islamaumaroc

قصة: الغريب

  دعوة الحق

191 العدد

وصل إلى فاس في ساعة متأخرة من الليل. الساعة قدرها وهو في الطائرة بعدما قطع الرحلتين بين مطار النواصر والدار البيضاء، ثم بين الدار البيضاء وفاس في سيارتي أجرة. الح على أن يصل تلك الليلة. لم تكن لديه من الصبر ما يكفى لانتظار الصباح رغم أنه انتظر ثلاثين عاما.
في الفندق فتح الموظف المداوم النعسان جواز الفاتيكان الذي يحمله، قرأ الاسم وصحا تماما كأنما صب على وجهه كوب من الماء.
مازال الناس يذكرونه أذن ويروون حكايته.
وحين خرج العامل الذي حمل حقائبه إلى  الحجرة فتح الشرفة فتسربت منها موجة من برد نوفمبر أقشعر لها جلده. وأطل على حديقة أندلسية تنيرها مصابيح مغروسة في الأحواض ينعكس ضوؤها على قطرات المطر وأشجار البرتقال.. ومن خلف أسوار الحديقة رأى أنوار المدينة القديمة وسطوحها ومآذنها وقبابها الخضر كأنه يراها في المنام.
في أحلامه كان يطل على مدينته من حجرة ضيقة وباردة فوق جدران الفاتيكان، فكانت تبدو بعيدة والجدران عالية. وكان يرى أمه تحت، تشير له ألق بنفسك فيجيبها:
" لا أستطيع" ولا تسمعه.
بعض الأحلام- لشدة واقعيتها- يصعب التفريق بينها وبين الحقيقة، والعكس.
وهبت على الشرفة ريح تحمل رذاذ مطر خفيف بلل وجهه فمسح وجنتيه بكم لباسه الكهنوتي كأنه يمسح دموعا. ولربما كانت هناك دموع في وجهه المبلل بماء المطر.
ترك الشرفة. أغلق بابها الزجاجي. غير ثيابه. اقترب من جهاز التدفئة وهمهم بالصلاة ورأسه مسند إلى سبابتي يديه الملتصقتين ثم وضع راحتيه على سقف الأنابيب المعدنية الساخنة ليدفئها ودخل في الفراش.
محال أن ينام الليلة.
حواسه يقظة، متحفزة ورأسه يضح كأنه وكر زنابير.
عادت الأحداث والصور التي كان يحسب أنه نسيها. انبعثت من الماضي حية، واضحة، بأدق التفاصيل، كأن الثلاثين عاما لم تكن.
رأى الشاب- الذي كأنه- يقف في ذلك اليوم المشهود  والكهان من حوله منشغلون به،مستغرقون في حركات وتراتيل.. كانت عيناه معلقتان شمعدان
يساوي قامة الغلام الذي يحمله بينما خياله يستعرض أحداث البيت حين يصله الخير.
أمه ستعاودها الحالة التي رآها عليها مرة في طفولته فملأته فزعا وجعلته لمدة طويلة يجفل منها ويخافها ويشعر بالنكد حتى تمنى الموت.
ستلطم وجهها وفخديها وتكشف رأسها  وتشد شعرها.. وسوف يتهاوى جسدها الممتلئ على الأرض ثم ينتفض كما يفعل الديك المذبوح. وسوف تتكلم كلاما غامضا كالرموز، كان شخصا ( خر بداخلها ينطق بلسانها.  وسيأتيها  الخدم بالموقد ويحرقون  البخور ويرشون وجهها بماء زهر البرتقال ويحضرون لها أمام المسجد ليصرع القرءان الأهواء  التي انتابتها.
أما أبوه فسيصيبه الذهول فلا يفعل شيئا ولا يعي هول الحادث إلا فيما بعد.
وسيعم الخبر أرجاء المدينة في زمن قياسي، فإن الفضائح في البلاد المتخلفة كالسمن البلدي لها رائحة نافذة ولو كانت في قرار الجرار.
وسنخنق الدار بالنحيب وتغريد النائحات الحزين بينما يردد الرجال في إشفاق أو في استسلام:
" لا حول ولا قوة إلا بالله".
انتهت الطقوس دون أن يدري وسحبوه إلى خارج الكاتدرالية فأدرك في تلك اللحظة أنه رجل غير دفينه وأن اسمه سيحور حتى يناسب النطق اللاتيني ويضاف إليه لقب  الكاهن وأن عليه أن يستأنس بالشخص الجديد الذي صحبه منذ قليل.
وفي اليوم التالي علم أن تابوتا قد شيع من بيتهم إلى المقبرة، وأن المدينة كلها مشت في جنازته الرمزية وأن الطرقات كانت تعج بحشود بشرية هادرة ب"  لا إلا إلا الله محمد رسول الله" حتى خيل للناس أنه يوم  البعث.
وقرأ في الصحافة الاستعمارية الصادرة في الرباط حينذاك:
" ... أن استقبال المدارس الكهنوتية لأطفال المغاربة قد أتى أولى ثمراته" بينما حذرت في مكان آخر من أن تزرع الحادثة الوساوس والهلع في قلوب السكان فيمتنعون من إرسال أبنائهم إلى المدارس الفرنسية ويوضع بذلك حد بينهم وبين الفكر الفرنسي.
وإلى هنا انتهى عهده بالمدينة وأهله، فقد انتقل إلى فرنسا حيث بدا حياته الجديدة كرجل كنيسة وواصل تعليمه وبعدها إلى الفاتيكان.
وشعر بوخز كعادته كلما نام على جنبه الأيمن فجلس في الفراش وأشعل النور ثم سأل عامل الفندق عن الساعة بالتليفون فقال له: " الثالثة صباحا".
وضبط ساعته التي كانت ما تزال تشير للتوقيت الإيطالي ثم عاد يحملق في الظلام.. وعادت الصور.
عمره خمس سنين. أبوه يضرب أمه. وهو يبكي ويصرخ ويكاد الفزع يقتله. يمسك بأذيال أمه وهي تمسك بتلابيب أبيه والثلاثة يتدحرجون حول النافورة الرخامية القائمة وسط الفناء المرصوف بقطع الفسيفساء الخضراء وكلام كثير يضيع في الصراخ والنحيب لا يفهم منه إلا:
" زواج.. وضرة.. والأمة السوداء".
وكان ذلك هو اليوم الذي رأى فيه أمه تصاب بالصراع.
في تلك السن دخل مدرسة الرهبان.
كان عمرو الصبي الذي يقضي أغراض البيت يحمله على قفاه في الذهاب والإياب بعدما ينفحه بشيء من الحلوى التي يشتريها من باب مولاي إدريس مقابل لفات الصوف التي توزعها في المدرسة لهذا الغرض " الراهبة ريجين" على الأطفال المغاربة.
كان يقضم قطعة الحلوى البيضاء الصلبة التي يسيل لها اللعاب ويتفرج على الصناع والدكاكين من فوق طاقية عمرو،  وقد شبك يديه حولها وشد هذا الأخير بأصابعه القوية على أسفل ساقيه حتى يمنعه من السقوط .
وفي البيت كانت ياسمين تستقبله بالتهليل. كانت تحبه كما لو كان ابنها بعدما تولت رعايته منذ ولادته، وكانت تعيد عليه حكاية مجيئها
 من  السنغال وكيف سرقها تجار الرقيق وباعوها وهي طفلة فكان يصغى إليها وهو ينظر من قريب في وجهها الأسود جدا الذي تبرق فيه أسنان ناصعة البياض.
فكان يحلو له أن يمتطى ظهرها إذا سجدت للصلاة، فإذا ضبطته أمه وهمت بضربه حالت بينها وبينه. وكذلك كانت دائما تنحاز له وتدافع عنه -  ظالما ومظلوما- وتغضب إذا عاقبه أبوه.
ترى كيف أصبحت ياسمين اليوم؟
 وارتفع صياح الديوك في السطوح.. وبعده جاء  صوت المؤذن عند الفجر، ثم لم يدرك كيف سرقه النوم.
استيقظ في الثامنة وخرج دون أن يتناول الفطور، وما أسرع ما وجد نفسه في الدروب المغسولة بالمطر.. خامر صدره انشراح طارئ.. وتنشق بعمق هواء الصباح البارد ممزوجا بأريج النعناع الآتي من حزمة يبيعها صاحبها على جنب الطريق ..
مشى بينهم.. عيناه تنظران بلهفة، ومشاعره ترق لرؤية الأزقة والطرقات المرصوفة بالحجارة والجدران العتيقة ودواب الحمالين ( وسيلة النقل منذ نيف وألف عام).
ومع مرور الوقت بدأت تفتح الدكاكين وورشات الحرفيين وترتفع أصوات المطارق...
 كل شيء كما كان.. كان الزمن توقف بهذه المدينة.. وتسرب إليه مما يراه شعور بالسعادة وأنتابه تعاطف غامر مع المارة فقال بصوت مسموع:
" الإنسان كالشجرة له جذور تربطه بالأرض".
ووجد لمحة من أبيه في وجه رجل عابر فوقف في وسط الطريق وارتفعت ضربات قلبه.
أنه يخافه أو لعله يشتاق إليه أو لعله ميت وانتبه على صوت حمال يصرخ:
" بلاك" فالتصق بجدار لتمر الداية المحملة بجلود مدبوغة أزكمت رائحتها انفه.. وتذكر أنه لم  يعرف معنى " بلاك"  هذه إلا في أسواق بغداد، حيث يردد الحمالون:
" بالسك.. دير بالسك".
ووصل إلى المسجد القريب من زقاقهم وعند مدخله كالعادة جماعة من العمي ترتل القرءان بطريقة الكتاتيب المغربية.. وضرب قلبه مرة أخرى كان حياته ستقف عند هذا الزقاق.
اتجه نحو البيت فوجد الباب مردودا... تنفس بعمق ودق اليد الحديدية دقا خفيفا. ( في طفولته  لم يكن يرحم هذا الباب.. كان يركله ولا يكف عن الطرق حتى يفتحوا له). وبعد حين سمع خطوات متثاقلة وصوت أساور، وأطل رأس ياسمين من وراء الباب.. عرفها رغم التغيير ورغم أنها أصبحت عجوزا. وأمعن النظر في وجهها فتعذر عليه استحضار صورتها الأولى.
لقد عرفته كما عرفها ولكنها ظلت صامتة.
وجاء من داخل صوت امرأة طاعنة في السن يسأل:
" ياسمين، من الباب؟"
لعله صوت أمه.
وغابت الجارية العجوز مدة خيل إليه أنها طالت وحين عادت قال لها:
- " أنا عزيز.. ألم تعرفيني؟".
- فأجابته بنبرة جافة:
" عزيز مات ودفناه منذ ثلاثين عاما" ثم أغلقت الباب وسمع خطواتها تبتعد.
التفت حوله.. خيل إليه أن عيونا ترقبه وحاول أن ينصرف فوجد صعوبة في المشي وتمنى لو كانت سيارة الأجرة تصل إلى هذه الدروب.
جلس  في مشرب يبيع الشطائر وعصير البرتقال وسمع العامل يقول له وهو يضع كوب العصير أمامه:
" الجو كئيب" فانتبه إلى أن نفسه أيضا كئيبة.. استغرقه السهوم فلم يدر كم مر عليه من الوقت في مكانه ذاك.. وحين غادره مر ثانية بمجموعة الشحاذين العمي، وظلت قراءتهم الحزينة تلاحقه حتى غيبه الطريق.
 
** أشرقت الجامعة الوطنية  للجمعيات الثقافية بالمغرب على تنظيم مهرجان ثقافي حافل بالرباط تحت شعار: " الثقافة المغربية ومفهوم المعاصرة" شاركت فيه نخبة ممتازة من الباحثين وأساتذة  الجامعة بالمغرب: محمد العربي الخطابي، د. محمد حجي، د. محمد بنشريفة، عبد الكريم غلاب، د.  عبد الله العمراني، د. عباس الجراري، محمد زنيبر، د. المهدي بنعبود، إدريس الكتاني، عبد الوهاب بنمنصور، محمد شفيق، د. المهدي المنجرة.
 وقد درست خلال هذا اللقاء الذي استمر ثلاثة أيام ( 13-14-15  أكتوبر 78) الموضوعات التالية:
- الثقافة المغربية
- الثقافة بالمغرب عبر التاريخ.
- الثقافة المغربية المعاصرة.
-  التطلعات الثقافية للمغرب.
-  الرؤيا الإسلامية للمغرب.
-  مقدمات الثقافة المغربية.
- نحو ثقافة عالمية جديدة.
 وقد افتتحت اللقاء الدكتورة زهور الزرقاء بكلمة عن أهمية الموضوع المطروح.
ومما يذكر أن اللقاء الثقافي تميز بروح البحث العلمي والموضوعية والجدية بعيدا عن الشعارات والأساليب الغوغائية التي هي أقرب إلى الإرهاب الفكري منها إلى الثقافة والفكر**

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here