islamaumaroc

موقعة وادي المخازن واندحار الصيلبية بالمغرب

  دعوة الحق

190 العدد

من المعارك الفاصلة في تاريخ المغرب،  موقعة وادي المخازن؛ ويشبهها بعض المؤرخين بغزوة بدر الكبرى، التي كانت الحد الفاصل للوثنية بالمشرق، وكذلك وقعة المخازن، فقد جعلت النهاية للصليبية والصليبيين المغرب.
ما قبل المعركة:
 قبل أن ندخل في تفاصيل هذه الموقعة، ينبغي أن نشير إلى الأحداث والتطورات الهامة التي سبقتها، مما له علاقة بها، أو بعد من أسبابها.
صراع بين الصليبيين والاسلام:
منذ  أن بدأ ظل الإسلام يتقلص بالجزيرة الاليبرية- بعد أن ملأها رحمة وعدلا، ومدنية ورقيا؛ - والصليبية تواصل زحفها على أقطارا المغرب، وشمال افريقية بعامة، بدافع الحقد الاسود!
وقد انعقد تحالف صليبي- باركه البابا الاسكندر السادس بين جارتي المغرب: اسبانيا والبرتغال على سحق المغرب ( قلعة الإسلام)، ومحوه من خريطة الوجود؛ وكان الأسبان أول من طبق الخطة، فقاموا بحملة تخريبية يتزعمها الريكي الثالث، فهدموا تطوان ( القديمة) وتيجياس سنة ( 803هـ-1401م)، وأستو لوا على مليلية ( 902هـ-1497م)، زحجرة بادس ( 912هـ-1507م).
وهكذا، وأصلوا زحفهم على باقي أقطار المغرب، فاستولوا على عدة مدن، وهدموا وخربوا.
أما البرتغاليون- الذين نسوق إليهم هذا الحديث -، فقد دشن جان الأول مؤسس الدولة البرتغالية- حملته الصليبية بمهاجمة سبتة الآمنة، فاحتلها بجيش جرار سنة( 818هـ- 1415م)، ثم القصر  الصغير ( 863هـ-1458م)، طنجة ( 869هـ-1464م)، وأنفا ( الدار البيضاء)-  ( 872هـ-1467م)، وأصيلا ( 876هـ-1471م)، والبريجة ( الجديدة) – ( 907هت-1502م)، والعرائش ( 910هـ-1504م)، وأكادير ( 911هـ- 1505م)، وآسفي ( 912هـ - 1507م)، أزمور ( 914هـ- 1508) ، والمعمورة ( المهدية)- ( 920هـ-1515).
رد الفعل من المغاربة:
ورغم أحتلالهم لاكثر شواطئ المغرب، فانهم لم يستطيعوا التوغل داخل البلاد، فانهم لم يستطيعوا التوغل داخل البلاد، لان رد  الفعل من المغاربة كان قويا، وقد أذكت هذه الحملات البرتغالية والاسبانية- روح النضال  في سائر طبقات الشعب،  وساعد على ذلك قيام دولة السعديين، فساندت الحركة الجهادية، وجعلت مهمتها تحرير المغرب من

النفوذ الاجنبي، وتوحيد البلاد؛ وهكذا حرر السعديون أكادير سنة ( 948هـ- 1541)، وكان لهذا النصر  صداه البعيد؛ ثم تلته انتصارات أخرى اضطر معها البرتغاليون لاخلاء آسفي سنة ( 956هـ-1549م)، والقصر الصغير ( 957هـ-1550م)، ولم يبق بيد البرتغاليون الا طنجة وسبتة في الشمال، والجديدة  في الجنوب.
حملة دعاية لسياسة التوسع باشبونة:
ورغم الانهزامات المتتالية، والاندحارات الساحقة، التي مني بها الجنود البرتغاليون؛ فقد حاول الرهبان، والعسكريون الصليبيون- باشبونة-  أن يغطوا عليها بغربال مكشوف، فنظموا حملة دعائية  لسياسة التوسع، وأشادوا ببطولة الجيش البرتغالي الظافر المنتصر!
وصادف انعقاد المؤتمر المسيحي بمدينة طرائط، فنوه بدوره بالانتصارات التي سجلها البرتغاليون في حروبهم الصليبية مع المغرب، مما زاد في غرور  شباب البرتغال، وضاعف من حماسهم لاعادة الكرة مرة أخرى.
البرتغال تخطط لحرب  صليبية شاملة على المغرب:
كان على عرش الامبراطورية البرتغالية، - الملك  دون سيبستيان- هو شاب عز، وجد نفسه على رأس أعظم دولة في ذلك العصر، فكان يحلم بامتلاك الدنيا كلها، وباحتلال كل أراضي الاسلام والقضاء  عليه؛ فجعل يخطط لحرب صليبية شاملة على المغرب، فاتصل بخاله ملك اسبانيا فليب الثاني، يدعوه للمشاركة فيها، كما دعا سائر الممالك المسيحية؛ لكن خاله حذره من مغبة هذه المغامرة الجريئة، كما عارضه كثير من مستشاريه ورجال دولته.
المغرب يعيش اضطرابات داخلية:
وكان المغرب يعيش-  لهذا العهد- اضطرابات  داخلية، وحروب دامية؛ فما أن توفي أبو عبد الله الغالب ( 982هـ-1574م)، وبويع ولسده محمد المتوكل، حتى أختلت الأوضاع، وسادت الفوضى والاضطرابات؛ فقامت حروب مروعة بين  المتوكل وعمه ابي مروان عبد الملك  المعتصم، وفي النهاية تغلب هذا الاخير، يعززه في ذلك العثمانيون بالجيش والعتاد،  وكان ساعده الايمن أخوه أبو العباس المعروف بعد- بالمنصور.
فالتجا المتوكل الى اسبانيا، تم ألى اشبونة- طالبا النجدة والعون؛ فصادف هوى في نفس الملك  البرتغالي دون سيبستيان، واهتبلها فرصة لتنفيذ مخططه الصليبي، الذي أعد له كل شيء، واستجاب لدعوته كثير  من الامم المسيحية، وبتركها البابا، وانهالت عليه الامدادات بالرجال  والعتاد.
الى المعركة:
فلنترك الملك دون سبيتيان-  وهو يداعب  أحلامه، ويملي شروطه على رمز الخيانة الملك المخلوع المتوكل، المعروف – بعد- بالمسلوخ، وقد عده أن يتنازل له على كل الشواطئ، وياخذ هو- فقط- دخل البلاد؛ ولننظر ماذا يجري  في العدوة الأخرى- وقد تطايرت هذه الأخبار الى المولى  عبد المعتصم، الملك الشهم- وهو في عاصمة  ملكه، ينظم شؤون مملكته، ويعد العدة لمواجهة العدو الغاشم
الجيش المغربي في حالة استنقار:
وقد  جعل المغربي والقوات الشعبي في حالة استنفار، وأمر أخاه أبا العباس ( المنصور) – في كتيبة من الجيش- بالتوجه إلى القصر الطبير، ليراقب تحركات العدو عن كثب، ويجعل قبائل  الشمال على الشمال على أهبة الاستعداد
تحركات الجيش  الصليبي في اتجاه المغرب:
أبحرت السفن الصليبية من ميناء لشبونة في اتجاه  يوم في 24 يونيه ( 1578)، وقد جعلت سفرها على مراحل،  فأقامت بـ ( لاكوس) بضعة أيام -  وهو مرفا على مائتي كلم- من العاصمة، وفي قادس سبوعا كاملا، وأرست بطنجة في تاسع يوليه، وهناك نزل سيبستيان مع حاشيه، فوجد في استقباله صنيعة الصليبية المتوكل، وأمر السفن
الحربية بمتابعة سيرها إلى أصيلا، وكان المسلوخ قد تنازل عنها للبرتغاليين قبل أبعاده عن الملك، ولم يبقى يقم سيبيتيان بطنجة إلا يوما واحدا، ثم لحق بجيشه يوم عاشر يوليه.
الحصول على أهم المعلومات عن القوات الصليبية:
كان هناك عيد المسلمين صحب الجيش الصليبي من " لاكوس" وجعل يراقب تحركاته ويقدم التقارير السرية إلى الملك المغربي عبد الملك المعتصم- بكل ما يدور في القيادة البرتغالية.
مبلغ عدد الجيش الصليبي:
أما عن مبلغ عدد الجيش الصليبي، فتقدره الرواية المغربية بـ( 125000) مقاتل، مع 300 أو 600 من أصحاب المسلوخ، و200 من المدافع.
وأقل ما قيل في عدده أنه 80000 رجل، وتذهب الرواية المسيحية إلى أنه أقل من هذا بكثير بينما   تبالغ في عدد الجيش المغربي، والعتاد الذي كان يحمله.
مقر القيادة المغربية:
أختار عبد الملك القصر الكبير- مقر قيادته، هناك اجتمع مع رؤساء جيشه واعيان دولته، ووضع الترتيبات الاخيرة للخطة التي سيهاجم بها عدوه.
الحرب خدعة:
 عندما نزلت الجيوش البرتغالية باصيلا، بدأت في مناوشات مع القبائل المجاورة، وعبأت قواها لاحتلال العرائش ثم القصر الكبير؛ فبلغ الخبر عبد الملك – وهو بمراكش، ففكر في حيلة يجعل معها سيبستيان يتراجع عن قراره، فكتب إليه رسالة يقول فيها:
" أنه ليس من الشجاعة، ولا من روح الفروسية أن تنقض على سكان القرى والمدن التي في طريقك- وهم عزل من كل سلاح،ولا تنتظر أن يقابلك أمثالك من المحاربين؛ فان كنت نصرانيا حقا، فتريث ريثما أقصدك...".
ولما وصله الكتاب، أشار عليه بعض رجاله أن يرمي به عرض الحائط، وانه ينطوي على مكيدة؛ وان الرأي أن يحتل العرائش والقصر الكبير،  وكل القرة التي في طريقه؛ بشمم، ورأى أن ذلك يعرض شرفه لوصمة شنعاء.
ولما قدم عبد الملك إلى القصر الكبير، فكر في حيلة أخرى يستدرج بها خصمه إلى بسائط القصر- بالقرب من مكان قيادته، حيث تكثر الغدران والوديان؛ فكتب إليه يقول: " إني قطعت للمجيئ إليك ست عشرة مرحلة، فهلا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي..".
فنصحه مستشاروه – والمسلوخ معهم- أن يبقى بأصيلا حتى تصل الجيوش المغربية، ويبقى على  اتصال بالقوة البحرية، تمده بالمؤن والعتاد وبالرجال، أن اقتضى الحال ذلك؛ ولكن تشوقه للحرب، ونخونه الصبيانية، جعلته يرفض نصيحة مستشاريه، ويأمر بالاقلاع- في حال- من أصيلا؛ وبدأت جيوشه تتحرك يوم الثلاثاء- 29 يوليه- قاصدة القصر الكبير، وكانت تسير على حذر، تخشى الشر في كل خطوة تخطوها؛ وما أن أتى يوم السبت ثاني غشت، حتى كانت تنحدر في سفح هضاب من الضفة اليمنى لوادي المخازن؛  ومن هناك شاهدت طلائع جيش المسلمين متجهة نحوهم في بسائط القصر الكبير- ما بين وادي لكوس، ووادي وارور؛ وفي اليوم الموالي  ( الاحد)، أمر سيبستيان الجيوش بأن تقطع وادي المخازن، فمرت بانتظام على القنطرة إلى الضفة اليسرى- حيث خيمت هناك.
ووصلت كذلك الجيوش المغربية – وكأنهما على موعد، وقد حطن رحالها بالقرب منها- حيث انتشرت خيامها على نهر وأرور.
وفي جنح الليل من مساء ذلك اليوم- أمر عبد الملك أخاه أبا العباس ( المنصو) – في كتيبة من الجيش-  بنسف قنطرة وادي المخازن-  تتميما  للخطة التي وضعها.
اليوم التاريخي:
في صبيحة يوم الاثنين، متم جمادى الثانية ( 986- 4 غشت 1578) – كان ذلك اليوم التاريخي الذي ستذكره الأجيال بكل اعزاز واكبار، وسيبقى خالدا إلى الابد.

عبد الملك يخطب في جيشه:
 وقد وفق عبد الملك يخطب في جيشه ويذكرهم بوعد الله الصادق للمجاهدين الصابرين، ويحثهم على الثبات وروح النظام، ويشرح لهم أن  الصليبية- أن انتصرت في هذا اليوم، فلنت تقوم للاسلام بعده قائمة؛ وكانى به- وهو يردد عليهم قوله – عليه السلام- في غزوة بدر : " الله أن تهلك هذه العصابة- يعني المسلمين، لا تعبد في هذه الارض...".
ثم خيم صمت رهيب، تلته طلقات نارية ايذانا بالحرب، وكان رد الفريق الآخر بالمثل.
والتقى الجمعان:
وفي وقت المهاجرة-  والشمس تلفح الوجوه، وبريق السيوف يعشي العيون؛-  التقى الجمعان، وكان المعسكر الاسلامى على شكل هلال تتوسطه محفة الملك، بينما المعسكر الصليبي كان شكل مربع، في مقدمته-   ألا فاقون البرتغاليون، وفى الميمنة الالمان، وفي الميسرة الاسبان والطلبان، وفي الجناحين  الخيالة مع شرذمة من أنصار المسلوخ، وكان الفرسان في الجناج الأيسر –تحت  القيادة المباشرة لسيبستيان، وكان الوسط خاصا بالرهبان والبغايا...
بداية الهجوم:
وأعطيت الاشارة لمقدمة الجيش البرتغالي – وهي من شذاذ الآفاق ( اللفيف الاجنبي) فبدات بالهجوم، وانقضت على الجناح الايسر للمسليمن انقضاض الصاعقة، فظهر منهم ذهول ووهن؛ وعند ذلك خرج عبد الملك من محفته، وانطلق كالسهم النافذ- شاهرا سيفه، ففتح الطريق أمام جيشه، والتحم الفريقان، وتعانقت السيوف، وكان الناس يتساقطون – من الجانبين- كأوراق الخريف...!
لحظات حرجة:
وكانت ساعة حرجة، ففي هذا الظرف الدقيق، شعر عبد الملك بتدهور في صحته، وقد أثر الاجهاد على نفسه، وكان به مرض صحبه في طريقه من مراكش، فعاد إلى محفته ليلفظ أنفاسه الأخيرة، واضعا سبابته على فمه، وكأنه يشير إلى كتم سره، وإخفاء موته؛ وأطبق أجفانه- وهو موقن بالنصر الذي وعد الله به المومنين الصادقين.
وأخفى رضوان الحاجب موت الملك، وظل يتردد على المحفة، يبلغ الجند أوامر الخليفة، والحرب على أشدها يتطاير شرارها، ويلتهب أوارها؛ ولكن أبا العباس ( المنصور)- وقد علم بوفاة أخيه-  أراد أن يجعل لها  لهذا الاتون منفذا، فمال بمقدمة  جيشه على مؤخرة العدو، بينما اتجهت الميسرة ضد الرماة، فتهالك المسيحيون صرعى من جراء هذه الصدمة العارمة، وولوا الادبار، فدأرت عليهم الدائرة، علمت السيوف في رقابهم.
ساعة النصر:
وكانت النصر، " وما النصر ألا من عند الله"؛ ولاذوا بالفرار- قاصدين القنطرة، وهيهات، فقد أضحت أثرا بعد عين، فارتموا في النهر  يسبحون، ولكنه كان فوق ما يطيقون؛ فابتلعتهم  الغدران، ولم ينج منهم الا عدد ضئيل، وقد أتى على أكثرهم القتل والاسر.
فرعون الصليبية يسقط صريعا:
وسقط سيبستيان – ( فرعون الصليبية)- صريعا يتدرج في دمه، وسقط معه ألوف من أنصاره وأتباعه- بعد أن أبدى شجاعة منقطعة النظير، ولكنها لم تفده شيئا أمام قدر الله، جزاء ما كسبت يداه.
المتوكل يقع غريقا ويسلخ شلوه:
 وحاول المتوكل – رمز الخيانة- الفرار نحو الشمال، فوقع غريقا في النهر، ووجدت جثته طافية على الماء، فسلخ، وملئ تبنا، وطيف به حتى تمزق وذهب مع الرياح.
زمن الموقعة:
لم يتجاوز زمن الموقعة ( 52) درجة- أي أربع ساعات وثلث ساعة، حسبما يحدده بعض الميقاتيين ممن كانوا شاهدي عيان؛ ولعل الظروف الدقيقة التي وقعت فيها المعركة، والخطة المحكمة التي وضعها لها عبد الملك- من هجوم مضاد، ويقطع الطريق على  العدو من كل جانب،  مما جعل المعركة تنتهي بهذه السرعة الفائقة!
مؤرخ الدولة السعدية يصف الموقعة:
وهذا مؤرخ الدولة السعدية أبو فارس الفشتالي يصف بعض مشاهد الموقعة، ويذكر دور أبي العباس( المنصور) الطلائعي الذي قاد المعركة  الى النصر، فيقول:  ... وماذا عسى أن أعد أو أذكر بعد يوم المخازن الذي خضرته ملوك العدوتين، وجموع الملتين، وأنصار الكلمتين؛ على حين ما انقضى أخوه الخليفة وفاضت نفسه، وأترع من الحمام كأسه، وواراه من المحفة الحجبة رمسه، ولاذ بالخذلان من مثل به للشقاء تعسه  ونحسه، فأظلم الجو، وتلوم الدهر، واشتد الخطب وتفاقم الأمر؛ واستأسد الكفر، وأنشب الناب والظفر؛ فأثبت – ايده الله- في مستنقع الموت قدمه، واحتسب في الذب عن الملة نفسه، وتدفقت عليه واحزاب التثليث؛ فصابر زلزالها كالجبال الرواسي، وثبت تحت الاولوية كالليث العادي؛ وانصرف وجه القتال لمواكبه؛ واحرق البندق رجاله الابطال، واسود الحرب والنزال، فتزحزحوا عن مراكزهم، وتدوق بعضهم ببعض، حتى تدرقوا – جميعا بمولانا  أمير المومنين، وامتدوا من ورائه حبلا، فخلا وجه القتال للمشركين من رجاله وأبطاله، إلا من منحه الله الصبر-  وقليل ما هم- حتى صار هدفا أرمي المشركين، فأصابته جرحات بالبندق، فسمحت  احداها ظاهر قدمه، وخاضت احشاء فرسه فمات منها؛ وثبت لضنك  المقام، وهول اليوم؛ حتى جبر الله الصده، واقال العثار، وحكم لدينه بالنصر والظهور؛ ونصر على يده الاسلام، وتل عرش الكفر، واستأصل شافة الاصنام، - وحده- بفخر اليوم- جلد وصبرا، وثبات واقداما- على كثرة من ضمه المعترك من أبطال الملتين، على تجهم اليوم، ضنك المقام، وخشونة المعترك، واشتداد زلزال الحرب...
عدد الاسرى والقتلى في الجيش الصليبي:
وناهيك بيوم أجلى عن ثلاثة ملوك موتى، ما بين مجندل وغريق وفائض النفس حتف الانف، وعن ثمانين ألفا المشركين- ما بين قتل وأسر..
والحلق ما شهدت به الاعداء:
ويصف بعض الكتاب البرتغاليين مخلفات هذه المعركة فيقول: ... وكان مخبوءا لنا في مستقبل الاعصار، العصر الذي لو صفته- كما وصفه غيري من المؤرخين – لقلت: هو العصر النحس، البالغ في النحوسة، الذي انتهت فيه مدة الصولة والظفر والنجاح، ونقضت فيه أيام العناية من البرتغال، وأنطفأ مصباحهم بين الأجناس، وزال رونقهم، وذهبت  النخوة والقوة منهم؛ وخلفها الفشل، وانقطع الرجاء، واضمحل زمان الغنى والربح؛ وذلك هو الذي هلك فيه سبستيان في  القصر الكبير من المغرب..."
كيف تلقت أشبونة نبا هزيمة جيشها:
لقد فر من ساحة المعركة يوم المخازن عدد ضئيل، من الجيش البرتغالي الهائل؛ وكان صوله إلى أصيلا بأعجوبة، فأقلعت السفن مسرعة، وطيرت بالخبر إلى اشبونة، فنزل عليها نبأ الهزيمة كالصاعقة، وأصابها ذهول شديد؛ وما بيت إلا ودخله الحزن، وعمه الثكل؛ من جراء ما فقدته من أبطالها، وخيرة شبابها؛ فجللت المدينة بالسواد،
 ونكست الاعلام في سائر البلاد؛ وكانت ضربة قاضية لا للبرتغال وحسب، ولكن الأمم المسيحية جميعها، وتبخرت معها أحلام الصليبية إلى الابد!
المعركة والشعراء:
سحب  أصداء هذه المعركة كثير من الشعراء – في قصائدهم، وتغنوا بها في نواديهم ومحافلهم؛ ومن ذلك قول أبي عبد الله الهوزلي-  من قصيدة يمدح بها ابا العباس المنصور، ويشيد بدوره  البطولي في المعركة:
وحسبك من وادي المخازن وقعة
بها الشرك حتى آخر الدهر تاعس
بها عرفت أبناء عيص بأنهم
عبيد العصى ما ناس في الدهر نائس
فدانوا حتى توقع بطشه
برمتهم صلبانها والكنائس
وضاقت على سبستيان كل عويصة
وذلت لنا منه الانوف الغراطس
فجهز ما تحوي ذخائر ملكه
يذود بها عن نفسه ويداعس
ولو أيقنوا ممنها النجا يبناتهم
لزفت لنا أبكارهم والعرامى

أبو العباس المنصور يتولى الملك ويحمل لقب النصر:
أما أبو العباس أحمد بن الشيخ – اخو عبد الملك، الذي أخذ زمام المبادرة في المعركة، وأبلى البلاء الحسن فقد توجه الشعب أكليل النصر، وولاه الملك، ولقب ذلك اليوم بـ( المنصور).
وفي أهلاك الملوك الثلاثة واقامة واحد، إشارة – كما يقول بعض المؤرخين- إلى أهلاك دين التثليث ( الصليب)-  بهذه الأرض، واقامة دين التوحيد ( الاسلام)، وستبقى مقبرة للصليب والصليبية – إلى الأبد، ودار إسلام وتوحيد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، - وهم خير الوارثين.
أسباب النصر:
كان للنصر الذي أحرزه المغاربة في هذه المعركة- بعد التأييد الإلهي- عدة أسباب، منها:
1- مأساة الاندلس التي جرحها لم يندمل في قلوب المسلمين، والتي تتمثل فيها الصليبية الحاقدة- في أبشع صورها:
لمثل هذا يذوب القلب  من كمد
ان كان في القلب اسلام وايمان
2- الخطة المحكمة التي وضعها عبد المالك لاستراتيجية المعركة، فاستدرج خصمه إلى القرب من مكان قيادته، وسد عليه المنفذ في البر والبحر
3-  المشاركة الفعالة للطبقات الشعبية التي  استجابت للنفير الذي اعلنه عبد الملك في الجنوب، وأخوه أبو العباس ( المنصور) في الشمال.
4-  نسف القنطرة التي كانت المنفذ الوحيد – للعدو- ان أراد التراجع ليعيد الكرة- ما امكنته الفرصة
5- الاختلاف بين القاعدة والقمة في الجيش الصليبي، فرؤساء الجيش لم يكونوا مؤمنين بالخطة التي وضعها سيبستيان، فكان ذلك من دواعي الفشل.
6- الدعم الذي أعطاه عبد الملك لجيشه عند الصدمة الاولى، واخذ أبي العباس ( المنصور) المبادرة بعد موت أخيه.
7- كانت خيل المسلمين أكثر من خيل النصارى، وربما كانت حرب السهول، تعتمد على الخيل – أكثر من الرجل.
8-  تفوق مدفعية الجيش المغربي على مدفعية الجيش الصليبي، وقد اكتسبت الجنود العثمانيون والاندلسيون-  مهارة فائقة في الرمى بالانقاض.
9-  ضعف معنويات الجيش البرتغالي الذي دفعته الانانية والغرور ليقاتل شعبا آمنا في أرضه وبلاده، بينما كانت معنويات الجيش المغربي والطبقات الشعبية جد مرتفعة، حتى أن بعض  القبائل المجاورة قاتلت العدو بالمناجل، - وقد قذف الله الرعب في قلبه، ولم يكن يبدي أية مقاومة- بعد أن أختلت صفوفه.
آثار المعركة:
أسفرت معركة وادي المخازن الحاسمة، عن نتائج بعيدة الاثر – اقتصاديا، اجتماعيا، وسياسيا:

- فمن حيث الاقتصاد، فقد استغنت دولة أبي العباس المنصور، بما أداه لها البرتغاليون من أموال لافتداء الأسرى الذين كانوا يعدون بالألوف، فانتعشت الحركة الاقتصادية، واتسعت التجارة، وعم الرخاء، وترقت الفنون والصناعات، وشيدت القصور والمنشآت العمرانية.
-  اما من الناحية الاجتماعية، فقد عاد للشعب المغربي الثقة بنفسه،  والاطمئنان على مصيره؛ فدخل في طور الاستقرار، وازدهرت العلوم والفنون، ونبغ شعراء، وظهر كتاب بارزون؛- إلى غير ذلك من مظاهر الحركة الفكرية، والأدبية.
- وأما من الناحية السياسية، فقد أعطت  معركة وادي المخازن المصيرية للدولة المغربية سياسيا- على الصعيد العالمي، فهادها ملوك الدنيا، ووجهوا لها السفارات والبعثات؛ واخذ المغرب يلعب دورا هاما في السياسة العالمية.
وبالنسبة للعالم الإسلامي، فقد أوقفت هذه المعركة كل خطر صليبي على البلاد الإسلامية في المشرق والمغرب، وجعلت دولة الأتراك تعدل عن سياستها التوسعية بالمغرب، فبقيت بلادنا  - وحدها- بعيدة عن النفوذ التركي، وحافظت على مقوماتها التاريخية والجغرافية.
أما بالنسبة لدولة البرتغال، فقد أشرت سابقا إلى أن هذه المعركة كانت الضربة القاضية لها، فلم تقم لها قائمة.
وكذلك بالنسبة لأوربا، فان مطامحها الصليبية تبخرت وأقبرت إلى الأبد؛ ولكنها خططن تخطيطا جديدا للقضاء على الإسلام، لا بقوة الحديد والنار، ولكن باسم الثقافة، والمدنية والرقى...
وهكذا نرى أن رقعة المخازن- وقد مر عليها 400 سنة – كيف غيرت موازين القوى في الغرب الإسلامي، وقضت على الصليبية إلى الأبد، ورفعت منار الإسلام عاليا، لا في المغرب وحسب، ولكن في افريقية كلها.
وان المغرب لم يكن في يوم من الايام يقبل  الضيم، ويستكين للقوة الغاشمة- مهما تكن.
وانه – ان أتحدث قواه الشعبية من أقصاه الى أقصاه – لم يكن ليغلب، وسيبقى القلعة المنيعة للاسلام، تتحكم عليها مطامع الطامعين، ومكائد الكائدين- وشعاره الدائم: أما الصدر أو القبر.
ونردد مع أبي العباس المنصور قول أبي فراس الحمداني:
ونحن أناس لا توسط عندنا
لنا الصدر- دون العالمين- أو القبر!
مراجع البحث
- لقط الفرائد: لابن القاضي
-  مناهل الصفا: للفشتالي.
-  مختصره: لنفس المؤلف.
- مرآة المحاسن للعربي الفاسي.
- جلاء الكرب، عن طرابلس الغرب: للحشائشي.
- اتحاف اهل الزمان: لابن أبي الضياف.
- الاستقصا: اللناصري.
- تاريخ المغرب: للوزاني.
- تاريخ المغرب: لعبد العزيز بنعبد الله.
- تاريخ الجزائر العام: للجيلالي.
- مجلة تطوان: العدد السابع.
- مجلة البحث العلمي: العدد التاسع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here