي في الحقيقة   كانت امتدادا لما بناه ووضع أسسه الموحدين وثم هذا العمل وهذا التكامل خاصة في عهد أبي الحسين المريني والذي بلغ في عهده العلم مبلغا عظيما وبلغت في عهده الحركة الفقهية في كامل أنحاء المغرب  درجة لم تصل أليها في العصور السابقة. وإذا كان أمر الحضارة في المغرب على هذا النمط  من العمل المتواصل العلمي فإن أمر السياسة فيه كان يختلف اختلافا  بينا فإذا  ما تتبعنا القرن السادس وهو مدار  حديثنا الآن وجدنا أن هذا الجناح من البلاد الإسلامية قد لاقى منذ أوائل القرن نكبات ونكسات متوالية ولسنا في معرض الحديث عنها جميعا وإنما نشير إلى أهما إلى عقاب العقاب إلى سقوط قرطبة بعد ذلك بأقل من ثلاثين سنة وسقوط اشبيلية بعد  ذلك بأقل من 10 سنوات فلم يأت منتصف القرن السابع الهجري إلا وقد فقد المغرب وفقدت البلاد الأندلسية الكثير من حصونها والكثير من معالمها الأندلسية لهذه النتائج التشتت والتفرق الذي كان في البلاد الأندلسية، من ناحية والبلاد المغربية  من ناحية أخرى والإفريقية من ناحية ثالثة. فقد كان فن البلاد الأندلسية توزع  للسلطة وتسابق نحو الملك ولو على مدن وقرى صغيرة فكان ابن الأحمر وابن هود  وبنو اشقيلولة وكان  ابن الرميمى وكان غيرهم أولئك لا تجمعهم وحدة بل يجمعهم أمر هو سباقهم  نحو إرضاء قوة الاستبداد التي كانت تثقل أو كانت أثقلت طريقة ترويض هذه القوة أما في المغرب فقد انقسمت البلاد إلى ثلاثة قوى موحدية  ومرينية وبني عبد الوارث في حين قويت أطماع بني حفص وكان شأنهم أن استغلوا في أول الأمر وامتدت أيديهم بعد ذلك إلى تلمسان وإلى سبتة وإلى طنجة  ثم إلى اشبيلية ثم كانت   هذه المدن الثلاثة الأخيرة قد خطبت لبني حفص وإذا نظرنا إلى مختلف هذه المراكز وجدناها تتمايز فمنها ما كان على درجة أولى من مستوى الثقافة وارتباط الثقافة بالمسيرة السياسية  ومنها ما كانت السياسة لها فيه نصيب الأسد وكانت هي المحرك  الوحيد  فمن بين المراكز  ذات النوع الأول مدينة سبتة تلك المدينة التي استعصت على عبد المؤمن بن على   وكانت آخر المعاقل المغربية سقوطا بين يديه، وعندما دخلت تحت راية  الموحدين قضت شطرا من القرن السادس  وشطرا من القرن السابع تحت راية الموحدين ولكن من أخطاء الموحدين الشهيرة نزوعهم إلى الانقسام فكان انقسامهم هو الذي جعل من المراكز تتخلى عن الطاعة لهم وترفض سلطتهم سبتة لم تصل إلى هذا الحد أي رفض السلطة الموحدية  إلا في سنة 640 تقريبا ذلك أن أوائل هذا القرن كانت فيه سبتة تحت أمرة مجموعة من أمراء الموحدين وأشياخهم  الذين كانوا يتولونها من السلطة المركزية. ثم في سنة 20 من هذا القرن ولى عليها ابن خلاص وهو سياسي فقط لم تكن  السياسة عنده ملتزمة لاتجاه ثقافي حضاري فكان في سيره وظل  مواليا طيلة 20 سنة للدولة الموحدية وبعد ذلك بدأ له ضعف هذه الدولة، وبدت له أهميته ومركزية مدينته التي يحكمها فتقت نفسه إلى أن يكون ملكها  وقد كان في ذلك العصر كثير ممن  لم تكن لهم أهمية أصبحوا ملوكا. إذن استقل أمدا قصيرا وبعد ذلك وجد نفسه أمام بعض المشاكل وفي خوف ورهبه من القوة المجاورة فإذا هو يلتجىء إلى من بعد عنه  وهي الدولة  الحفصية  بتونس فيكتب لها ولم يدم الأمر طويلا نظرا إلى أن المستوى الثقافي والحضاري الذي كانت  عليه المدينة ما كان يستطيع أن يترك مدينة كهذه  أن تذهب ضحية أطماع  أشخاص ليست لهم أية علاقة بالجذور التي تربط وتقوى أصالة هذه المدينة، يعنى الحضارة والثقافة فكان من ذلك أن ثار أهل المدينة ليبحثوا عن قائد جديد أي عن أمير للمدينة وبما أن هذه المدينة قد رسخت عروقها في المعرفة واتصلت بجميع أنواع  المعرفة فكان من الطبيعي  أن يقع اختيارهم على رجل يرضى نفوسهم يكون مثالا عندهم فوجدوا أبى القاسم العدلي وهو في الحقيقية من عائلة لها مجد علم ولها صلات بالمعرفة فقد كان جده الرابع ممن رحل إلى أبن أبي زيد القيرواني فكان له معه اتصال وكان له تلميذا وكان جده الثاني قاضيا وكان أبوه من كبار الفقهاء والمحدثين خاصة ولم يقف في مرحلة الرواية وإنما كان يبحث عن ما يتماشى أو يبتدع الآراء الجديدة ويحاول أن يضع في المجتمع الذي عاشه نوعا جديدا أي من اتصال المفاهيم الدينية في المجتمع وتبين ذلك فيما كان  قد رعا إليه في الاحتفال بالمولد النبوي وذلك أنه كان أول من دعا إلى هذا النمط من الاحتفال ووضع لذلك كتابا سماه "  المنظم في الاحتفال بالمولد النبوي المعظم" ومن اطلع على  العيد من تراجم هذا العصر يجد في كثير من الأحيان اسما لتلميذ له أو لشيخ ولا بد أنه واجد  كثيرا من أنباء هذا العصر وكان الابن قد سار على نفس ا لطريقة التي سلكها  الأب فلذلك كان فقيها حتى أن الأب عندما مات لم يكن قد أتم كتابه فتممه الابن وعندما أصبح أميرا، وهو يدرس هذا  الكتاب في جامع سبتة وهكذا كان الاختيار من أهل المدينة لرجل تجتمع فيه كل الصفات التي تتطلبها المدينة ولما قامت الثورة لم تجد من يناقضها أو يعارضها حتى أن بعض رواة التاريخ ليروا من أنه لم يقتل فيها غير ثلاثة أو أربعة من الأشخاص واتجه توا أي هذا الأمير إلى مدينة يمدها بما تستحق له، أو ما هي في حاجة إليه خاصة في تلك المرحلة التاريخية العصبية التي تجعل من هذه المدينة ذات أثر بعيد في نصر المسلمين أو انهزامهم فكان قد قوى  جانب الثقافة وقد كان قويا، ثم ذهب إلى الجوانب العمرانية فأكمل بناء سورها وأضاف إليه ما يستحقه هذا السور ثم بني جبا للماء وغير ذلك من المنجزات الهامة بهذه المدينة، ومن بين ما قام بت هو تقويته للأسطول نظرا إلى أنه شعر وهو على حق في ذلك من أن هذه الفترة ستجعل للمدينة أثر بعيدا وتحملها  دورا هاما لأنها تواجه جانبين تواجه الشمال بما كان فيه من تكالب وتطلع من النصارى لمواصلة الاستمداد وكذلك الجنوب الذي يبدي من  تطلع أهل المغرب لاستعادة هذا الوطن السليب إلى إعادة راية الإسلام إلى منطقة الأندلس وفعلا كان ذلك فقد قامت في تلك المرحلة هذه المدينة برد هجومات متعددة نصرانية جاء الكثير منها من  البلاد الأندلسية  وجاء بعضها من ايطاليا فإذا نحن نجدها تقف صامدة وتدافع لتبقى هذا المراكز الاستراتيجي صالحا لأن يكون معبرا لأهل المغرب إلى الأندلس. والمتتبع  لكتاب التاريخ العام للبلاد المغربية لا يجد ذكرا لكثير من تفاصيل المواقف  السياسية لهذه المدينة ونبحث فإذا نحن نجدها ثارة موحدية وتارة مغربية  ولا نجد نصا يدلنا  على الوقت ولا الزمن الذي يحدد فترة الانتقال من الخضوع للسلطة الموحدية إلى خضوع  للسلطة المرينية، لكن هذه الرسائل لها من الأهمية ما يجعلني ألفت إليها الانتباه قد أفادتنا بالكثير من التحقيقات التاريخية وبكثير من المعطيات  التي لم نجدها في غيرها من الكتب وفي  غيرها من الوثائق التاريخية هذه  الرسائل كتبها رجل حسن اختياره من طرف أمير حسن اختياره  أيضا فإذا  كانت مدينة سبتة قد اختارت لنفسها
أميرا فقيها عالما فإن هذا الأمير قد اختار لنفسه كاتبا يعد في عصره من أبرع الكتاب وأحسنهم  وأرفعهم درجة وهو شخصية مثالية، أندلسي الولادة حيث ولد بأشبيليا ثم مغربية سبتة الإقامة حيث قضى بها أربعين سنة.  يوتي لإقامته بها أمدا كان يعطى دروسا في الحديث بالزيتونة. وبعد ذلك انتقل إلى قضاء الحج فمات بالمدينة المنورة. هذا الكاتب هو خلف بن عبد العزيز الغافقي الفحتوى،،هذا الرجل جاء بت  الزمان في حين كان الزمان قد التفت عن مدينة اشبيلية ذلك أنه ولد وعاش باشبيلية أمدا لكنه لم يجد من حظ الإقامة بها شيئا نظرا لأنه اضطر لمغادرة بلده لما كان  يتهددها من عوامل الاستبداد  وقد تتبعنا ترجمته ووجداناها ذات علانية القوم فهو تلميذ لابن جابر فهو تلميذ لعلية لدرجة رفيعة إليه بارزة في الثقافة، ثم انتقاله إلى مدينة سبتة وجد فيها الأمير حاجته لأنه يجمع بين عوامل ثلاثة: الأدب ويضيف إليه معرفة واسعة في الحديث فهو من كبار المحدثين في عصره ويضيف إلى ذلك جانب معرفته باللغة والفقه. ولعل كثيرا من هذه الحقائق لم تأت لنا إلا بمعرفة أساها فهو قد جمع  في هذه الرسائل التي قد تكون وحيدة ذلك العصر ولذلك يمكن أن يعتبر أستاذ للسان الدين ابن الخطيب كان يسميه تقية الكتاب فإذا كانت هذه  الثقافة الواسعة قد التقت مع نظر سديد وحسن  تدبير في السياسة فإن هذا الالتقاء هو الذي جعل الاختيار مرضيا ومقبولا ومرضى النتائج، فكان الاختيار من طرف أبي القاسم العدمي لكل هذه العوامل، ويبدو أن هذا الكاتب أقام على ديوان الإنشاء أمدا لا يقل عن 35 سنة تقريبا حيث أنه وجدنا من هذه الرسائل رسالة يمكن أن نؤرخها بسنة 647 وأخرى يمكن أن تؤرخها 688 وهي مرحلة جمعت بين ثلاثة من أمراء البيت وهم أبي القاسم وأبو حاتم  وأبو طاب ولكن هذه الرسائل نجدها في الحقيقة تقدم لنا نوعين من الأهمية، هناك الأهمية اللغوية الأدبية التي ليس الآن موضوع دراستها ولا من شأننا أن نتحدث عنها وإنما نتعرض لها تعرضا بسيطا عندما نشير إلى أن هذه الرسائل يمكن أن تعتبر من أهم ما كان يعتمده القنقشندي في صبح  الأعشى فإن الدرجة التي يتباهى القنقشندي في درجة رفيعة من الكتاب لا يمكن في الحقيقة أن تصل إلى درجة أبي القاسم في رسالته هذه أما القيمة التاريخية فإنه يمكن أن  نجعلها تتناول جهات  متعددة فهي تفيدنا من ناحية أولى  بأن هذه الرسائل قد   كتبت في ثلاثة عهود تاريخية سياسية، فقد كتب بعضها في عهد كانت فيه مدينة سبتة تنضوى تحت لواء الموحدين، وبدراسة هذه الرسائل استطعنا  أن نحدد هذا الزمن فهي قد أبندات من سنة  إلى665، ثم هناك مرحلة أو عصر ثاني  هو عصر استقلال سبتة عن السلطة الموحدية والمرينية  استقل فيها المدينة واستقل فيها أبو القاسم بإمارته وهذه المرحلة يمكن بدراسة هذه الرسائل أن نجدها تتراوح بين 665و 673 ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الانضواء تحت الدولة المرينية وتبدأ من  سنة 673، عدد هذه الرسائل هو عدد قليل وهو 11 رسالة فقط يمكن أن نضيف  إليها رسالتين قد وجدتا، أعتقد رغم أن المصدر لم يذكره الكاتب  هو بنفسه لأن هذه الرسائل قد كتبت في ذلك العصر وكتبت بنفس ذلك المستوى إلا أنها  وقعت فيها أخحاء.
ثم هناك معطيات جديدة  وجدت في هذه الرسائل هي أن  مدينة سبتة لم تمر من عهد  الموحدين إلى عهد المرينيين مباشرة وإنما مرت من عصر  كانت  قد استقلت ومن هنا نلاحظ إلى أن هناك أربع من هذه  الرسائل هي من عهد الموحدي ورسالتان من عهد استقلال سبتة وخمسة رسائل من عهد  المرينيين، بإيجاز نتحدث عن رسائل  كل عهد في العهود الثلاث،  رسالة العهد الأول أي عهد  الانتساب للدولة الموحدية المرتضى وأخرى إلى ابن الأحمر، وثالثة وجهت إلى الرجل الصالح أبي محمد بفاس  الحقيقة التاريخية التي نستطيع أن نستنتجها منها هي أولا ما كانت عليه سبتة قيامها بدور  الوساطة في الخلاف الذي يحدث خاصة بين أمراء الأندلس في ما بينهم من ناحية وبين بعضهم وكذلك بين الأمراء في العدوة المغربية، ثم نلاحظ  أن في إحدى هذه الرسائل محاولة قوية وعنيفة ومسابقة من ناحية أخرى لإقناع الجانبين، إقناع
ابن الأحمر وإقناع الموحدين بضرورة الحفاظ على مدينة إذ عندما تدخل مدينة سبتة تحت طائلة أيدي النصارى فسيكون في ذلك البلاء الكبير على هذه المنطقة الإسلامية وبتحليل سياسي بارع بلغة  تعتمد التأثير الخطابي من ناحية وتعتمد التأثير الديني من ناحية أخرى ثم ومن ناحية أخرى في هذه الرسائل  يريد أن يكون دائما المبلغ لكل  التحركات النصرانية التي تقوم بها القوة   النصراني من ناحية ثانية. وكما وقع تحرك إلا وجدناه يكتب برقية إلى الجهات السياسية ليعلمها بذلك حتى تأخذ حذرها، ثم  يشير إلى بعض المنافقين من المسلمين الذين أعانوا القوة النصرانية، وهذه الرسائل الموحدية تفيد من جانب له أهمية كبرى إلا وهو ما كان يريده ابن  العدتين من ربط العلاقة بين الطبقة المثقفة من جهة بالطبقة المثقفة بفاس وببقية المدن المغربية  وقد كانت رسائل موجهة إلى علماء فاس أحيانا ولعلنا إذا  قارانا تلك الرسائل  في الدخيرة الثالثة والتي تدل كثير من المصادر على أنها كانت تقرأ على المنابر في كثير من مناطق  بلاد المغرب فإن في ذلك دليل على ما كانت تريده سبتة وما كان يريده أميرها من ربط للعلاقة ومن إبقاء على هذا الحصن حتى لا يسقط  لأنه إذا ما سقط انفتح الباب أمام كل القوى النصرانية التي كانت لا تريد أن تكتفي بالعدوة  الأندلسية وإنما تريد الاتساع في البلاد المغربية.
أما رسائل عهد الاستقلال فإنه في الحقيقة لم نجد إلا رسالتين فقط، أحداهما لها أهمية كبرى من الناحية الدينية والأدبية: ذلك أن هذه الرسالة قد وجهت لا إلى ملك ولا إلى أمير وإنما هي قد وجهت  إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ويعد هذا العمل الذي قام به هو أقدم به هو أقدم ما عرفناه إلى الآن من الرسائل من هذا النوع. وهاتان الرسالتان كثير  من الباحثين في البلاد يعتقدون أنهما من أقدم الرسائل التي كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم وفي الحقيقة هي تعبير عن المحبة التي يكنها المسلم  للنبي عليه الصلاة والسلام فنجد بالمقابلة بين هذه الرسالة من الناحية التاريخية، وكذلك من الناحية الأدبية، ومن حيث التفنن في الاستعمال نجد أن رسالة  الغاسقي في هذا الموضوع وأن كانت الأولى وكانت أبرع الرسائل التي عرفت ولعلنا إذا كتب لهذه الرسائل أن تطبع عندما نقراها ن لاحظ الفوارق ونلاحظ قوة الإيمان الذي كان للكاتب وللأمير في نفس الوقت وكذلك سعة المعرفة عند الكاتب نظرا إلى أنه ضمن هذه الرسالة العديد أكثر من مائة من الأحاديث النبوية التي يضمنها أحيانا ويلمح إليها أحيانا أخرى في استعمالات أدبية عجيبة، في طرق وأساليب من النثر  لا نجدها عند غيره ونعود إلى الثالث المجموعة الأخيرة من هذه الرسائل يقف موقفا جمع بين الحسنين كما يقال، جمع حسن مواقفه العسكرية حيث أن سعته هي التي كانت تنقل جيوش المغرب التي كانت تحاول إرداء راية الإسلام لي بعض المناطق الأندلسية ولعلنا عندما نتذكر ما كان في ذلك العهد من حركات قوية دفعتها شحنات شديدة من الإيمان وخاصة أقصد بذلك حركات أبي يعقوب المرينى كان في جوابه الأول والثاني وفي كل جواب له من هذه المواقف العسكرية التي وجدنا في كتب التاريخ إهمالا كبيرا لدقائقها ولكثير من مراحلها، وهذه الرسائل  نستطيع ونلاحظ كل مرحلة قضاها في أن يوم  وصلت إلى ذلك الحصن أو إلى تلك المنطقة وأعماله ولقاءاته مع النصارى وكل هذا قد سجل بطريقة  عجيبة من الأدب وفي أسلوب بارع يدل على اهتمام بعيد. إذن هذه الرسائل  قد قامت مقام ما نسميه اليوم بالتغطية الإعلامية وكانت هذه التغطية تسير في أسلوب  جميل فهو دائما يوجل الخطاب إلى أمير المؤمنين، ولكن تبعث من هذه الرسائل مجموعة من النسخ على المنابر فهي  بذلك قدر حركت كثير من الهمم وقد دعت الناس إلى مؤازرة هذا الأمير المريني ولعل زاده قوة ومما قوى ساعده في الداخل ثم نلاحظ أن هذه الرسائل المرينية لا توجه للأمراء فقط وإنما توجه أيضا إلى الطلبة والشيوخ من أهل العلم وهي كذلك توجه إلى الشرفاء، شرفاء مدينة فاس وخاصة عندما-  وهذه ملاحظة نلاحظها- مرض كبيرهم وهم أبي  الرسائل دواعي الأخوة وما فيها  من عوامل التآلف يبين لنا ما كان لهذه المدينة من رغبة في تقوية  العلاقات حتى يلتئم الشمل وتكتمل مفاهيم الحضارة في هذا المجتمع الصغير.
ونلاحظ ملاحظة ولعلها تكون الأخيرة وهي أن بعض  هذه الرسائل يتحدث عن أعيان مدينة سبتة وحديث كهذا الفناه من المصدر، لكننا نلاحظ هذه المرة أن رسالة لم تكتب عن طريق الأمير أو باسم الأمير أبي القاسم وإنما كتبت باسم أعيان مدينة سبتة، وهي موجهة إلى الأمير الموحدي يحدثونه فيها حديث الند للند وهي الرسالة التي كتبت في آخر العصر الموحدي من ناحية ثم من ناحية ثانية نجد أن هذه الرسالة تعبر عن وجود مجموعة من الأعيان وقع اختيارها. وأن أهم المسائل السياسية والعسكرية  وغيرها تسير لا  عن طريق الأمير وإنما عن طريق هؤلاء الأعيان، هذا المجلس الذي تولى تسيير شؤون المدينة، وهذا يذكرنا بمجلس شبيه به كان في شمال ايطاليا في مدينة البندقية ولعلها مقارنة يمكن أن تحدث وقد أشار إليها بعض المستشرقين وهو كايان كلوكان  عندما لا حظ وجود الاتصال بين هذه المدينة من ناحية عسكرية وسياسية وخاصة في عملها التجاري  وفي طباع أهلها نجد شيئا من الشبه بمدينة البندقية على كل هذا الأمير دقيق جدا ولعل ما سنجده من الوثائق  يستطيع أن يفيد.. وأني لا جد رغبة في أن أزيدكم بعض هذه المعلومات الدقيقة التي لا نستطيع أن نستفيد منها بدرجة كاملة إلا إذا استعملنا النصوص، وتتبعناها وبذلك يكون العمل مقروءا إن شاء الله، والغاية من هذا فإن الحقيقة أبعد من أن نتحدث عن مدينة سبتة، وهي أعتقد أعمق من ذلك بكثير فإن ما عرفناه في تاريخنا الإنساني أو ما قراناه خاصة في التاريخ المغربي  فإنه مع الأسف في كثير منه لا يتناول إلا الجانب الظاهري السياسي في حين أن النظرة المثلى المعاصرة هي تاريخ المجتمع، تاريخ للصورة التي كانت عليها  المجتمعات لأن هذا النوع من التاريخ هو الذي يعطى مدى الإيمان وهو الذي يعطى لنا كثير  من الحقائق  التي تنير السبيل فيزيد شبابنا اعتزازا بهذا التاريخ لأننا لا نستطيع أن نتعرف  على هذه  الحقائق التاريخية إذا ما أكتفينا بالنظر في تواريخ الحواديت وفي ذكر  السنوات التي تولى فيها فلان  أو انهزام فيها فلان.. هذه الجوانب الظاهرة من التاريخ لا تعطى  للمنتسب إلى المغرب أي صورة حقيقية  ولا تعطى للشباب ما يحتاج من شحنات الإيمان فإن عملنا يكون أكثر أهمية وأعظم  فائدة عندما يتجه إلى دراسة أغوار المجتمع، تطور  كل حركة عقائدية أو علمية  أوكل ظاهرة حضارية ومع الأسف فإن مصادرنا التاريخية للم تهتم بهذا اهتماما أساسيا إلا أن الأمل يحدونا دائما، وما  نجده في هذا البلد خاصة بالوثائق  سيكون هو الذي يفتح لنا أبواب الأمل بأن ندرس تاريخنا دراسة  حقيقية تمكننا من أن نقوم بواجبنا نحو شبابنا الذي يتعطش إلى أن نؤمن بتاريخ وكيف لا وهو قد انتسب إلى أمة لها تاريخ وهي في الحقيقة يمكن لها أن تمد روحه بما يستحقه من إيمان والسلام عليكم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here