islamaumaroc

وثيقتان جديدتان من ذيول وقعة وادي المخازن

  دعوة الحق

190 العدد


خلفت موقعة وادي المخازن مجموعة- ولو أنها محدودة- من الوثائق الرسمية: وطنية وأجنبية، غير أن الوثائق الصادرة عن القاعدة الشعبية-  في هذه المناسبة- لا تزال نادرة، والمعني بالأمر- هنا- قادة الرأي العام المغربي في عصر الموقعة،  وهم بعض العلماء الذين ابتعدوا عن الانحياشات الرسمية، فكانت لهم رؤية مجردة للأحداث، استطاعوا بها أن يشاهدوا الوقائع على حقيقتها، فيصدروا إزاءها الأحكام المنطقية.
وممن كان يمثل هذا الموقف آنذاك، الشيخ رضوان بن عبد الله الجنوي ثم الفاسي، وقد عاصر – أخريات عمره- صدر دولة أبي العباس أحمد المنصور السعدي، إلى أن توفي العالم الجنوي عام 991هـ/ 1583م (1).
وقد كان نموذجا لامعا في معرفة الحديث النبوي، والتزام السنة ومجانية البدعة، شديد الشكيمة على المنحرفين غير مكترث بهم، ومن نماذج ذلك أنه مر- يوما- بحاكم فاس وهو يقضي بين الناس، فتقدم إليه وسأله:
أتعرف ( مختصر) ابن الحاجب؟ فقال لا.
أتعرف ( مختصر) خليل؟ فقال لا.
أتعرف الرسالة ( القيروانية) ؟ فقال لا.
فقال له المترجم: وبأي شيء تحكم بين الناس؟ لا. والله: لا يحل السكوت على هذا، فصعد للسلطان وأخبره بما رأى، فعزل الحاكم(2).
وقد كانت صرامة الشيخ رضوان في مقاومة الانحرافات، هي الحافز له على مخاطبة العاهل السعدي بالوثيقتين التاليتين.
وهو في الرسالة الأولى يثير انتباه المنصور الذهبي إلى بلبلة البرتغاليين بعد انهزامهم في معركة القصر الكبير، ويلح على انتهاز هذه الفرصة لاسترداد المدائن التي يستولي عليها المنهزمون:
طنجة وأصيلا وسبتة، حتى يتجاوب الحكم مع تطلعات الرعية التي تترجمها هذه الرسالة الأولى.
أما الرسالة الثانية فينقد فيها على العاهل ذاته سياسته في قبول الغداء-  بالمال- للأسرى البرتغاليين، على حين أن المسلمين والمسلمات بأيدي الكفار في غاية العذاب والإهانة، والفرصة مواتية أن لا يبقى في أيدي الأعداء واحد من هؤلاء المؤمنين الذين فداؤهم على المسلمين، وفي الحاج بالغ تخص الرسالة على العمل لفك الأسرى بقدر الجهد.
 وقبل أن نقدم الرسالتين، نشير إلى أن مصدرهما هي الترجمة الموسعة التي ألفها- في التعريف بالمترجم- تلميذه أبو العباس أحمد بن موسى المرابي الأندلسي ثم الفاسي،  فجاءت في   سفر يحمل اسم " تحفة الإخوان. ومواهب الامتنان. في مناقب سيدي رضوان" ومخطوطتها الأصلية مبتورة الطرفين يسيرا، وهي  بالخزانة العامة تحت رقم 154كـ، حيث ترد الرسالة الأولى: ص 423- 424، والثانية: ص 427-4429، وهذا نص لها:
الرسالة الأولى:
" بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على  سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه وسلم تسليما.
الحمد لله، من عبد الله رضوان بن عبد الله، إلى أمير المومنين السلطان أبي العباس أحمد بن موالينا وسادتنا الشرفاء، سلام عليكم ورحمة الله – تعالى – وبركاته.
وبعد: أعاننا الله وإياكم على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، وثبتنا على حسن القيام بت كما أمر، آمين، فالحمد لله ثم الحمد لله على نعمه الشاملة، وعلى ما من به من نصر الإسلام وأهله، وخذلان الكفر وأهله، والظفر منهم، والتمكن من رقابهم، إذ لا نعمة أعظم من إعزاز الذين، وذل أعدائه الكافرين، زادكم الله في ذلك حرصا وغبطة، وولعكم فيه حتى تصير لكم حرقة وخطة، إذ كانت  حرفة جدكم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فقد قطعوا الأعمار في قتال الكفار، وأنفقوا الأموال وبذلوا النفوس في رضاء محبوبهم، ولم يزالوا كذلك حتى استقام الدين – ومتبعين وسالكين سنة سيد المرسلين، رضي الله عنهم أجمعين.
وأنتم – نصركم الله- خذوا في ذلك بغاية جهدكم، ولا تتراخوا عن ما ندبكم إليه المولى تبارك وتعالى، فإن للإسلام صولة لا يقوم لها شيء، فقد قال تعالى: " ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين"، وقال تعالى: " ولا تهمنوا وتدعوا السلم وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم"، والمعية من الله تقتضى النصر على الأعداء والظفر  بالبغية، وقال تعالى: " أن ينصركم الله فلا غالب  لكم، وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده،  وعلى الله فليتوكل المومنون".
إلى هذا  فالله، الله في الحزم وإمضاء العزم، وهو م ظهر لرعيتكم من انتهاز هذه الفرضة الممكنة في هذا الوقت، من الحركة لمدائن الكفار التي هي طنجة وأصيلا وسبتة، فأنهم في هذه الساعة  في دهش وخزي وخذلان بما أمكن الله منهم، ولا أظن -نصركم الله- مثل هذا يخفى عليكم حتى نحتاج أن نذكر كم به.
وقد بلغني عن بعض الناس ممن تخلف عن هذه الغزوة، أنهم أصابهم أسف وحزن عظيم، وحرقة وندم، على ما فاتهم من الحضور معكم، فالحمد لله على عز الإسلام وهز أهله، وعلى إهانة الكفر وذل أهله.
فأقبل وصية من يحب لكم  الخير، ويسأل الله – تعالى- أن يأجرك في مصيبتك بموت أخيك، تلقاه الله بالمغفرة والرحمة، آمين، ونسأله- تعالى- أن يسعدك وان يسعد المسلمين بك".
 الرسالة الثانية:
 " الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من عبد الله رضوان بن عبد الله، إلى أمير المسلمين أبي العباس أحمد أبن سادتنا وموالينا الشرفاء، نصره الله، سلام عليكم ورحمة الله – تعالى- وبركاته.
وبعد: أعاننا الله وإياكم على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، وثبتنا  على ذلك حتى نلقاه وهو عنا راض.
فأني أحمد إليكم الله الذي لا إلاه إلا هو، ومرادي- أن شاء الله- أن أبث لكم ما في باطني من الاحتراق، فقد قال القائل:
 فلابد من شكوى إلى  ذوي مروءة
                          يوسيك أو يسليك أو يتفجع
وهي كيف يمشي هؤلاء الكفار كلهم إلى بلادهم، وإخواننا- المسلمون- بأيديهم في غاية العذاب  والاهانة؟ نحن قادرون على أن يبقى واحد منهم في أيديهم، وفداؤهم فرض علينا من بيت المال وأموال الناس كلهم حتى لا يبقى واحد، ففتح الله في هذا  الفتح العظيم، ومن الله – تعالى- علينا به، وحصل في أيدي المسلمين رؤوس الكفر، ألا وهم يمشون لبلادهم بالشيء التافه الذي لا حاجة للإسلام به،  ويبقى إخواننا بأيديهم، كأن هذا الأمر سهل، فلا- والله- ليس الأمر بسهل، وإنما يحاسب على ذلك من قدر عليه ولم يفعله، كالراعي والرعية، فأن كان هذا حرصا على المال فأن المال فأن المال بالغرب كثير، وقبل أن كانت هذه الغنيمة أكنتم محتاجين(3)  إليه؟ بل كنتم – والحمد لله- أغنياء  عنه.
فالله الله في فك الأسارى بقدر الجهد، ألم تعلم أن قسيس النصارى يشترى كبار النصارى بالشييء القليل، ويحملهم إلى بلادهم والناس ساكنون لا يعبأون بذلك، أنا لله وأنا إليه راجعون.
وسمعت أن ابن الدك يقدر يفدي به ما لا يحصى، فالله الله، ثم الله الله في هذا الأمر، وأنت أقدر الناس عليه، والأمر الأكيد هو فك الأسارى لله عز وجل، " وما تفعلوا من خير يعلمه الله".
وقد بلغنا- والحمد لله- اهتمامكم بأمور الدين، زادكم الله خيرا، وأعانكم عليه

(1)  ترجمته ومراجعتها عند الكتاني " سلوة الأنفاس" ج2، ص 275-262.
(2)  ط صفوة من انتشر" للافرائي، ط.ف. ص 7.
(3)  في الأصل: محتاجون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here