islamaumaroc

تقوية الثغور.

  دعوة الحق

190 العدد

لعل من أهم الفوائد التي تقدمها الدراسات التاريخية إدامة التواصل المعنوي بين جميع الأجيال عبر جميع العصور إسهاما في تكوين الضمير  الوطني أو الروح الوطنية للمواطنين وتدعيمهما لضمان الاستمرار الكياني للسيادة الوطنية في مسار الزمن.
وتعتبر هذه الفائدة المهمة بحق نتيجة غائية عظيمة تقدمها الدراسات التاريخية للسيادة الوطنية، وينبغي أن تتوخاها الكتابات الهادفة الجادة في الحضارة الوطنية  تتوخاها موضوعيا مكرسة لانجازها كل ما يمكن تكريسه من جهود.
وإذا كان التعمق في الدراسات التاريخية قد يمكن أن يؤدي إلى الخروج منها بحكمة فأن هذه الفائدة تعد في صميم ما يمكن استخراجه.
ومن الأقوال التي تقال عن التاريخ هذا القول:
" التاريخ يعيد نفسه":
و" التاريخ يعيد – أو قد يعيد، أو قد لا  يعيد – نفسه" هذه قضية فيها نظر، وفيها نقاش يطول، ويحتاج إلى الأدلة والبراهين من الأحداث التاريخية المقارنة، لإثباتها وتأكيدها والتسليم بها، وهي ليست موضوع هذا المقال الوجيز.
ولكن إذا وضعت بموازاة هذه القضية أخرى مضمونها: أن المواطنين يريدون بعزم ألا يعيد  التاريخ نفسه، وبخاصة في أحداث تعرض التراب الوطني لأخطار العدوان الخارجي وما يتبعه من هوان وخسائر وضحايا وانهزام واحتلال وتقسيم، فإن هذه القضية جديرة باهتمام والاعتبار، وخليقة بالدرس والنظر والتفكير، ومستحقة لكل تقدير وتكريس  للجهد والإصرار.
إرادة المواطنين العازمين المصممين على ألا يعيد التاريخ نفسه إعادة سيئة  تندرج في لب الضمير الوطني الذي تضطلع الدراسات التاريخية المعمقة الهادفة بسهم أصلي أساسي في تكوينه وتهذيبه وتثقيفه.
والضمير، كما هو معلوم، موضوع أخلاقي يتناوله الدين وعلم النفس والفلسفة بالتوجيه والدرس  والبحث، لهذا فهو موضوع معنوي ( روحي) له صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة.
وعبر هذه الصلة يكتسب الضمير صفته الأخلاقية ( المعنوية الروحية) التي تربطه وطنيا وتاريخيا بالله بوساطة حب الوطن مصداقا لقول رسول الله سيدنا محمد ص : " حب الأوطان من الإيمان..."
وكأن مهمة الدراسات التاريخية المعمقة الهادفة إلى استخراج استنتاجات معنوية توضح العلاقة المعنوية الروحية بين الله وبين الإنسان والمكان عبر الوطن حبه وتوطدها، وتمتنها في إطار مقصدها لوضع قوانين علمية ( نظريات) تحددها تحديدا.
 ومن خلال هذه المهمة يبدو لنا دور التاريخ الحقيقي أسمى من دوره كمرشد وموجه ورقيب وخاصة عند ما يصبح مصدرا ومرجعا لنظريات وقوانين علمية مسلمة تؤثر تأثيرا ايجابيا في النضال أو في الريادة أو في القيادة لمدى قرون وأجيال.
وفي هذا الإطار يندرج هدف تخليد الذكريات والأيام والمآثر الحاسمة في التاريخ الوطني.
ان تخليد الذكريات والأيام والمآثر التاريخية ينبغي أن يقصد بت الاتعاظ والتأمل والاعتبار قبل الابتهاج والفرح والافتخار، والعمل بالمغزى المعنوي والسياسي والنضالي المفهوم والمستخلص منه لتلافي العودة السيئة للتاريخ أو الوقوع فيها.
ومعركة" وادي المخازن" أو معركة " الملوك الثلاثة" على سبيل المثال، تستحق تخليدها لما فيها من عبر ودروس وعظات  معنوية واجتماعية وسياسية وجهادية ( نضالية) مهمة جدان يجدر  بالقائمين بالدراسات التاريخية إيلاءها حقها وافيا من التقدير والاعتبار والاعتناء.
أنها مرتبطة بالدفاع عن" الثغور" في سياستنا حفزت " البرتغال" للأقدام على غزو المغرب والتوغل داخل ترابه.
والدفاع عن" الثغور" كان قضية الساعة في  السياسة الوطنية طيلة قرون، وشرط أساسي من الشروط التي كان يجب أن يتضمنها برنامج أية حكومة من الحكومات.
فلو كانت " ثغورنا" حينذاك محصنة وقوية منيعة،وبأيدينا غيرنا لما حدث معركة وادي المخازن ولا غيرها من المعارك.
أن " الثغور" إذا كانت محصنة تحصينا كافيا ومتوفرة على جميع ما تحتاج إليه في صمودها أثناء تعرضها لعدوان أي معتد خارجي فإنها تستطيع أن  ترد الهجومات.
وبالإضافة إلى هذا يجب ألا يكون " الثغر" -  أي ثغر- بعيدا عن " الثغور" والمدن المجاورة مسافات طويلة لكي يسهل التعاون الدفاعي بينها وتزداد مناعتها قوة، أما إذا كان الثغر  بعيدا فإنه  يكون أشبه معزول ولذلك يختاره المعتدي هدفا عسكريا لاحتلاله العدواني.
وبناء على هذا  إذا كانت " الثغور" ناقصة التحصين وبعيدة شبه منعزلة، وواقعة في جهات ناقصة العمران والوعي الحضاري والثقافي فإن صمودها ينقص ويقل ويضعف، وتتعرض لأخطار المصائر المؤلمة السيئة وبخاصة إذا ركز عليها المعتدي الخارجي هجومه بشدة.
وهذه خلاصة تجربة دفاعية كانت الحرب فيها سجالا طيلة قرون عديدة كان أثناءها وطننا في مواجهات دائمة متتالية مع المعتدين المحتلين لثغورنا.
فالدرس الأول والمهم الذي تقدمه لنا معركة وادي المخازن هو وجوب تحصين كل ثغر من ثغورنا تحصينا كافيا وتجهيزه بكل ما يحتاج إليه لكي يدافع  عن نفسه دفاعا ذاتيا مكانيا ومحليا ( إقليميا) في إطار الدفاع الوطني الشامل، وليقوى على الصمود صمودا ايجابيا طويلا أثناء مواجهته لأي عدوان خارجي.
وتحصين " ثغورنا: يبدأ بادئ ذي بدء بإدراجها في مخططات التنمية، دون فرق أو تمييز أو سثتناء  بينها، وبتزويدها بجميع المقومات الحضارية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وبربطها بأجهزة الدفاع الوطني.
أن العدوان الخارجي  لا يفرق  بين " ثغورنا"  ولا يعاملها بأي تمييز أو اسثتناء.
وبالنسبة لعصرنا الحديث  تعتبر أفضل وسيلة للدفاع عن حوزة الوطن وبخاصة عن " الثغور" هي المؤسسات الثقافية والحضارية والاقتصادية والعمرانية والاجتماعية، فحيث توجد هذه المؤسسات توجد أجهزة الدفاع الوطني.
أن الجزء الشمالي من ساحل المغرب على المحيط الأطلنطي بين طنجة والرباط ما يزال  في حاجة إلى التحصين والتقوية، و " ثغورنا" الواقعة عليه تحتاج إلى دفاع بحري متين يدعمه عمران ونمو ثقافي وحضاري واقتصادي واجتماعي مخطط باعتناء ويبعد نظر وتفكير سديد يحدوه الاهتمام بالمستقبل.
فثغر أصيلة يحتاج إلى تقوية وتوسيع وكذلك بحري جديد بين العرائش والقنيطرة يعتبر تدبيرا دفاعيا بحريا ضروريا للتمكن من مراقبة الساحل مراقبة ايجابية جيدة.
 وما يقال عن ثغري أصيلة والعرائش يمكن أن يقال كذلك عن ثغور القنيطرة وسلا الرباط.
فسلا والرباط يحتاجان إلى ميناء مشترك ليتمكنا من الوفاء بالتزامات الدفاع البحري، ومهما كانت الصعوبات فإن التقنيات والصناعة الحديثة  تسهل بناء الميناء المطلوب.
أين سلا الحديثة من سلا القرون الماضية التي كانت تبني فيها السفن المتنوعة، ويصول بحارتها ويجولون في خضم مياه البحار الزرقاء؟
 أن تغطية  الجزء الشمالي من ساحلنا على المحيط الأطلنطي بموانئ قريبة متعددة الاختصاصات ومعدة لإرساء وإيواء خافرات السواحل تدعم الدفاع البحري الوطني، تساعد النمو الاقتصادي والرواج التجاري.
لقد حان الحين لتقييم المؤسسات الثقافية والحضارية والاقتصادية والعمرانية والاجتماعية تقيمما حقيقيا، وتقدير دورها الإيجابي الفعال في الدفاع الوطني باعتبارها العمق الاستراتيجي الأصلي الأساسي للدفاع عن "ثغورنا" الساحلية والبرية وعن مدننا الداخلية في كل مكان من أمكنة تراب الوطن.
وأن غياب هذه المؤسسات وفقدانها في أي مكان يعني، دونما شك، ضعف أو عجز ذلك المكان عن أداء واجبه الدفاعي ونقص إمكانات صموده وقصر مدته.
 وبالنسبة للجهة الشمالية الغربية من المغرب التي حدثت فيها  معركة وادي المخازن ينبغي أن يتضمن تحصين " ثغورنا" برنامجا ضخما وطويل المدى يشتمل على ما يأتي:
- توسيع وتقوية ثغور: أصيلة، العرائش والقنيطرة وسلا والرباط.
-  تأسيس ثغر جديد ( مركز بحري) بين العرائش والقنيطرة.
- إقامة مؤسسات اقتصادية متنوعة الاختصاصات الإنتاجية تستهدف إحداث الرواج والازدهار.
-  تأسيس جامعة في تطوان وجامعة في القنيطرة وثانويات ومدارس في المراكز والقرى في إطار سياسة تعميم التعليم وتحقيق اجبارته وشموليته.
- تأسيس قرى نموذجية عصرية في أمكنة مختارة تراعي في تأسيسها متطلبات الدفاع عن الثغور.
- توجيه المواطنين إلى أساليب الحياة الحديثة.
- نشر الوعي الوطني بجميع الوسائل وفي كل الظروف لأحداث تسييس راق.
- تنمية الوعي التعاوني للزيادة في الإنتاج  والمردود والدخل وتدعيم الاقتصاد الوطني.
- تنمية الوعي بالذات في كل مواطن لكي يشعر بكرامته وبدوره في الحياة، بواجبه الوطني ليكون مستعدا دائما للدفاع عن التراب الوطني، وليقوم بممارسة مواطنته ممارسة وأعية.
 وينبغي أن تراعى في وضع البرنامج المذكور قدرة استيعاب الجهة الشمالية الغربية لحوالي 10 ملايين نسمة خلال سنوات قصيرة، الأمر الذي يجعل منها جهة آهلة بالسكان ومزدهرة ومتقدمة  عمرانيا وحضاريا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.
 كانت معركة وادي المخازن معركة حاسمة بالنسبة للمغرب كله وإن كانت قد وقعت في الجهة الشمالية الغربية ولهذا فإن ما يقال عن تنمية الجزء الشمالي من الساحل الأطلنطي وتقوية ثغوره يقال  أيضا عن تنمية الجزء الأوسط منه الواقع بين الدار البيضاء وأكادير، وعن تنمية الجزء  الجنوبي منه الواقع بين أكادير والحدود المغربية الموريتانية.
والدرس الثاني المهم جدا تقدمه لنا معركة وادي المخازن هو: عدم التعاون مع العدو، وإنهاء التبعية أو : العمالة" للخارج، والالتزام بخدمة الوطن والدفاع عنه في جميع الظروف وبخاصة عند ما يكون في خطر.
والقضية التي يطرحها هذا الدرس جديرة بمناقشتها على جميع المستويات في إطار توجيهي مبدئي أخلاقي وطني مندرج في موضوع الضمير الوطني أو الروح الوطنية، وفي موضوع إعداد المواطن الوطني الصالح المستعد لممارسة مواطنة واعية مسؤولة وصالحة، وهي تعد بحق قضية القضايا التي تستحق دراسات شاملة معمقة في مجال  الأنسية المغربية.
 والدروس التي تقدمها لنا معركة وادي المخازن عظيمة جدا، وهي دائما جديدة رغم مرور أربعة قرون من الزمان.
أنه ينبغي أن نفهم المعاني الصامتة الأخرى التي تكاد تنطق بها، ولا شك أنها تقول : ما دامت  الهزيمة تجر وراءها الخزي والهوان والعار فإن العمل  الحازم الدائب من اجل أحراز النصر واجب وطني مؤكد لأنه يضمن العز والفخار!
ثم بعد هذا ما تزال قضية الثغرين المغربيين الأسيرين سبتة ومليلة تقدم التأكيدات الجازمة بقيمة تقوية ثغورنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here