islamaumaroc

وقعة وادي المخازن الحاسمة.

  دعوة الحق

190 العدد

منذ فجر الإسلام إلى الحروب الصليبية ومكايد  الاستعمار تحاك له في أجواء تكتل فيها أبناء النصرانية وأعداء الإسلام على مقاومة الذين الحنيف بغية اجتثاث دعائمه لحد أصبح معه يتعثر في أذيال نشاطه راكعا تارة وقائما أخرى من جراء  تسممها بهباء تخديرات نثرت على سمائه شرقا وغربا طوال حقب  بعيدة طالما  هو يئن في دوامة فتراتها تحت نير سياسة فاتنة  مسخرا في حركاته الاستعمارية بسطاء العقول وضعفاء الإيمان من الخونة الذين لا ينفكون   يساندونه على مد شباكه الاستعبادية، وحباله الاستغلالية لخيرات  ترابه الخصب في عامة الأطراف متركزا في الشواطئ ومتوغلا  في الوسط الإسلامي  متربصا ما يسنح له من فرص مقيتة في خلق التنازع بين الأمراء، وبث التنافر ترابه  في الأقارب الذين يغان على قلوبهم من تأثير تنويماته وتخديرا ته التي قد لا يستفيق البعض من هستيريتها  وهوسها.
وطبيعي أن انحراف رجال من هذا الصنف عن الجادة قد يؤدي بالدولة إلى الانهيار ويلقي بكيانها   في الهاوية. بيد أن عملا كهذا لا يعدم أبطالا ثبتت ضمائرهم وحنكتهم التجارب، وهيأتهم الخبرة ليكونوا سدادا محكما للثغور،  وسدا حصينا في وجه الأعداء خاصة إذا انبثقوا  من بيوت الإمارة، وتربوا في أحضان الملك وتغدوا بلبان  الأباء والشهامة أولئك الذين عليهم تعقد الخناصر فيقومون بوقف كل تيار يحاول  أن يجرف المجد  ويسلب الكرامة، ومن تلك الفصيلة انطلق الأمير المسلوخ أبو عبد الله أمحمد السعدي محاولا الفتك بعميه- عبد  الملك وأحمد لولا فرارهما إلى تركيا  مستنجدين ومستعطفين الخليفة " سليم" الذي لب الرغبة وأمدهما بجيش مؤلف من  5000 جندي  وقد كان  للحظ في هذه المساعدة أثره الطيب حيث كان الأميران أول  من بشر العاهل  العثماني بفتح تونس، وعلى التو عاد إلى المغرب مزودين وانشأ يعملان جميع ما يمكن من وسائل الإيقاع بالمتوكل،  ويترصدانه هنا هناك  إلى  أن دخل طنجة قاصدا أميرها " سبستيان البرتغالي"  متطارحا عليه،  راجيا منه في خنوع الإعانة على الاسترجاع ملكه...
 فما كان  من الملك  البرتغالي عدا أن أشكاه، إذ صادف منه هوية  وتطلعا لتملك المغرب سواحله بالأخص،  فكانت له فرصة مواتية  دعمها بشرطة البغيض على المسلوخ – ذلك أن تكون السواحل له، وما وراءها لأبناء البلاد فقبل ألامعة الشرط والتزامه،  وفورا جمع الطاغية جموعه، وأعد عدته وعبأ قوة هائلة بلغ  جيشها " 125000" جندي كل هذا رغم ما قام به رجال دولته وكبارها من تحذيره مغبة المخاطرة التي كانوا يرون فيها التغرير ببيضة البرتغال وتوريطها في التراب المغربي، لكنه صم عن سماع ذلك.
 أما المتوكل المستنجد فضم لجيش العدو مساعدة- قوته المكونة من 300 من مناصريه، وكان  المرمى الهادف لهؤلاء الأعداء هو القضاء على المغرب وحصد أبنائه المسلمين وإدارة رحا الهوان على الدين
 الحنيف مع ما كان يتوفر من عدد الأنقاض الثقيلة التي كان يجرها زهاء مائتي مقاتل.
وعند خروج الأمير المخدوع لمبارزة مواطنيه المسلمين وكان يتوفر جيشه على أزيد من أربعين ألف مقاتل- وجه رسالة لأعيان المغرب وعلمائه  وأشرافه يتوعدهم بنكت بيعته ونقضها ومبايعة عمه ( أبي مروان) دون موجب شرعي في زعمه الباطل قائلا: وللعلماء أنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما يمكن. ولكن علماء المغرب ردوا على الرسالة بلسان الحق داحضين تخرصاته الباطلة معتمدين على قوة إيمانهم، وصدق وطنيتهم، وكان هذا كمخالطة وتبرير لموقفه الشنيع بدر الرماد  على  عيون الشعب الواعي اليقظ الذي لا تنطلي عليه أمثال هذه المخادعات.
 ثم لم يلبث المسلوخ أن خرج من طنجة بجيش البرتغال الكثيف تاريخ ربيع الثاني عام 986هـ موافق 4 غشت م ولأول وهلة وفور الرؤية الأولى من أبناء المغرب  وقع في نفوس شيء من الاضطراب كادت تطيش القلوب أمامه شأن المفاجآت.
( ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة
                      وأعظم شيء حين يفجاك البغت)
أضف إلى هذه الظاهرة الفاتنة استبطاء السكان عن نجدة الخليفة ابن مروان الذي وجده الحال بمراكش  وأصبحوا يرون التعلق برؤوس الجبال  أقرب إلى النجاة، بيد أن أبا المحاسن يوسف الفاسي الذي كان وقتئذ بالقصر جعل  يهدئ الأفكار ويسكن النفوس مشجعا الشعب بالوقوف حجر عثرة في وجه العدو رغبة لزوم المواقع والمساكن غير تاركين له مجال التمكن من التراب والتمركز بأطرافه.
وفي أقصر ظرف اتصل الخبر بالخليفة ابن مروان فحرر رسالة إلى رئيس البرتغال يخاطبه فيها قائلا: أن سطوتك قد ظهرت في خروجك من راضك  وجوازك العدوة فإن ثبتت إلى أن تقدم عليك فأنت  نصراني  حقيقي شجاع، وإلا أنت كلب ابن كلب، فلما بلغه الكتاب استشاط غضبا، بعد  استشارة  دائرته قال المسلوخ الماكر: الرأى أن تتقدم وتملك  تطاون والعرائش والقصر،  وتجمع ما فيها من العدة والقوة، فأعجب  الرأى أهل الديوان غير أنه رأى لم يرق الطاغية.
أنها خدعة حربية دلت في وضوح دهاء أبي مروان وحنكته ( والقصة تهدف في فحواها إلى ما أرتكبه الإنسان لما حاول الأسد افتراسه) ولم يجد ساعتئذ  بدا من فتق حيلته واستحياء رويته، وتوا فكر فيما ينقذ ويعود على الهزير بسوء المغبة، وفعلا نجحت الحيلة، وأصبح موثق الأيدي والأرجل بين يدي الإنسان  المفكر. ( والحرب خدعة).
من هذا المفهوم ما قام به الخليفة السعدي ثاني مرة حيث حرر مرسوما آخر مدلوله: " رحلت إليك 16 مرحلة ( والمرحلة مسيرة يوم وتقدر  بنحو 90 كلم) أما ترحل إلى واحدة، فما كان منه إلا  أن رحل من ( تهدارت) ونزل على وادي المخازن بمقربة من قصر كتامة. وأثر لحظات انطلقت نيران الحرب مستعرة بين الفريقين إذ تقدم جيش العدو بعدته وقوته وعبر الوادي، وعن عجل أمر أبو مروان  بالقنطرة أن تهدم ولم يكن للوادي مشرع سواها الشيء الذي أدى بالفارين من الأعداء إلى السقوط بالوادي.
 ثم زحف الخليفة إلى العدو برجال المسلمين وجميع من أقبل منهم راغبا في الكفاح والاستشهاد وكان من جملة المشاركين في المعمعة- الشيخ أبو  المحاسن يوسف الفاسي وأبو عبد الله ابن عسكر الشفشاوني صاحب الدوحة  غير أنه كان في جانب المتوكل، وإذا عيب عليه هذا عاد إلى رشده معتذرا عن غلطه.
وعندما حمى وطيس المعركة  وأسود الجو بالنقع ودخان المدافع لقي الخليفة أبو مروان ربه لدى الصدمة الأولى، ومن الألطاف  الخفية  أن لم يطلع على وفاته غير حاجبه ( رضوان العلج) الذي وجد الخليفة واضعا أصبعه على فيه كمشير لكتمان وفاته، فعلا  وفق لذلك وأخذ يختلف إلى الأبناد وقواد المعركة قائلا:
السلطان يأمر فلانا أن يقصد موضع كذا، وفلانا أن يلزم الراية، وآخر يتقدم، ورابع بتأخر لما يتوفر عليه من خبرة وحنكة في نظام الصفوف، وترتيب  المكافحين والمجاهدين  حسبما يرى في كل من استعداد لمواجهة من الجهات دون سواها من الميادين، وأسفرت المعركة في النهاية عن فوز مبين حصل المسلمون فيه على انتصار باهر وغنيمة فاخرة لم يشهد المغرب العربي لها مثيلا.
 وانطلق السرور يعمد حتى يهود المغرب الدين نزحوا من الجزيرة إليه إذا كانوا يتوقعون الويل من انتصار العدو الذي أخرجهم من ديارهم وطردهم من ( الجزيرة الايبرية) قبل وآواهم المغرب، وأفسح  لهم في ترابه حتى كانوا يقيمون المهرجانات كذكرى لهذا الانتصار الباهر الذي  لا يعادله في المعارك الحاسمة إلا ( وقعة الزلاقة) بالعدوة الأندلسية التي  كان بطلها أسد المغرب الهصور" يوسف بن تاشفين"  وأن دل على هذا على شيء فإنما يدل على شهامة وبطولة نادرتين في  أبناء المغرب العربي النبيل – فالمغاربة كمادة بالطبع أحرار النفوس أباه الضيم يا بون الذل، ولا يتحملون الهوان يمثلهم قول الشاعر العربي:
( ونحن أباه الضيم من آل مالك
     وإن مالك كانت كرام المعادن)
وأكبر برهان يلمسه العالم اليوم عموما والمغرب خصوصا إزاء هذه هذه الظاهرة  المقدسة- كفاحه  الاستعمار بأشكاله وهو أعزل لا سلاح له سوى إيمانه وثقته  بنفسه، نعم لا نذهب بعيدا فهذه ( المسيرة الخضراء) مسيرة  الحسن الرائد وما حققته في عمقها من انتصار هي وحدها لتغنينا عن التدليل على بطولة هذا الشعب وكفاحه منذ كان وحتى الساعة مما لا عجب أن يكون قدوة باقي الشعوب خاصة افريقية.
فمعركة ( وادي المخازن) تعد في الوقائع التاريخية الحاسمة التي كتب لها الفوز رغم قلة العدد والعدة الشيء الذي أعطى الواقعة قيمة تحدثت عنها التواريخ الوطنية والأجنبية بأقلام غليظة وألوان ساحرة تتلاءم  وكرامة الأبطال الذين خاضوا غمارها عن إيمان صادق  ونفوس طاهرة حرة سجل التاريخ  الأمين مواقفهم النادرة بمداد الفخر والإكبار، ولا بدع  فقد سقط في ميدان الشرف والشهادة طائفة  مومنة  كان ذلك هدفها الأسمى وغايتها القصوى الذي نراه اليوم يحرك همم الشباب الواعي بمغزى  إحياء الذكرى الخالدة، والمليئة بالانتصار الباهر رابطا الحاضر بالماضي الحافل.
وعقب انتهاء الحرب التي زادت شهرتها بموت ثلاثة ملوك في الميدان: 1) أبو مروان. 2) سبستيان. 3) أمحمد المسلوخ. تولى عرش الدولة أخو عبد الملك أحمد المنصور السعدي، وفي  عهده تضخمت الدولة وتحضرت أكثر من ذي قبل بما ادخله عليها المنصور من نظم اقتبس جلها من نظم الاستانة وحضارة الترك، فتقدمت العلوم والصناعات  وخطا الفن المعماري خطوات تجلت روعتها في قصر البديع وقبور الأشراف بمراكش، والفن الذي بلغ الغاية في الرقة والجودة حتى قال الإخوان المستشرقان الفرنسيان  ( جيروم وجان طاروة) فيما كتباه عن المغرب: أن من لم يشاهد ضريح السعديين وآية الفن المتجلية فيه لم يدرك مدى ما بلغته حضارة الإسلام.
وانطلاقا من هذا أننا إذا عرفنا تقدير الشعوب لأبطالها والإشادة بمواقفها نجد هذا النوع يبدو جليا فيما تعطاه أضرحتها من عناية وسمة تهدف  الاستمرارية ولا تفتا الأجيال القادمة تلمس عظمتها عبر التاريخ كـ ( سبعة رجال) أولاء السبعة المقبورون في شبه زاوية بالقصر الكبير علاها الإهمال اليوم فهي لا بدع تهدي شبابنا الناشئ للبحث عن هويتهم  واهتمامهم معاصريهم بإعطائهم تلك التسمية ( سبعة رجال) التي  نجدها  في غير ما بلد من مدن المغرب وقرأه كمراكش المشهورة بذلك  أكثر، ولا غرابة أن يمنح الشعب الوفي أبناءه هذا اللقب المطبوع  بطابع الديمومة والذي لا يفتأ يحرك كوامن الصاعدين باعثا منهم بذور مرة أخرى وبأقوى ما يوحي به العصر الجديد من معدات وآلات.
إن أصحاب  هذه الأضرحة كانوا من شهداء المعركة أبانوا فيها عن إيمانهم واباية الضيم والذل مسترخصين دماءهم الغالية في سبيل العز والكرامة.
ومن شأن أمثال هذه الوقائع أن تعطي الدليل لمن تسول لهم أنفسهم إهانة السلالات والارومات سعيا وراء الأطماع في الاستحواذ والاستغلال، بيد أن التجربة لا جرم تجعلهم يعودون على أنفسهم  باللوم والحسرة مما لايعتم ( ومع امتداد التاريخ) أن يحول العداوة صداقة فتنقلب تلك الحزازات إلى صفاء وتلك سنة الله في الكون يبديها التاريخ من فينة لأخرى طوال فترات وحقب. ولا عجب ( وما بالعهد من قدم) أن نرى جلالة الحسن الثاني أيده الله يستقبل الوزير الأول البرتغالي ( ينو سواريس) في 16-17 مايه 1978 الذي أعلن قائلا: بحثنا العلاقات  الثنائية وهناك آفاق فيما بيننا وبين الأجانب أفلا نراه يتجلى بأصدق وأصفى فيما بيننا وبين جيرننا
وأشقائنا وما تبصروا وعادوا إلى الماضي المشرق والحافل بالفضائل والمكارم والمصالح المشتركة منذ القدم وحتى اليوم.
وهذا ما يجعلنا نفيد من إحياء هذه الذكريات  ومعالمها المليئة بالمواقف والبطولات، والأمل وطيد أن تحقق آمالنا في العودة إلى عهودنا السابقة فتجتمع القلوب على خدمة الصالح المشترك سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.
ومن الالتفاتات الكريمة لصاحب الجلالة الحسن المجدد عنايته الكبرى بتأسيس السدود وبتائها في غير ما جهة من المملكة لسقي آلاف الهكتارات  والتي كان منها:  " سد وادي المخازن" الذي لا تزال يد العمل جادة في بنائه وراء إنعاشه ورفاهه، علاوة ما يعطي الحدث من سند  واستمرارية لا يبرحان يعمقان خلود المعركة وذكراها.
أعز الله جلالة الحسن وكلاه في سمو ولي عهده سيدي محمد وسمو صنوه المولى الرشيد وباقي الأسرة المالكة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here