islamaumaroc

أغلاط شائعة.

  دعوة الحق

191 العدد

شاع بين كثير من الناس، عبارات وجمل، تجرى بينهم في محاوراتهم ومناظرتهم، كأنها من المسلمات.لا يحاول أحد منهم أن يردها، أو يناقش معناها، مستدركان أو معترضا، هي في الواقع خطا بحت، ليس لها نصيب من الصواب. بل منها ما يمس العقيدة ويخدشها، بحيث يصير معتقد معناها، واقعا في الضلال، وهو لا يشعر.
 وتلك الجمل الكثيرة، أحاول أن أجمعها في كتاب خاص، مع بيان خطرها وضررها.
وإني ذاكر هنا بعضا منها، نموذجا لباقيها، وعنوانا عليه.
-1-
من تلك العبارات، قولهم: المزية لا تقتضي التفضيل، وهي أقبحها وأشد ضررا. وأظن الشيطان ألقاها على ألسنتهم، ليضلهم بها.
فسبب هذه العبارة الخبيثة اعتقدوا أن في الأولياء من هو أعلم من بعض الأنبياء.
كما اعتقدوا أن بعض الأذكار أو الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، يوازي القرءان، بل يزيد عليه مرات.
مع أن تلك العبارة التي بني عليها هذا الضلال وأمثاله، كاذبة ومختلة.
أما كذبها، فلان المزية تقتضي التفضيل حتما. وذاك لوجهين:
1- أن معناها هي: الخصلة التي توجد في شيء دون غيره، فيتميز بها عليه، هذا هو معنى التفضيل.
2- أن المرية والفضيلة والخصيصة والمنقبة، ألفاظ مترادفة، تدل على الخصلة التي بفضل الله بها بعض مخلوقاته، وقد تكون وهيبة أو كسيبة.
 فالنبوة والرسالة، مزية وهيبة، وخصيصة وفضيلة ومنقبة، فضل الله بها أنبياءه ورسله.
وتخصيص جبريل عليه السلام بالوحي، مزية وهيبة وفضيلة وخصيصة ومنقبة، فضل الله بها  جبريل على الملائكة.
والعلم، فضيلة ومزية وخصيصة ومنقبة، فضل الله به العالم على الجاهل.
وليلة القدر، فضلها الله بنزول  القرءان فيها. وهي مزية وفضيلة وخصيصة ومنقبة، وبها أيضا فضل الله شهر رمضان.
يوم الجمعة، يوم عرفة، يوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، فضلها الله بمزايا لم توجد في غيرها من الأيام.
وفضل الله مكة والمدينة، بمزايا لم توجد في غيرهما من البلاد.
وإذا تعارضت المزايا في شخصين أو زمانين أو مكانين، فضل أحدهما على الآخر، بأكثرها عددا، أو أكبرها وزنا وقيمة.
ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، لكثرة مزاياه، وعظم وزنها وقيمتها.
وعلى هذا الأساس يحصل التفاضل بين الصحابة والأئمة والعلماء والأولياء.
ثم المزايا التي يمكن المفاضلة بينها عند التعارض، هي العارضة لصاحبها، الرسالة والصحبة والعلم والزهد مثلا.
أما المزية الذاتية للشيء فلا يمكن أن توازيها مزية عارضة، فضلا عن أن ترجح عليها.
ولهذا كان القرءان أفضل الأذكار على الإطلاق، لأنه كلام الله، فمزيته ذاتية له، بمعنى أنها جزء من مفهومه، إذ لا يمكن أن يتصور القرءان في الذهن إلا بأنه كلام الله وصفته.
بخلاف الذكر أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عملنا أضيف إلى الله على وجه العبادة له،  وشتان بين صفة الله وعبادته!
فمن رغم أن بعض الأذكار يوازي القرءان، أو يزيد عليه، كان كمن زعم أن قدرة المخلوق في بعض حالاتها، تساوي قدرة الخالق، أو تزيد عليها!
وكلا الزعمين فاسد بضرورة العقل، ضلال بحكم الشرع.
والحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى. هو مع أنه كلام الله، تراخى في الفضل عن القرءان، لا مرين.
احتمال أن يكون مرويا عن الله بالمعنى، لا بالفظ، والقرءان ليس كذلك، بل هو مروي بالفظ والمعنى.
احتمال أن يكون وحيا في المنام، أو نفثا في الروع. والقرءان لا يكون وحيا في المنام، ولا نفثا.
فلهذين الاحتمالين، لم يعط حكم القرءان في الفضل، ولا في التلاوة.
وأما خلل تلك العبارة، فلأن الذين يلوكونها بألسنتهم، فلا يستطيعون أن يذكروا لها معنى يفرق بينها وبين الفضيلة والخصيصة والمنقبة، حتى يمكنهم أن يقولوا: هذه مزية لا تقتضى التفضيل، وهذه فضيلة تقتضيه.
نعم، ليس لديهم تعريف بفرق بين هذه الألفاظ المترادفة.
ويلزم على هذا الخلل، فساد كبير. إذ ما من فضيلة إلا ويمكن أن يقال عنها: أنها مزية لا تقتضي التفضيل.
فيقال في خلة إبراهيم عليه السلام: إنها مزية لا تقتضي تفضيله، ويقال في موسى عليه السلام.
يقال مثل هذه ذلك في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي فضائل الصحابة.
فتبطل الفضائل، ويختل ميزان معرفتها، في هذا من الفساد ما لا يخفى.
قد يقال: أن الله تعالى صرح بتفضيل موسى بالكلام، فقال سبحانه ( يا موسى أني اصطفيتك على الناس  برسالتي وبكلامي).
فنقول: هذه الآية دليل لنا على أن المزية تقتضي التفضيل، على أن تلك الجملة كاذبة.
ومن فروع هذه الجملة- سوى ما سبق- اعتقادهم أن الولي قد يكون أعلم من النبي، مستندين إلى قصة موسى والخضر عليهما السلام، بناء على زعمهم أن الخضر ولي.
وهذا رأي ضعيف شاذ
والراجح عند الجمهور، وهو الذي لا يجوز غيره: أن الخضر نبي. والدليل على نبوته من القرءان أمور:
1- قوله موسى ( إنك لن تستطيع معي صبرا) ولا يجرؤ ولي أن يخاطب رسولا بهذا النفي المؤكد، اعتمادا على مجرد الإلهام أو الكشف، ولو أنه نبي يوحى إليه، ما علم ذلك ولا نطق به.
2- قتله للغلام، لولا أنه أوحى إليه بقتله لما فعل ذلك بمجرد إلهام الأولياء
3- قوله عن اليتيمين ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) ما علم إرادة الله ذلك إلا يوحى منه.
4- قوله ( وما فعلته عن أمري) أي فعلته بوحي.
5- علم النبي يقيني بوحي، وعلم الولي ظني بالهام. ولم يكن موسى ليرحل في طلب علم ظني، يخطئ ويصيب، ومعه علم يقيني لا يخطئ.
6- تبين لي من أسلوب القرءان الكريم أن الله تعالى إذا نسب إلى ذاته المقدسة تعليم شخص معين، فذلك دليل على نبوته اقرأ قوله تعالى
( وعلم آدم الأسماء كلها.. وعلمك ما لم تكن تعلم.. وإذ علمتك الكتاب والحكمة.. وأنه لذو علم لما علمناه.. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث.. وعلمناه صنعة لبوس لكم).
وقال في الخضر ( آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) فهو نبي.
7- قوله تعالى ( آتيناه رحمة من عندنا) أي نبوة
8- قول موسى له ( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت راشدا) أي مما علمك الله.
9-  وفي الصحيحين عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الخضر قال لموسى عليهما السلام: أنا على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم من علم الله لا ينبغي لي أن أعلمه. معنى كلامه: أن كلاما على علم من الله بشريعة تخالف الأخرى، فلا ينبغي لأحدنا أن يعلم شريعة الآخر، لأنه غير مكلف بها، وتثير دهشته واستغرابه.
وهذه هي النبوة في أجلى معانيها.
وبعضهم أسند إلى قول أبي يزيد البسطاهي: خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله، فهم منه أن الولي قد يخوض في علوم ومعارف، لم يعرفها الأنبياء. ولو يزيد لم يقصد هذا المعنى، لأنه كفر صراح.
وإنما قصد بحر الشهوات، فهذا البحر وقف الأنبياء بساحله، يحذرون الناس من خوضه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها".
وقال أيضا: " حفت  الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
وروى ابن عبد البر في الاسيعاب عن خالد بن سعيد بن العاص: أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير جهنم، ورأى والده أخذ بحقويه، لئلا يقع فيها. فقرع وقال: أحلف بالله أنها لرؤيا حق. ولقى أبا بكر رضي الله عنه، فذكر ذلك له. فقال أبو بكر: أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، و أبوك واقع فيها، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم بأجياد فأسلم.
فوظيفة الأنبياء، تحذير الناس من خوض بحر الشهوات الذي يؤدي بهم إلى النار، أعاذنا الله منها.
-2-
ومنها: قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. هذه الجملة قيلت قديما، وقعت في كلام بعض الكبراء، مثل الإمام النووي رضي الله عنه. وظنها بعضهم حديثا، ليست هي بحديث، كما قال الحافظ السخاوي.
 والواقع أنها خذا من وجوه ثلاثة:
1- أن الحسنة من حيث ذاتها، لا تختلف باختلاف فاعلها. فالحسنة من العاصي، حسنة من  الطائع. والحسنة من العالم أو الولي، حسنة من النبي.
ولا يعقل أن تكوون حسنة من صالح، هي نفسها سيئة من نبي.
نعم قد يعرض للحسنة ما يجعلها سيئة، لأمر خارج عارض لها، لا لذاتها.
وهي من أفراد  مسألة الواحد بالشخص له، جهتان، لا تلازم بينهما. وهذه المسألة مقررة في علم الأصول.
2- أن الأبرار، هم المقربون، اختلفا في المفهوم، واتحدا في ما هو صدق.
وعلى هذا يصير معنى الجملة: حسنات الأبرا، سيئات الأبرار، وهذا تهافت. والدليل على اتحادهما، قول الله تعالى في الملائكة المقربين ( بأيدي سفرة كرام بررة) مع قوله في الصالحين من المؤمنين ( وتوفنا مع الأبرار).
بررة وأبرار، جمعان لبار. أولهما جمع كثرة، والآخر جمع قلة.
عبر في الملائكة بجمع الكثرة، لأنهم مع كثرتهم، طائعون مقربون، ليس فيهم عاص.
وعبر في المؤمنين، بجمع القلة، لأنهم أقلاء  بالنسبة لغيرهم. يؤيد هذا أنه عبر في أضدادهم بجمع الكثرة، حيث قال سبحانه: ( أولئك هم الكفرة الفجرة) لأنهم أكثر بني آدم.
3- ما المراد بحسنات الأبرار؟ أن أريد جميعها؟ فهو باطل قطعا. وأن أريد بعضها، فما هو؟ وكيف السبيل إلى تعيينه؟ وما الدليل عليه.
-3-
ومنها قولهم: خطأ مشهور، خير من صواب مهجور. هذه جملة خطيرة، تدعو إلى ترك صواب كثير بدعوى أنه مهجور، لا يعرف.
وقد وقعت أخطاء كثيرة، في مسائل دينية واشتهرت، فهل يتبعها الناس، ويدعون الصواب المهجور؟ أن فعلوا ذلك ضلوا ضلالا مبينا.
ثم  الخطأ يحصل عن جهل من المخطئ، والصواب نتيجة علم بحث، فهل يجوز أن يقدم الجهل على العلم؟
والله تعالى علمنا أن نقول ( ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا).
فأفاد أن الخطأ من المعفوات، وأن الصواب هو الأصل والقاعدة.
وصرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر  يكرهون عليه".
فكيف يصير الخطأ أصلا معمولا به، ويطرح الصواب الذي هو الأصل؟!
ثم ما هذه الشهرة التي تجعل الخطأ مقبولا دون الصواب؟ أن كانت عند العوام، فلا اعتبار لها. وأن كانت عند العلماء، فلم يحصل أنهم تواطأوا على خطأ اشتهر بينهم.بل لا بد أن ينتبه له، وينبه عليه طائفة منهم.
ثم لفظ الهجر، يفيد  ترك الشيء عن عمد، كما قال الله تعالى ( وقال الرسول  يا ر ب أن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا). وقال ( واهجرهم هجرا جميلا).
وترك الصواب عن عمد، يوقع في الإثم. لأنه أما عن عناد، أو استكبار.
فاستبدال الخطأ المشهور بت، إصرار على الإثم، هو معصية.
فحق تلك العبارة أن تكون هكذا: صواب مهجور، خير من خطأ مشهور.

-4-
الأبيات المشهورة:
طلع البدر علينا
        من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
        ما دعنا لله داع
أيها المبعوث فينا
        جئت بالأمر المطاع
صرح الشيخ مسعود بن محمد بن علي جموع، في كتاب الدرة المضية من خبر سيد البرية: أنها ثيلت في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم، عند دخوله المدينة المنورة مهاجرا.
وهكذا شاع بين الناس، وهذا خطأ مشهور!
والصواب كما قال ابن القيم أنها قيلت عند قدوم النبي صلى الله عليم وسلم من غزوة تبوك، وثنية الوداع، موضع في المدينة من جهة الشام، لا من جهة مكة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here