islamaumaroc

وثيقتان هامتان عن وقعة وادي المخازن.

  دعوة الحق

190 العدد

الوثيقتان صدرتا عن رجلين كانا ضمن الرجال الذين شاهدوا الموقعة الحاسمة، التي وضعت حدا لغرور البرتغال الذي اندفع بهم نحو الثغور المغربية، وصاروا بذلك يحاصرون المغرب في داخله، ولا يدعون له متنفسا نحو البلاد الواقعة خلف البحار لدرجة أن سمحت لهم وقاحتهم، بالاعتراض على الدول التي تقترب من ثغورنا، أو تحاول أن تتعامل مع الدولة الوطاسية أولا ثم الدولة السعدية،  عند تأسيسها، كما كنا نشرنا في هذا عدة وثائق، تحت عنوان: " من زوايا التاريخ المغربي".
وواقعة وادي المخازن، لم تكن في الواقع، أول وقيعة انتصر فيها المغاربة على البرتغال، وسحقوهم شر سحقة، بل كانت ثانية الظفر بهم والاكتساح لكيان عدوانهم.
فقد حدث أولا، أن فكر أولئك الغاضبون، بعد ما ثبتوا أرجلهم على سبتة، أن يستمروا في احتلال باقي الثغور الأخرى،  فتطلعوا إلى طنجة، وأتوا في اتجاهها برا، وتحت ابنين، كان والدهما الملك البرتغالي، قد أعدهما لهذه المهمة الغارة، والقرصنة الفاتكة لاحواز البلاد وموانيها، وكان غرورهم  قد سول لهم أن يسلكوا في طريقهم نحو طنجة الطرق الداخلية، فما توسطوا الطريق، نحو طنجة وكان ذلك، بنحو خمسة عشر كيلومترات، من مواقع تطوان ( التي لم تكن آنذاك قد بنيت) حتى   كان مجاهدة  القبائل الحوزية، غيرها، تحيط بأولئك المتمردين إحاطة تامة، وتوقع فيهم شرو قيعة، أضاعوا فيها رشدهم، وهاموا على أوجههم،  فتلقتهم الصفاح تقطف رؤوسهم، وتستأصل شأفتهم، وتمكن الأغلال من رقابهم، التي كانت منها رقبة الأمير الخطير " ضون فرنندو"  Don Fernando  الذي حمل إلى معتقله، أولا في مدينة " أصيلا" ومنها نقل إلى العاصمة فاس، التي حضر رجال منها  - كما يظهر- متطوعون في تلك الموقعة، لم    يحضرها الملك، ولا أضفى على هؤلاء المجاهدين حلة رسمية، تجعلهم يحققون له النصر العسكري، بل كانوا من عدة قبائب، في مقدمتها قبيلة أنجرة، وقبيلة وادراس والحوز وبني يدر.
لقد عض البرتغال على أنامل الندامة، وصاروا يفاوضون الدولة المغربية في إطلاق سراح " الأمير السجين" فوجدت الدولة المغربية هذه الفرصة  سائحة، لتطالبهم بالنزوح عن سبتة. وبعد مفاوضات، بين الدولتين، وانعقاد اجتماعات لنواب البرتغال، استقر الأمر على الرضوخ إلى هذا المطلب، مقابل فك رقبة الأسير. وكانت سبتة بذلك، سيفك  أسرها، تعود إلى حصن الوطن حرة طليقة، لولا ما اعتراض هذه المحاولة، من عارض لم يكن متوقعا للناس، توفي الأمير " فرنندو" في محبسه، وأفلت زمام الإنقاذ من يدنا. ولم تمض سنوات، حتى كان البرتغال، يعاودون الكرة، تلو الكرة على ثغورنا.
فاحتلت طنجة، كما احتل القصر الصغير، على الزقاق الذي خرجوا منه، نافذين إلى السواحل الأطلسية، منحدرين نحو الجنوب، متوغلين فيه حتى المياه السوسية.
 هنا كانت سوس تتحرك، وكانت تلتف حول السعديين الناشئين، فاستطاعوا أن يحرزوا بعض الانتصارات، على البرتغال، وأن يلقوا بهم عرض البحر المحيط، في بعض المواقع من البلاد. ووجدوا بعد أن أطاحوا بالدولة الوطاسية، ميلا نحو  الإستفاذة من عدوة الإسبان والبرتغال، آنذاك،  أعني الخلافة العثمانية، فاستفادوا من بعض رجالها، على الرغم مما كلفهم ذلك  من تضحيات تلتها كارثة الاغتيال، التي تعرض لها محمد الشيخ، من رجالهم المنخرطين في سلك الجيش المغربي. وكان هؤلاء من الانكشارية الفرقة التي كانت تعني الجيش الحديث، أو صاحب الشارة الجدية ( إذ كلمة " يكي" بنطق الكاف نونا، تعني الجديد، وصفا هنا الشارة بعده، هكذا في النطق " ييني شاري").
كان للنظام العسكري التركي، أثره في النظام الحربي للمغرب، هذا النظام الذي توج بالاستراتيجية الحربية، التي استدرجت الملك الشاب الأهوج " ضون سبيستيان"  Don Sabastian إلى مصرعه، ومصرع مملكته، على العموم. فالمفروغ منه، ما كان عليه عبد الملك السعدي من مهارة حربية وقيادة منظمة، صاحبته مع أولك الجيوش الأتراك، الذين أتى بهم لانتزاع الملك، من ابن أخيه محمد المتوكل ابن عبد الله الغالب...
وبالجملة؟، فقد تضافرت الشجاعة المغربية، مع النظم الحربية التركية،  وتحققت بذلك الانتصارات الباهرة، التي ولدت المغرب من جديد، مغربا قويا  في نفسه، محترما لدى غيره، متفتحا على العالم الخارجي رشيدا في دبلوماسيتيه، لدرجة أن أصبحت الملكة اليزابث عاهلة بريطانيا  تعرض على الملك المنصور السعدي، اشتراك الجيش المغربي مع الجيش البريطاني،  في الاستيلاء على أميركيا من بعد  ما عرضت عليه هذه المشاركة في غزو اسبانيا نفسها وهو ما نشرنا حوله وثائق أخرى عديدة، تحت العنوان المذكور.
لقد تميزت هذه المعركة، بأنها لم تكن في الواقع تواجه الجيوش البرتغالية وحدها، بل كانت  تواجه حربا صليبية شارك فيها العالم الكاثوليكي، حتى المسيحيون غير الكاثوليك كما نجد في وثيقة لصاحبها الانجليزي " وليم بلين" نشرناها كذلك  تحت العنوان السالف، ومنهم أحد الرجلين اللذين سنأتي لهما بالوثيقتين الآتيتين. وبهذا اختلفت هذه المعركة عن المعركة السابقة، كما اختلفت من جانب آخر، بكونها كانت الدولة نفسها، وعلى رأسها ملكها تدير دولب الحرب فيها، بخلاف السابقة، فلم يكن  هناك ملك، بل كان الشعب وحده من قبل المجاهدين المغاربة، وكان أمير أو أميران من قبل البرتغال  ومن هنا سميت المعركة، بمعركة الملوك. نعم الملوك الثلاثة، الملك البرتغالي، والملكان السعديان، وجميعهم لقوا نحبهم فيها،،،
فخرج المغرب منها بانتصار جديد، وبمبك جديد، وخرجت البرتغال، بهزيمة صاعقة، بخسران ملك، ومملكة فيما بعد، لن تعد إليها سيادتها وعزتها إلى الأبد. وبعد فهذه إحدى الوثيقين، تمثل الجانب  المغربي، وقد صدرت عن الطبيب اليهودي الخاص لملك السعدي، وهي عبارة عن رسالة وجه بها هذا  الطبيب إلى أخيه، بالإسبانية، هذه ترجمتها:
" فاس 16 أغسطس سنة 1578
سيدي
بعد أن أبتعدنا عن" الكيرا" – وادي القاهرة، التي كانت تتجمع فيها جيوش مراكش سوس آنذاك- خرجنا من هناك في الغد متجهين إلى " شيشوة" – على بعد نحو 50 كيلومتر من مراكش-  تحفزنا أنباء وردت على الملك، من مولاي أحمد حفظه  الله، وفي اليوم الثالث، أقمنا معسكرنا، على مقربة من نهر " ينسيفت" – قريبا من مراكش ببضعة كيلومترات- دخل الملك مراكش، فقضيا بها ليلتين، ثم جعلنا نسير من تينسيفت، فقطعنا مراحل،  حتى وصلنا إلى  " ما وراء" – ربما يكون المقصود مدينة عمبر، البعيدة عن أزمور، ببضعة كيلومترات كذلك – في " تامسنا"، فأمر الملك بإقامة خيمته، داخل القصبة، مصطحبا بعضا منا معه، وكان تنفيذ  العمل يتطلب تنفيذ  العمل يتطلب  إنهاء بناء القصبة وإسكان الناس حولها، وإقامة التحصينات بها،  ولذلك أمر بأن يؤتي من مراكش بجميع المعلمين، من البنائين بالطوب والحجر، والنجارين والحدادين، مسلمين  ونصارى.
 ولما كان الله يريد شيئا آخر، ليس للناس به حسبان، فقد حدث في اليوم الثالث من وصولنا، أن طعم الملك شيئا من السمك، وشرب وشرب الماء كثيرا، كما تناول قليلا من البطيخ، فأتخمه ذلك وغلبه القيء الذي أعقبته حمى ومغص معوي. وكان هذا الوعك يعاوده من حين لآخر، فيما قبل،  مما شغل بالنا كثيرا، واستفحل أمر المرض الذي كان يعتريه.. ومع هذا فقد تابعنا المسير، وانتهيا إلى مدينة " سلا" وهناك تحسنت صحة الملك، ولما  غاد رناها بعد ثلاثة أيام،   جعلنا نسير طول اليوم، إلى أن انتهينا إلى المعمورة، وفي هذه الأثناء كنا قد التقينا مع مولاي أحمد بجوار سلا، وفي ذلك وفي ذلك اليوم امتطى الملك صهوة جواده وجاء الأهالي للقائه، وكان سكان الغرب في صحبة أخيه، وهم مسرورون  مستبشرون جدان وقد أطلق  الجمعان بارودا كثيرا – مرحبين- ثلاث مرات، فكان المشهد عظيما جدا، فيه اجتمع فرسان كثيرون لم يشاهد مثلهم، فيما قبل، بهذه المملكة، حتى أن عددهم قد بلغ قرابة سبعة آلاف فارس، وفيهم رجال المكاحل.
ثم اتجهنا إلى المبيت، فلما وصل إليه الملك، أحسن بحمى صاحبها قيء شديد، فتأسفت لذلك كثيرا، وكان قد تسبب في هذا  شدة الحرارة التي تعرض لها، وإكثاره من شرب الماء بها، مع ما كان يجهد نفسه به من انطلاقه بفرسه، ولم تكن صحته تسمح له بذلك. ثم رأى من الأنسب أن يشرب الماء البارد، ويولج أصابعه في جوفه، ليتقيا، ويمتنع عن الأكل بعد هذان وكنت أبكي وأصيح  أمامه – لا صرفه عن هذا العمل- حتى صرت  كالمجنون،  ولكن ذلك لم يفدني شيئا فيما قصدته.
وفي اليوم الثالث أصيب الملك بفواق  شديد، ثم بارتعاش في يديه، خاصة في اليمنى منها، مع نقل في اللسان، جعلني أفهم في الحين، المصيبة التي ستنزل به، فقابلت المولى أحمد وأخبرته  بحقيقة ما حدث، فأمرني أن أكتم الخبر. وجعل منذ ذلك الحين، يهتم اهتماما خاصا بتدبير شؤون المملكة، ثم أشتد العطش على الملك، لدرجة أن صار لا يطفيء، ظمأه ماء،  حتى لو سقي أنهار الدنيا كلها، لما كانت ترويه. ولم يكن لي ولا للقائد علي، ولا للمعلم " غييرمون" – كيوم بيرود أحد الوكلاء الفرنسيين المتجولين- شغل، إلا أن نجميه من شرب الماء الكثير، وسرنا على هذا النحو إلى أن كان  اليوم السابع، حيث شاء الله، بفضل" وصفتين" جعلتهما له، أن ذهب ذلك العطش، وعادت إليه شبهة الأكل، وفتح عينيه، وخف لسانه، وانتظم قوله، كما خفت عنه تلك الرعشة شيئا.
فلما كان اليوم التالي، فاتح أغسطس، جاءنا خبر بشروع ملك البرتغال في المسير نحونا، خارجا من مدينة" أصيلا" فرفعنا معسكرنا وأقمناه إلى جانب القصر،  الذي توجهنا إليه في اليوم الثالث منه، فجاءتنا أخبار مفادها أن العدو يريد اجتيازا للقنطرة التي كانت مقامة على النهر، المسمى بواد المخازن، فتقدم المولى أحمد، وظل الملك في المسافة، إلى أن ضرب المعسكر، وكان يظن أن العدو سيقدم على القتال، بنفسه في مساء ذلك اليوم، فأمر بتنظيم رماة المكاحل، وطلب – سامحه الله- الفرس، وهو يكاد يلفظ نفسه، فامتطى صهوته، ضد أرادتي، وتقدم فترك خلفه جميع الفرسان، الذين قدموا معه، ليشرف بنفسه على تنظيم الرماة، ولاحظت لما كان راكبا  على فرسه، أن قد أصابه إغماء، فاقتربت منه متوسلا إليه، أن ينزل إلى فراشه، حيث يمكنه أن يستمر في إصدار أوامره، فلم يكتف بالامتناع من ذلك، بل أخرج سيفه وجعل يلوح بت فوق رؤوس أصحابه، ليتركوه وشأنه.
وفي هذا الوقت، جاء رسول من مولاي أحمد  يخبر، بأن الأعداء قد استقروا في موقعهم، ويمكن صاحب الجلالة أن يذهب إلى مخدعه ليستريح في المعسكر، ويتناول طعامه، فنزل عن فرسه، واستلقى على فراشه، واتجهوا ونحن  معهم إلى الخيام.
أما مولاي أحمد فقد ظل في الميدان، ولم يغادره، في كوكبة من الفرسان الذين كانوا نحو مائة فقط، وهم على مقربة من الأعداء، وكان على جانب آخر من بني مليك، وبني سفيان، وبعض العرب من الجبل، -يعني جبالة- فلما اجتمع رجالنا في ذلك المساء، أرسل أخا القائد عبد النور  Abdenu
مولاي المنصور لانتلي، وولد السيد أحمد بن داودي وبعض القواد، نحوهم.
وشرع الأعداء في ذلك المساء يرفعون معسكرهم، متظاهرين بالمسيرة نحونا، فخرج الملك حينئذ من مخدعه، وأمتد على محفته، وجعلنا نسير خارج الخيام، ثم عاد النصارى إلى الاستكانة من
 جديد، فتجمعنا بخيامنا، وتكفل مولاي أحمد في تلك الليلة بأن يقوم بالحراسة، مع فئة من رجال الغرب.
في اليوم التالي،  أي الخميس صباحا، - بل  كان اليوم الاثنين صباحا- رابع أغسطس استيقظ الملك، على حالة جيدة فطلب مني قبل الشروق أن أنا وله فطوره، فأفطر، وشرب مرقا به الفتاة الخبز،  مع ثلاثة فصوص من البيض الطري، ثم حضر مولاي بارتياح عظيم. وحينما حلت الساعة العاشرة، طلب  الملك الأكل، فأمرت بأن يأتوه  بدجاجة مشوية، وأخرى مطبوخة، بطعام وخبز سميد،  فأكل قليلا من كل، وشرب شيئا من ماء القرفة، قبل الشروع في الأكل.
وبعد انتهائه منه جاءت الأخبار بأن البرتغاليين، قد شرعوا في المسير نحونا، فطلب الملك لباسه الحربي المزركش، ووضع على هامته عمامة صغيرة، فوقها وسام به ثلاثة أحجار كريمة-  على نمط ملوك الترك آنذاك- وتمنطق بسيفه الذي كان هدية قيمة من الترك، وبخنجر من نفس النوع، كان ذلك مرصعا باليواقيت والأحجار الكريمة.
وهكذا تحلى الملك بما كان يتحلى به أيام الأعياد ووضع في أصابعه خواتمه الكبيرة، المرصعة بالجواهر القيمة، وامتطى صهوة فرسه، على الرغم  من إرادتي، توجهنا معه جميعا إلى ميدان القتال.
وكان رجالنا على أتم نظام، وكان النصارى راجلين، قد قدموا من أبعد الأماكن، وكان مولاي أحمد في فرسان الغرب على اليمين، مع آلاف من  رماة فاس، وكان على يسارنا قواد مراكش، وأولاد مطا Ulendeta والرحامنة، وأناس آخرون كثيرون،  كانوا حسب عادتهم وموطنهم لا يتمكنون من التحرك بسرعة.
ثم تقابل في سهم هائل مهيب، لم أر له مثيلا، إذا لم تكن هناك حجرة ولا شجرة ولا حائل ما،  فلما كانا على طلقة مكحلة، أمر الملك بإطلاق نار المدافع التي كانت عدتها أربعة وعشرين قطعة جيدة.
ولما أطلقت المدافع طلقاتها مرتين، ألحقت بالنصارى أضرارا، كما ظهر لي، وكما علمنا فيما بعد، فأجاب عليها النصارى بمدافعهم، قتل بها فرسان ورجل من  حاملي علم الملك، ولم يستغلوا هذا، كما كان الناس يتوقعون منهم.
وفي هذه الأثناء اقترب الجمعان من بعضهما. واحتدم القتال من الجانبين،  وجعل فرساننا الذين هم رجال الشرف يهجمون على النصارى المدرعين،  وتقدمت بعض الفيالق  من النصارى عن يميننا وشمالنا واشتد هجومهم علينا بشراشة، لدرجة أن تراجع بعض رجالنا من المشاة والفرسان، وصاروا وراء علم الملك، يبحثون عن النجاة في ذلك المكان، الذي كنا به، واعتقدت أننا كنا سوف نهلك، لولا أن مشيئة الله كانت غير ذلك.
وأعود إلى مقصودنا فأقول، أن الملك لما رأى رجاله ينهزمون، صوب نظراته هنا هناك،  فوجد نفسه وحيدا لا وجود للفرسان من خلفه، لكونهم تفرقوا عنه خوفا من الرماح، فغضب غضبا شديدا،  وأستوي على مهامز فرسه، وامتشق سيفه، ثم أرتعش بعد ذلك ارتعاشا شديدا، اصطكت له أسنانه، ففقد حينئذ الوعي فالحياة، في نفس الوقت. وكان ذلك المنظر جديرا بالاعتبار، نزل أمر الله، فأسرعت إليه في الحين، فوجدته قد لفظ الحياة، فوضعته على محفة أعدت على عجل، وتظاهرت بأنه قد أغمي عليه، فصرت أسقيه الماء – متظاهرا- ثم غطيت وجهه، حتى لا يحس الناس بتلك الكارثة العظمى، وفي هذا الوقت، كان عن يميننا مولاي أحمد، مجده الله، كما سبق أن ذكرت، فحمل حملة قوية على النصارى أنزل بهم خسائر فادحة، وفعل ذلك مرتين بحملاته الموفقة. وبذلك ضيق عليهم الخناق، واشتدت قبضته عليهم، وكان الشجاعة التي جعلته ينفرد عن رجاله في نضاله، فرأيته وحده مرتين ليس معه إلا بضعة رجال.
ثم عاد القائد إلى وعيه-  لعله القائد إبراهيم السفياني  الذي كان معه – لما رأى رماتنا بالبنادق منقسمين، وخاصة علم " برثبنين"- هكذا في  في لنص  Bezenin وفي الترجمة الاتجليزية Bessanine – الذي جاء في ذلك اليوم مع القائد محمد زرقون من العرائش، فحمل على النصارى حملة قوية، شارك فيها الفرسان الذين تقصعت  رماحهم، فاستؤنفت المعركة بعد ذلك، وطوق فيها الفرسان النصارى، من كل جانب، ولم يتركوهم إلا بعد أن أقنوهم وسحقوهم.
 والشيء الذي ساعد على هذا الانتصار، أن موت الملك لم يعلم به أحد، وقد سرنا كانا معه، والأعلام  تتقدمنا، والحراس والخفراء وغيرهم من خلفنا، ونحن وحدنا الذين كنا على علم بوفاته، أي أنا وولد محمد زرقون ومسلم. وكنا نسير في الإمام لنشعرهم بأن ذلك بأمر من الملك.ثم أني كنت أنزل عن فرسي كل لحظة، متظاهرا بالتكلم معه، بحيث أن الجند كانوا يأتون بالنصارى الأسرى، رجالا ونساء إلى حيث كان الملك، فكنا نقول لهم، أنه نائم وننهاهم عن أن يوقظوه.
ولما شاهد النصارى هزيمتهم، جعلوا يقيمون الحواجز، مستخدمين فيها العربات التي أتوا بها، فقاتلوا خلفها حتى قتلوا، أو وقعوا في الأسر، وكان  عددهم ثلاثين ألفا، لم ينج منهم إلا عشرون، أو خمسة وعشرون، من فرسان طنجة، الذين ولوا الأدبار نحو أصيلا، وكذلك مولاي محمد – المسلوخ- قد فر مع شرة من الفرسان لما شاهد الهزيمة، وكان من بينهم أولاد أبي تودة وحمو بن معيزة وغيرهم،  فأرادوا اجتياز النهر، وكان الوقت وقت المد فيه، فغرق مولاي محمد وأفلت  فرسه،  ومات الملك البرتغال متأثرا بجرحين أصيب بهما، في رأسه، وآخر في ذراعه، فنقل جثته في صندوق وضع فيه جير، حمل إلى القصر الكبير.
وكان سر الله عظيما، فقد هلك في ظرف ساعة، ثلاثة ملوك، كان اثنان منهم عظيمين، وكانت  المعجزة الكبرى في أن ملكا ميتا، غلب ملك البرتغال في لحظة قصيرة، حتى ليظن أن ذلك الأمر كان من فعل السحر...
أن سادة البرتغال، من ابن دوق " براكنزا" Bragança – ورد ذكر هذا  في تقرير وليم بلين المذكور، كرجل من الشخصيات التي عينيت لتكون في معية الملك- إلى حامل الترس، قد قتلوا جميعا أو رفعوا أسرى، وهو أمر لم يره أحد من الناس، ولا سمع بت، وبمعجزة منه قبض الله ملك البرتغال وسلمه إلى رجال  ملك المغرب، بعد ما فارق الحياة.
أما عدد القتلى حسبما شاهدت بنفسي فيمكن أن يبلغ، خمسة عشر ألفا. وأما الأسرى فلا أستطيع أن أقدر عددهم، لكنه ما كان عربي واحد، لم يأت بأسير نصراني أو أكثر. والعملة المسلمون لم يعد لهم شغل يكسبون منه المال، فإن مدينة فاس – مثلا- كانت مليئة بالخدم، من أسرى البرتغال، ولم يكن هناك رجل بالدولة، ليس له أسيران أو ثلاثة في خدمته من النصارى، كما أن الفلاحين، وجدوا في  هؤلاء الأسرى، من يكفيهم مهمة القيام على حقولهم. وكان ثمن الواحد منهم، يتراوح بين ثلاثين إلى مائة، أو مائة وخمسين موزونة، - نحو ثلاثين درهما- أما قيمة الإفتكاك، فكانت تتراوح بين ثلاثة مائة، وبين خمس مائة موزونة، وكان الملك مولاي أحمد يستخدم من يجده من هؤلاء الأسرى...
وكان عرب أحواز أصيلا وتطوان والشاون، يأتون بعد إلى فاس، مصحوبين بأسراهم النصارى،- حيث كانت فاس أهم سوق  لبيعهم- فأصبحت هذه المملكة غنية بالذهب والفضة، والأسلحة المختلفة الأنواع، والبغال والخيول والثيران- مما غنم من البرتغال- بحيث لم يعد من الرماة من يريد أن يخدم غيره- استغناء عنهم بما لديه- ولا أصبح عبد أقل  ثراء من سادته في هذا.
ولا أستطيع أن أقدر لك، يا سيدي، مقدار ذلك، من الأسارى والغنيمة، لأن من لم يسره، لا يستطيع أن يصدقه.
ولما انتهت المعركة، جاء مولاي أحمد ليأخذ الأعلام، وقد علم بأن الملك قد مات، فنبهني إلى عدم إفشاء ذلك إلى أحد. ثم توجهنا نحو مخدعنا، وبقينا طيلة ساعتين، قبل أن تغيب الشمس، حيث حملنا الملك الميت إلى الخيام، وكان القائد بوجمعة قد جاء هناك، فنادى على في الناس، وأمرني بالذهاب لأرى إذا ما كان أخوه- الملك- قادرا على التحدث معه، قد خلت وبقيت برهة ثم عدت إليه فقلت: أن الملك قد أكل فنام، وكان سيدي محمد بن عيسى – بفتح الميم، كان كاتبا لمولاي عبد المالك، كما في نزهة الحادي وغيره- في هذا الوقت يكتب البيعة لمولاي أحمد، في طلب الشرفاء، قواد الفرسان والرماة جميعا، وخطب فيهم بنفسه، قائلا لهم، أن أخاه قد مات ميتة القائد المغوار، وأنهم يعلمون أنه كان في حياته  قد حارب عدوه مولاي محمد، وأنهم أن بايعوه، وأصبح ملكا عليهم، فأنه سيسير حسبما يشيرون بصوابه، فرد جميعهم بالأصفاق " نصرك الله". ثم قبلوا يده وأقسموا يمين البيعة، بأنه ملك عليهم، فأمتطى صهوة فرسه، وجاب المنادي، ينادي في الميدان، ويصيح : رحم الله مولاي عبد الملك، ونصر مولاي أحمد.
لما انتهى من هذا، توجه إلى مخدعه، فأصدر الأوامر، بدفن أخيه، فكان ذلك على هذا  الشكل:  أنه دفن بلباسه ونعليه، - شهيدا- بعد أن حمل جنازته كبار فقهاء فاس، وسيدي محمد بن عيسى،كما حملها قضاة فاس الكبار، وجميع الشرفاء.
وكان القوم يقرعون الطبول ويزمرون بالمزامير، تتقدمهم ثلاثة أعوام ملكية، ومائة من الحراس الرماة، الممتطين أفراسهم، ومعهم عبيد القصر الغلمان.
وقد خرجوا في تلك الليلة إلى فاس، حيث دفنوه إلى جنب أخيه مولاي محمد الحران- الذي كان قد سقط قتيلا أيام والده، في دفاعه مع الأتراك عن تلمسان- ووضعوه في القبر على فراشه، وأعلامه عند رأسه، وقد تأثر الناس لوفاته، وعدوه قديسا.
أما مولاي أحمد، نصره الله، فقد دخل مدينة فاس يوم سادس عشر من أغسطس، وقد أخذ ينظم شؤون مملكته، جعلها الله على ما يرومه. وأظن أنه سيبقى هنا- بفاس- إلى أن يحل رمضان، وقد استدعى مولاي داود-  بن المأمون أخيه- ليجعله عاملا على مكناس. أما ولده محمد الشيخ فسيتركه – واليا- على فاس، يؤكد أنه سيبقى معه ولد القائد علي بن شقرة. وقد أعطى قصر فاس البالي للقائد علي كنوس.
هذا ما فعل لحد الساعة، وسأعلمك بما قد يتجدد من الأمور بعد.
وقد نسيت أن أقول لك، أن أهل فاس، قد فروا جميعا، ولم يثبتوا حتى  انتهوا إليها- فاس- بمجرد ما وقعت الصدمة الأولى، كما فر معهم، من العرب الذين مروا بخيامنا، وهم ينهبون ويقولون: أننا هزمنا، نحو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف منهم، وحصل بسبب ذلك أن قام  معظم الناس، ففروا متوجهين إلى فاس، ونجا بعضهم من النهب في طريقه، ولكن آخرين نهب منهم ما كانوا  يمتلكونه.
أما مولاي الناصر، ولد مولاي عبد الله، فقد فر- من جيش عمه- في الليلة التالية، ليوم المعركة، وانتى إلى أصيلا، مع أربعة من الفرسان حاملا  خبر الهزيمة. وقد أرادوا – البرتغال- طرده، متسائلين عما قصده بهذا. لأنه لم يبق في البرتغال ملك، يأويه، فيأتيه بالموت، كما فعل أخوه، مع "  ضون سيبستيان" الصريع-  وسوف يلجأ هذا الناصر إلى ملك اسبانيا فيليبي الثاني، سوف يوجهه هذا إلى الريف، في رجال معه، ليثور هناك على المنصور؟، فيوجه هذا ابنه محمد الشيخ المأمون، فيقضي عليه،  ولكنه يهم بالخروج على والده بعد، آخر حياته-  وقد جاء بهذا النبأ " بالما"  PALMA الذي قابلنا في اليوم الثالث للعركة، حاملا رسائل قبطان الجيش، وحاكم أصيلا، ليعلم مصير الموتى والأحياء الأسرى، وقد عاد في الحال مستصحبا، مراقب القصر الملكي، الذي كان قد وقع في الأسر كذلك، وأرسله السادة الأسرى من علية البرتغال وأشرافه – إلى ذويهم.
وأن رؤية آباء وأبناء وأخوة القتلى والأسرى، لتثير الشفقة في النفوس عليهم. وقد كان ذلك بسبب المحرمات التي أقترفها البرتغال، فأدوا ثمنها حقا.
انتهت الوثيقة، وما بين العارضتين، ليس منها، بل تعليقا أو توضيحا منا.
فهذه وثيقة من هذا الطبيب اليهودي، الذي كان  - كما يبدو- من الموريسكيين المهاجرين إلى المغرب، كتبها باللغة الاسبانية، التي كان عبد الملك السعدي يحسنها، إلى جانب غيرها،  وهي تمثل الجانب المغربي.
 أما الجانب الآخر، فكان في أخرى، كتبها انجليزي، كما – كما يبدوا مراسلا- في الجملة  البرتغالية وربما كان قاطنا بالمغرب، وهي فيما يلي:
- أولا- وصف النظم  والعادات ببلاد المغرب.
المغرب بلد يقع في أفريقيا، يسكنونه قوم من البربر الذين يدينون بدين محمد، وقد تمكن من أغلبهم الضلال والاعتقادات الفاسدة العديدة. وفي  هذا البلد كثير من اليهود يسكنونه، وبيدهم  مقاليد أعظم التجارة التي تصدر عن هذه البلاد. وهم وحدهم تجار السكر والدبس وسلع أخرى غنيمة، تنتجها  هذه البلاد، ويؤدون عليها مبالغ مالية باهضة للملك.
والآن، لقد حدثت حادثة مؤلمة، لأعظم معركة دامية، خيضت في المغرب، يوم رابع أغسطس من سنة 1578م فقد كان هناك على البلاد المغربية، ملك يسمى مولاي محمد الشيخ، الذي كان له أولاد عديدون، من أزواج عديدات ومحظيات غيرهن، لأنه
هنالك ببلاد المغرب، يمكن الجمع بين أزواج، حسبما يريدون.
لقد حدث ذات يوم أن الملك كان ذاهبا إلى مراكش، عاصمة دولته، يريد قطرا آخر، يسمى سوس، فلما كان في أثناء الطريقن بما كان يسمى " بيبون" -  Bibon- على الجادة بين مراكش وتارودانت، فاغتيل بوساطة رجال- يريد الأتراك الانكشارية من جيشه- حينئذ أعلنوا البيعة لأحد أبنائه، كما كان يسمى مولاي عبد الله، وقد أمر هذا أحد نبلاء البلاد، يدعى القائد علي- بن بوبكر الازقي الحاحي، كان حاجبا لمحمد الشيخ وحاكما لمراكش – بأن تولى قتل أحد عشر من أخوة هذا الملك، - فقتلوا- إلا أن أثنين منهم فرا ناجيين بأنفسهما إلى تركيا- وهما عبد الملك وعبد المومن- فتمرنا هناك على الأعمال الحربية، يخوضان المعارك والحروب.
أما أخوه المولى أحمد فقد بقي بالمغرب، ولم يؤبه له، لما كان عليه من خمول، ولم تكن له شوكة تخشى، وكان محبوبا جدا من أخيه، الملك الشرير،  ولهذا ترعرع في بحبوحة وترف من العيش، وكان في  معظم أيامه مقصودا من جميع البلاد.
وحيث أن القاتل القاسي، ما كان ليفلت، فنال حتما جزاءه في يوم من الأيام، فقد كان هذا القائد الوزير الوحيد للملك الذي أشار عليه بالتدبير الخبيث،قد جرى عليه ما جرى من قبل، في أخوة هذا الملك – الغاشم من القتل- . وقد كان الملك القاسي مولاي عبد الله، له إلى جانب أخريات عديدات من النساء، زوجة سوداء من الأماء- أسمها الخيزران أو الجوهرة، كما في نزهة الحادي- فكان له منها ابن يدعى مولاي الشريف- الذي لقب بالمسلوخ فيما بعد- وكان سبب ما كانت عليه من سواد، يدعى غالبا بالملك الأسود، فعهد إليه أبوه عبد الله بالملك، بعد وفاته، إذ جعله ولي عهده، وكان وأرثه الوحيد – وآنذاك وألا فأنه كان له أخ تقدم أسمه بالناصر، في الوثيقة الأولى.-
 أما مولاي أحمد فأنه بعد وفاة أخيه مولاي عبد الله فر خوفا من طغيان ابن أخيه، الأسود الذي خلفه، لا يلوي على شيء، مستصحبا معه كل ثروته ومتاعه، إلى الجزائر، البلاد التابعة لتركيا، حيث بقي بها في أحسن حال وأمان- أنظر النزهة والجيش والاستقصا-.
وبينما كان مولاي الشريف، يضع على هامته التاج، متمتعا بالهدوء والطمأنينة، إذ بت يصبح ملكا طاغيا قاسيا، مما جعل شعبه  يكرهه ويتذمر من قساوته قاسيا، ثم في النهاية لجوا في وجهه بصريح القول وشدته، ثم في النهاية لجوا في وجهه بصريح القول، معلنين: أن الابن من غير أم حرة لا يمكن أن يحكمهم. وطيلة هذه المدة، كان عمه مولاي أحمد مقيما في الجزائر، موفقا في استمالة الشعب، بوساطة التدابير الدعائية التي كانت تسود إنحاء المملكة، وقد أرسل إلى أخيه مولاي عبد الملك، الذي ظل- مقيما  في تركيا يعمل- يعمل- مع الأتراك،  يرغبه في أن يأتي على رأس تعبئة عسكرية، ليقود الحملة بكل ما يستطيع، حينما يعود إلى الغرب، حيث أنه متأكد من كونه سيجد به أنصارا له أعوانا، يمكنونه من انتزاع التاج لنفسه في سهولة ويسر.
وعلى هذا الأمل الحسن، فإن عبد الملك، استطاع أن يحصل من عاهل الترك على جيش قوامه عشرة آلاف رجل من الأتراك، مكافأة له على خدماته الجليلة التي قدمها له- وكانت هذه الفرقة من الجيش  المرابط بالجزائر-  فدخل بهم المغرب، واستقبل من أتباعه ومواليه، بكل اغتباط وانشراح،   وبكل نجدة وحمية، سرعان ما تمكن من سطوته بفضل تلك الثروة التي كانت لأخيه مولاي أحمد، ولم يدخر وسعا لإسعافه بها، ونصرة مسعاه الذي دعاه إليه.
وهكذا، فإن مولاي الشريف، أبن أخيه الأسود أدرك أن عمه قاصد إليه، فبقي بين قواته العظيمة لتعبئة مقاومة ضده، غير أنه، وأن كان حتى ذلك الحين يتمتع بقوتها التي قهر بها عدة أعداء له، وكان لعمه من جيش، لم تسعفه شجاعته تجاه- عمه مولاي- عبد الملك، كما كان يدرك أن أرادة الشعب العامة، منصرفة عنه إلى عمه-.
وبالجملة، فقد قام مولاي عبد الملك بمهمة التحريض عليه، فأثار الناس على الشريف المذكور، وتمكن منه بأن هزمه إلى أعالي الجبال، من البلاد، وانتهى إلى أن ظفر بتاج الملك، فاستمر طيلة المدة، قايضا على زمام الحكم والسلطان، وبفضل حب الشعب أياه جدا. إذا كان رجلا في منتهى النشاط، هائلا في سرعة الحركة، ماهرا في خوض الحروب، كان منذ يفاعته دائما في تجول مستمر واتصال بالناس، كما أنه قام العدالة بالبلاد، وأقر الأمن بها، وكان
سموحا جدا مع المسيحيين، وعلى خصوص مع شعبنا الانجليزي.
وحينما انهزم الملك الأسود إلى شواهق الجبال وكان قد حمل معه جل ذخائر البلاد، كان يوميا يقلق الأمن الذي أصبحت تتمتع به البلاد، كان تحت حكم عمه مولاي عبد الملك، ذلك الملك الذي لم يكن ينام عن تحقيق غايته، والوصول إلى المدى الأقصى منها متذرعا بجميع الوسائل، متيقظا حذرا، مما عسى أن يقع من أبن أخيه، الملك الأسود، من ضرر أو أذى،- فلم يعرف مطاردته إلى أن استطاع أخيرا أن يهزمه إلى القاضي البلاد،  وتخوم المملكة. فأصبح – عندئذ- مضطرا إلى طلب العون من ملك البرتغال، الذي كان له بعض المراكز في تلك البلاد- المغربية-. وبما أن ملك البرتغال،  كان شابا يافعا شهما، في نحو الثلاث والعشرين من العمر، ربما كان قد اندفع بدافع الطمع والرغبة، في الكسب الخادع واثقا من النصر، غير مراع ولا مراقب لما يحل بت من تهلكة، فقد وعد الشريف المذكور  بتحقيق ما أمله فيه- ونصرته إلى النهاية-.
وعلى هذا فقد عبأ رجالا، بلغ تعدادهم أربعين ألفا، فيهم من المشاة ستة آلاف برتغالي، وأربعة آلاف من فرسانهم، وعشرة آلاف من مشاة الأسبان، ونبلاء الألمان  والطليان، ثم عشرة آلاف أخرى من الوصفاء والخدم وأصحاب العلوفة ونحوهم، ممن كانوا في صحبة الجيش من الأتباع-  انظر في هذا ما نقله " دوكستر" في الجزء الأول من السلسلة الانجليزية ص، 293-294، عن " بربوسا منشادو"-.
وبهذه القوات، عسكر الملك بين جماعة من نبلائه عديدين، فأقلع معهم من بلاده، في اليوم الرابع عشر من شهر يليه سنة 1578 وعرج بأسطوله الكامل  العدة على البلاد الإسبانية، حيث رسا بمدينة قادس، واستراح بها ثمانية أيام بتمامها،  ليتزود عسكره منها بكل ما يحتاج ( كما يظن بعضهم) وربما كان في حاجة  إلى إنجاز بعض مآربه المزعومة.
وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر يليه المذكور، جمع رجاله كلهم، وفصل مقلعا عن قادس بجميع تعبئته، متجها نحو مدينة أخرى واقعة على الساحل المغربي المقابل تدعى " طنجة"، حيث  تقابل مع الملك الأسود، الذي كان في صحبته خمس مائة من رجاله المغاربة الفرسان.
وبعد ما أقام بطنجة مدة وجيزة، انتقل منها إلى أصيلا، التي هي بعض ما كان لملك البرتغال من المدن المغربية هناك، وفي اليوم الأول الذي كان التاسع والعشرين من شهر يليه، غادرها ملك البرتغال متقدما نحو الأمام، مع جميع قواته، فقطع بهم فرسخا آخر، وهو ثلاثة أميال، من أميالنا الانجليزية، ثم أقام خيامه عند مكان يدعى: " لواد الحلو".
ثم في التالي تقدم فرسخا آخر، فعسكر هناك يومين كاملين، أكتشف فيهما عند قمة ربوة عالية جدا، وجود فرقة من فرسان المغرب كان قوامها أربعمائة شخص، لا أكثر. وكان سبب إتيانها، كما ظن تماما، لمجرد معاينة معسكر ملك البرتغال، فيكون ملكهم مطلعا على القوة التي يتوفر عليها، هذا – الملك- في الواقع. وكانت ماثلة في عظمة مدهشة، لا يمكن أن يتصورها العقل، ثم عادوا أدراجهم، بعد ظهورهم، في سرعة فائقة، بدون أن يقوموا بمناوشة معهم، أو القيام بأي قتال لهم البتة.
وفي اليوم الثالث، تقدم ملك البرتغال، فسار ثلاثة فراسخ نحو الإمام، بدون أن يصادف أية مقاومة، فأقام حينئذ معسكره في أمن أمان، قريبا من نهر، يدعى واد الريصانة- ورد اسمه محرفا في الأصل كويكسينا- فبقي هناك طيلة الليلة.
وفي اليوم الرابع، تقدم فراسخ أخرى إلى الإمام، فوصل إلى مدينة مغربية، تدعى " القصر الكبير"، حاجزا بينهما النهر الكبير، وادي المخازن.
وكان جسره آنذاك في قوة ومناعة، محروسا بألفي مغربي، فأدرك الملك البرتغالي، انه مستحيل أن يسلك هذا السبيل بدون بذل أعظم مخاطرة، وكان عليه أن يحتفظ برجاله إلى الفرصة التالية، التي يمكن أن تكون في صالحه وفي تحقيق مسعاه الحالي.
وعلى ذلك تابع سيره محاذيا الشاطئ، باحثا عن مسلك آخر له، يكون أكثر ملائمة لقصده، وفي النهاية وصل إلى جدول صغير، حيث عسكر هناك بجميع قواته ومدافعتيه، ومؤ ونته بدون أن يستهدف أي خطر أو صعوبة  مطلقا، فقضوا هناك جميع اليوم، منهمكين في العمل الذي أستغرق تلك الليلة كلها.
وفي اليوم التالي استدعى ملك البرتغال جميع حصفائه، وقواده المحنكين بقصد الاستشارة معهم
واستنصاحهم، فيما إذا كان الأحسن له أن يتجه، بجميع قواته نحو العرائش، حيث هي مدينة صامتة وأن كان بها نحو سبعة آلاف بيت، فأنها مع هذا ضعيفة غير قادرة على مواجهة أي قتال، ولن تكون  قادرة على الصمود الطويل في المقاومة، أو بالأحرى عليه أن يتقدم نحو الإمام، في طريقه إلى  القصر الكبير المذكور، فكان هذا موضع حوار طويل  بينهم، كل رجل ينحاز إلى رغبته وهواه.وبعد ما عبر كل بخصوصه عن وجهة نظره في هذا حيث كان البعض يرى هذا المسلك، وآخرى يرى غيره انتهت المفاوضة بالمصادقة على الاحتفاظ بالطريق نحو القصر الكبير، فكان العمل على ما أتفق عليه عموما.
ولكنه لم يسر غير قليل، حتى أكتشف مجيء مولاي عبد الملك بحشده، زاحفا نحوه، بقوة عظيمة من الرجال، كانت تقدر بنحو سبعين ألفا، من الفرسان، وأربعين ألفا من المشاة، وكان منهم نحو عشرين ألفا من الرماة الفرسان، وعشرة آلاف من مشاة المدفعية، إلى جانب التابعين الآخرين للعسكر، لم أسمع بعددهم، ولا يمكن أن يقدم عنهم تقرير حقيقي. ولكن بسبب أن اليوم قضي في هدوء بين القوتين، فأنهما ما استطاعتا الإتيان بأي عمل، وقد اقتربت كلتا الفرقتين من الأخرى، وعسكرنا هناك تلك الليلة، على مرأى كل منهما للأخرى.
وفي اليوم التالي، وكان رابع أغسطس، لسنة 1578، قسم ملك البرتغال جيشه إلى أربعة كراديس، وعين للقائد " ضون دويرطي ذي منسيسيس"  Don Duert de Mennesses وكان القائد الأعلى للقوات، قيادة  المقدمة Vantgard أما الكردوس الثاني فإن ملك البرتغال، تولى بنفسه قيادته، وكان  على المسيرة " دوق فيرو" Duke De Verou الإبن البكر لدوق بركنسي-  السابق ذكره- مع أربعة فياصل.
وقد قام الملك، مولاي عبد الملك بنفس الترتيب في عسكره، فكان قد أعد كل شيء هكذا، في كلا الفريقين، وكان كلا الملكين قد جعلا أنفسهما، موضع المخاطرة بها، فيما عسى أن يقع من أحداث، وقد تجردا للقتال، فوجه الملك  مولاي  عبد الملك أولا هجوما عنيفا على فرسان البرتغال المقاتلة، ولكنهم دافعوا عن أنفسهم بشجاعة، وانتهوا أخيرا إلى اضطرار رجال مولاي عبد الملك إلى التأخر بعد فقدان كثير منهم. ولكن  مولاي " ملوك" مع هذا  لم يهن أبدا، وقذف برجاله ثانية في أحسن ترتيب، لخوض المعركة من جديد، هاجما بعنف وشدة على فرسان  ملك البرتغال، فجعلهم ينهزمون إلى قلب الميدان. ثم أن الفرسان البرتغال، هم غير قادرين على جمع شتاتهم مرة أخرى، في نظام أحسن،  هجموا على المسلمين نفس الهجوم العنيف، بحيث أنهم قتلوا عددا عظيما منه، فأعاد هؤلاء الكرة على فرسان البرتغال، ولم يهنوا، وأكرهوهم على الاختلاط مشاتهم. ثم هجم الفرسان البرتغال  على المغاربة من جديد، ولكن كانوا قد قتل أحسن رجالهم من قبل، ولم يكن لهم غوث جديد، ليسدوا بت خلتهم. ولهذا فقد فروا عن زملائهم مرتاعين هلعين، ضاربين في بلاد غريبة عليهم، وهم بين أعدائهم يقتلونهم، وقوتهم تفوقهم. فما استطاعوا أن يفعلوا أحسن من هذا الفرار، مطلقا، ظل أولئك المغاربة على ثباتهم في  مراكزهم، كاسرين لقوى أعدائهم، مبددين لنظام الفرسان البرتغال، مشتتين شملهم، قاهرين لصناديدهم، يقتلونهم ويأسرونهم، في جمع من قوتهم. فلم ينج من ذلك إلا نحو ثمانين أو مائة رجل على الأكثر، استطاعوا الفرار والنجاة بأنفسهم، إلى الأسطول ألماني، وسبعمائة طلياني، وألفان من الإسبان، كان منهم " ضون النسو داكيلير"
 Don Alonso Dagolar
فارس قرطبة.
ويظن أن الملوك الثلاثة قد قتلوا، في هذه المعركة الأخيرة، وفيهم الشريف الملك الأسود
وقد أخبر أن رأس ملك البرتغال، قد بقي في القصر الكبير، بصدد تسليمه، على فدية يطلبها المغاربة، بمدينتي سبتة- بالأصل فاس وه خطا، ولا يمكن أ تكون طنجة التي سبق له ذكرها- أصيلا المذكورة.
وعرض لفداء ابن " ضون بوكانسا" عشرة آلاف دوكة، ولكن رفض ذلك.
وقد فقد ملك  البرتغال في هذه المعركة، اثنتين وعشرين قطعة من المدفعية، وسبع مائة مركبة، ببغالها وثيرانها إلى جانب أشياء أخرى قيمتها عظيمة.
وقتل  من المغاربة، نحو أربعين ألفا، أو خمسين ألفا، مع آخرين يقال أن الملك من بينهم.
وقد اختار البرتغال ملكا عليهم القسيس الذي هو عم للملك المقتول.
         
مما جاء في ( درة السلوك) لأحمد ابن القاضي وهو معاصر ( مخطوط بدار الوثائق بالرباط. د 1428. ص 14)
وابن أخيه بالنصارى اعتصما             وصار يستنجد هم لمن سما
أجابه اللعين بستيان                       بجيشه ومعه الأوثان
وعدد الجيوش الذي قد جمعا             ينيف عن مائة ألف سمعا
فقبض الله له المنصورا                  ملكا شجاعا أسدا هصورا
فخلص الإسلام من  يد اللعين           بصبره على لقاء المشركين
ما منهم إلا قتيل وأسير                   في ساعة من الزمان ذا شهير
ما ت بها بستيان اللعين                   فما له على الردى معين
ثم محمد الذي أتى به                    مات غريقا يومه فانتبه
لحكمة الله العظيم القاهر                أفادهم وزين المنابر
بذكر عمه أبي العباس                  الحازم الرأي شديد البأس
نجل الرسول المصطفى المختار       به زها المغرب على الأقطار

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here