islamaumaroc

السباستيانبة: موطنا ومذهبا.

  دعوة الحق

190 العدد

استجابة لدعوة معالي وزير  الأوقاف والشؤون الإسلامية، للإسهام في العدد الخاص من مجلة ( دعوة الحق) الغراء، الذي تصدره الوزارة بمناسبة مرور  أربعة قرون على معركة وادي المخازن " التي وقعت  في عهد الدولة السعدية، وكانت ضربة قاصمة للأطماع الصليبية المتربصة ببلادنا المتطلعة إلى تخطي المغرب إلى القارة الإفريقية لتنصيرها واحتلالها"، أسارع بتلبية الدعوة لا استجابة لحافز  منهى على كل خلقي أو طني فحسب، بل استجابة لرغبة عزيزة على كل مغربي  في وجوب الاحتفاء بأمجادنا التاريخية، وهي رغبة سبق أن عربت في إحدى المقالات التي حررتها عن ( معركة القصر الكبير)، ونشرتها لي ( دعوة الحق)(1) ذاتها!
وبما أن الدعوة موجهة إلى كتاب وأساتذة آخرين سيسهمون هم بدورهم في تحبير صحائف هذا  العدد الخاص،  وسيصوبون شبوات أقلامهم الحادة، لقتل موضوعاته بحثا وتمحيصا، إحياء للذكرى المجيدة، رأيت أن أطرق الموضوع الجديد: السباستيانية  Sebastianismo، تفاديا لما عسى أن يطرأ من توارد خواطر، أو توافق أقلام، أو تطاوين عناوين أو أفكار، وتجنبا لتكرار ما سبق أن قلناه، فلا نقع تحت طائلة قول شاعرنا الجاهلي الحكيم: زهير(2) بن أبي سلمى المزني منذ أزيد من أربعة عشر قرنا:
ما أرانا نقول إلا معادا
أو معارا من لفظنا مكرورا
ويرتكز الموضوع- كما يبدوا من العنوان- على أساسين:
أحدهما – وهو أشبه ما يكون بالواقع الحافز- يتمثل فيما كان يجري في بلاد البرتغال (3) من أحداث جسام، وفيما يتعلق  عاناه البرتغاليون طيلة قرون من جهود التحرر والتقدم والرقي ونشر السلطان في أرجاء الكون، مما دفع بالملك الشاب Dom Sebastian أن يحذو حذوهم، ويفعل مثل ما فعلوا تحقيقا لما خالج ضميره من أحلام، وساور نفسه من آمال.
والآخر – وهو أشبه ما يكون بالثمر  أو الأثر- يتجلى فيما ترتب  على تلك المغامرة، من نتائج وتطورات خطيرة في حياة الأمة البرتغالية، ومستقبلها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولكي نعالج الأساس الأول، وعوامل تكوين شخصية الملك سباستيان وأحلامه، لا بد لنا من الرجوع إلى الوراء قليلا، لنتعرف على البيئة التي نشأت وترعرت وبرزت فيها تلك الشخصية، ولنعرف الأرضية التي نبتت ونمت فيها تلك الأحلام والآمال.
تقع البرتغال حاليا في أقصى جنوب غرب أوربا بين خطي العرض الشمالي 55 36 8 42 وبين خطي الطول الغربي 15 6 30 9 بالغة في امتدادها من الشمال إلى الجنوب زهاء 593 كيلمتر، وفي متوسط  عرضها  من الشرق إلى الغرب حوالي 161 كيلومتر. ويحدها  المحيط الأطلسي من الغرب والجنوب، والمملكة الإسبانية من الشمال والشرق.
أما مساحتها فتبلغ  91.530 كم م. في حين أن سكانها   يزيدون على عشرة ملايين نسمة. واللغة البرتغالية – مثل أية لهجة رومانسية  Romance متفرعة عن اللاتينية- دخلتها عناصر عربية أثناء الحكم الإسلامي، وذلك إلى جانب خصائصي اللهجات الفرنكية والسلتية.
ويسكن البرتغال شعب خليط تسري في عروقه دماء الشعوب التي سبق أن حكمت بلاده. ففي مقاطعتي الجنوب: الغرب Algarve والنتيجو Alemetejo  يسود العنصر العربي ذو البشرة السمراء، والعيون العسلية الدكناء، والقامة الطويلة، والجسم ألاهيف والشكل اللطيف النشيط، بينما سكان معظم جهات الشمال يتحلون  ببشرة أكثر بياضا،وملامح أقل انتظاما أو استواء؛ وهم ذوو عيون صغيرة، وقامات قصيرة، وبنيات سميكة؛ ومع ذلك يمكن القول بأن سكان البرتغال عموما هم من بقايا العناصر المختلفة التي تواردت على شبه جزيرة ايبريا في عهود متتالية.
 تكاد البرتغال تكون نشأت من عدم، فهي لم تكن تعدو- في العهدين القرطاجي والروماني- مجرد ولاية أو جزء ولاية من ولايات شبه الجزيرة؛ وكانت تعرف باسم لوسيتانيا Lusitania. وفي عهد  القيصر أغسطس ( 63ق.م – 14م) كانت  ايبريا مقسمة إلى ثلاثة أقاليم يرأس كلا منها حاكم يطلق  عليه لقب  Praetor، وكان الإقليم الغربي من الثلاثة يشمل جمهورية البرتغال الحالية، مع أجزاء من مقاطعتي ليون Leon وأسترما دورة  Extremadura  الاسبانيتين.
 وتظهر البرتغال على خشبة المسرح الدولي في فترة الصراع المرير الذي كان يخوضه ملوك  الطوائف  ضد قوات المسيحيين المتزايدة ببلاد الأندلس، أي بعد سقوط طليطيلة سنة 1085م في يد الفونسو السادس الذي زوج ابنته غير الشرعية تيريزا  T eresa – وكان نسلها من خليلته كمينا نونيز – من الأمير هنري دي لورينا  Enrique de Lorena من أسرة بروكونيا  Boragona،  وقدم لها شورار ولاية البرتغال ليحكمها هو وخلفه من بعده. وكانت  هذه الولاية:  Candado  - التي كان يحكمها في العادة أمير أو قومس أو كوندي  Conde – تمتد حينئذ من نهر مينهو Mino في الشمال إلى نهر تاجه  Tagud  أو Tejo الذي يصب عند لشبونة (4). وتعتبر السلطات البرتغالية أن استقلال بلادهم يرجع إلى هذا التاريخ.
وجاء هنري، ابنه الفونسو هنريكيز Alfonso Henriques  سنة 1128م، فاستطاع، بعد انتصاره على المسلمين في معركة درات سنة 1139م في سهل أوريكة  Ourique  بمقاطعة النتيجو، أن يكسب لقب " الملك" الذي منحه إياه جنده في الميدان، وثبته عليه بابا رومة أنوسنت الثاني، ونظرا لصموده في وجه الزحف الإسلامي؛  وصادق الكورتيس ( البرلمان البرتغالي) المنعقد في لاميكو   Lamego  سنة 1143م بإجماع الآراء، على منح اللقب  الجديد، وعلى التحرر من رقبة التبعية لعاهل قشتالة  Castilla، وهذه الموقعة لا تذكرها المصادر التاريخية العربية.
وتتابع أسرة بوركونيا حكمها  للبرتغال، فبقدم بعض ملوكها خدمات جلى لبلادهم في مجال التجارة
 الخارجية،  والمجد البحري. وبعد الفونس الثالث الذي أحتل مقاطعة " الغرب" في جنوب البرتغال، فأتم بذلك حرب الاسترداد La Reconquista جاء سنة 1279م الملك دينيز  Diniz فشجع  الآداب والفنون الصناعية، وقام بالإصلاح الزراعي  فوزع أراضي الكنيسة على فقراء الفلاحين. وفي المجال التجاري أبرم أول معاهدة تجارية مع انكلترا سنة 1294م؛ كما شجع التعليم فأنشأ جامعة لشبونة التي نقلت سنة 1308 إلى حاضرة البلاد الجديد قلمرية Coimbra
كان الملك دينيز شاعرا، ويعتبره البرتغاليون أقدم شعرائهم. كان ديوان شعره مفقودا، ولكنهم عثروا عليه مخطوطا في مكتبة الفاتيكان. فنشروه في باريس ولشبونة سنة 1847 باسم: كتاب الأغاني لمؤلفه  الملك ضوم دينيز  El Concioneiro del Rei Dom Diniz. وقد ظل البلاط الملكي البرتغالي في الواقع مركزا للشعر والآداب والفن خلال القرنين 14و 15 تماما كما كان في عهد الملك دينيز.
وخلف دينيز على العرش سنة 1325م ابنه للفونس الرابع الملقب بالشجاع. كان شغله الشاغل  محاربة القشتاليين من جهة،  والمسلمين من جهة ثانية. وينهى حكم أسرة بوركونيا هذه، حفيد لا لفونس الرابع، يدعى فرناندوا الأول، وذلك  سنة 1383م.
بعد فترة اضطراب، جاءت إلى الحكم أسرة  أبيس حينما استطاع  Maestre de Avis
- الأخ غير الشرعي للملك السابق فرناندوا الأول- أن يقاوم ملك قشتالة ويتغلب عليه  سنة 1385 في معركة الخوباروبا  Aljubarrota،  وبذلك  قضى على أحلام القشتاليين في احتلال البرتغال، وضمها إلى  مملكتهم. وحينئذ أعلنه الكورتيس ملكا على  البلاد. وتسمى الأول  Joam
 ولم يكن عهد يوحنا الأول حافلا بالأحداث السياسية والإصلاحات الداخلية فحسب، ولكنه أسهم بقسط وافر في الاستكشافات الجغرافية الأولى  وفي المشاريع التجارية والاقتصادية والاستعمارية  الكبرى  التي  بواسطتها أصبحت البرتغال في هذا العهد، وما تلاه من عهود، أعظم قوة بحرية أوربية.
فبمساعدة هذا الملك تمكن ابنه الأمير هنري( 1395-1460) الذي لقب فيما بعد  بالملاح  el  Navegante  من أن ينظم الرحلات البحرية  الاستكشافية المتعددة، وأن يفتح عهدا جديدا   للاستعمار الذي بلغ أوجه أثناء حكم الملك الفونس الخامس  ( 38-1481) الملقب بالإفريقي، وخلال حكم الملك يوحنا الثاني ( 81-1495).
وقد استطاع البرتغاليون في عهد أسرة أبيس  هذه، أن يحتلوا – كرد فعل عنيف ضد المغرب – بعض مدنه الساحلة أثناء الفترات التاريخية التالية:
سبتة ( 1415-1641) طنجة ( 1471-1661) أصيلة ( 1471-1550) آزمور ( 1513-1542) آسفي (1504-1541).
واحتلوا أيضا في المحيط الأطلسي جزر ماديرة  Madeira المصاقبة للساحل المغربي، وذلك سنتي 18-1419؛ ثم جزر آزور  Azores  سنة 1427، وما زالت هذه الجزر الأطلسية تابعة  للبرتغال حتى الآن. وفي عام 1434 دار  Eannes  حول رأس بوجدور، كما تعرف  Nuno Tristani  على مصب  نهر سنغال. وفي العام التالي اكتشف دينيز دياث الرأس الأخضر. وفي عام 1471 افتتح فرناو كوميس، معملا في ساو جورج دي مبنا، وأخذ يزاول التجارة والنخاسة مع أهالي غينيا.
ويبدو من حركة التسلط على شواطئ المغرب – وهذا أمر طبيعي- أنها كانت بداية أو وسيلة للوصول إلى سواحل افريقية، إلى استعمارها واستغلال خيراتها. والجدير  بالملاحظة أن الأمير   هنري الملاح كان قد اكتسب  صداقة أحد العلماء المغاربة الذي يعرف الشيء الكثير عن مجاهلي  افريقية، فاستعان بخبراته، وانتفع بمعلوماته، واعتمد عليها في رحلاته البحرية.
وبعد موت الأمير هنري، وفي سنة 1484 بالذات، تمكن برطلوميو دياث Bartolomeo Diaz من اكتشاف ما سماه- بداة بدء- برأس العواصف Cabo das Tormentas،  وسماه غيره  فيما بعد " رأس الرجاء الصالح" تفاديا لما قد تثيره  التسمية الأولى واقعية إلى حد كبير، ذلك أن المنطقة البحرية بأقصى جنوب قارتنا السمراء، تمتاز بشدة  عصف الرياح، وكثرة هبوب الزوابع.
 وأثر سقوط غرناطة في أيدي الملكين
1- فيليب الثاني ملك اسبانيا: ابن كارلوس الأول ( الخامس بالنسبة لألمانيا) وايسابل البرتغالية ابنة الملك البرتغالي مانويل المحظوظ، فهو إذن خال الملك الراحل.
2-  دوقة براغانثا  Duquesa de Braganza
3- دوق سابويا  Duque de Saboya
4-  رئيس دير كراتو Crato وهذا ينتمي إلى أسرة   أبيس المالكة، ولعله كان أحق بالعرش البرتغالي لو لم يكن دعيا في تلك الأسرة، أي أنه كان ولدا غير شرعي.
يعلو حق فيليب الثاني  حقوق غيره، وتنتصر جيوشه على خصومه، فيفلح في اقتناص العرش  لنفسه، وفي إدماج دولة البرتغال ومستعمراتها في دولته، ويعترف له مجمع الكورتيس المنعقد في  Thomar سنة 1581؛ وبذلك يصبح فيليب الثاني بصفة رسمية، إمبراطورا لا تغيب عن مملكاته شمس الطبيعة، أما شمس اللوسيتانيين فإنها غربت، وإن تبزغ مرة ثانية إلا بعد مرور تسعين عاما كاملة على موت ملكهم الشاب الجريء. وهي فترة سوداء  خسر فيها البرتغاليون أنفسهم واستقلالهم ومستعمراتهم  وحتى لغتهم، فقد كان جيرانهم المتسلطون عليهم يفرضون عليهم لغتهم القشتالية.
وصدق قول الشاعر العربي:
... ومعظم النار من مستصغر الشرر
 
(1) العدد الثاني من السنة الثامنة، الصادر في فاتح ديسمبر 1964.
(2)  في العقد الفريد لابن عبد ربه، أن هذا البيت هو الشاعر المخضرم كعب بن زهير بن أبي سلمى صاحب قصيدة " بانت  سعاد" الشهيرة، لا لا بيه.
(3)  البرتغال أو البرتقال: مأخوذة من:  Purtus Cale ( أوبورتو  Oparto الحالية) وهو الميناء البرتغالي الواقع عند مصب نهلا دويره Douro ( بالاسبانية  Duero :)) . ودولة البرتغال الآن ذات النظام جمهوري. وقد كانت ملكية منذ نشأتها حتى خامس أكتوبر 1910.
(4)   لشبونة ( عند العرب، وعند البرتغال: Lisboa وعند الانكليز:  Lisbon  وعند الفرنسين lisbonne)  يقال: أن الفنيقيين هم الذين أسسوها. وكان سكان لوسيتنيا يطلقون  عليها في القديم اسم  Olisipo أو  Ulisippo  احتلها   العرب سنة 712م واستعادها منهم ألفونسو الأول ( ألفونسو هنريكيز) سنة 1147م. توجد بقبيلة بني كميل من إقيلم الحسيمة فرقة بني اشبون وواضح أن سكانها متأصلون من مهاجري الأندلس أثناء الاسترداد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here