islamaumaroc

من خلفيات معركة وادي المخازن

  دعوة الحق

190 العدد

عندما وقف المغرب وقفته البطولية الشجاعة أمام الجيش الغازي بوادي المخازن منذ نحو أربعة قرون، كان يتصدى لزحف صليبي شديد الخطورة، يستهدف القضاء على الكيان المغربي تمهيدا لبسط نفوذه الجشع على مناطق أخرى من البلاد الإسلامية،  والمغرب كان استحق حاقدا.. بل جيشا من الحاقدين، إذ هو البلد الذي نقل الإسلام إلى أجزاء هامة من أوروبا، واقلق المسيحية في عقر دارها، إذ وضعها أمام الإسلام وجها لوجه، يتحداها أن  تصمد أمامه، وتقوى على أن تصد عنه الأنصار والمعجبين... والمغرب هو البلد الذي استمر لعدة قرون يدعم الوجود الإسلامي العربي في اسبانيا، ويتقدم لمنازلة المتربصين به كلما دعت الضرورة إلى ذلك، بحيث كان الدرع الوافي لإخوانه مسلمي  الأندلس، شد أزرهم في الملمات، ووقف إلى جانبهم كلما حز بهم الأمر، مما أخر الكارثة التي كانت قمينة بأن تهدم دولتهم في وقت مبكر، لولا تضحيات المغرب ومبادراته الصادقة  لرد عادية الخصوم، وتصحيح الأوضاع المتردية،وإعادة التوازن إلى  الحياة  السياسة والعسكرية، لذلك التحق المغرب  حاقدا..  بل جيشا من الحاقدين.. ولقد تحمل عواقب هذا الحقد الصليبي بكفاءة عالية، ورد عليه بالمواقف الشجاعة، والسياسة الرصينة، والوطنية الصادقة، والتضحية التي لا تعرف الحدود.
ولقد كانت أخطر المعارك التي خاضها دفاعا عن كيانه وعن دوره التاريخي يؤمنذ هي تلك التي جرت داخل التراب الوطني، وفي طليعتها معركة وادي المخازن. أما المعارك الخارجية أقل خطورة، لكونها جرت وراء الحدود، ولم تكن تهدد الكيان الوطني مباشرة، وغالبا ما كان يساهم فيها وهو أكثر ما يكون قوة واستعدادا للنزال، لولا هذه القوة لما أباح لنفسه أن يقاتل خارج حدوده، ويدفع بأبنائه للقتال على أرض غير أرضيهم. وأشهر المعارك الخارجية هي معارك الأندلس، ونراها خارجية لاعتبارين: أولهما أنه خاضها في الوقت الذي لم تكن فيه الأندلس قد ضمت رسميا إلى المغرب، وثانيهما أنه خاضها بناء على استنجاد به من الممالك  والإمارات الأندلسية، أما عندما أصبحت اسبانيا تابعة سياسيا وعسكريا للمغرب في فترات معينة،  فكانت كل الوقائع الجارية داخل هذه الفترات مواقع مغربية داخلية، موصولة بجميع الحركات السياسية والعسكرية التي تجرى داخل الوطن،  لكن هناك بعض التحفظ، وهو أنه حتى  في الحقب التي كانت فيها للأندلس شخصيتها  السياسية  المستقلة، فان وقوف المغرب إلى جانبها في محنتها القاسية، لم يكن يتخذ شكل مساعدة خارجية محضة، كتلك التي اعتادت الدول الصديقة تبادلها فيهما وبينها وفقا لما رسمته بينها من سياسة، نظرا للروابط الاستثنائية التي كنت تربط البلدين
المتجاورين، وليس الأمر مقصورا على الصلات التقليدية الموجودة بين بلد عربي وبلد آخر، تجمعهما اللغة والدين والتاريخ والتراث المشترك، بل هو يتجاوز كل هذه الدعائم التي لا تخفى خطورتها ولا قيمتها إلى أمر آخر، وهو أن المغاربة كانوا هم الذين  أوجدوا الكيان الإسلامي في اسبانيا، إذ قاموا بعملية الفتح، ووضعوا الأساس الأول للمجتمع، وكونوا حزام الأمن للدولة الناشئة، وبالرغم من تدفق إخوتهم من المشرق العربي على اسبانيا، فان المغاربة ظلوا رابضين في أشد البقاع الأندلسية صعوبة، من حيث المناخ والمواقع الجغرافي،واستمروا يشكلون حجر الزاوية في المجتمع الأندلسي الناشئ، لذلك كانت نظرة المغرب إلى شبه الجزيرة الايبيرية شبيهة بنظرته إلى نفسه، وما أظن أن الجندي المغربي الذي ساهم في معركة الزلاقة أو معركة ألارك/ كان يعتبر نفسه أجنبيا يخوض حربا تقع في أرض أجنبية، بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهن أي جندي آخر ينتدب القتال خارج ترابه الوطني، أضف إلى ذلك أن صيانة الدولة الإسلامية في اسبانيا يعني فيما يعنيه، صيانة الدولة الإسلامية هنا في المغرب، فقد كان البلدان يتقاسمان كل الأحداث والحركات التاريخية، لدرجة أن كل واحد منها كان ينظر إلى صاحبه وكأنه ينظر في مسرآة.
بعد هذا الاستطراد تعود إلى وقعة وادي المخازن، لنضعها في سياقها التاريخي. فهي أولا جرت فوق أرض مغربية، وهذا يعني أنها كانت خطيرة جدا ومهددة لكيان الدولة في الصميم، كما هجومية من طرف خصومنا، كنا في موقف دفاع  لان المعركة جرت على أرضنا، وكانوا في موقف هجوم، لان المعركة جرت خارج راضهم. وما كل معركة ينطبق عليها هذا التحديد، فبعض المعارك  قد تكون دفاعية حتى ولو جرت خارج حدود الدولة المدافعة، لأنها قد تطارد أعداءها وهي تدفعهم عن أرض الوطن، وتتعقبهم إلى داخل بلادهم، لكن هذا لا ينطبق على خصومنا في معركة وادي المخازن،فهم كانوا مهاجمين لنا وقبل هذه المعركة بزمن ليس بالقصير، وتمكنوا من السيطرة على أجزاء  هامة من ترابنا الوطني، الار الذي مهد لذلك الاصطدام الكبير، المدعو معركة وادي المخازن. وهي قد جرت بين دولتين كل منهما كانت لها دوافعها الخاصة ومنطقها الخاص: أما المغاربة فالقضية عندهم كانت قضية وطنية قبل كل شيء. جيش غاز اختراق التراب الوطني، وهدد الدولة، وذهب بأمن المواطنين، لا بد من مقاومته مهما كان الثمن... ولما بالنسبة إلى البرتغاليين، فقد كانوا مدفوعين بدافع الحقد على المغرب، لمواقفه سالفه،وبدافع من التعصب الصليبي ضد الإسلام والمسلمين، وبدافع من العقلية الاستعمارية التي ترى أن يدها مطلقة في كل أرض يظن بها العجز  عن حماية نفسها من أي خطر خارجي، ولكن البرتغاليين كانوا يخفون دوافعهم هذه، تحت ستار أنجاد ملك مغربي طلب مساعدة دولة قوية، وهي تعتبره صاحب السلطة الشرعية، متقدمة لنصرته وإعانته على خصومة الذين اغتصبوا السلطة دون استحقاق.
أضف إلى ذلك أن المعركة إنما كانت قمة سلسلة من المعارك بين المغاربة والبرتغاليين، ولم تكن المعركة الأولى، فمنذ  أخذ البرتغاليون يسطون نفوذهم على بعض المناطق المغربية والمقاومة متواصلة، إلا أن قمة الصراع كانت هي وادي المخازن، ذلك أن المغيرين كانوا هذه المرة يستهدفون الدولة نفسها، وليس مجرد احتلال أطراف أخرى من ارض الوطن. وطريقة الاستعمار كانت تمر بعدة مراحل، عرفها  المغرب كلها إزاء الدول الاستعمارية المنحرشة به، فهو أولا يبدأ بالمعاملة الاقتصادية التي يتكافأ فيها الطرفان، ثم لا يلبث أن يؤسس مراكز له على  بعض الموانئ، ويتخذها قواعد للتبادل الاقتصادي، ويقبل بخضوعها لمراقبة الدولة، وعندما يتمكن من ترسيخ وجوده يحضنها بقوة رادعة متذرعا بدافع حمايتها من قراصنة البحر، ولكنه في الحقيقة يكون قد بدا تدشين وجوده العسكري على أرض يطمع في احتلالها، بدليل أنه ما إن تلوح له أول فرصة مواتية،  من انقسام داخلي، أو عجز دفاعي طارئ، حتى يستغلها فورا، فيتقدم بقوته العسكرية للانقضاض على الدولة وإخضاعها لسيطرته. وإذن الاستعمار البرتغالي عندما تقدم نحو القصر الكبير تمهيدا لتهديد مدينة فاس، وكان ينفذ واحدا من مخططاته الشريرة لوضع يده بصفة نهائية على الدولة المغربية، ثم محوها وضم التراب آخر الأمر، خصوصا وأن  الأوضاع الدولية في ذلك العصر، كانت تشهد تحولات في جغرافية الدول، عن طريق الغزو المسلح، فدول تتقلص حدودها، وأخرى تزداد حدودها اتساعا. ودول صغيرة تكبر، ودول كبيرة
تصغر، ولقد كان المغرب معرضا لشيء من هذا القبيل، إلا أن بعض المميزات الخاصة جعلته يخرج من كل محنه وأوجاعه التاريخية سليما. هذا، ولقد كان سقوط الأندلس قمينا بأن يتمخض عن أحداث كبيرة وادي المخازن. وذلك أن الأندلس كانت امتدادا للمغرب وكان المغرب ظهيرا للأندلس، ولم يكن من الممكن أن يبقى المغرب محافظا على أمنه الداخلي، بعد أن عجز عن القيام بدوره التاريخي في الدب عن دولة الإسلام هناك.
كانت من الطبيعي – والحالة هذه- أن يتعرض للغزو، إذ لا مفر أمامه من أحد أمرين: إما أن يبقى قويا  كقوة رادعة يخشى بأسها، وإما أن يطمع الأعداء فيه فيتقدموا لمهاجمته، وقد أجبره قدره التاريخي على الثانية، بعد أن جعل الأولى من نصيبه عقودا طويلة من السنين. لم يكن في وسعه أن ينسحب من الميدان، ميدان الصراع الخارجي، ليقفل عليه حدوده ويعيش في سلام، لا لان الأوضاع التاريخية لم تكن تسمح بذلك فحسب، ولكن لأن المغرب لم يعرف الحياد في سياسته الخارجية عندما يتعلق الأمر بمصير الإسلام والمسلمين، وأكثر الأخطار الأجنبية التي تعرض لها، كان بسبب مواقفه المنحازة لصالح أخوته في الدين، ومنذ أن فتح المغرب بلاد اسبانيا وهو يعتبر نفسه مسؤولا عنها، ناظرا إليها على أنها من سيادته وقوته. وفي الوقت الذي ضاعت فيه دولة الإسلام هناك أحس المغرب بأن عاقبة سقوطها ستكون وبالا عليه، إلا أن انقساماته الداخلية كانت دون مستوى وعيه بالأخطار المحدقة به بكثير، على إنني لا اجعل اضطلاع المغرب بدوره التاريخي الكبير في نشر الإسلام وتأييد المسلمين خارج حدوده شيئا حتميا في الهجمة الاستعمارية عليه،ذلك أن الاستعمار لا  يتوقف في مد نفوذه إلى الأوطان الأخرى، على أمثال هذه المبررات، وألا فباي تفسر إقدامه على احتلال أقطار في إفريقيا تفصلها عنه آلاف الأميال، دون أن تكون هذه الأقطار قد اضطلعت برسالة كالتي اضطلع بها المغرب؟ إلا أن نهوض المغرب بدوره الإسلامي والحضاري جعل الاستعمار أشد تصميما على توجيه ضرباته إليه، دون تأخير، الأمر الذي عجل بمعركة وادي المخازن. كان من الجائز أن تتقدم هذه المعركة قليلا أو تتأخر قليلا   عن الوقت الذي حدثت فيه، ألا أنها في كلتا الحالتين لا بد أن تقع بكل عنفوانها وما تحمله من دواعي الحسم. ولست مع أولك الذين ربطوا مصير المغرب بمصير هذه المعركة، حيث ذهبوا إلى أن المغرب لا يمكن أن ينهض من كبوته لو أنه انهزم فيها، إذ ستتحطم روحه المعنوية، ويتولاه الذكر، وتعمه الفوضى، ويستأسد عليه الأعداء المغيرون وأخيرا تنهار الدولة، ويتغير اتجاه التاريخ، بينما كان البعض منهم معتدلا فلم يصل بالأمور إلى هذا الحد، ولكنه يهول القضية هو الآخر، ويكاد يخرج بها عن حدودها المعقولة وعندي أن هذا كله مبالغ فيه، والمغرب ليس بالبلد الذي يضمحل فيه نظام الدولة، لأنه انهزم في معركة، لو كانت في حجم وادي المخازن. ولو أن مصيره كان معلقا على معركة لكان حقا بلدا ضعيفا متداعيا للانهيار، لكن المغرب كان البلد القوي الشخصية المقاتل باستمرار، لا  تخفيه المعارك،  ولا تنال منه الأهوال، ولو قدر له الله أن ينهزم في وادي المخازن لما انتظرنا منه إلا أن يعيد الكرة من جديد، بعد مراجعة أخطائه، وتنظيم صفوفه، وتغيير أسلوب المواجهة.
والشعوب المناضلة تعرف كيف تستفيد من الهزائم، كما تعرف كيف تستفيد من الانتصارات،وفعلا، فان المغرب انهزم في معارك أخرى سابقة ولاحقة فلم ينكسر روحه المعنوي،ولا القي سلاحه جانبا، وإنما استعد للمقاومة من جديد، وكان النصر حليفه آخر الأمر. شخصية الشعوب لا تذوب، لو توالت عليها الهزائم تلو الهزائم، إذ تجدها تخرج من الهزيمة أكثر توهجا، وأشد مضاء، وإصرارا على البقاء والاستمرار. وقد حبا الله بلدنا بشخصية قوية زادتها الأحداث الجسام مناعة وقوة.
الضربات باحتلال شواطئه، وشن الغارات على مواقعه الحصينة، بغية إضعافه وشل كل قدرة له على النهوض من جديد، ولقد كانت موقعة وادي المخازن هي التعبير الأكثر إفصاحا عن إرادة الغرب إنزال  الضربة القاصية بهذا البلد، حتى لا يكون في إمكانه بعد ذلك أن يتوثب للتحدي من جديد، هذا ولقد كان وصول الإسلام إلى المغرب الأقصى وارتكازه فيه على أسس متينة، وصياغته لدولة من أقوى دوله شرقا وغربا، إيذانا بتحويل أجزاء هامة من القارة الأوروبية إلى هدف إسلامي غير بعيد. أي أن فرص الاحتكاك بين الإسلام والنصرانية صارت أوفر، لما تحولت هذه البلاد الواقعة قبالة أحد الشواطئ الأوروبية الهامة، إلى بلاد إسلامية مرشحة تاريخيا وحضاريا وثقافيا وجغرافيا وبشريا لتكون أداة فعالة  في تحويل  البحر الأبيض المتوسط في أشد مجالاته خطرا إلى بحيرة إسلامية، بعد أن خاض  غماره الأمويون من جهتهم لنفس الغرض، ومجرد وصول عبد الرحمان الغافقي إلى جنوب فرنسا عبر الأندلس، واعتمادا على الظهير القوي الذي هو المغرب،  كفيل بإشعار الغرب بالإخطار الناجمة عن وجود خلفية صلبة قوية الساعد لكل الحركات السياسية والعسكرية الطموحة إلى تحويل الأندلس قاعدة انطلاق نحو القارة الأوروبية.
أن وجود المغرب قريبا من الشاطئ الأوروبي كان في طليعة الأسباب التي جعلته منطقة ساخنة،   منفعلة بكثير من التيارات السياسية الصادرة عما يليه من القارة الأوروبية،   حصوصا في الأوقات التي أصبحت فيها، أوروبا متهيئة علميا وعسكريا للبحث  عن مناطق نفوذ، وعن مواد خام لصالح مصانعها الكثيرة، وعن أسواق خارجية لترويج بضائعا المتنوعة، لقد كان من سوء حظ المغرب أنه فشل في الاستفادة من وقوعه على مرمى حجر من الساحل الأوروبي جزئه الجنوبي، بعد أن حجر من الساحل الأوروبي في جزئه الجنوبي، بعد أن حاول عدة مرات، بواسطة الدولة الأندلسية المسلمة، باعتباره كان قاعدتها الأساسية، وخلفيتها العتيدة، ورأينا طموحه يصطدم بظروف لم تكن مواتية، الأمر الذي جعله أخيرا يعتدل في طموحه السياسي والعسكري، ويكتفي بأن يقبض  بيد من حديد على ما أدخله ضمن دولته من مناطق، وهذا الذي فشل فيه المغرب هو الذي حاولت أوروبا النجاح فيه، لاعتبارات تخصها هي. فلقد أرادت الامتداد  عبر المغرب إلى القارة الإفريقية أو إلى نواح هامة منها على الأصح، قصد تحويلها إلى مزرعة للقارة الأوروبية، إلى ريف ينتج لتأكل، ويعمل لتستريح،  ويحترق لينير لها آفاق الحضارة المادية، وبقي المغرب يصطدم بالتحرشات الاستعمارية من خلال شواطئه عدة قرون،  إلى أن انهارت مقاومته في  الأزمة الحديثة، ثم طلع من رماده من جديد ليعيد لنفسه اعتبارها التاريخي والحضاري العريق.
وبناء على الاعتبارات والخلفيات سالفة الذكر، يمكن تقييم معركة وادي المخازن على النحو التالي: ليست هي مجرد لقاء عسكري التحم فيه الجيش البرتغالي مع المغربي، ليكتب لهذا الأخير الغلبة على الأول، وإنما هي أخطر من ذلك، أنها بالنسبة إلى المغرب  تصحيح لأوضاع الدولة التي كانت د انحرفت نحو منعطف تاريخي خطير، أوشكت أن تتردى فيه، لتحتاج إلى جهاد مرير وطويل،  كي تنهض  من كبوتها وانتكاساتها الشنيع. كما أنها في نفس الوقت تعبير صارح عن رفض  المغرب  لبقاء بعض مناطقه الجنوبية والشمالية خاضعة للهيمنة الأجنبية، لأنها بتعرضها لخطر الاحتلال، قد كانت مسؤولة إلى حد ما عن التمزق الداخلي الذي عرفته الدولة وفي أعلى المستويات، الأمر الذي  أحداث أزمة سياسية حادة، كان من عواقبها المواجهة الحربية بوادي المخازن،  وأحيانا تكون الأزمات السياسية شبيهة ببعض الكوارث الطبيعية، من حيث أن الأولى تهيئ المخرج المناسب عند ظهور وضع ضاغط وفي غاية الخطورة، إذا- هي- أي الأزمة-  تطرح قضية الساعة بالحاج متزايد، وبحدة لافتتة للنظر، حتى  لتبرز كل الاحتمالات الممكنة بصورة فعالة، على حين أن الكوارث الطبيعية  ضرب من  التصرف الذي تلجأ إليه الطبيعية لحل بعض المشاكل الطارئة، كالوباء أو الفيضان  أو الزلزال أو غيرها من الوسائل الكفيلة بحل مشكلة عدم التوازن بين كمية الطعام المتاح وبين عدد السكان.
أن معركة وادي المخازن أظهرت  شخصية المغرب بحجمها الطبيعي، وأبعادها الحقيقية، وقد كان يظن بها إنها وليدة ظروف طارئة، ساعدتها فرص متاحة على أن تتجاوز قدرها وتظهر بمظهر يفوق، إمكانياتها العلمية، وقد كان سوء التقدير هذا من وراء الهجوم على المغرب يومئذ، ولكن النتائج المعركة أكدت لكل ذي لب، أن تلك الشخصية قادرة على البروز من وسط شتى المصاعب والأزمات، وأنها ليست وليدة ظروف عارضة، وأن حجمها الحقيقي هو ما أبرزته كل الأحداث الماضية، وأنها كامنة في طبيعة الإنسان المغربي نفسه، لا  في الظروف المحيطة به، بدليل أنها عنه وسط جميع الظروف والملابسات. فقد مرت على هذا البلد محن وشدائد  كانت مشيلاتها وبالأعلى شعوب أخرى، إذ دفعت بها نحو التحلل والانهيار، ولكنها لم تؤد بالمغرب إلى هذا المصير، بالرغم من أنها خلقت له مصاعب بالغة الخطورة، والمغربي من معدن صلب، كأنه الذهب، لا تزيده النار ألا توهجا واشرقا. وهذه الصلابة الراسخة في طباع المغاربة هي سر صمودهم الرائع في كل المحن التي ترضوا لها منذ عهودهم القديمة، وإلى قريب من أيامنا هذه. فقد  واجه المغرب الهجمة الرومانية الشرسة والهجمة الوندالية الهمجية، وخرج منهما ظافرا سليم البنيان، كما واجه الاستعمار البرتغالي الاسباني والفرنسي والانجليزي، ووقف شامخا أمام المد العثماني، وعانى من الانقسامات الداخلية على المستوين الحضاري والقبلي، وعلى المذهبي أيضا، وكان من الأقطار الهائجة المائجة المضطربة دائما، الزاخرة بالأحداث، على امتداد تاريخها الطويل، ومع ذلك فهذا البلد كان ينفذ من خلال مشاكله قويا سليما راسخ الشخصية ولازال يفعل ذلك إلى الآن. لا أقول هذا وأكتبه تحيزا، وبدافع من حبتي لوطني، ولكني أقوله وأنا بصدد المقارنة بين المغرب الأقصى وبين غيره من الأقطار التي تعرضت لمثل ما تعرض له من أحداث، أذا أجد شخصياتها قد تبذلت مرارا، وكانت دائما تغير جلدها وعنوانها ووجهتها،وخضوعا للتيارات التاريخية المحيطة بها، إلا هذا البلد، فأنه لم يغيرها بنفسه منذ أن أعتنق الاسلام وإلى اليوم، أليس ذلك دليلا على عراقة المغربي وأصالته وقوة شخصيته؟ وعلاقة كل هذا بمعركة وادي المخازن هي كونها أحد الامتحانات العسيرة التي اجتازها المغرب بكفاءة عالية، وفي ظروف عصيبة لم تكن  فيها أحواله الداخلية، مستقرة في أعلى مستويات السلطة، بينما كانت أجزاء منه تعاني من وطأة الاحتلال الأجنبي حقبة من الزمن، أما حدوده الشرقية فلم تكن آمنة، اجتاز الامتحان  الصعب بكفاءة  بالرغم من ذلك، فأثبت مرة أخرى أنه المغرب الأقصى، بلد المفاجآت التي تقلب الحسابات رأسا على عقب، في أدمغة المناوئين والمهاجمين.
إن المغرب كان دائما تابثا راسخا وسط فتنه وإضراباته، تباث البحر رغم تقلب ما واجه، ورسوخ  الغاية رغم تقلبات  الرياح، تهتز به الأحداث، وتضطرب به الوقائع، وتتخطفه الأخطار، فتذهب به هنا وهناك، وترفع منه وتخفض،  وتقوي منه وتضعف، وهو في كل هذه الحالات يبقى موجودا بكيانه الذاتي وشخصيته المتميزة. لو أن المغرب كان بعض  البلاد  التي اقتلعت في قيم غير قيمها، لبدلته الأحداث تبديلا، وفرضت عليه أن يلبس لباس التمثيل عدة مرات، لكن المغرب محكوم أساسا بأخلاقياته الضارية في عمق تاريخه وحضارته، والمختلطة بروح البداوة  وصلابتها الموروثة هذه الأخلاقيات كانت وراء كل أحداث المغرب البارزة، من قتح الأندلس، إلى  الزلاقة، إلى وادي المخازن،  إلى المسيرة الخضراء، وهي أخلاقيات قوامها العناد والصلابة والوحدة ساعة الإحساس بالخطر، وتفضيل الأرض على الأسرة والمال وكل مصلحة،  والبحث عن القيادة التي في مستوى الأحداث، والسمو بالشعور الديني إلى درجة قصوى تهون معها كل تضحية، وهي صفات  لم يكن تطور الأيام لينال منها أو يغير مضامينها إلى اليوم.
أن انتصار المغرب في معركة وادي المخازن كان مقدمة لتوغله جنوبا إلى أن أخترق بلاد السودان، فبعد  أن كان المغاربة يصعدون نحو الشمال ويركبون البحر، ويخوضون المعارك ضد خصوم الأندلس، وينزلون بهم ضربات رادعة، ليعودوا وقد انعقدت لهم الواية النصر، انحدروا بأبصارهم نحو الجنوب بعد موقعة وادي المخازن. ذلك أن الحدود الشمالية كانت طريقا شبه مسدود، ترابض أمامها جيوش نصرانية متحفزة وموتورة وحاقدة،  ولم تكن الحدود الشرقية بأحسن حالة من الحدود الشمالية (1) فلم  يبق أمام المغرب إلا أحد طرفين: الطريق البحري عبر البحر المحيط، وهذا لم تكن تناط به الآمال، وطريق بري صحراوي جنوبي، يتاخم بعض الممالك  والإمارات الزنجية، وهو الطريق الذي فضل المغرب أن يتحرك عبره ليمزق الحصار المضروب من حوله، وقد سلك هذا الطريق فعلا، ونازل الوثنية فيما جاوره من بلاد افريقية جنوبية وعاد من غزوته أكثر ثقة بالنفس، وأقدر على مواجهة مشاكله الداخلية.
ولقد كانت للمرابطين جولات في تلك الربوع الإفريقية،  حددها السعديون، وأبلوا فيها أحسن البلاء، حيث زادوا الإسلام تمكنا في تلك الربوع، وفتحوا على المملكة المغربية أبوابا جديدة للغنى واليسار.
وإذا  كانت موقعة وادي المخازن قد عادت على المغرب بموفور القوة، وكانت نتائجها الباهرة من وراء تقدمه جنوبا لاحتلال توات والسودان، زيادة في إكساب الدولة مزيدا من المناعة والهيبة، فإنها عادت على البرتغال بأوخم العواقب، فلم يقتصر الأمر بالنسبة إليهم على الهزيمة المرة التي تكبدوها، وإنما تجاوز ذلك إلى ذهاب استقلالهم السياسي وانحلال  دولتهم بعد أن مرت مدة يسيرة يقدرها بعض المؤرخين بسنتين، على اندحارهم في معركة القصر الكبير،  ذلك أن فيليب الثاني ملك اسبانيا استغل ضعف حكومة لشبونة أثر هزيمة جيشها في المغرب، فأقدم على التزوج من المملكة البرتغالية، وضم بلاد  البرتغال إلى مملكته فازداد قوة ومناعة. كان من حسن حظ فيليب الثاني أن صادف على عرش لشبونة امرأة... مستعدة لشراء قلب ملك بعرض تملكه.. فكانت وفية لطبيعة  الأنثى،  ولم تستطيع مسؤوليتها الجسيمة أن ترفعها فوق مستوى قلبها المشوق... وأسلمت مفاتيح مملكتها لرجل،  لأن مفتاح قلبه أغناها عن أي مفتاح آخر...ولو كان مفتاح قصر لشبونة ... وهكذا كان الملك الشاب سبستيان،  غريق وادي المخازن، قد مهد بتهوره لتجريد لشبونة من نعمة الحرية،  وإلحاقها برقيق اسبانيا، بعد أن  كتبت وثيقة رقها أرق ملكة عرفها التاريخ... كان سببستيان يريد رأس المغرب بأي ثمن، ففقد رأسه في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، بينما ظل رأس المغرب شامخا كقمم جبال الأطلس...
لقد كان اختلاف نتائج المعركة بالنسبة إلى كل من الجانبين ذامغان كثيرة. فهو يعني فيما يعنيه أن  البرتغاليين لما جاؤوا ليحاربوا المغاربة في نحو مائة وعشرين ألف مقاتل، ومن إنضم إليهم من الاسبانيين والايطاليين والألمانيين،  ومزودين بالعتاد الحربي المرسل إليهم من بابا روما،  كانوا مخطئين في تقدير عواقب التوغل داخل التراب المغربي لمواجهة القبائل المغربية. كانوا كمن ضرب خيمته على حدود غابة عظيمة، ثم شاء له سوء الطالع أن يدخل عمق الغابة، فابتلعته في جوفها، وجعلته عبرة لمن يعتبر، وأخطاوا مرة أخرى عندما اندفعوا وراء ملك مخلوع، لم تبق له أية بيعة في أعناق المغاربة، بعد أن تركهم لمصيرهم، فارا بنفسه أما خصومه الأقوياء وقد أعلن له الشعب  ذلك على لسان علمائه ذوي الحل والعقد. إذا بعثوا إليه رسالة  جوابية مطولة على رسالة توبيخ كان قد وجهها إليهم، مذكرا إياهم بأن بيعته مازالت في أعناقهم، وأنهم تخلوا عنه- وهو الملك الشرعي- وبايعوا مغتصب ملكه. وقد كانت رسالتهم الجوابية مفخمة له، أكدوا له فيها خيانته لمن ناصروه وأيدوه، إذا تخلى عنهم في وقت الشدائد قاصدا النجاة بنفسه، حيث صاروا دون أمام، فمست الحاجة إلى بيعة إمام آخر يقوم بأمر المسلمين، فلو أنه مكث بينهم، وصمد في وجه منافسيه لحق له مطالبتهم بملازمة الطاعة والوفاء،  ولكنه لم يف بالتزاماته، وخلف الناس وليس لهم إمام، وفوق ذلك استنجد بأعداء البلاد من النصارى، ولم يعمل بقوله تعالى: ( يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وقد اشتملت رسالة العلماء المغاربة على حجم خري دامغة تؤكد سقوط حقه في الإمامة، ولو كان  البرتغاليون يدركون جيدا المعنى الشرعي للإمامة لدى المسلمين لما شايعوا إماما مخلوعا فقد شرعيته في أعين المغاربة ووالى الحل والعقد منهم وهم العلماء.
على أنه هناك فرق كبير بين استعانة الأخوين عبد الملك وأحمد بالأتراك على المتوكل، وبين استعانة  المتوكل عليهما بالبرتغاليين. ذلك أن الأتراك مسلمون،  وكانوا يومئذ حماة الإسلام، وبلادهم هي مقر الخلافة الإسلامية التي يدين لها كافة المسلمين بالولاء والطاعة، ولو اسميا، على حين أن أن البرتغال نصارى ومحتلون لأجزاء هامة من أرض الوطن، وعليه فالاستعانة بالأتراك العثمانيين من باب تآزر المسلمين فيما بينهم، بينما الاستعانة بأعداء الوطن والدين تعتبر موالاة لهم، وهذا ما نهى عنه الدين الآية الكريمة السابقة...
وخلاصة القول هي أن البرتغاليين ارتكبوا خطأ كبيرا، برهنوا على عدم فهمهم لقضايا البيعة عند المسلمين،  لما وقفوا سياسيا وعسكريا إلى جانب المتوكل، وقد فقد أهليته للمطالبة بعرش المغرب، بعد أن لم يحسن الدفاع عنه بالطرق المشروعة، ففضل أسلوب الخيانة، ونزل على شروط العد في التنازل له عن الشواطئ المغربية، في مقابل وقوفه إلى جانبه، قصد أعادته إلى الحكم. وهذا ليس له إلا معنى واحد في وهن المتوكل، وهو أن العرش أحب إليه من أرض الوطن. جريمة المتوكل هي التواطؤ مع أعداء الوطن، على حساب أمن الوطن وسلامته ووحدة أراضيه الأمر الذي أساء إلى سمعته، وشعبيته، وبعث التصميم على سحقه  وإفشال خطته. ولو أن أبا مروان عبد الملك أتفق مع الأتراك يوم استعان بهم،  على أن يعترف لهم بالسيادة الفعلية على أجزاء من الوطن، لغلب على الظن أن يلقى نفس المصير، بالرغم من أنهم مسلمون، وفيهم الخلافة الإسلامية. كما هو معروف عن المغاربة من تعشق لوطنهم لا يعرف الحدود، مع استماتتهم في الدفاع عنه إلى درجة الاستشهاد، ولكن عبد الملك  لم يفعل  شيئا من ذلك، ولم يطالبه الأتراك بشيء من ذلك، وإنما طالبوه بأن يؤدي إليهم أرزاقهم لقاء ما بذلوا من جهد في نصرته ومساعدته، ولقد تحمل  أهل فاس من المواطنين المغاربة نصيبا ضخما من تلك الأرزاق، إذ جمع منهم أحمد الذهبي خليفة أخيه في فاس أموالا كثيرة لهذا الغرض.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here