islamaumaroc

معركة وادي المخازن بعيدا عن التفسير المادي للتاريخ

  دعوة الحق

190 العدد

• لم تكن موقعة وادي المخازن معركة حربية من نوع المعارك الحربية التي شهدتها العصور الوسطى. ولم تكن امتدادا فقط للحروب الصليبية في المشرق العربي الاسلامي، ولكنها كانت تجسيدا ضخما لهذه الحروب جميعها اتخذ شكلا فريدا لم يشهد الشرق له مثيلا. فلأول مرة في تاريخ الصراع بين العرب  المسلمين وبين أوروبا ( أو بين دار الإسلام  وبين دار الكفر) تحتشد جيوش مسيحية بهذه الكثافة والإعداد والتخطيط  والاستراتيجية للهجوم على دولة اسلامية واحدة، هي أن كانت – جغرافيا- بعيدة عن مركز الثقل في الوطن الاسلامي  الكبير، فانها – دينيا وتاريخنا وحضاريا- أقرب اليه من حبل الوريد.
• ومن حيثما نظرنا إلى موقعة وادي المخازن العظيمة نجد فروقا جوهرية أساسية بنينها وبين جميع المعارك والغزوات والحروب التي عرفها المسلمون في المشرق العربي الإسلامي، سواء من حيث الهدف الاستراتيجي أو الوسائل  المستخدمة. فاذا تجاوزنا عن روح الحقد والانتقام والثأر التي عملت عملها في نفوس المعتدين، فان الهدف هذه المرة أضخم من كل الأهداف التي عرفتها الحروب السابقة في المشرق، والمغرب على سواء..
• أن توقيت جاء في زمن ما سمي-  تضليلا وتمويها- بالاكتشافات الجغرافية التي كانت مقدمة للاستعمار الاستيطاني  لافريقيا وآسيا. وكانت اسبانيا والبرتغال على رأس الدول الاروبية المتزعمة لهذه الحركة التبشيرية الجديدة. ولم يكن هناك في المنطقة من يعرف المغرب حق المعرفة غير الاسبان والبرتغاليين، بحكم الجوار والتفاعل والتجربة والممارسة والاشتباك، إلى جانب عشرات الخلفيات التاريخية التي كانت تحكم العلاقة بين دول الثلاث..

• وليس من شك أن المغرب كان بمثل الحضارية في المنطقة جميعها الى ذلك العهد. وكانت مكانة بلادنا ثقافيا وعسكريا وتجاريا وبحريا تضاهي مكانة أضخم الدول على وجه الأرض طرأ.. وهذه حقائق التاريخ، وليست انفعالات نفس شديدة الغيرة على بلادها..
• كان الهدف الأساسي من وراء وادي المخازن يقوم على  مرحلتين تخطيطيتين:
 المرحلة الأولى: ضرب المغرب واسقاط دولة الإسلام والعروبة فيه ومواصلة عمليات الاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش الشهيرة باسبانيا والعبور بها إلى بر المغرب. وكانت تجربة احتلال سبتة تغريهم وتحفزهم لاحتلال المغرب كله من البحر إلى الصحراء. بالمفهوم المغربي القح للصحراء كما لا نحتاج أن نقول.
بسقوط المغرب ورفع الصلبان فوق تتمهد لهم الطريق نحو افريقيا.
المرحلة الثانية: احتواء القارة الافريقية المكتشفة بواسطة طوابير الجواسيس الذين مسوح العلماء الجغرافيين والرحالة وعابري السبيل. ( العجيب أن العملية تكررت في منتصف القرن التاسع عشر في نفس المنطقة تمهيدا لإعلان الحماية بالمغرب).
ومن يقوم بالدوافع الاقتصادية وبالتفسير المادي للتاريخ تكذبه وتفحمه معركة وادي المخازن التي وقعت قبل فترة ما اصطلح عليه في كتب التاريخ النهضة بأوروبا،  وقبل اندلاع الثورة الصناعية، حيث اشتدت الحاجة إلى تصريف المنتوجات الصناعية الجديدة وإيجاد مصادر للمواد الخام.
• التاريخ هنا تحرك وبصورة قاطعة بدافع ديني محض. والصراع قام أساسا بين الإسلام باعتباره دين العقل والتنوير والتقدم وبين المسيحية أوروبا الوجلة الخائفة المتذبذبة تحت وطأة ركام هائل من الخرافات والأساطير.
ولقد هوجم المغرب لاسلامه ولقيام دولة الإسلام والعروبة على أرضه، ولدوره القيادي التي اقتضت أرادة الله أن يقوم بت ولا يزال يقوم به إلى يومنا هذا.
ومما يشير الفكر بقوة ما جرى في القرن العاشر الهجري ( السادس عشر الميلادي) يجري اليوم على مسرح الأحداث بصورة يراها البعض مختلفة تمام الاختلاف، ويراها المؤمنون بربهم، والواعون بحقيقة التاريخ ( باعتباره ارادة الله تعالى) متقاربة ومتشابهة إلى حد بعيد.
وصدف من قال أن التاريخ يعيد نفسه. أن الإعادة تتم أمام ناظرنا بشكل مفزع ورهيب وعلى جانب كبير من الاتقان والدقة والدهاء والمكر..
أن الدارس لمختلف الاطوار التاريخية لمعركة وادي المخازن يجد تشابها كبيرا بينها وبين ما يجري اليوم في افريقيا... فلا يمكن الفصل بين أحداث زائير اليوم والصحراء بالامس وما تصطرع به القارة الافريقية في جنوبها ووسطها وشرقها وقرنها من أحداث وتطورات تتضخم يوما بعد  يوم وبين معركة وادي المخازن وعشرات المعارك خاضها أجدادنا بشجاعة وآباء وصمود.
أن تغير الأساليب والوسائل والتقنيات لا يقتضي تغير المواقف والاهداف...
• ونحن هنا نقولها بصراحة: أن العملاقين الكبيرين اللذين يتقاسمان اليوم النفوذ في العالم يجمعان على غزو افريقيا..
• وغزو إفريقيا يعني في المقام الأول- ومن جهة نظرنا الإسلامية- سقوط  الإسلام واندثار أثره، وبسقوطه واندثاره تتساقط تباعا اللغة العربية والسلام والأمن وكرامة المسلم الإفريقي والأسيوي على سواء، إذ هذا يرتبط بذاك..
 هكذا – أذن- تبدو الحقائق واضحة أمام من ينظر إليها بالرؤية الإسلامية الصافية..
 لقد دخلت أوروبا معركة وادي المخازن بالصليب. واليوم تدخل قارتنا بالمنجل.. هما معا شعار واحد، واستعمار واحد، وانهيار واحد، لا قدر الله..
فاي فرق بين الامس واليوم؟
أن التعبئة الجماعية وشحن النفوس بطاقات الاسلام الحق وبث روح الامتثال والطاعة والانضباط والانحياز إلى جانب العقل النير المستنير والأخذ بأسباب الحيطة والحذر كلها عوامل ايجابية في انتصارنا العظيم على خصوم الإسلام والعروبة والمغرب والسلام الإفريقي في موقعة وادي المخازن.. ولا أحد أحد يجادل في قيمة وصلاحية وفعالية هذه العوامل ذاتها في معارك اليوم..
• أن خرافة التفسير المادي للتاريخ لا يمكن أن تكون بديلا عن التعبئة الإسلامية الواعية والمتفتحة والمتعلقة لصد العدوان الصليبي- المنجلي على ديارنا.

 ونحن نقولها بصراحة أيضا: أن ما نسميه أبناء جلدتنا وعمومتنا العاقون في جزائرنا الشقيقة بالبوليزاريو، ما هو في  الحقيقة ألا شر ذام من المتعلقين بأذيال الماركسية- اللينينية في الرجعية والتخلف عن روح  العصر.. هؤلاء يتلاقون مع رواد المنجل " المكتشفين" الجدد للقارة في أهداف خطيرة تتجاوز ما يعلن  عنه في أجهزة الإعلام.. ما قضية تقرير خطير المصير، وحرية الشعوب، ووحدة الكفاح ضد الامبريالية إلا غطاء لأمر أشد خطرا مما نتصور.
يقول المؤرخون المغاربة أن الإعداد للمسيرة الخضراء المظفرة صورة جديدة لما تم قبل معركة وادي المخازن.. وهذا يعني أننا دخلنا المعركتين بنفس السلام والتخطيط... ولا غزو.. فمغرب العلويين امتداد لمغرب السعديين.. هي دولة واحدة تستظل بعرش واحد... وقبل  هذا وذاك هو شعب واحد.
وبعد؛
فقد أبت  مشيئة الله الا ان تجتمع في هذا الشهر المبارك  ثلاث ذكريات مجيدة من تاريخنا الوسيط  والحديث والمعاصر.
• الذكرى الأربعمائة لمعركة وادي المخازن.
•  الذكرى الخامسة والعشرون لثورة الملك والشعب.
• الذكرى الثامنة  عشرة لوفاة بطل الاستقلال والتحرير جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه.
وهي ذكريات وأن تباعدت واختلفت شكلا وأسلوبا فقد أتحدت في  الاهداف والنتائج.
لقد كانت ثورة الملك والشعب التي تصاعد لهيبها يوم 20 غشت 1953 نقطة تحول خطيرة في تاريخ المغرب الحديث تجارب  بها الملك والشعب  مع أمجاد حضارتنا وتلافت فيها أرواح الشهداء  والمجاهدين وامتزج من خلالها  الحاضر بالماضي والشاهد بالغائب فلم تقل شانا عن ملحمة وادي المخازن  ولم تكن أضعف تأثيرا منها على مستقبل المغرب.
ومما لا يرقى إليه الشك  أن المنطلق الأساسي  لثورة الملك والشعب لم يخرج قط عن دائرة الحرية والكرامة والعزة والشرف فداء وتضحية وجهادا وسعيا مستمرا وكدحا متواصلا.
وإذا كان المغاربة  قد انتصروا في ثورتهم العظيمة بالتحام العرش بالشعب فان أحدا لا يشك في أن ذلك وجها من وجوه نثبت هذا
الشعب بدينه الحنيف إذ من أقدس تعاليمه الطاعة لأولي الأمر والبيعة الشرعية لأمير المومنين ولم تكن هذه المعاني السامية غائبة عن رجالنا الشجعان الذين تحملوا عبء المقاومة والتحرير.
• واذا كان قائد المعركة قد سقط شهيدا في أوج الجهاد الأكبر  بعد مضي خمس سنوات على إعلان الاستقلال، وبكاه مر البكاء، فان اللواء لم يسقط ولن يسقط بحول الله وقوته.
• أن استمرار جلالة الملك الحسن الثاني- نصره الله- على نهج أجداده وآبائه المجاهدين الأبرار يشكل في الواقع أقوى ضمان لإحراز  مزيد من الانتصارات وتحقيق الأهداف الوطنية العليا على هدى من الله ورضوان        
رواية عبد العزيز الفشتالي
( فمنها ما كان... بوادي المخازن الذي اجتمعت فيه جموع الملتين وأمم الكلمتين فقاوم أيده الله أحزاب الشرك وطواغيث الكفر وحده لانقضاء أخيه المولى عبد الملك أمير المومنين رحمه الله لأول المصطدم وعندما اقتدح زناد الحرب فكان في موته ساعتئذ وأحزاب الطاغوت فاغرة الافواه لالتهام أنصار الملة كبوة للاسلام وعثار لجد الدين لولا أن الله تعالى جبر الصدع وأقال العثار بمولانا أمير المؤمنين...
ولم يحفل بما قارن هجوم العدو من موت أخيه ولا زاد أيده الله على أن كل برعي محفته من وثق بمكانه وصمم هو أمام في الوثبة إلى المشركين حتى زحزحهم عن مصافهم وصبر لهول اليوم ونبث محتسبا لزلازل المشركين وصدماتهم المتتالية...
فأصابته أيده الله يومئذ جراحات بالبندق مشطت أحداها ظاهر قدمه وخاضت في أحشاء فرسه... وأصابته أخرى أيده الله في صدره... وسمعته أيده الله يحدث انه لما وكزته في صدره لم يشك لشدتها انها نافذة من تابوته قال أيده الله:  فأدخلت يدي من تحت الاطواق لا لمس الجرح فوجدت حصاة البندق وقد اخترقت الاطواق وبردت عند الثوب وتورم المكان من ساعته ورما مفرطا عقب الله فيه باللطف الشامل..
وناهيك من يوم أجلى عن ثلاثة ملوك موتى مجدل وغريق وفائض النفس حتف الأنف وعن ثمانين ألفا من المشركين ما بين قتيل وأسيرا).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here