islamaumaroc

سجدات وعبرات

  دعوة الحق

191 العدد

شاع في أنحاء الأندلس، وبين ملوك الطوائف.. أن  أهل مدينة طليطلة محاصرون.!
قبل اليوم، كانوا في هضبتهم الشامخة يتفيأون الظلال الوارفة، ويستمرئون الحياة العذبة معتبرين أنفسهم عائشين في أجود بقاع الدنيا: خصوبة أرض، وفرة مياه، وجودة هواء... بالإضافة إلى ما يتمتعون به من هدوء في النفوس ورقة في الطباع، وحلاوة في الكلام، مع شجاعة (1)-عند الاقتضاء- في مواجهة الحدث،  وصرامة وصراحة في مواجهة التيارات الفكرية. وفي الرد على الإشاعات والمجادلات والمنابذات... فاليهود يجادلون النصارى، وهم كلهم يناقشون المسلمين، وبعض المسلمين العرب الأصلاء يتعالون على المسلمين  المولودين، والمولودون يعتبرون أنفسهم- وقد أنعم الله عليهم بالمواطنة الأصيلة وبالديانة السمحاء- أنهم قد جمعوا المجد من أطرافه!.
والأديب سعد بن ياسر شاب من خيرة شباب طليطلة، انكب على طلب العلم طفلا ويافعا وشابا، ومازال منكبا على طلبه، ثقفته اللغة العربية أمتن تثقيف، استمع وطالع، واستكتب وحفظ،  وتفهم وتعمق، ثم أقبل بعد ذلك على اللغة القشتالية فأستمع وطالع، واستكتب أيضا وحفظ، وتفهم وتعمق، وزاد فخالط المولدين فاكتسب طلاقة في اللسان تحدثا، وتعرف على في صحبتها وهكذا تفتحت قريحته، فسار ملما أمهات الكتب القشتالية فاقتناها، ومضى أوقاتا بالثقافتين، مطلا على العالمين حافلين بالرواج.
أنه بمثابة خفيف ينتقل بين دروب طليطلة وساحاتها، رشاقة في القوم وخفة في الحركة، ورصانة في الإشارة والقول، ورقة وعذبة في الحديث والحوار. لا يعلم الكثيرون عنه شيئا، ولا يهمه  أن يعلم عن الكثيرين أي شيء، يكفيه أن تسير حياته في مزاجه ومبادئه التي خطها لنفسه. الحقيقة الأكيدة أنه مسلم متين العقيدة، وأنه أندلسي قح. إنما مسألة الأصول المختلفة يريد أن يدخلها في حساب... لا يريد أن يفصح عن أصله، ولن يفصدح عنه. وعند فورة الأزمات وثورة المشاكل بين ذوي الأصول والملل المختلفة، في المجامع التي يحضرها يتمسك بالصمت. وان سنحت له الفرصة  لمهرب  اختفى، حتى لا يضطر  إلى التمييز لهذا الجانب أو ذاك... ومتى هدأت الأصول، وطابت النفوس برز كما يبرز العصفور اللطيف بعد ساعات إعصار أمطار!
ان العرب الأصلاء حاولوا جذبه إلى جانبهم، وأكدوا له أن المزايا الشخصية التي يتمتع بها لا يمكن أن يتحلى الأعربي أصيل... وحاول المولدون اغراءه فأفسحوا له الصدور، وأكدوا أنه لا يمكن
أن يكون إلا اسبانيا، بكل ما يمتاز به الاسبانيين من كبرياء، وأنفة، ومن صفاء، نفس وحب للمرح، والنصارى- حتى هم- قالوا له أن استقامته وجديته  ومثابرته حتما هي صفات مسيحي  أصيل، ولو أنه ترك دين الأجداد.
مع كل ذلك فإن له محباته المتينة التي لا تداخلها عوائق ولا منغصات،  فمحباته بالنهار. ولنسكت عن مصاحبته بالليل... مع الأصفياء، والظرفاء: إدريس الحائك، وعمر الصائغ د. وعبد النبي صانع السيوف. ويحرص يوسف نخال  اليهودي- بدوره- على أن يصاحبه ويتودد له،  لكن سعدا في الواقع يجد عبئا في هذه المصاحبة وهذا العبء الثقيل لا يخففه إلا ورقة زليخا ابنة يوسف وبهاها.
أن زليخا تريد أن تكون أديبة عربية، تحبر النثر وتبدع الشعر  وتتغنى  بالاجزال، لذلك أصرت أن تتلمذ على الأديب سعد،  فلا أستاذ خير منه في مدينة طليطلة!  واكراما لها ولوداعتها ورقة طبعها وشغفها بالأدب العربي " قبل  الحاح زليخا "  الذي جاءه عن طريق والدها.. وبالمناسبة أحب أن يداخل  المجتمع اليهودي المنغلق، وأن يتعرف عليه وعلى عاداته وتقاليده، وعلى معتقداته  وأوهامه، وان سنحت الفرصة يتعرف على اللغة العبرية  وآدابها ولم لا؟ ستكون هي زليخا!.
والحقيقة، أن مهمة سعد لم تكن صعبة، فذكاء زليخا وقاد (و حسها مرهف) وفهمها عميق، وبذلك سهلت مهمة الأستاذ وتحقق رجاء الطالبة.
 لم  يكن أحلى على سمع من صوت زليخا وهي تترنم، تتغنى، تتلمذ بالأبيات الشعرية، وتتغنى على الأخص بالشعر الغزلي، الذي كان يؤثر على كيان الأديب الرقيق، ويثير الكوامن الهاجعة، ويثير- من جهة أخرى-  الإعجاب والاعتزاز، وقليلا من الغرور، في نفس الفتاة، فتزيد بذلك النيران اشتعالا !
واتسع  نطاق الراغبين في الدارسة على يد الأديب سعد المحجوب، إذ اتصلت به جمعية كنائسية منه أن يقوم بالتدريس  داخل أحد معاهدها،  تدريس قواعد اللغة العربية وفنون البلاغة وأسس العروض... للصدفة كان الفصل الذي أسند إليه يشتمل على تسع   عشرة فتاة من المترهبات، اللواتي يتضمن شبابا ونضاره وحيوية، ورقة أيضا. وتقعد  بهن قوانين الرهبنة  الشديدة حكنا وتهزهن نسائم الأدب اللطيفة،  الشديدة حينا، وتهزهن نسائم الأدب اللطيفه، ودوافع الشباب والفتوة والتفتح،  لذلك هن صامتات عوابس منغلقات طورا، طورا مبتسمات، مرحات شوارد النضرات، حلوات اللفقات والإشارات.. وهذا امتحان عسير للعواطف التي تنفعل باللفظ الساحر، والتحديف باللحظ الرقيقة، عند الأستاذ الأديب، تلك العواطف الفاتر!.
وكان يظن أن موارد أديبنا سعد بن ياسر المالية ستزيد بمثل هذه الدروس الخصوصية، ولكنه في الواقع ليس مضطرا لهذه المداخيل، فهو قد ورث من أبويه بعض  العقارات، تأتيه مداخليها إلى ما بين يديه، عن طريق وكيل... واكتفى من بين تلك  الأملاك بروض فسيح زاهر، متنوع الأشجار  والأزهار، وافر المياه، وارف الظلال، يسهر على العناية به بستانى هرم، عمل  فيه منذ فتوته حتى شيوخته بدون توقف، في زاوية من هذا الروض توجد حجرة جميلة واسعة، مفروشة بالزرابى، ومزينة بالأرائك الأنيقة والموائد المنقوشة، تتوسطه شمعدانة نحاسية فاخرة والقيمة على هذه الحجرة هي زوجة البستاني  الحازمة.. ويأتي الأصدقاء الخلطاء، النساج والصباغ وصانع السيوف إلى هذا الروض، فتكون جلسات  كلها أنس وصفاء، وتكون هناك مطارحات شعرية ونكاث أدبية، واستعراض لما وقف عليه كل واحد من الطرائف والشوادر والنوادر،  خلال المطالعات واللقاءات والمجالسات  والمناجيات..
من جهة سعد قد يغتنم الفرص السانحة بين الحين والحين فيذهب لمجالسة النساج، ويطيب له أن يمتع النظر بألوان الحرير المتعددة، والتي تعد بالعشرات، الغامق منها والفاتح وما هو بين بين، حتى لكان المعمل حديقة زاهية بالورود والرياحين الملونة، ويغتنمها فرصة فيتأمل حذاقة الصناع، وحضور بديهتهم، وطول صبرهم. فالخيوط المتشابكة-  سدى ولحام- يتوهم المتوهم أنها تداخلت وتشابكت، بدرجة لا سبيل إلى فكها، ولكن سرعان ما تنساب الخيوط، وتدخل
في بعضها، فيخرج النسيج من أسفل جيدا محكما دقيقا، وعليه رسوم وأشكال تعجب وتدهش الأبصار.
وإذا فضلت من الوقت بقية فإنه يذهب ليجالس الصائغ، وهناك يرى ما أبدعته الأنامل الحادثة بالسبك  والنقش والتخديم، مما يصلح ويليق لنحور العادات الأوانس، وآذانهن وجباههن ومعاصمهن، وأعالي شعورهن الفاحمة أو الذهبية...
وبالحام من الصديق عبد النبي ينحرف عن هذا وذاك ويتجه إلى مصنع السيوف بحي السيافين، ويرى رؤية العين الأفران في الدكاكين مشتعلة مشغول من فيها بصهر الحديد الخام، وتصفيته  مرارا وتكرارا، ومعالجته ببعض العقاقير، ثم صبه في قوالب متنوعة متفاوتة الأحجام، ومن هذه الدكاكين الساخنة تحمل المسكوكات من السيوف والخناجر والمدى إلى أيد  الصناع الحاذفين لتطرق وترفق  وتسن، وتوضع لها المقابض المزخرفة والحواشي المنقوشة وتعطاها  العناية الكاملة ... وتتناهى إلى سمع القادم إلى هذه السوق أصداء الطرقات الرنانة  التي لا تخلو من عذوبة وجاذبية  غير أن الأديب سعدا يرى غيره، ويسمع ما لا يسمع! أنه يتخيل بمجرد قدومه رقابا مفصولة عن أجسادها، في مكان ما، من بلاد الافرنج أو الاسبان القشتاليين، أو في بلاد الإسلام الشمالية أو الجنوبية ويا ما في ذلك  من قسوة وقلة رحمة... طالما تعجب كيف أن أديبا رقيقا مثل عبد النبي يساهم في حصول هذا الضرر العظيم، الذي ينزله  البشر ببعضهم، دون حقد- أحيانا- وضغينة، ودون سابق  معرفة أو اتصال بين الجندي وصاحبه ألا يعرف؟  ألا يعرف  هذا الرجل  أن سيوفه، التي يصنعها بهمة وخذق، لا تصلح لشيء من الأشياء، سوى القطع والبتر والبقر والذبح. والعياذ بالله!
 على كل حال، أنها زيارات ولقاءات يستأنس بها الأديب في أموال تفرغه من دروسه التي يخص بها الراغبين أدبه وعلمه وخبرته وسلامة وذوقه، وكذلك الراغبات فيها.. في أحوال تفرغه من  الدرس الأسبوعي العامر الذي يتلقاه، والذي يزيد به من تضلعه وتعمقه على يد العالم الفاضل الجهبد ( محمد بن عيسى البلغمى) أنها دروس  حافلة، لم ينقطع عنها سعد أبدا، من أيام شبابه الأولى منذ كان الأستاذ  العالم وافر الصحة ويقوم بها يوميا.. انها دروس عامرة ممتعة مسوقة، كلها  فوائد وطرائف، بفضل ما يتوفر عليه  المدرس العالم من براعة وتضلع وتعمق في التحليل والاستنتاج،  من  حافظة خارقة  تساعده بسير على التذكير والاستحضار والاستشهاد... سعدا يكاد يجزم – وهو تلميذ له منذ عدة سنين- أن هذا الرجل عالم عن جدارة، فمعينه لا ينضب، واطلاعه شامل وخبرته تصل إلى معارف الدنيا كلها، فهو فقيه، ومحدث، ومتفلسف، ومتصوف، وعارف بالمذاهب والأديان والملل والنحل، وما تفرغ عنها، وهو  طبيب وعشاب ومؤرخ ومقوم بلدان، ومنجم، وحكيم وهو كذلك خبير زراعي وكيمائي وبيطري، وهو يبدع الأشعار والموشحات والأزجال... أما علوم اللغة وفنونها وخفاياها... فلا يجاريه منى ذلك أحد!
وهذا العالم وفي لمدينته طليطلة، متعلق الفؤاد بها، يعرفها أسرة أسرة، فردا فردا،  وله صلة وثيقة بأفذاذها  من أهل العلم والخبرة.. لا يفوته اسم درب ولا حي ولا ساحة ولا ضاحية ...يهتف مرارا وأنام من يحضر مجلسه، أن طليطلة خير الديار، وهواؤها أجود الهواء، ومياهها أسوغ المياه، وثمارها أطيب الثمار،  ولحومها ألذ اللحوم ويزيد بلا تردد: لم يبق إلا أن يكون أناسها خير ناس!
 أناس طليطلة الآن محاصرون، لقد قدم إليهم غازيا ( الفونسو السادس) بجيوشه الجررة وأسلحته الجبارة، وخطته القهارة...  لكنهم كانوا مطمئنين إلى أن سلاحهم لن يقهر، فوجد مدينتهم على الهضبة، تحيط بها الأسوار العالية، يجعلها بمثابة نسر آوى إلى عشه، لا يلحقه متسلق ولا محلق...!
لم يخضع العدو لهذه المناعة ولم يدخلها عاملا في قهر عز عزيمته، وإنما جعلها- لبراعته-
1) الاسم الموجود بين الهلالين اسم تاريخي.
أمس ثغرة في  الساحة الحربية يستغلها. ومن فوره ضرب حصارا واسع النطاق حول المدينة، من جميع جهاتها، وجعله حصارا صارما دقيقا لا تساهل فيه، فلم يعد هناك من سبيل لدخول البضائع أو خروجها، أو لتنقل المسافرين من  المدينة وإليها. مما جعل  الرواج التجاري في الأعالي يتوقف، وجعل الناس يسارعون إلى الادخار،  وأغرى أصحاب الأموال بالاحتكار، بمرور الأيام والأسابيع تنقصت البضائع والأقوات، وفرغت الخزائن- بكل الوسائل- مما فيها، فعم الهول والاضطراب... أن وطأت الحصار قد اشتدت، وبذلك أخذ أهل طليطلة يتبرمون، ويضجون، وتطور الأمر إلى أن اخذوا يضجون ويصرخون في وجوه بعضهم ببعض ووصلوا  إلى حد أن تنابزوا وتشاتموا ثم تقاذفوا.. وارتأى رؤساءهم أن يفتحوا مفاوضه مع العدو الذي ضرب عليهم الحصار...
 وما شعر سعد وهو قبالة أستاذه الشيخ المدرس إلا والجيوش الغازية تدخل عليهم بيت الله، وأخذوا ينهرون الجالسين بغلطة وجفاء: 
( هيا، هيا أخرجوا من هنا لقد صار المكان كنيسة ولم يعد مسجدا...)
وتوزع الحراف من خير لمهندسين القشتاليين الملمين بفن الهندسة الرومانية والقوطية.. توزعوا في أنحاء المسجد حديثهم يتبادلون الرأي ويخططن لمحو الآثار الإسلامية، وطمس  معالم المحراب، وما عليه من نقوش وكتابات فاخرة، كما أرتاوا التقليل من شموع النور بإغلاق بعض الشماسات والكوات، وأشار أحدهم بإزالة النافورات ومجارى الماء، بعد إغلاق باب الميضاة نهائيا... فلا حاجة للقوم بعد إليهم لطهارة ظاهرية أو باطنية !.
وانتظر الجنود المقتحمون أن يفرغ العالم المدرس من درسه، وأن ينزل عن منبره العتيد بعد ما صعد فيهم النظر الشديد فأوقفهم عند حدهم وبرصانة العلماء ووقارهم، بدون إظهار لأي تأثر أو خوف  أمر تلميذه القديم سعد أن يتابع سرده، إلى أن تم  الدرس  بكيفية عادية.. وعند هذا  الحد قام الطالب وتقدم إلى أستاذه وتناول راحتيه معا، وتحت أنضار الجنود الجفاة- قبلهما ظاهرا وباطنا، ومال على الرأس فقبله أيضا بحرارة، أنه شكر السنين الطول، ومرارة الحالة العسيرة التي  وصل المسجد الكريم.. وتسمر  الجنود  حيث هم، وتار عجبهم  من هذا الثبات النادر، ومن هذه  الثقة الغالية بالنفس، وتعجبوا من هذا الإجلال كله بين أستاذ وتلميذه، وكادوا يحسبونها علاقة بين عابد ومعبود! وبلغت  الدهشة بالجنود منتاها  حين رأوا الرجل الوقور، وهو يتوجه في تؤدة وخشوع إلى جهة المحراب، عند المحراب طال به الوقوف. وطال به الركوع، وطال به السجود ... وأخيرا رفعمهما كفين مليحتين طاهرتين إلى الله المتصرف الأعلى، وأخذ يبتهل، واثقا أن هذا آخر ابتهال  لمؤمن موحد،   مخلص في توحيده، وغالبته الدموع فغارت غزيرة، حتى بللت اللحية المستدلة،  وكاد الشيخ ينهار من شدة المشاعر المؤلمة، لكنه وجد في تلميذه الوفي  سندا،  من حيث أخذ بيده إلى الباب، ثم إلى الطريق، ثم إلى منزله المجاور للمسجد، وهناك ودعه، وأستودعه زيد الله تعالى.
وكان الموقف الرهيب هذا بمثابة ضربة شديدة نزلت على رأس الأديب سعد، الحسن النية السليم الطوية، الذي كان يتوهم خيرا من الدنيا وأهلها، إلى أن رآهم في هذه الأيام في أحوال لا تعجب أبدا، بل تخيب الظنون بمرارة... لقد استيقظ شيء كان غافيا في أعماقه، من حيث تيقن أنه إذا كان مسالما فالآخرون ليسوا مسالمين، وإذا  كان ودودا بالنسبة للجميع، فالجميع ليسوا مستعدين لمنح ودادهم، وأن الأمان الذي كان يشعر به على الأرض الثابتة ما هو إلا أمان من قبيل  الأمان الموجود على ظهر سفينة، مائية بين أمواج صاخبة... أنه الآن، مهدد بانتزاع الأملاك التي ورثها عن الأجداد، فهو على هذا- يهدد  بقطع الرزق، الذي تقلب في نغمته منذ سنين طويلة  وهو مهدد بفراق مسقط رأسه والمجالى التي ألفها، والشعراء والأصحاب الذين الفهم وألفوه. لا مفر له  من هذا أو يستسلم؟ هل يستسلم للذين سيقولون أخرج من هذه الأرض! فإن قال لهم: إنني عربي أو بربري، قالوا له:  اذهب إلى بلاد العرب والبربر. وان قال لهم: أنا مولود فأصلى اسباني أجابوه: فارق- إذا- وما دمت قد غيرت دينك، فالأرض الاسبانية لم تعد أرضك ولا السماء
الاسبانية سماءك... اذهب، اذهب!. ان جابههم بالوثائق ورسوم الملكية قالوا له: لا فائدة من هذه الأوراق. لأن المدينة مفتوحة، وأنت على هذا تعد من الأسارى... يمكن أن تفتدى نفسك بالمال ثم تسرح بعد ذلك، لتذهب حيث تشاء من ارض المسلمين... ويلاه، وكيف يخرج من أرض يعرفها  إلى أرض لا يعرفها، أرض ليس متعودا على العيش فيها. وكيف يعاشر قوما ليسوا مثل قومه، ولا يشبهونه في أي شيء .. ما أصعب ذلك وما أمره.
وخرج سعد يفتش عمن يوجد معه حلا لهذه المشاكل. وكانت أقرب دار إليه هي دار اليهودي  يوسف والد زليخا، لكنه وجد الأب والابنة في حالة من أسوأ الأحوال. أن الاسبانيين أشد معاملة في حقهما وأقسى من كل الناس. لقد سلبوا كل شيء، وطاردوهما من سكنهما شر مطاردة... كان الموقف عسيرا عليهما، فلا مجال للحديث والنجوى!
وذهب من توه إلى الأخوات الراهبات، لكن الأخوات الراهبات كنا مع الإخوان الرهبان، ومع من يخدمونهم ويساعدونهم منكبين على صلوات  الشكر الشكر للمعبود الذي أعطاهم هذا الانتصار  الكبير، بلا مقابل، وراجع للمسيحية معقلها التاريخي، بعد غياب استمر أربعة قرون ! لقد  كانت الصلوات حارة، والتراتيل ملغومة صداحة والأصداء تتردد في أنحاء المعبد الكبير.
لوى سعد رأسه حسرة، وأدبر يريد الخروج، لكن أحد الخدم من المولودين الصحيحي الإيمان والإسلام جذبه إليه، وأدخله مسكنه الجانبي، وناوله من فوره قدحا من لبن المعزى الطري المحلوب لتوه، وأخذ يحكي له، بلسان مضطرب، وجنان فائر  بالأحزان العميقة الالآم التي توشك أن تمزق الأحشاء :
- ألا تعرف تفاصيل ما حدث؟
- لا، لم تصل بأحد، لقد بقيت منعزلا طيلة هذه الأيام، حتى خرجت هذا الصباح لتلقى الدرس الأسبوعي....
-  دعني أحكى لك الأطوار التي مرت لتكون منها على بينة: لقد اشتد الحصار كما تعلم يا سعد، ولم تثبت الأقوام في مواقفها، فسرعان ما ثار بينهم النزاع والصراع.. وقر الرأي على أن يخرج وجوه طليطلة وأعيانها في وفد إلى ( ألفونسو) ليفاوضوه...
وفعلا، دخلوا عليه دخول المواثقين بأنفسهم، المتأكدين من هواب موقفهم، المعتزين بمن يحمي ظهرهم ما ملوك الإمارات العديدة، التي تتفاوت قوه وثراء ونفوذا... دخلوا عليه ليؤكدوا أن ( القادر بن ذي النون) أميرهم الضعيف الذي سبق أن طاردوه، لا يساوى شيئا أمام الأمراء الآخرين الذين يمكنهم أن يتدخلوا لمناصرتهم تدخلا صارما مباشرا، عند اشتداد الأزمة، وأنهم لأهمية  مدينة طليطلة سيفدونهم بالمال والرجال...
استمع ( الفونسو) إلى أقوالهم وأمانيهم وتلميحاتهم، ثم قهقه في وجوههم ساخرا، وارتكب في حضورهم ما لا يليق ما التصرفات، خصوصا وهم بمثابة سفراء، والسفير عادة يحظى بالتقدير اللازم له،  واللائق بالمقام  الذي تحظى بت دولته التي بعثته... غير أن ( الفونسو) ضرب بهذه الاعتبارات عرض الحائط، ونكاية بهم أبرز لهم أول ما أبرز مندوب أميرهم ( القادر)، وظهر  المسكين أمامهم ذليلا حقيرا، لا يجد من نفسه القدرة على رفع بصره، للنظر في وجوه بني قومه، فأحرى أن يقر بهم أو يتحدث إليهم.
وصرخ ( الفونسو) في وجه المندوب، آمرا إياه أن يتحدث إلى أناسه ! لكن الرجل ارتجف، وذهب عنه كل قول، وانتقل سائرا- دون قصد منه- إلى أقرب مكان للملك القشتالي الجبار، وقال بصوت خائر ضعيف:
- أنا لا أستطيع أن أقول إلى شيء، القول هو ما قلتم أيها السيد الجليل، وفي نيتي ألا أغادر حاشيتك حتى الموت!
قهقه ( الفونسو) مرة أخرى والتفت إلى الحاضرين  وقال:
- لقد تكلم مندوب أميركم، لو أنه الآن في جملة حاشيتي، وأنا- كما هو معروف عني- لا أضيق بكثرة الخدم والحشم ... ماذا بقى عندكم؟
 قولو:
- سنرجع إلى قومنا الذين أوفدونا، ونشرح لهم الموقف، إذ من الممكن أن يتوسطوا لديكم بأحد الأمراء الجيران...
صفق الفونسو بكفيه الخشنتين وقال:
- أيها الحاجب، أدخل على مندوبي ملوك الطوائف واحدا واحدا، ودخل صاحب ( المعتمد بن عباد) مضطربا، وقف ساكنا أمام ( الفونسو) ينتظر إشارة منه...
قال ( الفونسو)
- لقد أبطا علينا سيدك المعتمد بإرسال الجزية، أظن أنه يريد أن يماطل، وأن يتلاعب بتعهداته معنا... اسمع، إذا عدت إليه، فقل له  أن السيد ( الفونسو) ملك قشتالة وفاتح طليطلة لا يقبل مرة أخرى بهذا التأخير، وإلا،  وإلا ذهب جنودي لانتزاعه من أريكة الإمارة، وجاءوني به اسيرا...
 أجاب  ممثل الأمير:
- لقد كان يدير مسألة جمع المال، وينتظر الجباة الذين يستخلصون الأموال من السكان البخلاء، مما اضطر معه إلى استعمال الشدة مع هؤلاء، إلى أن تجمع القدر المفروض، واعدكم باسمه أنه لن يعود إلى شل هذا!
وأشار إليه الفونسو:
هؤلاء ممثلو سكان طليطلة جاءوا لمفاوضتي هل عندك ما تقوله لهم باسم أميرك؟
ليس عندي ما أقوله لهم، أن الخير فيما أختاره الله،  الطاعة  أولى من العصيان!
قهقه الفونسو، وللمرة الثالثة وقال لحاجبه:
- أخرج هذا، وادخل ممثل قرطبة.
ودخل السفير القرطبي منخلع الفؤاد، متلفتا حواليه، وإذا به يفاجأ بوجوده في طليطلة يعرفها حق المعرفة. اضطرب وتسمر حيث هو، وأشار  إلى الفونسو أن يعفيه من الكلام! لكن الملك القشتالى أبا إلا أن يقحمه في الموقف بإصرار، ولذلك خاطبه بعجرفة متناهية:
- تقدم إلى هنا، أنت يا هذا لم تؤد واجب  التحية الملكية في حتى ... واصل بك الذهول  إلى هذا الحد؟ قل؟ هل وصلت جزية مولاك ذاملة.
- نعم يا سيدي الرفيع المقام، صلت، ووصلت معها آيات الولاء  والخضوع، لقد ألح على مولاي الأمير  أن أجددها لكم كلما رأيتكم!
- أنا لا أغتر بالكلام !
- هذه رسالته إليكم بهذه المعنى
- اقرأها على الجميع...
وقرأ المندوب الرسالة، بتفصح وتصنع وتنغم، وكانت الرسالة غامضة المقصود، بما شملت به من عبارات السجع، الذي يكثر به الكلام ونقل الفائدة... لكن الواضح من ثنايا الكلام المسجوع أن الولاء لملك قشتالة تام ومستمر وراسخ ولا تزحزحه الأيام وتقلباتها ولا يضيره أن تسقط إمارة من الإمارات، أو يعتقل متآمر من المتآمرين!   وتتابع سفراء الإمارات الأندلسية واحدا بعد آخر، كلهم اظهروا من الخضوع والخنوع والتمسح بالأعتاب القشتالية ما أدهش وأخرص  السنة الذين جاءوا للمفاوضة، وشعروا معه بما يشه الانهيار، وتبادلوا فيما بينهم نظرات منطفئة، وقرأوا في وجوه بعضهم إمارات الذل والانكسار...
ومع ذلك استيقظت فيهم بقايا من نخوتهم العريقة، وركنوا إلى قليل من العناد... وتكلم ممثلهم وكأنه ينطق باسمهم جميعا بعد اتفاق متين:
- ان سكان طليطلة مستعدون لتحمل الحصار سنوات لا شهورا، والاقوات المخزونة عندهم تكفى لذلك .
علق الفونسو على الفور:
-أعرف، ذلك، ألم أكن ملتجئا عند أميركم الضعيف هذا المسمى ( القادر)، وعرفت من أحوالكم ما لا تعرفوا! أنه يمكنكم أن تصعدوا لمدة
سنة، ولكن المحصول  الجديد لن يتهيأ لكم استغلاله لأنه في قبضة محاصريكم من جنودنا، أنه قوت لهم وليس قرتا لكم... أظن أنه- نظرا لشجاعتكم- يمكنكم أن تصعدوا سنة ثانية، هذا ممكن،  لكم في تلك السنة أن تأكلوا لحم بعضكم،  أما من جهتنا فيمن أن نستمر في الحصار سنة ثانية وثالثة، لا مانع عندنا، ومن ثم سندخل المدينة الباسلة الصامدة، لنطهرها من جثث الهالكين منكم جوعا... وكيفما كان الحال، فمدينة طليطلة سترجع إلينا!
قال السفير: الناطق باسم الوفد:
- إذا كنتم يا مولاي الملك تواجهون المشكل بعناد،  ونواجهه نحن بمثل ذلك،  فالمشكل قد يتطور إلى حالة أسوأ، قد لا نستطيع نحن  ولا تستطيعون أنتم التحكم فيه، إذ لا يعرف أحد ما تأتى به الأيام .
وأجاب القشتالى عابسا:
- أننا أقبل هذا التهديد  الفارغ، أنه تهديد الجائعين الخائفين، ومع ذلك فأنى أعطى وعدا على رؤوس الإشهاد بأن أعطيكم حرية الهجرة بالمال والولد، وإلا يباع عقار بالرغم عن مالكه، وان يحتفظ الذي يرغب في البقاء بكل ممتلكاته، ولا يمس المسجد الأعظم بسوء وأن تبقى اللغة العربية والعلوم الدينية وغيرها....
- نحن نريد أن تفك الحصار عنا، وأن تعاملنا كما تعامل الإمارات الأخرى.
- آه، أخذ الجزية؟ هذا لا يكفى، لقد تنازل أميركم الحقيقي لنا عن طليطلة العزيزة، عاصمتنا القديمة، دار ملكتا، ومستقر أسقفيتنا، ولا يمكن أن أخون ملتي وقومي، لقد انتهى الأمر!
- - تناول؟
- نعم، وهو مندوبه أمامكم موافق على ما أقول!
- نستأذنكم أيها الأمير في الرجوع إلى قومنا الذين أوفدونا.
-  الرجوع لا يمكن أريد أن احتفظ بكم كرهائن إلى أن تفتح طليطلة أبوابها، عندئذ تصحبوننا في الرجوع إليها، وإلا فلن تكتب لكم تلك  المصاحبة عند الدخول التاريخي...
-  أتريد أن تقتلنا؟
-  طبعا، الحرب معناها القتل أيها السادة! وبكل وسيلة ممكنة، وبمواجهة أو عدم مواجهة... أرسلوا أحدكم ليبلغ هذا لقومكم المحاصرين أني اختار هذا الشيخ... أيها الحراس اصحبوه إلى أن يقترب من أحد الأبواب ....
وهنا أخذت دموع حارس الكنيسة تسيل وكمل:
ومر الليل وطلع النهار، يا سعد حتى رفعت الرايات البيضاء، وفتحت الأبواب، ودخل الجنود منتصرين، وتبعهم مستغلوا هذا الانتصار... هذه تفاصيل سمعتها من شاهد عيان حضرها المحفل الرهيب، لقد شاهد القوم كلهم ضعفا، أيام  طغيان القشتالى الحقود، وما هو بالقوى الذي لا يقهرن وما هو من جهتهم عديمو  الصبر، ما أشد تخاذل بعض الكبراء عند الشدائد هيا خذني معك حيثما تسير، ما أرى القوم إلا مكنشفين سرى، وعندئذ يا ويلي منهم... أرض الله واسعة!
وصارا معا في حيرة وانزعاج، الحارس يشد على يد سعد، وسعد هائم في الدروب كالمجنون، لقد تلقى ضربة قاسية، لقد كان مطمئنا من تقلبات الأحوال، وواثقا من حين المصير بين أهله  وخلانه وفي روضه الجميل... أما الآن فلا شيء ستوى الشرود والهيمان والضياع.
الطروق الآن زاخرة بأشكال وألوان من الناس والجنود، ويكثر  فيها الغبار ويعظم الضجيج والنساء المسلمات واليهوديات يولولن متفجعات من سوء المصير، والرجال عقدوا اجتماعاتهم غير المجدية بالمساجد، والشبان واليافعين يصطادهم
القشتاليون ويسوقونهم مقيدين بالحبال إلى المجازر البشرية! والحمالون مشغلون جدا وهم يغالون في أثمان نقل المتاع  إلى خارج المدينة، والتجار أفرغوا دكاكينهم من البضائع المتبقية، والصناع سكنت مطارقهم وأدوات صناعاتهم الصغرى والكبرى ورفقاء الأديب سعد ما هو مصيرهم؟ وأين هم الآن؟
مسكين صاحب السيوف عبد النبي، لقد قبل له أن الجنود اعتقلوه فور الاحتلال، وهو صناع حومة السيانين، وصادروا بضاعتهم الرهيبة. ويتهامس الناس، أنهم ذبحوا عن آخرهم بحد سيوفهم البتارة، ويا للهول! أما الصائغ عمر، فلقد حطموا متجره في جملة ما حطم من متاجر الصياغين، وبعثرت بضائعهم الثمينة، حتى يقتنى كل جندي قشتالى ما يعجبه من مصوغات لأهله  وذويه، وقع هذا في الوقت الذي كان أصحاب الدكاكين غائبين... وتجاه اشبيلية فر الحائك إدريس، ومعه جميع بضاعته، وذلك بمجرد فتح الأبواب. إنه كان واثقا عهد للفاتحين القشتاليين ولا ميثاق!

(1) الاسم الموجود بين الهلالين اسم تاريخي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here