islamaumaroc

عطاء التربية الإسلامية.

  دعوة الحق

191 العدد

هم يقرأون ما كتبه مفكرو الاشتراكية حول الوضعية التربوية في البلدان الاشتراكية قبل التحول، وهي وضعية تتمثل في أن التعليم كان محصورا في أبناء الطبقة الحاكمة التي عملت على  ترك أبناء الشعب يعيشون  في جهالة وحرمان من كل أشكال التربية والتعليم ليظلوا أداة طيعة يسخرها الحاكم للإنتاج.
هذه الوضعية لم تكن معروفة في مجتمعنا الإسلامي، فلقد كانت المدرسة فيه ( شعبية) ينتفع بها أبناء الطبقة الكادحة حتى صار العلم كأنه وقف عليها وحتى ساهمت الأمثال العامية في توضيح هذا الواقع بقولها : " سيدي بن سيدي ما يقرأ".
و " سيدي بن سيدي معناه ابن وسع عليهم ماديا لكنه لهى بذلك عن أن يرتاد مراكز التربية والتعليم الموزعة في أنحاء البلاد.
 وهذه المراكز التعليمية ما عرف على امتداد  التاريخ أنها تأخذ مقابلا بمعنى أن التعليم كان مجانيا حتى إذا ما شد عالم وفرض أخذ مقابل على تعليمه سجل هذا الأمر بغرابة، وظل كل كاتب عنه يشير إلى هذا الشذود.
في حين أن الغرب ظل التعليم عنده "تجاريا" مما دعا دعاة الشيوعية سنة 1848 ينادون بمجانية التعليم كمطلب أساسي للطبقة الكادحة وكحق تطالب به.
 فالذين يرددون هذا القول في مجتمعنا يبرهنون عن جهلهم بوضعية المجتمع  الذي يتحدثون عنه وفيه، وهم في الواقع يغمضون أعينهم عن تراثنا الإسلامي وعطاءاته ليفتحوها على مجتمع بعيد عنا مخالف لمنهجنا .
فخلال القرن التاسع العشر الذي ظهر فيه دعاة الشيوعية بهذه الأفكار وتلك المطالب كانت الجامعات الإسلامية تعطى عطاءها للشعب كله  فحتى المدارس العلمية كالبيمارستانات كانت مفتوحة في وجه كل متعطش للمعرفة وليكون المجال أفسح، ولئلا  تكون هناك ( كلفة) تمثل عقبة في وجه طالب العلم، فقد فتحت المساجد أبوابها- التي لا تقفل – لكل طالب علم ليجمع بين الدين والدنيا، وليرتاد في حرية الدروس المختلفة التي تلقى في رحابها.
بالإضافة إلى ذلك فإن واقع  التربية في الإسلام يختلف تماما عن واقع التربية في أوروبا، هذا الواقع الذي قامت الأفكار الاشتراكية والشيوعية  لتندد به وتعمل على تحطيمه من الأساس.
فالتربية الدينية في المجتمعات الأوربية يقتصر سلطانها على العواطف والوجدان، وسط هالة
من الطقوس، وما فيها من ترانيم وأناشيد وألحان وألبسة وأصنام، فلا تأثر أدنى تأثير على المنطق  وأفكر مع البعد التام عن الحياة العلمية.
" لكن التربية الإسلامية تختلف عن هذا القصد اختلافا كليا لا يدع أي مجال لنسبة أو مقارنة إذا هي تتجه أول ما تتجه إلى المنطق  والتفكير الخالصين من شوائب العاطفة والوجدان، ثم تسعى بعد ذلك- أي بعد أن تترك تأثيرها الكافي في المجال الفكري المجرد- إلى أن يصب الفرد سلوكه في حياته العلمية ضمن خطوط وقوالب  وضعتها شريعة هذا الدين ابتغاء ايجاد أعظم قدر من الانسجام والتناسق بين الإنسان ونوازعه  الفطرية في هذه الحياة"(1)
ومن ثم فإن التربية الإسلامية تجعل الطالب يحمل رسالة فكرية يعتقدها ويحملها بإيمان ويقين ويدافع عنها ويواجه بها كل أنماط الحياة فهو يرى أن الرسالة التي يحملها تؤمن الحل كمن المشاكل، والتفسير لكل الظواهر، فهي مشعل ينير الطريق.
فإذا ما عرفنا منهج التربية الإسلامية وعطاءها، أدركنا أن هذه التربية ليست هي التي يبحثها علماء التربية الحديثة ولا هي التي تطبق في المدارس الغربية في البلاد الرأسمالية وهي بالطبع ليست المطبقة في مدارس البلاد الشيوعية، فإذا كان الأمر كذلك فما جدوى ( الدراسات) التي يقوم بها بعض ( الباحثين) في  ميدان التربية والتعليم عندنا ويتخذون من التربية الاشتراكية نموذجا  ينبغي  السير عليه،  وقد ترتب هذه ( الظروف) في غير بيئتنا، وكانت نتيجة الظروف ثم يعرفونها بلادنا.
لقد صار من الواجب على الداعين إلى الإسلام التربوية، وأهمها التربية الإسلامية وما تطبيق المنهج التربوي الإسلامي أن بينوا نظرية ينتج عنها من تكوين مجتمع قوى متماسك بعطاء.
إن الإسلام في الوقت الذي تسعى فيه مناهج التربية البشرية إلى أيجاد ( المواطن الصالح)، ( وتختلف الأنظمة في تفسير معنى " المواطن الصالح") يعمل على تحقيق هدف أكبر وأشمل هو إعداد الإنسان الصالح بمعناه الإنساني الشامل من حيث هو إنسان، لا من حيث هو " المواطن" في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان.
وذلك معنى أشمل ولا شك من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين.
وطريقة الإسلام في التربية هي معالجة الكائن البشرى كله معالجة شاملة لا تترك منه شيئا: جسمه، وعقله، وروحه، حياته المادية والمعنوية وكل نشاطه على الأرض.
" أنه يأخذ الكائن البشرى كله... على ما هو عليه بفطرته التي فطره الله عليها، لا يغفل شيئا من هذه الفطرة، ولا يفرض عليها شيئا ليس في  تركيبها الأصيل.. ويناول هذه الفطرة في دقة بالغة فيعالج كل وتر منها كل ونغمة تصدر عن هذا الوتر، فيضبطها يضبطها الصحيح.
وفي الوقت ذاته يعالج الأوتار مجتمعة، لا يعالج كلا منها على حدة فتصبح النغمات نشازا لا  تناسق فيه، ولا يعالج بعضها ويهمل البعض الآخر، فتصبح النغمة ناقصة غير معبرة عن اللحن الجميل المتكامل الذي يصل إلي جماله الأخاذ إلى درجة الإبداع.(2)
وحسبي في هذه العجالة أن أشير إلى وجوه أهمية التربية الإسلامية:(3)
1- بلوغ مرضاة الله:
 لا شك أننا هنا سنصطدم بالفكر المادي الذي يرغم أصحابه أنهم لا يعتمدوا إلا على العلوم التجريبية ونتائجها بينما تتجاوز أفكارهم أوضح حقيقة تجريبية دون أن تدركها أو تراها، ولا ريب
 أن هذه الحقيقة لست إلا تجربة. هذا الكون الذي يعلن عن الفاطر الحكيم الذي أبدعه.
هذا الفاطر الذي يجب أن نتذكر دائما تبعات العبودية المفروضة علينا إزاءه، وأن نسخر كل الإمكانيات التي وهبنا لما يرضيه، وأن نستعمل عقولنا في التعرف إلى ذاته، والاهتداء إلى وحدانيته وعظمته.. وأن نصرف جهدنا الفكري عن طريق  التعلم والتعليم إلى فهم كلام الله تعالى وسنة رسوله ونحمل هذه الأمانة إلى  الجيل الذي يأتي بعدنا.
فبلوغ مرضاة الله هو سيد نتائج التربية الإسلامية.
2- رفع المستوى الخلقي:
  ونعنى الأخلاق الاجتماعية القائمة على مسرح المجتمع، والتي لا بد لها من سلطان يفرض على  الناس أن يصبوا سلوكهم في معاييرها لا.
 فالضمير، ويقظة الضمير كما يقولون غير كاف لأن يحمل صاحبه على اتباع سبيل الحق وأن يردعه عن الانحراف إلى الباطل.
" لقد تضافر وتعاون كل من الضمير والقانون وسلطة القضاء لإخضاع الناس لحكم الضمير، فلم يستطيع كل ذلك أن يتغلب على دوافع النفس وهوائها وظلت الجرائم كلها ترتكب تحت سمع الضمير والسلطان والقانون". لا
ان المانع الوحيد الذي يمنع الإنسان من  الانحراف إنما هو العقيدة الإسلامية التي تغرس في نفس الإنسان منذ نشأته، بذلك يتغلب على  الدوافع والنوازع ويصب حياته في قالب من حسن الملك.
3- تمكين الروح القومية من النفس:
ومعنى ذلك أن العرب قد حملهم الله أمانة كبرى هي أمانة الحفاظ على دعوة الإسلام ونشره فبلغتهم نزل القرآن وإليهم ينتسب أفضل الأنبياء، وهم الذين ورثوا تراثا فكريا وحضاريا كبيرا. أضف إلى ذلك موقع البلاد العربية في وسط الدنيا كرابط بين أجزائها لذا وجبت الدعوة إلى الوحدة العربية تحت لواء الإسلام وكمنطق الوحدة الإسلامية الشاملة.
4- أيجاد السكينة في النفس:
 القوى الثلاثة التي تستبد بنفس الشاب هي : الشهوات، الأحلام، الطاقة. هذه القوى تأخذ بلب الإنسان لتصبح قواه العقلية مأسورة مغلوبة على أمرها، ليس لها من أمر إلا الإشارة من بعيد  إلى الحق والفضيلة.
ويندفع الشاب بهذه القوى اندفاعا بلا ترو أو تفكير.. نفسه ميالة إلى الأفلام الخليعة، المجلات الساقطة، الأغاني الهابطة...  حديثه مع أقرانه دائما يدور حول فيلم أو مجلة أو هذه وتلك.. حتى الرياضة لا تاخذ من تفكيره إلا  النزر اليسير.               لا
وعندما يخلو لنفسه بقصد المراجعة والمذاكرة يحاول أن يستجمع فكره ولكن هذا الفكر يأبى عليه فهو مشتت مهموم يتطلع إلى إعادة الكرة والتخطيط للغد.                      لا
وتظل هكذا حياته، وربما كانت النتائج وخيمة والعاقبة سيئة.
لا   لذا عملت التربية الإسلامية على إيجاد " النفس المطمئنة" والتربية الإسلامية تحرص على أن تأخذ مكانها في النفس منذ النشأة الأولى من المهد إلى الحضانة إلى مراحل التعليم.
ففي البيت تكون مهمة الأب والأم هي تعهدها بتعليم الطفل آيات من كتاب الله مع تبين معناها عندما يتهيأ عقله لتفهم المعاني، والحرص  على أداء  العبادات مع تبيين مغزاها ومعناها  وجدواها.
أما المدرسة فمهمتهما بعد ذلك أن توسع في شرح واجبات الدين ومراميه، مع التركيز على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يرى الطفل من خلالها المثل الأعلى للطفولة الطاهرة، ثم المثل الأعلى للشاب المستقيم ثم المثل الأعلى  للرجل: ألا نموذج الرائع للثبات والتضحية والصبر
على هذا المنهج سارت الدراسة في ( روض الأطفال) وفي ( المدرسة الابتدائية) لتستمر بعد ذلك في مراحل الدراسة، فيكون المقدار الذي تلقاه الطفل والشاب من التربية كافيا ليعلمه أن قيمة إسلام المرء هي في ضبط أهوائه وشهواته.
ولن يكون بعد ذلك في حاجة إلى رقيب، فرقيبه في نفسه، رقيب لا يفارقه وهو رقيب لا يزعج، وإنما يبعث الطمأنينة في النفس .لا
5- تحصين اللغة العربية:
ان اللغة العربية لم تكسب خلودها وإشراقها والروح الجبارة التي سرت فيها إلا بكتاب الله: القرآن
فاللغة العربية إذن هي الوسيلة لفهم  كتاب  الله وسنة رسوله ولقد عمل أعداء الأمة الإسلامية من الداخل والخارج- بعد معرفتهم لدور اللغة العربية في توحيد الأمة الإسلامية- على اضعاف مركز اللغة العربية في المجتمع  الإسلامي، فدعوا إلى ما يسمى بتبسيط اللغة العربية  وإلى الاهتمام باللهجات الدارجة وإلى اعتماد اللغات الأجنبية في التعليم والإدارة.
إن مستوى اللغة العربية لا يمكن أن يرتقى  في مجتمعنا إلا بتعليم الأطفال القرآن من الصغر، بحفظه وإتقان تلاوته،  وأن من رواسب الاستعمار أن نرى الطالب بالثانوي أو الجامعة يتعثر في تلاوة القرآن، ذلك لعمري ما يريده أعداء أمتنا لها.
ان تعهد الطالب بتلاوة القرآن تجعله ينشأ " وجرس الجزالة العربية يطن في أذنه ووقع لتقطيع العربي الموزون مندمج في نفسه".
وأن هذا لهو الأساس الأول لرفع مستوى اللغة العربية في مدارسنا.
ان اللغة العربية هي لسبيل لفهم الإسلام والعمل به على قدر الابتعاد عن هذه اللغة يكون الابتعاد عن مصادر التشريع الإسلامي د فتحصين اللغة العربية تحصين للإسلام.
6- القضاء  على الخرافات:                  لا
أن الخرافات التي تنشأ في المجتمعات كما تنشأ الأشواك والحشائش وسط حقول الخضار وبساتين الأزهار- لا يمكن لقوة أن تكشف القناع عن وجهها إلا قوة واحدة هي التربية الإسلامية أو الفهم الصحيح للإسلام.
وان الخرافات المنسوبة إلى الدين قد تسببت في زحزحة كثير من الشباب عن دينهم، هذا الشباب الذي لم يعرف عن الإسلام الحق شيئا. ورأى ما عليه المنتسبون إلى الإسلام من  تعلق بخرافات فظن أنها من الإسلام، ومثل هذا الاعتقاد نراه عند الغربيين الذين تستهويهم الخرافات بشكل خاص حتى صرنا نسمع عن " الرقص الديني" و " الأغاني الدينية" ثم  يعود أولئك الغربيون لينتقد الإسلام حسب هذه  الصورة المشوهة التي ألحقوها به، وقد قرأت بحثا لمستشرق إيطالي ركزه على الهجوم على الإسلام المتمثل عنده في: ترقيص الحيات- مواكب بعض الطرق وما يقع فيها من ضرب للرؤوس  وإسالة  للدماء – ذبح القرابين وتقطيع  اللحم باليد قبل موت الذبيحة، إلى غير ذلك من المظاهر البدعية الخرافية التي حسبت على الدين وما هي منه.                 لا
ومجتمعنا المغربي-  كغيره من المجتمعات-  قد لصقت به خرافات وبدع وهنا يأتي دور التربية  الإسلامية في المدرسة.. اننا بتوعية طلاب المدارس يمكننا أن نحصنهم بمصل واق يدرا عن المجتمع تأثير هذه الخرافات ويوقف حركة نشاطها وتغلغلها.
7- دعم الوحدة الوطنية:
لقد توحد المغرب بالإسلام؟، لم يعرف المغاربة على امتداد تاريخهم فرقة واختلافا. دولة واحدة موحدة، لغة واحدة، دين واحد حتى المذاهب لم نعرف خلافا فيها، كل هذا شكل وحدة وطنية متماسكة، غير أن الاستعمار عمل على تطبيق مبدئه " فرق تسد" لكن مخططه باء بالفشل وظلت الوحدة الوطنية دعامة وسدا أمام كل مؤامرات الاستعمار.
واليوم تهدد مجتمعنا أفكار دخيلة رسوم مستوردة تعمل على تفتيت هذه الوحدة، وتكوين مجموعات لا صلة لها بالمجتمع الذي تعيش فيه. ولقد أدرك أصحاب هذه الأفكار خطر المدرسة في تكوين العقليات والأفكار فرحوا يبثون سمومهم في هذه المدارس.
وهنا يأتي دور التربية الإسلامية في مواجهة الأفكار المنحرفة المستوردة نفسها، وتشق  طريقها كرائدة تعطى للدنيا الحل لكل المشاكل التي يتخبط فيها العالم.

(1)  تجربة التربية الإسلامية للبوطى: 23
(2)  محمد قطب: منهج التربية الإسلامية: 19
(3)  راجع: محمد البوطى: تجربة التربية الإسلامية: 29 وما بعدها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here