islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -3-: مظاهر الثقافة لمغرب ما بعد الأدارسة وقبل المرابطين.-3-

  دعوة الحق

191 العدد

4- أسس الثقافة المغربية إلى ما قبل المرابطين
 ثقافة أمة ما هي قطعا مجموعة تجاريها العديدة من السنوات بل القرون، وهي بالتالي جماع الرسوبات المتلاحمة والمتواجدة التي مازت  ذاتيتها، وأعطنها خصائصها، وكونت وجودها، وبلورت اتجاهاتها وأن شئت قتل،  أن الثقافة – كما في مفهومها العام- هي العوامل البيئية. اجتماعية واقتصادية وسياسية، وإنسانية
 التي واكبت الجماعات والأفراد الذين تكونت منهم هذه الأمة أو تلك، ولهذا فليس من الممكن البحث عن أصول ثقافة أمة ما بعيدا عن ماضيها القريب والبعيد التي تمتد فيه وإليه جذورها وجذور وجودها...
والأمة المغربية في حدودها الفسيحة والأرجاء. الممتدة عبر أقطار المغرب العربي الكبير شهدت عدة تحولات بشرية وجيولوجية، قبل أن تتمايز فصائلها التي تجسمت في أقطارها الأربعة حسب التقسيمات السياسية لمختلف التيارات الحكمية التي تعرضت لها وتجاوزت أخذ زمام الأمور فيها أو تعاقبت  عليها منذ مرحلة ما قبل التاريخ بعصريه الحجري والبرونزي وإلى بداية التاريخ.
لإبراز خصائص الثقافة الإسلامية. والأسس التي قامت عليها، في هذا الجزء من الشمال الإفريقي، لابد- في نظرنا- من التعرف إلى الرسوبات التي تمخضت  عنها التحولات الحادثة، قبل الوجود الإسلامي، ربطا للتفاعلات مع بعضها، وانطلاقا من أن الإنسان هو- نفسانيا وعقليا- مجموعة من الفيوضات التلقائية والمكتسبة من الخارج التي تبلور اتجاهاته الخاصة  واختياراته المتمايزة.
ويكاد الإجماع ينعقد على أن المغرب تعرف إلى مجموع الثقافات المتعاقبة عليه منذ اتصاله بأبناء عمومته الفينقيين إلى ارتباطه بوجه ما مع الرومانيين، إلى التحامه وانصهاره مع العرب المسلمين...
وكل مراحله التاريخية تؤكد أن المغرب انفتاحا كليا، وانفعل لمختلف التيارات الفكرية والثقافة التي كان يحملها إليه أولئك الذين نزلوا ساحته بحثا عن رزق ومعين، أو طمعا في استغلال خيراته، أو أملا في احتلال أراضيه.
فقد تقبل الثقافة البونيقية التي حملها معهم الفينيقيون،  وتبنى لغتهم التي ظلت لعدة قرون لغتهم، وكانت هذه اللغة، في نظر الكثيرين من المؤرخين- من الأسباب التي يسرت الانصهار بينهم وبين العرب الفاتحين، لأن هؤلاء ذو نسب ووشائج عرقية بالفينقيين
 المنحدرين من الرافدين، واستعملوا الخط للكتابة الخط الحميرى الذي أتى به أولئك الفينيقيون، ثم حوروه إلى ما عرف، فما بعد بالخط اللوبي، كما أثبت ذلك علماء الجيولوجيا الذي عثروا في جبال الأطلس الصحراوي قرب كلو مبشار على أحجار وألواح نقش عليها هذا الخط الحميرى أو ما اشتقوه منه مما يسمى بالخط اللوبى، الذي هو -  في رأى المختصين بهذه الشؤون- أقدم من الخط الهيروغليفي المصري القديم، كما أثبتوا أن أولئك السكان المغاربة الأولين كتبوا ملاحم بتشلحيت، وبخطهم اللوبي، قالوا وكانت هذه الملحمة شبيهة بملحمة الصابىء التي أشارت إليها  دائرة المعارف الإسلامية...
ولم يكن تأثر أجدادنا المغاربة بالثقافة الرومانية بأقل من تأثرهم بالثقافة الفينيقية البونيقية، إذا تكفى الإشارة إلى ما أثبته التاريخ الروماني نفسه من نبوغ عديد من المغاربة في مختلف  مجالات ثقافة ذلك العصر، من أدب بنوعيه: النثر والشعر، وقصة ولاهوت وتاريخ واجتماع سياسة...
ويزخر ذلك التاريخ بأعلام عديد من مثل القياصرة الثلاث من أسرة ( كورديان GORDIEN  ومثل اللاهوتيين ( سيريانوس) أسقف قرطاج الذي  الذي وضع كتاب ( الصبر) و( أغسطنيوس القديس الذي عاش بين 354م- 430م، وهو مؤلف كتاب الاعترافات قبل اعترافات جان جاك روسو الفرنسي،ومثل ( فلوريوس  FLORUS) المؤرخ المشهور، ومثل ( ايوليوس) القصاص و ( انورتوريان)  (توريان) 160-245،  الأديب والكاتب المبدع ومثل ( كريبيوس) الشاعر الذي نبغ في عهد رومانيي الشرق البيزانطنيين، ومثل  القيصر ( سبتيموس ساوبروس  SEPIME SEVERE) 193-211م الذي كان جزأ سوريا  إلى منطقتين سوريا العليا والمجوفة، ثم سوريا البحرية الفينيقية واللبنانية(1)
وانفعل أجدادنا المغاربة كذلك لثقافة القوطيين، أبناء عمومة الوندال، الذين كانوا نزلوا سبتة سنة 543م، بمعونة المغاربة، حين توسموا فيهم إمكانية التعاون على طرد المستعمرين البيزانطنيين، حتى لا يقال أن الملك القوطى ( يوليان) الذي أثبت الأستاذ البحاثة أعراب سبتة  المغراوية، إنما أعان فتح الأندلس  من العرب  لما كان يوجد بين هؤلاء الفاتحيين وبين أولئك القوطيين المنحدرين من أصلاب مغراوة من وشائج الدم والقرب وأواصر الأصول الثقافية...
ولكن لايظنن أحد أن تأثر أجدادنا وانفعالهم للتيارات الثقافية الخارجية تجاوز حدود التفهم والأخذ والعطاء، إلى الانصهار في هذه الثقافات الأجنبية إلى درجة محو الذاتية المغربية، فهذا شيء مرفوض لا تدعه يكن له موجود، ولا ما كان يتوفر عليه المغاربة من الحساسية الوطنية لقوميتهم لوجودهم الخاص، ومميزاتهم الذاتية  جعلهم يرفضون أن تمس منطقة أرواحهم بما قد يجردها من اختياراتها الخاصة، أو يحولها إلى مجرد دمى تحرك من الخلف، والرفض لمثل هذا الانصهار هو الذي جعلهم يرفضون المسيحية كدين  ويرتدون عنها، متبرئين منها لعهد قسطنطين الروماني الذي كان يحيا  إلى تاريخ 312م، إذا رأوا كيف أن هذه المسيحية التي أصبحت الدين الرسمي للدولة لم تعد سوى شعارات للتصدير، وأنها أفرغت من مضمونها الجميل  الذي كان استهواهم أيام أقبلوا عليها يعتنقونها، ذلك المضمون الذي كان يعني الأخوة والمساواة والرحمة والتسامح، فحوله قسطنطين إلى مجرد خواء.
والمغربي بطبعه رجل جد، لا ينخدع بالظواهر البراقة ولا يؤمن بالقشور.
إلا أن جل الباحثين عن أصول الثقافة المغربية فكرا وحضارة وعمرانا، فندما يتناولون دراسة مراحل التطورات التاريخية المتعاقبة على هذه البلاد، ويحاولون استشفاف عناصرها الثلاثة، أي ما قبل التاريخ بصورتيه: الحجرية والبرونزية، وبداية التاريخ، ثم العصر الروماني الذي برزت فيه بالخصوص بعض مظاهر ثقافة مغربية، يكادون يجمعون على أن مرحلة بداية التاريخ- وفي معظم أجزاء منها على الأقل- إنما تبتدئ مع الفتح الإسلامي، مع ملاحظتهم أن الفترة الواقعة ما بين بداية القرن الثامن الميلادي ونهاية القرن الحادي عشر منه، أي ما بين القرن الثامن والخامس  الهجري، كانت وكما أشرنا قبل فترة فقيرة الوثائق أو منعدمتها تماما...
ويدفع الملاحظين إلى التركيز على هذه الظاهرة، ما شوهد من إقبال البربر لا على الدخول في الإسلام أفواجا وبصورة خارقة وإنما أيضا بإسهامهم في الفتوحات  العظيمة التي باشرها المغرب انطلاقا من فتح الأندلس وبانتشار المذاهب العقدية الإسلامية المختلفة التي كانت تزخر بها أصقاع العالم الإسلامي  لتاريخنا.
لقد كانت الفترة الواقعة بين قدوم عقبة ابن نافع الفاتح الأول وقدوم إدريس الأكبر الفاتح  الثالث، ومؤسس الوجود العربي في مفهومه الحق  وبجميع أسسه وعناصره، كانت زهاء ثلاثة قرون وربع قرن، ومع ذلك فقد كانت كافية- رغم  الاضطرابات المتوالية- لتعريب البربر، جعلهم يتمسكون بالإسلام كعقيدة يستميتون في   سبيل الدفاع عنها والذود عن حياصها،  ويتخذون من اللغة العربية لغة الدين والمراسلات  والحكم، وبسرعة جعلت المؤرخين الغربيين يتساءلون عن هذه الظاهرة  التي أسموها أعجوبة وحملتهم على تسجيل مثل هذه الفترات التي كتبها ( بوسيكى) في كتابه ( البربر) فقد قال هذا المؤرخ: ( .. قطعت بلاد البربر كل علاقة لها مع الغرب في القرن السابع، وذلك لترتبط بالشرق ارتباطا كليا لا رجوع فيه، ومن غير أن يحدث من أجل ذلك نزاع داخلي، أو أزمة ضمير وأن العرب سادات البلاد الجدد أمكنهم بعدئذ  أن يتخلوا عن مزاولة السلطة المباشرة، فاستطاعوا بذلك أن يسلموا البلاد إلى نفسها، لكنهم طبعوها بطابع عربي، لن يمحى أثره أبدا، فقد عربوا المغرب حتى ليمكننا أن نعتبره اليوم في مجموعة تقريبا كناحية قاصية من مركز العروبة، بل وأن يحاول هؤلاء البربر ربط أصولهم بالعدنانية والقرشية، كما يشير صاحب هذا الشعر الذي يقول في وصف البربر في زعمه:

قد لهم شرف العلا من حمير
وإذا انتموا صنهاجة فهم همو بينما يقول آخر في نفس الموضوع و
أيها السائل عن أحسابنا
قيس عيلان بنو العز الأول
 ولنا الفخر بقيس أنه
جدنا الأكبر، فكاك ( الكبول)؟

إلا أنه يجب التنصيص على أن مجال ثقافة الفتح- بالطبع- ما كانت يومئذ تتعدى المجال التبشيرى الديني إن صح التعبير هذه الثقافة التي يعير عنها صاحب القرطاس بالعبارة التالية- وقد أشرنا إلى مضمونها قبل- ( كما تولى إسماعيل بن أبي المهاجر إفريقيا سنة 100م من قبل عمر بن عبد العزيز/ علم أهل إفريقيا الحلال والحرام).
ثم كانت المهمة التبشيرية التي أوقدت بعثتها من قبل  هذا الخليفة، ومن أبرز شخصيات البعثة عبد الرحمن بن نافع، وسعيد بن مسعود التجيبى، كانت مهمتها قطعا هي مهمة ابن أبي المهاجر.
حتى إذا جاء القرن الثالث  الهجري وأوائل الرابع رأينا الثقافة العربية تتمركز في نقاط مختلفة من البلاد مما سنشير إلى أهمها فيما بعد.
 ويتم ذلك، رغم القلاقل والاضطرابات، التي عمت أصقاع الشمال الإفريقي من القيروان إلى المحيط الأطلسي تقريبا بسبب تدخل المسودة العباسيين الذين هالهم أن يروا كيف أن الفاطميين- بعد الأدارسة والأمويين قبلهم- لم يكفى ما أسسوه من ملك وسلطان بتونس والذي تنازلوا عنه للصنهاجيين، حلفائهم وإنما أخذوا يزحفون على الشرق بعد أن سيطروا على مصر،
 وكان هذا الاستشراف الفاطمي لامتلاك الشرق مما سبب كارثة سياسية في إفريقيا الشمالية.
لقد ارتأى الفاطميون أن يستخلفوا على تونس انصهارهم من الصنهاجيين كعمال لهم على مجموع أراضي إفريقيا بما فهيا القيروان، ولكن هؤلاء استمرؤو الحكم فانتهبوه لأنفسهم، ولكن قطعوا الطريق على الفاطميين، تستروا وراء التظاهر بالولاء للعباسيين مناوئى الفاطميين، فما كان من  العباسيين إلا أن اهتبلوا الفرصة بتقريرهم مد المساعدة المادية للثائرين الصنهاجيين وتقديم كل عون ومساعدة لهم، وإزاء هذا الوضع ارتأى  الفاطميون، من جهتهم انتقاما من العباسيين والصنهاجيين معا- أن يتبنوا البدو الهلاليين وبني سليم ويزجوا بهم في أتون الأحداث، وأن يمدوهم بما أعانهم على الثورة ضد الحكام القيروان وكل من يؤيدهم بالشمال الإفريقي، وهكذا أغرقت المنطقة في بحران من الفوضى والدماء.
إلا أنه من الوجهة الثقافية وتعريب البربر، كان قيام هؤلاء الثوار من بني هلال وبني سليم جد مقيد. إذ عمل- عن طريق تغلغلهم في كل أرجاء المنطقة على تلقين الأهالي اللغة العربية،  وعلى تعريب من كان تبقى من هؤلاء الأهالي غير معرب...
وإذا كان من الملاحظ أن العلوم أن كلا من المغربين الأقصى والأوسط قد تأخر- نسبيا- نضجها الثقافي بالقياس إلى القيروان بل وحتى  الأندلس، للأسباب التي سبق أن المحنا لبعضها ولما نضيف هنا من أن السكان الأصليين، بالإضافة إلى أكتافهم من الثقافة العربية بالعلوم الدينية، مما يتصل بالعقيدة، وبخصوص شؤون الفقه والشريعة، كانوا  حريصين على الاحتفاظ بلغتهم الأم قبل الإسلام أي البربرية فإنه أثر انسياج الهلاليين وبني سليم،  أو بصورة أضبط تاريخيا في أواخر القرن الثالث الهجري فما بعده شهد هذان المغربان حركة علمية وثقافية مهمة، كان من أبرز آثارها ما احتضنته الدولة الرستمية التي كان  التي كان أسسها سنة 271هـ بتاهرت ( تيارت) الجزائر، أبو زيد الرستمى الفارسي الأصل، وأن أحفظ هؤلاء الرستميون باللغة البربرية استمالة لقلوب الناطقين بها من البربر وربما أيضا إظهارا لشعوبية أبى زيد الفارسية ومناواة منه لما كان نشأ في المغرب من مراكز  للثقافة العربية  الإسلامية على أن ظاهرة الإبقاء على اللهجة  البربرية في  المغربين الأوسط والأقصى ظلت قائمة حتى الآن، تصبح اللغة الرسمية في قطاعات مهمة من شؤون الدولة كخطبة الجمعة.

5- أهم المراكز الثقافية بالمغرب قبل  المرابطين
 الحديث عن أسس الثقافة المغربية، وجذورها الأولى، وعن الرسوبات والخمائر الممهدة  لتلقى الثقافة الإسلامية يفضى بنا إلى محاولة إلقاء أضواء كاشفة، ما أمكن- على أهم المراكز  الثقافية التي كانت تحتضن العلم والفكر، وتمد المشعلين بهما، والمهتمين بمجالاتهما بالزاد الأول والمادة إقحام لكل ثقافة، وأعنى بذلك الجو الثقافي الناشئ عن الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والمبادرات الاجتماعية.
ونحن إذا أردنا أن نضع جردا جغرافيا لأهم هذه المراكز التي نؤكد بادئ دي بدء أن البلاد كانت تزخر بعدد وافر منها، في تلك العهود ولاسيما في شمال المغرب بوجه خاص، وقد يكون ذلك نظرا لقربها من نقطة العبور إلى الأندلس التي كانت هدفا  لكل الولاة  والفاتحين العرب، فلن نستطيع ذلك. لقلة الوثائق والمراجع، إلا بصعوبة بالغة قصوى، الشيء الذي يضطرنا إلى الاقتصار على الإشارة الذي يضطرنا إلى الانتصار على الإشارة لبعضها، تكوينا  لفكرة عامة عن مجرى ثقافتنا وقنواتها وروافدها لمتوحدة...
وأول هذه المراكز أقدمية هو بدون شك مدينة طنجة لوقوعها كما قلنا في نقطة العبور والربط بين المغرب والأندلس.
أولا طنجة: كانت هذه المدينة أول بقعة آوت الفاتحين الأول  مع رائدهم الرئيس موسى بن نصير الذي كان انزل بها- كما يقول ابن خلدون- عربا مع طارق بن زياد، وأمرهم أن يعلموا البربر القرآن والفقه، وقد بلغ هؤلاء العرب
المكلفون بالتلقين- حسب بعض الروايات- سبعة عشر نفرا.
وقد كانت هذه المدينة- في الحقبة الواقعة ما بين إدريس الثاني وبين الوجود المرابطى- تزخر بعدد وافر من فطاحل العلماء، وجلة الفقهاء وأكابر القراء بين هؤلاء:
1- عبد الله بن سمحون بالجيم أو الحاء كما يرى ذلك عبد الله جنون
2- أبو عبد الملك مروان بن سمجون الذي ينسب إليه قوله ( لم أرحل إلى المشرق حتى حفظت أربة وثلاثين ألف بيت من أشعار الجاهلية) ووصف ياقوت الحموى في معجمه لهذه العبارة  ( أنه من فطاحل الخطباء).
3-  محمد بن عبد الله بن الغازى المتوفى سنة 296هـ.
 ثانيا مليلية وسبتة:
وهما مدينتان قديمتان، ويقال فيما يخص الأولى: أن مليل البربري جدد بناءها أوائل القرن الثاني الهجري فحملت اسمه، وأنها قبل ذلك كان يطلق عليها الفينيقيون اسم ( روسدير) ومن أشهر أبنائها في ميدان الفكر والثقافة:
1- خلف بن مسعود الجراوى المليلى-
2-  أحمد بن فتح الذي كان يضاهى ببكر بن جاد معاصره في  العلم والأدب.
أما سبتة، فما نظنها بحاجة إلى من يثبت اسمها في ميدان إعلاء شأن العروبة والإسلام، ولمن شاء أن يعرف عليه أن يقف على تراجم من  ترجم لهم من أبنائها، ابنها البار القاضي عياض في مداركه، أو أن يستحضر قالة المعتمد بن عباد وهو في صولة ملكه وعز سلطاته، حين أثير اسم سبتة في أحد مجالسه ومن بعض  رجاله، فقد  كان قال- وهو يتحدث عن سبتة- ( اشتهيت أن يكون عندي من أهل سبتة، ثلاثة نفر، ابن غازى  الخطيب – وابن عطاء الكاتب – وبن مرانة  الفرضى...)
والمدينتان هاتان ضمهما إلى الأندلس الناصر الأموى غداة محاولة العبيد ببين غزو المغرب.
ثالثا الذكور: وهي مدينة كانت توجد بناحية الريف، وعاشت عاصمة لبنى صالح العرب في إماراتهم، هذه الإمارة التي كان أسمها العبد الصالح صالح بن منصور الحميرى ثم تعاقب على  ابنه المعتصم،  ثم شقيقه... ويقال أن هذا الأخير توجيه شؤونها بعد وفاته أوائل القرن الثاني الهجري هو الذي أضفى على الذكور، ما جعلها بعد في رأس قائمة المدن المهمة بالمغرب لتلك العهود.
بل واعتبرها محمد الوراق المتوفى سنة 292هـ ويعد أحد المؤرخين الكبار الذي ضاعت آثارهم – اعتبرها على أن يؤلف فيها كتابا خاصا، وأن قيل أنه يعاز من الأمويين بالأندلس، ربما  لمناهضة سبتة، واشتهرت مدينة النكور بجامعها الأعظم الذي كان شيد على غرار جامع الإسكندرية، وقد تخرج من هذا الجامع علماء أفذاذ أمثال:
1- حسين بن فتح الذي روى عنه الباجى
2-  موسى بن ياسين مولى صالح الذي كان يلقب بالعالم.
3-  عبد الرحمن بن سعيد الفقيه المالكي وإبراهيم بن أبواب  الشاعر الذي خصى بلدته النكور بجزء مهم من قصيدته التي نظمها في مدح أمير إدريسى حسب رأي الأستاذ ابن تاويت التطواني  ( دعوة الحق ع8ص 98س 11)
 وقد جاء في القصيدة، مما يخص مدينة النكور الأبيات الآتية:
أيا أملى الذي أبغى وسؤلى
            ودنيناى التي أرجو ودينى
الحرم من يمينك رى نفسي
             ورزق الخلق من تلك اليمين
 ويحجب عن جبينك طرف لحظى
            ونور الأرض من تلك الجبين
 وقد جبت المهامة بين نكور
إليك بكل ناجية أمون
وعمرت هذه الإمارة إلى ما بعد القرن الرابع الهجري، إلى حين سقطت في يد قائد العبيديين مصالة البربري... وفي وصف فظاعة هذا السقوط أنشد بعضهم هذا الرحز:
لما طغا الارذل وابن الأرذل 
                في عصبة من الطغاة الجهل
قال( نكور) دون ربي معقلى
               أتاه محتوم القضاء الفيصل
من الإله المتعالي الأعدل
               حطم أهل كفرها بكلكل
على قفا من الرماح الذبل 
               ذولمة شعناء لم تفتل
ولحية غبراء لم ترجل
 ومن الطريف أن نسجل هنا ما ذكره المؤرخون عن العلاقات التي كانت تسود بين هذه المدينة العتيدة وبين العبديين للذين كانوا يحاولون إخضاعها لسيطرتهم وتوترت تلك العلاقات بين حكام النكور وأمير العبيديين إلى تطورت إلى حد التراشق بنبال الهجاء الشعري، ذلك أن الأمير عبد الله الفاطمي حين راسل أمير النكور سعيد بن صالح من أجل تسليم إمارته ختم كتابه في  الموضوع بهذين البيتين:
فإن تستقيموا أستهم لصالحكم
وأن تعدلوا عنى أر قتلكم عدلا
وأعلو سيفي قاهرا لسيوفكم
وأدخلها عفوا وأملاها عدلا
قالوا فأستشاط أمير  النكور غضبا لهذين برسالة يرفض فهيا الاستسلام ويهدد  المغيرين ويتوعدهم، وزيادة في إغاظة الفاطميين ذيل هو الآخر برسالة رده بأبيات جاء فيها:
كذبت ورب البيت لا تعرف العدلا
ولا عرف الرحمن من قولك الفضلا
               وما أنت إلا كافر ومنافق
 تميل مع الجهال في السنة المثلى
               وهمتنا العليا لدين محمد
وقد جعل الرحمن همتك السفلى
رابعا سجلماسة:
أسست هذه الحاضرة الصحراوية- فيما يذكر التاريخ- سنة 140هـ ب75م على يد الخوارج والصفرية، الذين أسسوا في نفس الوقت- وعلى يد طائفة أخرى منهم- دولة برغواطة على الشاطئ الغربي للمغرب، ما بين آسفي وسلا ثم اتخذ هؤلاء بلدة ( تامسنا) عاصمة لدولتهم، ولعل الناحية المدعوة حاليا ( لاغواط) في إقليم الواحات  بالجزائر ينتسب أهلها إلى هؤلاء
وكانت سجلماسة- فيما يتحدث عند تاريخ المواصلات التجارية بين مختلف المناطق الإفريقية- ملتقى الطرق التجارية الرابطة ما بين مصر والعراق وفارس وإفريقيا الشمالية مرورا من ( تومبكتو) وتوات وعين صالح.
وكان يغلب من حيث الحضارة والعمران الطابع الشرقي، حتى سماها بعض المؤرخين يمن ( المغرب) إذ كانت ثالثة المدن الإسلامية العظيمة في إفريقيا بعد القيروان المؤسسة سنة 65هـ 670م وفاس المشيدة ابتداء من سنة 192هـ.
وقد ظلت سجلماسة هذه مملكة مستقلة زهاء ثلاثة قرون، مسيطرة على الأراضي الواقعة ما بين وادي درعة وجبال الأطلس من البلاد المغربية، وبلغت أوج ازدهارها الثقافي ورفاهتها الاقتصادية في الثلاثة قرون الواقعة من الثامن الميلادي  إلى الحادي عشر منه، واستطاع سجلها الثقافي أن يحتفظ بمثل هذه الأسماء اللوامع في ميدان الفكر والعرفان مثل:
1) يحيى بن زكرياء المعروف بابن الرباطى الذي روى عنه محمد بن مخارق، ويحيى بن فطر، وعبد الرحمن بن خلف التجيبى الثغرى
2)  عيسى بن سعادة الفقيد، وقد كان رفيق إلى الحسن الفاسي وأبي محمد الأصيلي في رحلتهم  لسماع ولقاء حمزة بن محمد الكتاني...
3) سمكو الأمير، وكان أخذ عن حكومه ومحمد بن الفتح بن ميمون...
وأبرارا لعظمتها الاقتصادية يكفى أن نذكر أن ما كانت تدفعه كضرائب للدولة الفاطمية أيام أصبحت مجرد مقاطعة تابعة لأملاك العبيديين بلغ أربعمائة ألف دينارا سنويا..
خامسا فاس: وقد سبق تحدثنا عن بعض معالم تاريخها الحافل على أنه ينبغي التنصيص على أن تأخير تأسيسها عن بعض المراكز الثقافية التي لمحنا إليها قبل، لا يعني تقاسمها ثقافيا وحضاريا وعمرانا، أن تكون أخلد تلك المراكز وأكثرها عمرانا،  فإنها في هذه المجالات سببقت غيرها وكتب الله لها وأجلها إفادة، وأعظمها نفسا وبركة..
وأن يكون من الملاحظ أن فاس- رغم أنها كانت من المدن الأولى التي أمها- ومنذ السنوات الأولى لتأسيسها- العديد من العرب الوافدين من  القيروان والأندلس بل ومن العراق وفارس التي كانت إحدى أبواب هذه المدينة تحمل هذا الاسم، وفي روض الفرطاس ما يفيد أن اسمها اشتق من كلمة فارس، أقول أنه رغم ذلك فإنها لم تتعرف باكرا إلى الأبعاد والمجالات الثقافية التي سبقت إليها  بعض هذه المراكز.
ويعلل الأستاذ ابن تاويت التطواني هذا التخلف بأن العرب لم يقصدوا فاسا قبل أن يطمئنوا إلى أن هناك من يثيبهم على مدحهم أو يخاف هجوم فيسكتهم بما يقدمه لهم من مكافآت وإتاوات، حتى إذا جاء  إدريس الثاني وكون منها عاصمة ملكه- في هذه الجملة ما يوحى باعتقاد الأستاذ رأى القائلين أن فاسا كانت قبل الوجود الإدريسي بها- وجلب إليها كل عوامل الإغراء على الإقامة وضمن لها الازدهار الاقتصادي بما كان يحصل عليه من مغانم وأسلاب في حروبه ضد من كانوا لا يزالون غير مسلمين توافد الناس على هذه الحاضرة وأسوها آملين أن يجدوا فيها  وراف الظلال وواسع النعم، وعميم الخاء، وقد وجدوا ما وجدوا، قال ابن تاويت (... ولهذا لا تجد من مذكوريها في التراجيم الأمن كان يعيش أواخر القرن الثالث فما بعدها دعوة الحق ع8 ص 120 س11.
ثم من لمؤكد أن كل تلك المراكز الثقافية التي خصصناها  بالذكر وغيرها مما لم نذكره شاركت في إرساء أسس وقواعد الثقافة الإسلامية.
إلا أن الأدارسة عملوا بوجد خاص- وهذا من أهم أعمالهم وأبقاها بحق- على حل سكان الجنوب المغربي على اعتناق الإسلام خاصة في قبائل صنهاجة التي لم يكن انتشر فيها الإسلام بعد بصورة  واسعة أو مركزة، بل لم تنشط حركة التبشير الإسلامية هناك إلا في أواخر القرن الثالث الهجري، وهو الظرف الوحيد- في الوجود الإدريسي- الذي نشطت فيه حركة اعتناق الإسلام عن عقيدة واقتناع ويقين.
ولكن ليس معنى ذلك أن الحركات التبشيرية  بالإسلام لم تكن معروفة أو متواصلة، فإن كثيرين من البرابرة الذين اعتنقوا الإسلام وحسن إسلامهم واخلصوا  دينهم لله قصدوا للدعوة إلى اعتناق ما اعتقدوه دينا إلى  التبشير بمبادئه السمحة الخالدة ومن بين هؤلاء زيد بن سان الزنانى الذي دفعته غيرته الدينية إلى الإغراق في الإخلاص واعتناق مذهب الاعتزال الواصلى، بل وكان من دعاة هذا  أن يغزو كل أرجاء المغرب وأن يكون له فيه أنصارا عديدين تجاوزا الثلاثين ألفا فيما تذهب إليه بعض الروايات التاريخية،  وحتى قالوا أن قائل الستين الآتيتين يشير إلى هذا الانتشار والذيوع، اما البيتان فهما:
له خلف شعب الصين في كل ثغرة
                  إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزمهم
                  يتهكم جبار ولا كيد ماكر
على أن بقيا من هذه الطوائف الاعتزالية الواصلية توجد حتى الآن بالقطر الجزائري، وبالذات في واحات ( مزاب) من صقع ( غرداية)، وهؤلاء هم الذين كانوا- وكما أشرنا قبل – أقاموا لهم إمارة هناك في الأراضي الجزائرية مما يلي ( تاهرت) وكانت عاصمتهم ( ايزوج) كما يقول ( ابن خرداذبة)..
ويقال أن سكان أورية الذين حل بينهم إدريس الأول صحبة مولاي راشد الذي كان يتزعمهم عبد الحميد الأوربي كانوا أتباع المعتزلة  الواصليين، الشيء الذي سهل مهمة راشد في إقناع أبناء جلدته وقبيلته، إذ يقال أنه أوربي  الأصل، بضرورة التعاون مع المولى إدريس  لقيام أول دولة علوية عربية مستقلة عن بغداد، وبين الاعتزال والتشبع  لحمة نسب ووشائج قربى لا تخفى عنا أحد.
والشيعة هي الأخرى بذلت جهودا جبارة مشكورة في ميدان تعريب البربر، وتثقيفهم ثقافة إسلامية عن طريق محاولاتها المتكررة  الناجحة حينا، والفاشلة أحيانا إقامة وجود سياسي لها في هذه الديار، قد حققوا في  الهدف  الشيء الكثير، عندما استطاع العلو يون في المولى إدريس أثر انسياجه وأخوته محمد النفس الزكية الذي كان ثار ضد المنصور العباسي وأخاهما سليمان   الذي قيل أنه هو الآخر  نزا نواحي تلمسان، حيث استطاع أبناؤه من بعده أن يستقلوا بها ويكونوا لهم بها إمارة، ثم أخاهما عيسى الذي انتهى به المطاف إلى القيروان أقول حين استطاعوا في المولى إدريس أن يحققوا أملهم فيقيموا لهم دولة باسم دولة الادارسة العربية المسلمة، هذه الدولة التي كانت بحق قاعدة انطلاق الثقافة الغربية الإسلامية نحو آفاق التفتح والانتشار، عبر كل أقاليم الشمال الإفريقي بل كل أقطار أفريقيا تقريبا.
على أنه من المحقق الأكيد أن يبدأ التفكير في بث ثقافة إسلامية في المغرب بدأ مبكرا جدا، وحتى قبل عهد عقبة ابن نافع الفهرى، وموسى بن نصير، إذ مع الفتوح  الأولى للإسلام فيما بين النهرين، والتي توجت بفتح مصر يد  عمرو بن العاص،  أذن عثمان ابن عفان لواليد  على مصر عبد الله بن أبي سرج-  في السنة السادسة و العشرين في الهجرة – في فتح بلاد البربر..
ومعلوم أن الفتوح الإسلامية كانت تعتني-   بالدرجة الولي-   بالعلم و الثقافة، وبتعلم في دين الله عقائد  دينهم وأصولها، وبتلقينهم طقوس هذا الدين التي تعتبر فيها القراءة شرطا أساسيا، على الأقل في الصلاة !
ثم تعاوز ولاة العرب من قبل دار الخلافة، فكان معاوية بن خديج، وعقبة بن نافع، أبو دينار، وحسان بن  النعمان الغسانى إلخ
لو عثر على آثار رموز في هذه الحقبة القدماء  وكتبهم التي تناولت تاريخ هذا العهد،  بالأخص آثار  أمثال أبي عبد الله محمد بن يوسف المعروف بالوراق والمتوفي سنة 292هـ، والذي  كتب – فيما قبل-  عن سجلماسة ونكور وتاهرت وفاس وعن البصرة التي قيل في جمالها:
قبح الإله اللهو ألا قنينة
                   في بصرة، في حمرة وبيض
الخمر  في لحظاتها والوردفى
                  وجنابها والكشح غير مفاض
وأمثال آثار ابن الودون، والبرنوسي اللذين قيل أنهما كتبا عن تاريخ الادارسة،  وقد أشار إلى المؤرخ  الأول صاحب كتاب ( بيوتات فاس) بينما نقل عن الثاني صاحب كتاب القرطاس، أقول لو عثر على أثار هؤلاء وأمثالهم لأمكن التعرف على كثير من مظاهر الثقافة والأدب العربيين للعهود  الأولى للوجود الإسلامي بهذه الديار،  أعنى عهود ما قبل عهد الادارسة فعصرهم ثم عصر مغرلوة وبني يفرة.
على أن صاحب الاستقصاء، نقلا عن مؤلف ( الحجمان) تحدث عن جماعة من المغاربة الذين  يمكن أن يكونوا قاموا بزيارة خاطفة  إلى الجزيرة  العربية للقاء عمر بن الخطاب وحتى الرسول عليه السلام، وأنهم أسلموا على يديه، وعادا ليلقنوا أخوانهم أبناء جلدتهم تعاليم الدين الحنيف امتثالا للآية القرآنية الكريمة (... فلولا نفر من كل فرقة فيهم طائفة ليفقهوا في الدين ولنبذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
ويقال أن هؤلاء النفر هم الذين يطلق عليهم ( دقاء سبع رواضى) بجبل الحديد من ناحية الشياظمة، وإذا كانت القصة لا تخلوا من بعد وتنقصها الأدلة الثبوتية  القاطعة فإنها مع ذلك ليست مستغربة وليست ببعيدة.
 الحديث صلة

(1)  انظر كتاب تاريخ لفيكتور دورى HISTOIRE ROMAINE :VICTOR DOURY

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here