islamaumaroc

هذا هدي

  دعوة الحق

190 العدد

حينما طلب إلى أن أكتب في موضوع معركة وادي المخازن، أو معركة الملوك الثلاثة باسمها الآخر كان لا بد من القيام بمراجعة واستشارة " المصادر" قديمهما وحديثها والقيام بجولة استطلاعية تقتضي الضرورة القيام بها عبر بعض الكتب والبحوث والمقالات التي كتبت وأنجزت ونشرت في الموضوع حصرا في عدد من النقط والعناصر كان على أن أسلك طريقين اثنين – أو على الأصح- أن أختار واحدا منهما، الأولى: أن أقتفي طريق الأسلوب التقليدي في سرد الوقائع والأحداث التي يتصل أمرها بهذا الحدث  التاريخي العظيم، وأبرز ما يمكن أبرازه من ضروب التضحيات والبطولات وأن أجعل من ذلك سلسلة  أخرى في سلسلة الأمجاد التاريخية لو على سبيل الذكرى والتذكير. وثانيهما:  أن أطوي التاريخ طيا لا تفادى ظاهرة التكرر، " وعادة" السرد التاريخي الذي لم يعد يكفي وحده في تحويل التاريخ- وخصوصا منه القومي- إلى مدرسة تعلم القارئ كيف يكيف سلوكه بمعايير ومقاييس من تاريخه القومي وعبره فاخترت هذا الطريق الثانين وذلك من اجل تلافي ألزج بالقارئ في متاهات من الروايات والسرد  والتكرر وإعادة ما قيل والانصراف عما يجب أن يقال في مثل هذه المناسبة.
وبادئ ذي بدء فاتني أبادر لاضع معركة وادي مخازن  في إطارها الحقيقي، أنها لم تكن مجرد حرب إستراتيجية يتصل أمرها بالموقع الجغرافي والتوسع الاستعماري الذي أخذ يومئذ يجري ويلهث في تلك الحقبة من التاريخ، وراء الهيمنة على الثروات الطبيعية لتقام عليها إمبراطوريات  كان البعض منها لا تغيب عنه الشمس.
كما أنها تكن مجرد تنافس سياسي أو لونا من الصراع الذي كان المغرب طيلة عهد استقلاله  يجر إليه جرا وبأساليب مختلفة، ولم تكن كذلك مجرد معركة أملتها دوافع حب العظمة التي كانت تتميز بها كل من مملكتي الأسبان والبرتغال، فماذا كانت إذن هذه المعركة وما هي هويتها بالضبط والتدقيق؟، وما محلها من الإعراب في " النحو السياسي" والمنحى التاريخي؟ أنها كانت قبل كل ذلك حربا صليبية مائة في المائة، حربا قد تكون بدايتها هي الحروب الصليبية التي وقعت من اجل بيت المقدس بين قلب الأسد وصلاح الدين، ألا أن  العالم العربي والإسلامي لم يشاهد لها نهاية إلى الآن وحتى الآن.
وكل مؤرخ وكل باحث وكل كاتب يتناول تاريخنا القومي محليا وإقليميا في غير هذا الإطار فإنما يكون " قد حام الحمى دون أن يتربع فيه" بلغة  الحديث الشريف.
ولم تكن الحرب الصليبية من اجل بيت المقدس سوى إشارة بإعطاء الضوء الأحمر لخوض سلسلة  الحروب الصليبية، وذلك من أجل تقليص القوة العربية الإسلامية ومن اجل الحيلولة دون اكتساب
وسائل القوة، بداية من مواد الابازير، والتوابل في جزر تانجنفيا وزنجبار قبل قرون خلت إلى مادة البترول في عصرنا الحاضر، أنها حرب صليبية وان اختلفت شكلا فإنها لم تختلف ولن تختلف موضوعا.
تلك هي الحقيقة التي يجب أن نعيها ونركز عليها. وألا تغيب عن أذهاننا في غمرة السرد التاريخي ورواية الوقائع والأحداث وبابجداية تاريخية جامدة.
وحرب كهذه ومعركة في مثل معركة وادي المخازن التي لم تكن سوى حلقة الحروب الصليبية. أول ما ينبغي البحث عنه في ثنايا تاريخها أسباب الربح والخسارة فيها وأسباب الهزيمة والانتصار في مصائرها لتستخلص العبرة كما هو المطلوب والمفروض، لا بحفظ التاريخ وقراءته وسرده مثلما جرت العادة بذلك.
ومن مختلف المصادر التي هرعت إلى الرجوع إليها وأنا بصدد كتابة هذه السطور التي تعمدت أن تكون في غاية الإيجاز، لم يرسخ في ذهني بصورة أوضح وانصع، سوى ما يساوي صفحة أو صفحتين كان كافيا لان يجعلني أدرك بعقلي وألمس بيدي الأسباب الحقيقية أو السبب الحقيقي في سر ذلك الانتصار الهائل والرائع، وفي النوعية الجيدة لذلك السبب الرئيسي، وهي صفحة لم يرد مضمونها  في  مصدر من هذه الكتب والكتابات التي تحدثت عن معركة وادي المخازن سواء في قدميها الأقدام، أو في حديثها الأحداث الذي ما يزال طريا في انجازه. وأنما هي صفحة وقعت إلى أو وقعت عليها بالصدفة خلا ل  قيامي بعملية النبش والتفتيش، عسى أن أعثر على موضوع يكون متسما بالجدة نسبيا فيما أكتبه وأشارك به  في تخليد هذه الذكرى، صفحة يروي جزئياتها رحالة برتغالي اسمه ( خوسي لويز)، ويشخص فيها تشخيصا مجهريا التحام القيادة الحاكمة في ذلك  العهد بالقاعدة الشعبية ليواجها معا مقتضيات هذه المعركة وظروفها واضعين إياها في إطارها الحقيقي الذي هو الإطار الصليبي القمح.
وإذا كان صحيحا أن معركة وادي المخازن قامت على تجهيز  عسكري وتخطيط استراتيجي كانا  ممتازين بالنسبة لظروف ذلك العهد ومفاهيمه  الحربية، فان الأمر يكون أصح بالنسبة لهذه التعبئة الشعبية التي تحدثت عن بعضها المصادر العربية ولكن في صورة تكاد باهتة وغير واضحة  تبعا لذلك، في حين أن  الرحالة البرتغالي خوسي لويز أوردها وساقها وبإيحاء  من أهمية دورها وفعالية تأثيرها في مصير معركة وادي المخازن، فهو يرى فيما يرويه ويتحدث  فيما يتحدث عنه من صور هذه التعبئة الشعبية التلقائية الجماعية،كيف أن أصحاب الحرف من سكاكين وحدادين ونجارين  وعطارين وبقالين كانوا يسهمون أسهاما فعليا ويوميا في هذه المعارك بتقديم العون المادي لجيش المجاهدين سواء منه الرسمي أو المتطوع. وكيف أن النسوة كن يغزلن وينسجن  الملابس للمحاربين، وكيف أن العلماء كانوا يصدرون الفتاوي  بعينية الجهاد، أي أنه فرض عين على كل قادر حمل السلاح، وهي الحالة التي تحدث عنها المرحوم ابن زيدان في البعض من " مستطرداته" حينما ذكر أن قولة الشيخ خليل في موسوعته الفقهية الشهيرة، " وتعيين أن فملجأ العدو"، أى أن الجهاد يصبح  فرض عين كانت في ذلك العهد تصدر كفتوى في شكل منشور بلغة اليوم.
ويزيد خوسي لويز في روايته ليلفت الأنظار على ظاهرة أخرى تشكلها مواكب الفرق الانتحارية من المتطوعين الذين كانوا يؤلفون في بعض المواقع طلائع للجيش الرسمي في حين أنه كانت توجد لجان  خاصة لضمان التموين وتوفيره احتياطا لكل خصاص في هذا الباب لا بد وأن يلحف الضرر بالمجهود الحربي، ويمس معنوية هذه التعبئة الشعبية فيقلل من حماستها.
لقد كان المواطنون يعرضون خدماتهم على السلطة، كما أنهم في أحايين أخرى كانوا أنفسهم يقيمون سلطة لأنفسهم في الأحياء والأسواق، وأمام هذا الالتحام فيما بين القاعدة والقمة وأمام هذه التلقائية التي كان وقعها النفسي على العدو والخصم لا يقل عن وقع العمليات العسكرية، كان الربح  وحصل الانتصار.
فأعد لها من الوسائل ما يناسب ويلائم هذه النوعية، انه خاض غمارها انطلاقا وشعورا من أنها حرب صليبية كيفما كانت الدعاوي والدوافع والتعليل والظروف والعمليات.
ونظر لانه خاضها بهذه الروح، فانه يكن بد من أن يعد لها المدة وأن يوسع مساحة المعركة توسيعا يحقق لكل مغربي قادر الشعور بالمسؤولية ليقدم كل ما يستطيع بذله من جهد فكري أو تدبير مادي أو معونة مهما كان نوع بساطتها، ومعركة كمعركة وادي المخازن ما كان النصر ليتوج أعلامها، لولا هذا الحماس الشعبي الذي كانت تفتقر اليه معارك أخرى عبر تاريخ المغرب الطويل، فلم يكتب  لها النجاح، ولعل افتقارها لهذا  العنصر يعود أصلا إلى أنها لم توضع في إطارها الحقيقي وبشكل بارز وفعال، فالجيوش العرمرمة من غزاة البرتغاليين والتي كانت قيادتها على مستوي القمة، لم تستطيع امتصاص حماس التعبئة لأنها أدهشتها مثلما أدهشت الرحالة خوسي لويز فركز عليها وصفه بشكل يستنتج منه أنها لفتنت نظره، بل وفتنته أكثر  مما تكون فد أدهشته كما يستشف ذلك من خلال عرضه واشارته لبعض مشاهدها.
تلك هي الحقيقة التي ينبغي التركيز عليها وأبرازها كلما دعت المناسبات للحديث عن حروب العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مع الغزاة، وذلك بدلا من الاكتفاء بسير الوقائع بأسلوب أبجدي يعني بتواريخ الوقائع أكثر مما يعني بمغازيها وأبعادها.
التاريخ لم يكتب  ولم يقرأ لمجرد الاطلاع على عصوره ومراحله والتطلع في رواياته ومصادره تأليف الأطروحات في مراحله ومواضعه، وإنما التاريخ هو قبل كل شيء موسوعة مدرسية تستطيع أن تلقن أكثر مما تلقنه الأقسام والحجرات، وذلك على حد تعبير السياسي النمساوي ( ماترنيخ).
ان مغزى وادي المخازن لم يكن سوى حلقة من سلسلة حلقات من الحروب الصليبية التي ما يزال شريط مسلسلها الطويل يتوالى على الساحة العربية الإسلامية تارة يتخذ شكله الحربي، وأحايين أخرى يتقمص أشكالا وألوانا من الدسائس والمؤامرات، وأن أشرت إلى ذلك فان جوهر الحرب الصليبية وعقليتها ولم يطرأ عليها أي تغيير رغم ما قيل ويقال من اختفاء العنصر الديني  لدى العالم المصنع.
ورغم ما ردد وما يزال يردد من مبادئ ومفاهيم يدعي أصحابها أنه وقع القضاء، قضاء تاما على رواسب العصور الوسطى، وما لم يفهم العرب والمسلمون هذه الحقيقية وما لم يحفروها  حفرا في أذهانهم ويعدوا عدتهم لمواجهة حلقات ذلك المسلسل الذي بدا منذ قرون ولم ينته ومن غير المحتمل انه شعبية قريبا، أنه ما لم يواجه هذا الوضع بتعبئة شعبية  تلقائية جماعية مثل هذه التي توفرت في معركة وادي المخازن فإن الصليبية التي تجوز لنفسها أحيانا أن تتحالف مع العالمية في نطاق سياستها التي ما تزال حتى الآن تعتمد على فصول كتاب التلموذ وبنوده، ستظل مكشرة أنيابها هنا وهناك وهنالك في كل أرض عربية  مسلمة وبكل قطع وبتمام الجزم، وبكامل اليقين، فغن أى تسليح مادي سيظل مصحفا في بيت زنديق ما لم تسبه تعبئة شعبية وما لم تسبق هذه التعبئة شروطها وظروفها اللازمة التي توفرت كاملة في معركة وادي المخازن، فكان لها هذا النصر الذي كان في واقع الأمر نصرا  للعرب والمسلمين في مشرق الأرض ومغربها.
ويوم أن يتوفر كل ذلك فانه يمكن القول وبقناعة تامة ما يفيده المضمون العظيم لهذه الآية الكريمة الوجيزة جدا والعظيمة أكثر من ذلك، " هذا هدى".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here