islamaumaroc

التاريخ يعيد نفسه: نقط الالتقاء ومظاهر الاختلاف في خملتين تفصل بينهما أربعة قرون

  دعوة الحق

190 العدد

يمتاز تاريخ المغرب بأحداث فاصلة في مسيرته، ويفتخر بملاحم يطبعها ببصماته، ويزهو بصموده في مواقف حاسمة تحدد مسيرته إلى أمد بعيد...
من هذه البطولات معركة وادي المخازن المليئة بالعبر والتي أسفرت عن نتائج باهرة بالنسبة إلينا وخيبة أمل  للطامعين والمغامرين، فلقد كانت في حقيقتها وعمقها وأبعادها امتحانا عسيرا لقدراتنا الحربية، وتخطيطاتنا العسكرية، ووجدتنا الوطنية في الدفاع عن كياننا وحماية حدودنا وصيانة  استقلالنا، أما طابعها فكان في مظهره ومخبره بارزا وواضحا في تكالب قوي الشر، وانبعاث الحقد الصليبي، وتضافر نوايا ذوي الأطماع.
الثالوث الأسود:
وهذا " الثالوث الأسود" في تحالفه كان يسعى لتوجيه الضربة القاضية للمغرب بتمزيق وحدته التي ترعب الطامعين وتقف سدا منيعا دون تحقيق ما يتطلعون إليه من أضعاف الجبهة  الداخلية وبعثرة أجزاء الوطن، وتحول بينهم وبين حملهم في بسط نفوذهم الدائم على بلدنا.
 ولكن هذا الحلم تبخر أمام تصميم العرش والشعب على خوض المعركة، وكما هي العادة في مثل هذه الأحداث الفاصلة في تاريخنا هب المغاربة في تماسك وتعاضد لا مثيل لهما لإفشال هذا المخطط، ونزلت القوة الوطنية الضاربة لساحة الوغى مكتسحة الخصوم ومطيحة بالرؤوس... وما ظنك بالمجاهد المغربي الذي لا يتوقف إلا عند دك الحصون وسحق الغزاة، أو الفوز بالشهادة التي يجللها  نشيد الشهداء " وعجلت إليك رب لترضى".
 هذه نتيجة المعركة في سطور، وبمقارنتها بطبيعة الظروف المحيطة بنا اليوم، ومن ثناياها وأبعادها، نستخلص الكثير من العبر، ونبرز نقط لالتقاء ومظاهر الاختلاف بين الحدثين، رغم ما يفصل بينهما من قرون...
وحدتنا هدفهم:
ولعل من أبرز  نقط الالتقاء وحدة الأطماع بين الحلفاء والرغبة في تمزيق وحدتنا والانتقاص من  أطرافنا، إلا أننا نلاحظ ما كان لدى قادة حملة وادي المخازن من شجاعة سياسية وأدبية لا يتوفر عليها متزعمو الحملة الجديدة الذين يتسترون وراء أشباح نصبوها كواجهة لإخفاء الحلف المشبوه.
أوجه الشبه:
ومن اوجه الشبه البارزة بين الهجمة الجديدة والحملة التي أقبرناها في وادي المخازن الاتفاق على معاكسة المغرب في تقدمه صناعيا، وأضعافه اقتصاديا، وإخضاعه سياسيا، والوقوف في وجه مسيرته الإنمائية التي يخشاها القريب وترعب البعيد.
 ومن مؤشرات الالتقاء افتضاح أمر هذا الحلف – في الوقت المناسب- بين أطراف غرتهم الغطرسة، وأبطرتهم النعمة، وخدعتهم القوة، ولعبت بعقولهم الأطماع، وزين لهم الشيطان سوء عملهم، وكما انكشف الغطاء عن حلفاء الأمس تعرى الثالوث الجديد عن الأصباغ.
وتصوري أن الحملة  الجدية ليست إلا نسخة طبق الأصل من سابقتها، ولئن اختلفت عنها في المظهر والزمان والمكان، فهي تتفق في الجوهر بدءا من الحدود إلى آلاف الأميال التي فيها تطبخ المؤامرات ومنها تصدر الآليات، وما يمكن أن يلاحظ بينهما من اختلاف فهو في نوعية الأسلحة، بشعارات لا  صلة لها بالدفاع عن حق مهضوم، وإنما تخفي وراءها أحلاما عريضة، وأحقادا دفينة، وأطماعا واضحة، وتنكرا للعهود، وردة في المواثيق، وتمردا على الأعراف الدولية.
وقد أتضح بالممارسة والمعايشة أن شعارات: الأخوة والوشائج وحسن الجوار، ليست إلا ستارا شفافا لذر الرماد  في أعين الشعوب، ولا مجال لإقحامها في قاموس لحمته وسداه إزهاق أرواح مسلمة قرر الحق سبحانه أحكامه الصريحة والواضحة  ضد مرتكبيها: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له  عذابا عظيما".
ولانشاز أيضا أهداف التكالب على المغرب في حملة وادي المخازن والحلف الجديد الذي تفوح رائحته من قريب وبعيد، والجانب  الذي تختلف فيه الحملتان يتمثل في التوتر  المفتعل والمعزز بدعايات إعلامية واسعة وحملات مسعورة تضع خطوطها  ضمائر حاقدة وترددها أبواق مأجورة يسيل لعابها لعائدات الذهب  الأسود!
وهذه الحرب الباردة نفسها تنم عن الطابع البدائي في ميدان حرب الأعصاب، فالقائمون عليها والموجهون لها لا يعرفون إلا الاتهامات الرخيصة، ولا يتقنون إلا ألسب و الشتم والزور والبهتان، بالإضافة  إلى دورانهم داخل حلقة مفرغة من الأكاذيب والأراجيف تنم عن عقم سياسي واضح، وحالة هسترية بغت حدها الأقصى في الهذيان.
 ومن الملاحظ أن الاختلاف بين الحملتين  لم يكن تخطيطا مقصودا، وإنما تاريخ الحملة الأولى  لم تتوفر فيه المعطيات فيما يخص نوعية السلاح ووسائل الدعاية، لو توفر ذلك أثناء الحملة الأولى لكان التشابه أتم وأكمل.
النتائج العكسية:
 ومن عناية الله أن شطحات الخصوم في حملتهم الدعائية جاءت بنتائج عكسية لأحلامهم، فكانت بمثابة حقنة جديدة لتصعيد الإجماع الشعبي على مواجهة العدوان ضد وحدتنا الترابية، وتمتين أواصر التضامن الشامل والكامل بين العرش والشعب لمواجهة الموقف العدائي بحزم وعزم وتصميم.
والأخطاء في عمليتهم الحسابية أنهم يجهلون نفسية المغاربة في عدم تأثرهم بالدعايات والتهريج مهما كان مصدرهما، لتوفرهم أولا على حصافة الرأي، لتعليقهم بنظامهم الملكي تعلقا منقطع النظير، ولوعيهم ثانيا بالأوضاع والأطماع المحيطة بهم.
 ومن هذه الزوايا تؤكد أن حملاتهم الدعائية لا تقابل من المغاربة إلا بالسخرية والاستهزاء، ولا تزيدهم إلا تماسكا والتحاما للدفاع عن وحدتهم التي بذل شهداؤنا دماءهم الزكية وأرواحهم الغالية في سبيلها، وإذا كان للصورة أن تهتز فهي  صورة جبهتهم الداخلية التي لا يخفى اهتزازها إلا التسلط والسوط.
من هو أحق بتقرير المصير:
وكما أشرنا فإن وطننا عرضة لتحالف يلتقي في كثير من جوانبه مع حملة وادي المخازن، كما يختلف عنها في بعض المظاهر، ومن هذا الاختلاف مسوح الرهبنة التي يرتد بها القوم فيزعمون الدفاع عن المضطهدين، ونصرة المظلومين،  والمطالبة بحق تقرير المصير، مع العلم بأن ثنايا تلك المسوح  تستر  أدوات الفتك، وما تخفي صدورهم أكبر!
ولنقف أمام الإلحاح على " تقرير المصير" لنضع النقط على الحروف كما يقال، وأنه لمن العجب العجاب أن يطالب الأدعياء بهذا الحق لغيرهم
 في وقت تخضع شعوبهم لحكم فردي لا يسمح بحرية الصحافة وتعدد الأحزاب، ولا يتساهل معها حتى في أبسط حقوق الكرامة الإنسانية.
ولا نقصد بهذا التدخل في شؤون غيرنا الخاصة، ولكن الذي نريد تأكيده هو أنه إذا كان لا حد من حق في تقرير المصير فشعوب أولئك الأدعياء المغلوبة على أمرها أجدر بممارسة هذا الحق الذي أهدروه، أما غيرهم فقد قال كلمته الفاصلة واستعمل حقه الكامل، ولم يبق في المستنقع إلا من ينطبق عليه " الحرص على الأمانة يد ل على ..."
نستخلص من كل هذا أن ملابسات الهجمة الجديدة على أمتنا تتفق في مراميها مع مؤامرة وادي المخازن في عدة واجهات، وتلتقيان بصورة أوضح في الهدف الأوحد وهو العدوان الصريح، وأن اختلفنا في الزمان والمكان  والقناع.
النتيجة واحدة:
 وبحكم هذا التشابه في الهدف فالنتيجة المنطقية لا بد وأن تكون هي الأخرى مطابقة، هي النصر الكامل للمغرب بحول الله ومدده الذي عليه تعتمد في الدفاع عن النفس... " أن الله يدافع الذين آمنوا، أن الله لا يحب كل خوان، كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم  لقدير"
 وعلى  رغم الخيوط التي تشد الحملتين وتجمع بين الهجمتين، فأننا شعب مسالم ومتسامح ويكره الحرب، ويود من أعماقه أن تزول أسباب التوتر ويحكم العقل في سلوك لا يخدم المغرب العربي، والوحدة الإفريقية، والجامعة العربية، والعالم الإسلامي، والسلم الدولي.
أبغض الحلال: 
ولكنه في الوقت نفسه لا يسمح لأحد بالاعتداء على كيانه، ومحاولة الانتقاص من أطرافه، فللصبر حدوده، وللأناة ظروفها، وللحكمة ملابساتها، بحيث إذا لم تنفع العوامل  الأخلاقية،  ولم تجد المواقف الحكيمة في تصحيح المفاهيم الخاطئة، فلا مناص من " تكتيك" يضع حدا لوضعية مرفوضة وطنيا وإقليما ودوليا، وهو أجزاء بالنسبة إلينا " أبغض الحلال" إلا أنه ليس من وضع البشر، وإنما جاء أمرا ربانيا لمعالجة مثل هذا الوضع على الصعيد الإسلامي : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله، وأعلموا أن الله مع المتقين".
رجاؤنا في الله:
ورجاؤنا في الله أن يجنب منطقتنا صراعا لا يخدم مصلحة شعوبها، وإنما يستفيد منه أعداء الإسلام، وسماسرة الحروب، وتجار أسلحة الخراب والدمار.
وأملنا فيه سبحانه أن يراجع القوم تصرفاتهم ويحكموا العقل فيما يخدم المصالح الحقيقية الشعوب ودول المنطقة، وفي جو الحوار النزيه يمتد الجسر  للتفاهم في وضع حد لقطيعة لا بد للمغرب فيهان وإنما هي نتيجة مواقف رفضها المغرب القديم ولا يقبلها المغرب الجديد.
هذا هو اختيار المغرب المفضل، وهو اختيار تمليه علينا آية الله الكريمة: " أدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كان ولي حميم"،  وأن لم يكن هو اختيار الجانب الآخر فليتحمل تبعاته ومسئولياته ونتائجه أمام الله والتاريخ. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here