islamaumaroc

هداية القرآن

  عبد الرحمان الغريسي

3 العدد

(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].

جمعت هذه الآية مع الإيجاز والاختصار ما اتصل بالتكاليف فرضا ونفلا، وما اتصل بمكارم الأخلاق والآداب على وجه العموم والخصوص.

وقد قال أهل العلم بالقرآن: إن هذه الآية هي أجمع آية في القرآن لخير وشر، ولو لم يكن فيه غيرها لكفت في كونه تبيانا لكل شيء وهدى -ما فرطنا في الكتاب من شيء- عن علي قال: أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على القبائل، فخرج وأنا معه وأبو بكر، فوقفنا على مجلس عليهم الوقار، فقال أبو بكر: ممن القوم؟ فقالوا من شيبان بن ثعلبة، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشهادتين، وإلى أن ينصروه، فإن قريشا كذبوه، فقال مقرون بن عمرو: إلى ما تدعونا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى الآية) فقال مقرون بن عمرو: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.

هذا موقف العرب البلغاء المعاصرين للتنزيل، أمام آي القرآن وإعجازه، وقد تحداهم تصريحا ونوع لهم طرق التحدي، ولم يكن ذلك تلويحا.

اشتملت الآية على ست قواعد، هي مجمع الإيمان والإسلام والإحسان وأساس الإرشاد والتشريع. وذكر العدل أولا، لأن العدل في الأعمال قولا وفعلا واعتقادا لا يفارقه الإحسان وما ذكر بعده، وتضمنت الآية أوامر الشريعة ونواهيها.

وما أمر به الشارع أو نهى عنه فله حالان:
الحال الأولى: أن يرد الأمر والنهي مرسلا ليس فيه تعيين بمقدار فلا يكون على وزان واحد في كل فرد من الأفراد، كالعدل والإحسان، ومواساة القريب، واتباع الصراط المستقيم، وحفظ الأمانة، وهذا في المأمورات، وكالفحشاء والمنكر والبغي والميل عن الصراط المستقيم والخيانة، وهذا في المنهيات. وما كان من هذا القبيل يحمل على العموم في كل شيء، وعلى كل بحسب ما تدل عليه قرائن الأحوال، لا على وزن واحد وحكم واحد، ويوكل ذلك إلى نظر المكلف، فيزن بميزان النظر ويأخذ ما بين الأدلة الشرعية والمحاسن العادية ويعرض لهذا إيجاب وندب -مثلا-

فإذا نظر المكلف في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وزن نفسه في ميزان العدل، وهو يعلم أن أقصى مراتب العدل الإقرار بالنعم لصاحبها، ورد النعم إليه، وشكره عليها، وهذا هو عين الدخول في الإيمان والعمل بشرائعه.

وإذا اتصف المكلف بهذا، فهو يرجو أن يكون من أهله، ويخاف أن لا يكون قد بلغ في هذا المدى غايته، لأن العبد لا يقدر على توفية حق الربوبية في جميع أفراد هذه الجملة.

وإن نظر في الآية بالتفصيل، فالعدل يطلب جملة ويطلب تفصيلا، كالعدل بين الخلق إن كان المكلف حاكما، والعدل بين أهله وولده ونفسه.

الحال الثانية: أن تأتي الأوامر والنواهي في أقصى مراتبها، والوعيد مقرون بها غالبا، ويكون المأمور به وصفا لمن مدح الله من المِؤمنين، والمنهي عنه وصفا لمن ذم الله من الكافرين، وأسباب النزول كفيلة بهذا، وهذه تربية من حكيم خبير.

وجماع الآية هو أساس التربية والإصلاح، وبذلك يتم الارتباط بين جميع أفراد الأمة ويحس كل فرد أنه أخ للآخر، فلا ميز ولا تفريق.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [النساء: 135] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) [المائدة: 8]
ومن البر بالوالدين الشهادة عليهما بالحق لإخراجهما من الباطل، ومن كان قيامه لله كان قيامه بالعدل، فارتبطت الآيتان ارتباط الفرع بأصله.
  
وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع على الناس وهو مسؤول عنهم، والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عنه، وكلكم راع ومسئول عن رعيته) فجميع هؤلاء رعاة وحكام على مراتبهم. والإحسان إلى ذي القربى يقتدي غريزة الفطرة، وبه تتم الرابطة بين الأقربين، وتبلغ البيوت في وحدة المصلحة دوحة الكمال، والأمة مؤلفة من البيوت -العائلات- فصلاح البيوت صلاح الأمة، ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة، ومن فسدت فطرته فلا يكون فيه خير لأهله، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين، ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بيت أمة.

فقد هدانا القرآن إلى أكمل الأصول والقواعد، ووكل إلينا هذا وأعطانا الحرية التامة، والاستقلال الكامل في الأمور الدنيوية والمصالح الاجتماعية التي ينظر فيها أهل العلم والمعرفة والمكانة، الذين نثق بهم، ويقررون لنا في كل زمان ما تقوم به مصلحتنا، ولا يتقيدون إلا بقيد هداية الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وليس فيها ما يمنع سير المدنية أو يرهق المسلمين عسرا.

ولكنا ما رعينا هذه الهداية حق الرعاية.
ولما أقعدتنا القيود عن مجاراة الأمم صار أولئك الذين خرجوا بنا عن أصول الكتاب والسنة فريقين:
فريقا رضوا بالقعود، ظنا منهم أنهم محافظون على الإسلام، وفريقا قلدوا غير المسلمين، فكان كل من الفريقين بجهله حجة على الإسلام في الظاهر، والإسلام حجة على الجميع في الحقيقة، وقد سعد المهتدون بهدى القرآن وكانوا حجة الله على نوع الإنسان، وشقي المعرضون وأصابهم من الذل والهوان، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here