islamaumaroc

احتلال البرتغاليين للثغور المغربية.

  دعوة الحق

190 العدد

كان سكان مدينة سبتة آمنين في بلدهم لما صحبهم يوم الخميس 15 جمادى الثانية سنة 818هـ. ( 21 غشت 1415) جيش عرمرم يقوده ملك البرتغال جان الأول وقد ضمت هذه العساكر اثنين وأربعين ومائتي سفينة كانت أقلعت من الاشبونة وأربعة  أسابيع قبل ذلك ولم يشاهد الاشبونيون قط في  تاريخهم مثل هذا العدد الضخم من المراكب يخرج من مرساهم وهذه العساكر  جاءت تغزوا المسلمين في قعر دارهم بعد تم أخراجهم من الجزيرة الأندلسية.
وكانت هذه الحملة الصليبية الهائلة على البلاد المغربية أول محاولة استعمارية قامت بها المسيحية في غرب العالم الإسلامي وأول هجوم توسعي حققته المملكة البرتغالية الناشئة. وقد كان جان الأول هذا مؤسس أول دولة في البرتغال استطاعت أن تتخلص من نفوذ قشتالة وأن تستقل استقلالا تاما بعد ما قضى على النفوذ الإسلامي بكل النواحي التي تكونت منها المملكة البرتغالية. وكان لجان الأول  هذا مطامح لا حد لها وكان يرى مع كل الأمم النصرانية أن العدو الأول هو الإسلام،  وأنه يجب القضاء عليه قضاء مبرما لا في الجزيرة فقط ولكن في إفريقيا كذلك أولا ثم في الشرق ثانيا، وكانت الأمم  الإسلامية لسوء الحظ قد دخلت في هذه الحقبة في طور تأخر وتدهور وانحلال  ويتعجب الباحثون من كونها مع ذلك طاولت الدهر وصمدت في وجه كل الاعتداءات التي أعقبت هذه الحملة وبقيت موجودة ولم تمح من التاريخ كما أمحت من قبل مدنيات... وإمبراطوريات كانت قوية عتيدة وحاق بها الفناء. وكان من المنتظر أن يتجه جان الأول في تنفيذ خطته إلى مملكة غرناطة الإسلامية أولا أنه خشي أن تتهمه قشتالة بمحاولة الاستيلاء  على ما هو من حقها فلذلك لم يبق له إلا أن يوجه  مطامعه نحو المغرب ونحو سبتة بالذات لأنها المرسى الذي أقلعت منه سفن المسلمين لغزو الأندلس  والذي لا تزال تقلع منه قوات المدد التي كان يوجهها المغرب لإعانة مسلمي غرناطة ولأنها مرفأ مهم يساعد مملكة البرتغال على توسيع تجارتها نحو مدن إيطاليا المزدهرة إذ ذاك، فهو وسط بينها وبين مرسى الاشبونة إذ أن المطامع الاقتصادية  كانت تتلازم مع النعرة الدينية وحب الانتقام من المسلمين. وقد نجح جان الأول في هذه المحاولة الأولى لأنه استطاع أن يضمن لها الكتمان التام عند استعداداته لهذا الهجوم. حتى أن الجنود عند مغادرتهم الاشبونة لم  يكونوا يعرفون أين يقصدون بالضبط وقد كان الملك ومستشاروه المطلعون على السر  يشيعون أخبارا باطلة عن الناحية التي يقصدونها وكانت هذه المفاجأة في الهجوم على سبتة العامل الأول في تسهيل الاستيلاء عليها. ورغم استماتة أهلها في الدفاع عن حوزتهم فان البرتغاليين استطاعوا أن يجلوا المدينة  الضيقة وقعت مقتلة شنيعة إذ لم يفكر أحد من المغاربة في  الفرار وما غربت  شمس ذلك اليوم المشؤوم حتى خلت سبتة من سكانها وصارت مدينة برتغالية.
قال أحد المؤرخين البرتغاليين عند ذكر هذه*
الحوادث: " ومن ذلك اليوم لم تعد مغربية إلى الآن، وأن الاستيلاء عليها حادث عظيم ابتداء لعهد الفتوحات وهو أولى بأن تؤرخ به العصور الحديثة من أن تؤرخ بسقوط القسطنطينية في يد المسلمين"(1).
وقد كان كذلك بالنسبة لأوربا فمنذ هذا التاريخ والهجومات الصليبية والاستعمارية تتوالى لا على المغرب العربي الإسلامي فحسب ولكن كذلك على بلاد الخليج العربي شرقا، بل وعلى كل بلاد آسيا وأمريكا بعد اكتشافها، وبالنسبة للبرتغال فإن عظمته الاستعمارية بدأت من هذه السنة، ومنذ هذا التاريخ والمغرب واقف في وجه هذا التحدي، ويحاول رد  الغزو الأوروبي وإيقاف قواته بالأقل في الشواطئ ريثما يستطيع إخراجه من كل التراب المغربي نهائيا.
وقد كانت لهجومات البرتغاليين على بلادنا نتائج متنوعة كانت من أسباب تأخرنا وعدم مسايرتنا للنهضة العامة  التي شملت  بلاد أوربا والتي استمدت عناصرها من الحضارة العربية الإسلامية ولكننا لم نستطيع  إذ ذاك المساهمة فيها لأننا كنا مشتغلين بالمحافظة على كياننا واستقلالنا تجاه هجمات الأمم الغربية من برتغاليين واسبانيين وانكليز وغيرهم. وكانت أكثر هذه الأمم تكالبا على البلاد البرتغال أتباعا للسياسة التي أختطها جان الأول من وجوب التوسع في المغرب واثبات حكم الصليب في كل أنحائه. قال المؤرخ  المذكور سابقا وهو ضابط برتغالي كبير يدعى فاسكو دي كارفالو في محاضرة ألقاها على الطلبة الضباط في المدرسة الحربية الفرنسية بباريس سنة 1934: في معرض كلامه على غزو سبتة: " كان شباب البرتغال يتحرقون على القتال.. ولكن ضد من؟ أين يجدون العدو؟ إذ أننا  من جهة قد عقدنا الصلح مع قشتالة، ومن جهة أخرى يواجهنا البحر.
ولكن بمقتضى تقاليدنا وديننا ومصلحتنا فإن العدو لا يزال هو المسلم، فإذا كان  قد التجأ إلى ما وراء البحار فيجب أن نذهب للبحث عليه هناك،  يجب أن  نطارد  الوحش  في مكمنه"(2)، ويختم هذا الفصل بقوله: " وهكذا في الوقت الذي ضعفت فيه الروح الصليبية في كل أوربا فإنها أخذت تنتعش بالبرتغال"(3).
وإتباعا لهذه الخطة أخذت الحملات البرتغالية تتوالى على المغرب وكانت الغاية منها تركيز السيطرة المسيحية في أرجائه لتسهيل مهاجمة الشرق من جهة البحر ويتأتى هكذا " ضرب الإسلام في ظهره" على حد تعبير فاسكو دي كارفالو السابق الذكر(4).
 ومن هذا التاريخ والمغرب يكابد الشدائد من جراء  هذه السياسة الظالمة المتهورة والفاشلة مع ذلك إذ رغم استيلاء البرتغاليين على القصر الصغير (1458) وعلى أصيلة ( 1471) وطنجة ( 1471) وأكادير ( 1505) والصويرة ( 1506) وآسفي ( 1508) وأزمور ( 1513) والجديدة ( 1514)، فإنهم لم  يستطيعوا قط أن يربطوا بين هذه الممتلكات ولا أن يمدوا نفوذهم إلى داخل البلاد، لأن رد الفعل عند المغاربة كان قويا، والفضل في ذلك يرجع إلى الروح الدينية الوطنية التي استطاع المؤمنون المخلصون أن  ينفخوها في نفوس المسلمين، فقامت في البلاد حركة صوفية واسعة النطاق وأقبل زعماؤها على تنظيما وتوجيهها نحو مقاومة العدو وشن الغارات على مراكزه وإقلاق  راحتها. فكانت الحرب طيلة القرنين التاسع والعاشر والهجريين لا تفتر بين المغاربة خصوصا المجاورين منهم للثغور المحتلة وبين البرتغاليين. وتفصيل  الكلام عن هذه الوقائع يطول ولكن ينبغي أن نشير  إلى بعض مراحل هذه المقاومة الطويلة والتي لم تنته بعد ما دام شبر من أراضينا تحت النفوذ الأجنبي، وأنها لمبسة ما بعدها مسبة أن تظل مدن وأراض مغربية مفصولة عن الوطن وأن كنا نود أن نصل إلى تحريرها بالطرق السليمة لأننا  في عصر نومن فيه بمبادئ السلام والأخوة البشرية.
لما مر قرن على غزو سبتة كان النفوذ  البرتغالي بلغ أقصى مداه في بلادنا مع العلم أن نفس هذه التحركات أخذت تتجه نحو بلاد الخليج العربي انطلاقا من بلاد الهند، وهكذا نرى مانويل الأول ملك البرتغال يقرر في سنة 1505م القضاء على سيطرة الدول  العربية التجارية... عن طريق احتلال عدن وهرمز.
وفي سنة 1507 وصل  القائد البرتغالي الفونسو دي البوكيرك إلى قلهات على ساحل عمان،  ومن هذا التاريخ والبرتغاليون يشنون الغارات على سواحل الخليج العربي ويحتلون أماكن منه ويضطرهم الوطنيون إلى الانسحاب أحيانا ثم يرجعون وقد استفحل أمرهم في الثلث الأول من القرن السادس عشر حتى أنهم شنوا غارة على البصرة سنة 1529 وصعدوا في نهري دجلة والفرات ثم انقلبوا راجعين لما لاقوه من المقاومة واحرقوا مدينين في طريق عودتهم، وكان للأتراك معهم في كل هذه الحقبة حروب  توصلوا أثناءها إلى الهجوم على مواقعهم بالهند.
هذا في المشرق، وأما في المغرب فبعد احتلال كان تلك الثغور على البحر الأبيض المتوسط وعلى المحيط الأطلسي وقع رد فعل قوي وتمكن الوعي الوطني من نفوس المغاربة وبدأت تظهر بوادر  الانتعاش. فإننا نرى مثلا أن البرتغاليين عندما احتلوا مرسى أزمور عم في البلاد استياء عميق اضطر ملك المغرب  الوطاسي أن يقوم بحملة لمحاربة  استرجاعها وأخذ يوالي الهجمات عليها بعد أن طوقها بحصار جعل الحياة صعبة على البرتغاليين بداخلها.
فعند ذلك قرروا أن يوسعوا نفوذهم من جهة الشمال  حتى يتأتى لهم احتلال حوض نهر سبو ليفتحوا لهم الطريق نحو مدينة  فاس عاصمة الدولة المرينية الوطاسية مقدرين أنهم لا يضمن البقاء والتمكن لسيطرتهم على المغرب ألا الاستيلاء على قلبه. فعبؤوا جيشا يتركب من ثمانية آلاف مقاتل وجمعوه في مدينة المعمورة المسماة اليوم المهدية على مصب  وادي سبو في المحيط الأطلسي حيث بنوا معقلا  ليجعلوه المركز الذي تتوجه منه الحملات نحو فاس.  لكن سرعان ما ثارت  ثائرة الوطاسيين وجمعوا جيشا يلتهب  حماسا واتجهوا به نحو المهدية وشنوا عليها غارة قوية وحاصروها فخرج البرتغاليون للدفاع إلا أنهم لم يستطيعوا مجابهة أولئك الأبطال الذين جاؤوا  بنية الموت أو النصر فقتل في تلك المعركة أربعة آلاف من البرتغاليين، وعند ذلك أمر قائد القلعة قومه أن يركبوا السفن الباقية من الأسطول الذي كان رأسيا هناك، إذا كان المسلمون قد أغرقوا منه بمدافعهم ثمان قطع- وفر البرتغاليون بأرواحهم وكان ذلك في شهر يوليوز سنة 1515.
 ومن هذا التاريخ والمغاربة يجدون في استرجاع المراكز المحتلة على الشواطئ، وساعد على هذه الحركة المباركة قيام الدولة العدية بمساندة الحركة الدينية التي أشرنا إليها. وقد جعلت هذه الدولة مهمتها تحرير المغرب من النفوذ المسيحي وتوحيد البلاد. وقد كتب لها النجاح في هذه الرسالة المقدسة. وهكذا نرى السعديين يشنون غارة موفقة على أكادير فحرروها بعد قتال عفيف لم يفلت فيه من  البرتغاليين ألا من أمكنهم الارتماء إلى البحر واللجوء إلى السفن وكان ذلك يوم 12 مارس سنة 1541.
وكان لهذا النصر صدى عميق في المغرب ثم تلته انتصارات أخرى حيث أضطر البرتغاليون لإخلاء آسفي وأزمور  في أوائل سنة 1542. وجاء دور تحرير مدينة أصيلا في أواخر سنة 1543 والقصر الصغير في صيف سنة 1550، ولم يبق بيد البرتغاليين  سوى طنجة وسبتة في الشمال والجديدة في الجنوب.
وقد كان لهذه الانهزامات البرتغالية أثر استياء كبير في الأوساط الاستعمارية بالاشبونة وقامت بها حملة دعاية كبيرة لسياسة التوسع يتزعمها الرهبان والعسكريون وكان يطلق  عليهم اسم الفريق الإفريقي وقاموا ينددون بالمسؤولين الذين لم يعرفوا كيف يواجهون الحركة الوطنية المغربية والذين فشلوا سياسيا وعسكريا في المغرب.
وقد جدت هذه الدعاية المنظمة آذانا صاغية عند الشباب المسيحي البرتغالي فألهبت حماسه وكان من أثرها أن الجنود الذين كانوا يوجهون إلى  المغرب كانوا أكثر استعدادا للصمود في وجه المسلمين الذين كانوا مستمرين في حركة التحرير بإيمان صادق وشجاعة واستماتة. فلما قام السلطان السعدي المولى عبد الله الغالب بالله سنة 1562 بحصار الجديدة لتحريرها من طرف البرتغاليين مقاومة شديدة رغم قواته  الهائلة والأسلحة التي كان  يتوفر عليها الجيش المغربي في ذلك العهد. فاستمات البرتغاليون في الدفاع عن الجديدة وبعد حصار دام خمسة وثمانين يوما أضطر السعديون لرفع هذا الحصار وانتظار ظروف مواتية أخرى. فكان لهذا الحادث في البلاد المسيحية أثر أكبار حتى أن  المؤتمر المسيحي الذي كان منعقدا بمدينة طرانط أشاد به بكيفية علنية رسمية. وقد زادت هذه المواقف  في غرور شباب البرتغال كما أنها ضاعفت الحماس في نفوس المغاربة. ومن الملاحظ أن هذا الحماس تجلى كذلك في هذه الحقبة في نشاط البرتغاليين في الخليج العربي حيث كبدوا الأتراك هزائم مريرة.
وكان من ألمع شباب الاشبونة أمير ولد وربي في هذا الجو الملتهب، وكان يسمع في القصر وفي أوساط رجال الدولة الحديث عن الحروب الإفريقية وعن شجاعة الأبطال  البرتغاليين، كما يصورها شعراؤهم وعلى رأسهم الشاعر الكبير كاموانس الذي  يعتبر انبغ  شعرائهم، وقد كان في نفس الوقت  أكثر الناس تحريضا على قتال المسلمين واحتلال بلادهم.
وكان سن هذا الأمير أيام حصار السعديين للجديدة سنة 1562 اثنتي عشرة سنة.
فلما طلع على عرش الإمبراطورية البرتغالية سنتين بعد ذلك وصار الملك دون سبستيان وجد نفسه على رأس أعظم دولة في ذلك العصر يمتد نفوذها على أرض واسعة في كل قارات الدنيا.
 فصار على أرض بامتلاك الدنيا كلها وباحتلال كل أراضي الإسلام والقضاء عليه واستخلاص الأماكن المقدسة المسيحية في المشرق من يد المسلمين. فبدا أولا بتنفيذ سياسة الفريق الإفريقي  من  أمداد المراكز البرتغالية في المغرب بالرجال  والسلاح وفكرة تنظيم  حرب صليبية تستولي على فكرة وتتمكن لدرجة   أن التهيأ لها استحوذ على كل مشاعره وصار شغله الشاغل سنين عديدة.
فأخذ يدعو لها واتصل بخاله ملك اسبانيا فيلبي الثاني يدعوه للمشاركة  في هذه الحملة ويظهر له  مزاياها إذ بالقضاء على المملكة المغربية يزول الخطر الذي يهدد دائما اسبانيا لأن الأندلسيين الذين نزحوا إلى المغرب لازالوا يفكرون في الرجوع إلى وطنهم فإذا ما تقوت الدولة السعدية أمكنها بمساندة الدولة العثمانية العتيدة أن تعيد الكرة على الجزيرة الأندلسية إلى غير ذلك من الحجج لإقناعه بضرورة القيام   بالحملة الصليبية التي يتزعمها ويعمل لها.
في هذه الأثناء كانت الأحوال السياسية في المغرب مضطربة إذ بعد ما توفي الغالب بالله  سنة 1574 بويع  ابنه محمد وكان ابن أمة ولقب نفسه المتوكل على الله وأن كان لا يذكر عند المؤرخين إلا  بالمسلوخ، وكان فظا غليظا ذا شره عظيم مستبدا ظالما فعمد وال ما طلع على العرش إلى قتل اثنين من إخوته وأمر بسجن آخر فكرهته الرعية وكان عمه عبد الملك يرى نفسه أولى بالملك منه لما كان عليه من السجايا الحميدة والشجاعة والعلم. ونظرا للتقاليد  السعدية التي تجعل يؤول إلى أكبر الأمراء سنا.
وكان له إطلاع واسع على الأحوال السياسية العالمية وكان يتقن عدة لغات أروبية وشرقية إذا كان في  شبابه قضى مدة طويلة باسطنبول. فلما رأى ما عليه  أبن أخيه من التدهور والاستبداد سعى إلى الاستنجاد بالدولة العثمانية، وقد كان توجه مع والدته الحرة سحابة الرحمانية وأخيه مولاي أحمد  إلى الجزائر عند واليها الباشا حسن بن خير الدين فأكرم وفادته وأعجب بعقله وشهامته ويقال أنه زوجه ابنته ووعده بإقناع الخليفة العثماني بمساعدته وهيا له الأسباب للسفر مع والدته إلى الاستانة. وكانت الخلافة العثمانية آنذاك تهيئ حملة عظيمة لتخليص تونس من السيطرة الاسبانية. وقد قوبل الأمير  المغربي  بحفاوة كبير من لدن الخليفة العثماني مراد الثالث. ولما رأى مولاي عبد الملك الحماس العام السائد إذ ذاك في البلاد التركية خصوصا بعد الهزيمة البحرية التي كان مني بها العثمانيون في موقعة ليبانت سنة 1571 وقد صمموا على أخذ الثأر  من عدوهم  وأعدوا ما استطاعوا من قوة لنيل  النصر في  تونس،  طلب من الخليفة أن يشارك في هذه الحملة فأذن له. ولما أقلعت السفن من القسطنطينيية قاصدة إفريقيا كان الأمير المغربي  من جملة قوادها تحت القيادة العامة لسنان باشا. وقد كتب لهذه الحملة نصر مبين شارك في فضله مولاي عبد الملك بشجاعته ومقدرته العسكرية وقد طير الخبر لوالدته فكانت أول من أبلغ الخليفة نبأ هذا الحادث السار العظيم قبل أن يصله من الطرق الرسمية. وقد كنت فصلت خبر هذه المعركة المعروفة في التاريخ بموقعة حلق الوادي في بحث نشرته في مجلة ( آفاق)(5).
وعند رجوع مولاي عبد الملك إلى اسطنبول وجد استعدادا طيبا عند الخليفة العثماني لمساعدته  في أخذ ملك أجداده فأمر واليه في الجزائر علج علي  أن يمده بما يحتاج إليه من عساكر ومؤن. فرجع إلى  إفريقيا وأخذ يستعد للتوجه إلى المغرب، وتم ذلك في أوائل سنة 1576 ولم يلاق في طريقه أية مقاومة لأن
 الشعب كان قد مل حكم المسلوخ. ولما بلغ هذا الأخير خبر وصول عمه إلى قريب من فاس خرج في جماعة من جنوده لملاقاته فوقع تناوش بين العسكريين ولكن سرعان ما انضم جماعة الأندلسيين إلى مولاي عبد الملك وخذل المسلوخ أحد وزراء فما وسعه إلا أن يفر بنفسه. وهكذا تسنى لمولاي عبد  الملك الدخول إلى فاس يوم 31 مارس سنة 1576 فتلقاه أهلها وعلماؤها وأعيانها بفرح عظيم لأنهم كانوا يحبونه ويتيمنون  وقد كانت بلغتهم أخبار   بلائه في موقعة حلق الوادي. أما محمد المسلوخ فقد توجه إلى الجنوب فيتبعه جيوش مولاي عبد الله  الملك وأوقعت به هزيمة  على وادي الشراط ولكن استطاع أن يفر مرة أخرى فالتجأ إلى مراكش فكلف  مولاي عبد الملك أخاه أبا العباس أحمد  الذي  سيلقت بعد موقعة وادي المخازن بالمنصور لذلك يعرف في التاريخ بهذا اللقب بمطاردة محمد المسلوخ والقبض عليه،   فتوصل إلى إخراجه من عاصمة الجنوب ولكنه رجع مع جماعة  من الصعاليك وبمداخله من بعض أهل مراكش فاحتلها من جديد. ولكن المنصور استطاع أزاحته عنها مرة أخرى فهرب إلى الشمال  وطلب من والي مدينة بادس الإسباني أن يسهل عليه الالتجاء إليها فاستشار ملكه فيلبي الثاني فأذن له  بشرط أن لا يصحب معه أكثر من عشرة أشخاص  من أفراد عائلته.
 أما مولاي عبد الملك فأنه بعد أن تمهدت له البلاد عين أخاه المنصور خليفة له بفاس وأخذ ينظر في  شؤون المغرب الاقتصادية والعسكرية  إذ كانت الخزينة فارغة والجيش منعدما، وكان في إمكانه أن يفرض ضرائب جديدة على الشعب إلا أنه رأى أن   هذه الوسيلة تؤدي إلى ضعف الدولة وإفقارها  أكثر ما تساعد على تنمية اقتصادها. ولذلك  اتجه إلى الوسائل البناءة:  فرأى في البحرية أكبر مورد للمال فأمر بتجديد السفن وصنع  مراكب جديدة فانتعشت بذلك الصناعات وأخذت الحركات التجارية البحرية مع ما يتبعها من الاستيلاء على مراكب الأعداء- لأن المغرب  كان في حرب دائمة مع النصارى المجاورين له والمحتلين لبعض مدنه ومراسيه- تدر على  الخزينة الموارد الضخمة التي ساعدت ولاي عبد الملك على تجديد  معالم الدولة وتأسيس قوات عسكرية منظمة، وقد اتبع النظام التركي في أساليبها ولباسها وسلاحها وراتبها في القيادة. وكل ذلك في مدة قصيرة جدا. ولا نستطيع في هذه العجالة أن نفصل كل الأعمال التي قام بها هذا الملك العظيم في سائر الميادين، وإنما أردنا أن تعطي نظرة موجزة عن مواهبه في تسيير الملك وتيسير أسباب الرفاهية والعزة لشعبه.
وينبغي هنا أن ننبه كذلك على ما كان  بتمتع به من سمعة طيبة عند الأوربيين، وقد أجمع مؤرخوهم المعاصرون له والذين جاؤوا بعدهم على الثناء عليه.
من ذلك ما ذكره في تاريخه العام الشاعر الفرنسي اكرينا دوبينين وكان معاصرا لهذه الأحداث، وقد خصص فيه جزءا لتاريخ معركة وادي المخازن.
 قال:"  كان عبد الملك جميل الوجه بل أجمل قومه وكان فكره نيرا طبيعة، وكان يحسن اللغات الاسبانية  والإيطالية والأرمنية والصقلية ( أي الروسية) وكان شاعرا مجيدا في اللغة العربية، باختصار فإن معارفه لو كانت عند أمير من امرائنا لقلنا أن هذا  أكثر  مما يلزم بالنسبة لنبيل فأحرى لملك"(6).
هذا هو البطل الذي أنقد المغرب من الدمار وبالتالي كل العالم العربي، إذا مطامع ملك  البرتغال  دون سبستيان الذي لقي حتفه في معركة  وادي المخازن لم تكن تقف عند حد، وكانت غايته بالهجوم على المغرب بتلك القوى الهائلة أن يدوخه ويتقدم إلى باقي بلاد المغرب العربي حتى يصل منها  إلى مصر ثم بلاد الشام  ليخلص قبر سيدنا عيسى في زعمه من السيطرة الإسلامية. ولكن هذه المطامع  كلها حطمت  بأيدي المجاهدين المخلصين وبشجاعة  القوى الشعبية التي كان يتزعمها شيخ  الحركة   الشاذلية الجزولية أبو المحاسن يوسف  الفاسي، وقد شارك معه في المعركة من أصحابه خمسون ألفا واستشهد من بينهم جماعة أخذ منهم الشيخ سبعة شهداء ونقل جئنهم الطاهرة إلى  فاس  ودفنهم في  قبة  قرب المحل الذي  كان  خصص لدفنه ويطلق عليهم إلى الآن اسم سبعة  رجال. وهذه القبة  لا تزال قائمة خارج باب الفتوح في مقابر القيب.
  ومن عجائب المقارنات وإعادة التاريخ لنفسه ما حدث في عصرنا فإن خيانة السلطات المزيف محمد  ابن عرفة الذي  نصبه  الفرنسيون هي أشبه شيئ  بخيانة محمد المسلوخ بالتجائه إلى البرتغاليين.
وصمود الملك الشرعي والبطل المجاهد محمد الخامس في وجه الاستعمار الفرنسي هو نفسه صمود الملك الصنديد مولاي عبد الملك في وجه  الاستعمار البرتغالي. وقيام القوي الشعبية المتمثلة في حزب الاستقلال بقيادة زعيمه علال الفاسي لمناصرة السلطان الشرعي الملك العظيم محمد الخامس وإرجاعه إلى عرشه وتحقيق استقلال بلاده هو نفس قيام القوى الشعبية المتمثلة في الحركة الجزولية الشاذلية بقيادة زعيمها الشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي جد الزعيم  علال الفاسي، والوقوف بجانب مولاي عبد الملك والجهاد معه ضد العدوان البرتغالي.
ومساندة الصوفي ابن عسكر للمسلوخ وأسياده البرتغاليين حتى أنه قتل معهم في معركة وادي المخازن هي نفس مساندة رئيس الطرقيين عبد الحي الكتاني   لصنيعة الفرنسيين ابن عرفة حتى أنهما توفيا كلاهما في دار الغربة.
أن هزيمة البرتغاليين على يد المغاربة يوم الاثنين متم جمادى الثانية سنة 986ه، 4 غشت سنة 1578. على ضفاف وادي المخازن خلصت المغرب من خطر الاستعمار المسيحي البغيض وأوقفت حركة التوسع الصليبي ضد الإسلام وأراضي المسلمين بكيفية نهائية.

* نشر هذا المقال في العدد 9- ألسنة 3 من مجلة " البحث العلمي".
(1)  فاسكو دي كارفالو
Vascocarbalo, la Domination Portuguese au Maroc Lisbonne 1936  P .17
(2)  المرجع قبلع ص .13.
(3)  نفس المرجع ص.15.
(4)   نفس المرجع ص.19
(5)  أنظر: محمد الفاسي، إنقاذ تونس من الأسبان في أواخر القرن العاشر الهجري في مجلة آفاق العدد الثالث، الرباط، يوليه- غشت- شتنبر 1963، ص. 7-21.
(6)  انظر: مجموعة " مصادر تاريخ المغرب" لهانري دي كاستر
Hlinrg de Castères, Sources Indétes de l’Histoire du Maroc.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here