islamaumaroc

نظرية الإصلاح الاجتماعي عند تاج الدين السبكي

  دعوة الحق

181 العدد

لم يعرف التاريخ الإنساني أمة ذات حضارة وصلت قمة المجد وتربعت عليها من غير نزوح أو نزول ولم تعرف الأرض مجتمعا في مثالياته يعيشها ويحياها دون ضمور أو ذبول، بل الذي حفظه التاريخ – ومنه نقيس الغائب على الشاهد مما لم يصلنا عنه شيء – أن أمما ترتفع فتبنى دولا قوية وسلطانا واسعا ثم يعتريها الأفول، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأوجز عبارة فقال : "وتلك الأيام نداولها بين الناس"(1)، وهذا الأمر هو الذي دعى العلماء الاجتماع بدءا من عبد الرحمان بن خلدون، إلى يومنا هذا، إلى إعطاء هذه الظاهرة حقها، فسماها ابن خلدون في مقدمته (2) : أعمار الدول إذ قال : إلا أن الدول في الغالب لا تعدوا عمر ثلاثة أجيال ... (حوالي 120 سنة).
وسماها المعاصرون (الدورة الحضارية) وقسموا بناء على ذلك المجتمعات الحضارية قديمها وحديثها إلى وحدات مستقلة (3).
• وإذا كان قيام الحضارة ورقي المجتمع يستلزم ضرورة وجود مجموعة من العناصر والشروط فكذلك انحداره ونزوله يكون بأسباب ومؤثرات، وبصفة عامة فإن هناك بعض الجوهريات والأساسيات في قيام الحضارة وارتفاعها لا تختلف بين أمة وأخرى قديما وحديثا ومستقبلا، وبعضها الآخر يختلف باختلاف المكان والزمان والأمة، ولكن أسباب الانهيار الاجتماعي والذبول الحضاري واحدة لا تتغير بين أمة وأخرى مهما تباعدت واختلفت، وقد أبرز القرآن الكريم هذه الناحية إبرازا هاما، فحين يقص علينا أخبار من سلف وشؤون من مضوا من الأمم والمجتمعات ثم يعقب عليها بنتائج عامة تنطبق على القوم المتحدث عنهم وعلى غيرهم من نظر على سبيل المثال قوله تعالى في سورة هود، وهي في غالبها تتحدث عن خالي العصور وداثر الأقوام، وتبين ارتكاسة كل قوم ومفاسدهم التي تفننوا فيها على حدة يأتي الحديث الإلاهي معقبا عن ذلك فيقول : " ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم، ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زودهم غير تثبيت وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة أن أخذه أليم شديد، إن في ذلك آية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود ... الآيات" (5). إنهم تشابهوا جميعا وسلكوا نفس الجادة التي أودت بهم إلى دار البوار دنيا وآخرة، وهي سبيل كل من يسلكها.
• وغير خاف أن انهيار الحضارة وزوال مجتمع ما لا يتم بين لحظة وأخرى، بل يستغرق وقتا ليس بالقصير – كما هو الشأن بنائه- فإذا تداركت يد الإصلاح ما تصدع منه، وتوجهت الهمم لترميمه حافظ على توازنه واستمراره، وإلا فقد انساب في ضباب النسيان ...
• وأهم شيء في استمرارية عظمة المجتمع أن يكون أهله خصوصا الطليعة المثقفة على معرفة تامة بجميع جوانبه سلبيها وإيجابيها، ليحافظوا على الصالح، ويتعاونوا على إزالة المفاسد، وقد أدرك الإنسان المتحضر هذا منذ القديم فتجلت هذه الفكرة عند أفلاطون في (مجلس المدينة) وتجلت في الفكر الإسلامي في مجلس الشورى، وفي الحضارة الغربية الرأسمالية ب (البرلمان) وفي الفكر الماركسي وبنياته ب (مجلس الشعب ) أو بالتنظيم للحزب الواحد ... الخ.
• وإذا كانت آراء المصلحين الاجتماعيين تختلف في قليل أو كثير تبعا لتكوينهم الفكري وموقعهم الحضاري وأهدافهم ومثلهم التي يرمون إدراكها، فإنهم يتفقون جميعا على أن المجتمع هو حقل تجاربهم ومحور بحثهم وميدان عملهم، كما أن عظمة المصلح تظهر من خلال نظريته التي يعرضها لرد الغوائل عن المجتمع، وإن كانت بعض النظريات تجد سبيله للتطبيق، وبعضها الآخر يبقى مسطورا للوارثين، فإن عدم تطبيقها لا ينقص من قيمتها، ولا ينزل من مرتبتها التي تستحقها.
• وقد عرف المجتمع الإسلامي في تاريخه مصلحين كثيرين صرخوا فيه صوت البعث والنشور، ونادوه بلهجة المثقف المخلص الغيور، فوجد بعضهم صدى لآرائه و أفكاره في عصره بل وفي حياته، فإن بعضا منهم لم يجد ذلك الأثر المرتجى، ولمسه من جاءوا بعده(6).
• ومن هؤلاء المصلحين الكثيرين الذين عرفهم تاريخ المسلمين، الإمام تاج الدين، عبد الوهاب السبكي الذي ولد في القاهرة سنة 727 هـ أو بعدها بسنة أو سنتين وتوفي بدمشق سنة 771 هـ رحمه الله تعالى وهو قاضي القضاة، ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كان تاج الدين السبكي رحمه الله من الأئمة الكبار الذين تبحروا في الفنون والعلوم السائدة في عصره وقد تلقى كل علم على أشهر إمام في ذلك العصر حتى أصبح مجتهدا في المذهب الشافعي ثم تخطى ذلك إلى مرحلة الاجتهاد المطلق، يقول عن نفسه في رسالة كتبها لبعض المسئولين في الدولة.
وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة" ويعقب السيوطي على ذلك فيقول الإمام تاج الدين مصدق فيما يقول عن نفسه.
ترك وراءه تراثا فكريا ضخما منه جمع الجوامع في أصول الفقه (جمعه من مائة مصنف هو أعجوبة في بابه(، والأشباه والنظائر، وطبقات الشافعية –كبرى، ووسطى، وصغرى – ونظريته الإصلاحية وسماها "معهد النعم، ومبيد النقم" وغير ذلك من مؤلفات أخرى (7).
هذا من الجانب العلمي، أما من الجانب الآخر فإن تاج الدين قد تقلب في مناصب وظيفية متعددة نشأ في كنف واله قاضي القضاة تقي الدين، ثم أصبح في شرخ شبابه مدرسا في كبريات المدارس ومنصب التدريس آنئذ منصب رفيع جليل، ثم رقى في الإدارة حتى أصبح موقعا للدست بين يدي ملك الأمراء علاء الدين المارديني بالشام (8)، وهو منصب عال كذلك، ثم رقى إلى أن أصبح قاضي القضاة وناهيك به من منصب رفيع.
عاصر دولة المماليك من الأتراك والشراكة في مصر والشام، وشاهد من تقلبات الدهر وعواصف الفتن والاضطرابات الشيء الكثير ويكفي أن نلاحظ أنه خلال حياته القصيرة التي لم تتجاوز الأربعة والأربعين عاما توالى على منصة الحكم ثلاثة عشر حاكما ...
أما المجتمع فقد آل إلى درك من الانحطاط أدى به إلى أن يخر منهارا تحت أول ضربة لهولاكو وجيوشه وضج الناس من سول الحال، وبدءوا على اختلاف طبقاتهم يتلفتون يمنة ويسرة يتلمسون الخلاص فكتب قاضي القضاة السبكي في تلك الظروف العصبية كتابه العظيم "معيد النعم، ومبيد النقم" وضمنه منهجا إصلاحيا متكاملا، بعد خبر المجتمع من جميع جوانبه كموظف، سام في الدولة وخطيب وإمام في المسجد، ومدرس للشباب والناشئة في معاهدهم وكمرجع لعامة الناس وخاصتهم في القضايا الخاصة والعامة باعتبار منصبه في القضاء، فهو بهذا أحاط بالأمور خبرا، وبالعلل الاجتماعية معرفة ونظرا، وأتيح له ما لم يتح لغيره.
• كان السبب المباشر لعرضه نظريته سؤالا ورد عليه من بعض الناس يسأله فيه عن الطريق التي يسلكها الإنسان لرد مجده بعد الزوال ونعمته بعد الانحراف عنه فأجابه جوابا مختصرا، فطلب السائل
 منه البسط والشرح فوافق ذلك هوى في نفسه وعرضها بشيء من التفصيل.

أسس نظريته :
 
1-إصلاح الإنسان :
كان الإمام السبكي يرى حالة الفقر جاثمة أمام عينيه، والفساد مستثر والفوضى منتشرة، والخلل في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، فلم يتجه إلى شيء من هذه الأعراض بالإصلاح بل اتجه إلى مصدر ذلك كله، اتجه إلى (إصلاح الإنسان) فبصلاحه يصلح المكان والزمان وركز عليه من الناحية التربوية، وبناؤه بناء سليما مستقيما، وأبرز أمرين هامين في إصلاحه :
أولهما :
أثر القيم والمثل في حياة الفرد، والنتائج الطيبة المثمرة إذا تعلق بها، ولم ينس أن يذكر بين الحين والحين أن يذكر بما يتطلبه الالتزام بالقيم من صبر لا وتحمل ... ويصل التعلق بالقيم قمته عندما يراقب الفرد ربه في كل عمل من أعماله وكل حركة من حركاته سواء جر نفعا أم مغرما، فهو ينظر إلى ذلك ولا ينظر إلى الربح والفائدة الشخصية.
وبما أن السبكي من العلماء الراسخين الذين أوتو حظا وافرا من العلم والعمل ربط هذه القيم التي يمكن أن نقول عنها خلقية ربطها بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، وربما لم بخطر بباله أن يخرج في نظريته عن العقيدة الإسلامية والمثل الإسلامية، ويقول في ذلك :
(مصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم متكفلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم ولا يأتي الفساد إلا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه واطمأنت ... وكذلك اعتبرت فلم أجد من يظن أنه يصلح الدنيا بعقله، ويدبر البلاد برأيه وسياسته، ويتعدى حدود الله تعالى وزواجره، إلا وكانت عاقبته وخيمة، وأيامه منغصة منكدة، وعيشه قلقا، وتفتح عليهم أبواب الشرور ... وهو شقى في الدنيا والآخرة.
ويقول عن الشكر على النعمة (أما القلب فالمراد منه أن تعلم وتعتقد أن الله هو الذي منحك النعمة لا أحد سواه شاركه فإن كل من تقدره من كبير وأمير ووزير وصاحب وخليل ووالد وغيرهم لا يقدر على فعل شيء لنفسه فضلا عن غيره، وإن جرى على يديه خير فالله تعالى هو الذي أجراه على يديه ... ص4)
ويقول مذكرا السقاة بين يدي من لهم سلطة عليهم (ونذكر الساقي بشيئين إثنين، أحدهما : أنه لا يحل لساق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر لمخدومه منكرا يشربه، وعليه أعمال الفكرة والحيلة في سد هذا الباب ... وثانيهما : حفظ حق مخدومه والخشية عليه من عدو يضع له في المشروب ما يهلكه من سم ونحوه، وقد بلغنا عن جماعة من المماليك السقاة قتل مخاديمهم لأغراض الدنيا فقبحهم الله من طائفة ...ص31).
وثاني الأمرين :
هو شعور كل فرد بكرامته، لأنه يستمد ذلك من الله خالق الوجود، ثم تقديره لإمكاناته وقدرته بأن يضعها فيما خلقها الله سبحانه وتعالى وله في سبل الخير والحق والفضيلة ليساهم مساهمة إيجابية صحيحة في بناء المجتمع، يقول في ذلك : والضابط أن تستعمل نعم الله تعالى في طاعته وتتوقى من الاستعانة بها على معصيته ... لأن الله سائل الإنسان عن ذلك "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا". ويقول ممثلا لذلك : من شكر نعمة العينين أن تستر كل عيب ترام لمسلم وتفضها عن أحكام القبيح ... ويقول : من شكر نعمة الأذنين ألا تسمع حراما، وأن تستر كل عيب تسمعه ...ص12.

2-عموم المسؤولية :
لا يحمل الإمام السبكي مسؤولية انهيار المجتمع لفرد معين أو لطائفة مخصوصة بل يشارك فيها جميع أفراد الأمة، وكذلك عملية الإصلاح يجب أن يشارك فيها المجتمع وإن كانت المسؤولية في طرفيها تختلف ضخامتها بين شخص وآخر، ولهذا بدأ بالخليفة ومن دونه مرورا بالقادة والمسؤولين الكبار ثم أرباب الفكر والثقافة، ثم أصحاب الصناعات
والتجار والحرفيين، وانتهى إلى الشحاذ الذل أنبه وطالب السلطة بمنع هذه الطبقة وإزالتها، ومن خلال ذلك نلاحظ أنه قسم المسؤولية ثلاثة أقسام :
1- مسؤولية رجال الدولة والسلطة.
2-  مسؤولية الطليعة المثقفة ورجال الفكر.
3- مسؤولية الحرفيين وعامة الناس.
وفي توزيعه هذا للمسؤولية نجده يضع القسط الأكبر منها على رجال الدولة والسلطة، وفي هذا يقول مخاطبا أصحاب المسؤوليات والمراتب (إذا ولاك الله تعالى أمرا على الخلق، فعليك البحث عن الرعية والعدل بينهم في القضية، والحكم فيهم بالسوية، ومجانية الهوى والميل ... ص13).
ويجعل قوام مسؤولية أصحاب السلطة تنحصر في أمرين إثنين البحث عن مصالح الأمة، وإقامة العدل في ربوعها.
ويقول في مكان آخر : (فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين ليمون رئيسا آكلا شاربا مستريحا بل لينصر الدين ويعلي الكلمة ...ص17). وبعد أن يطيل الحديث عن الإداريين كالوالي، والمحتسب ووكيل بيت المال وغيرهم يأخذ نفسا عميقا لينتقل إلى طائفة المثقفين وهي في عرفهم "العلماء" ومن يلتحق بهم كالمؤذن والمنشد ... ليطيل معهم الحديث ويفصل لهم الأمور تفصيلا باعتبارهم غالبا ما يكونون مستقبلا رجال السلطة والدولة، ويقسمهم إلى فرق كثيرة حسب تخصصاتهم فيقول عنهم : وهم فرق كثيرة منهم المفسر والمحدث والفقيه والأصولي والمتكلم والنحوي وغيرهم وتتفرق كل شعبة من هؤلاء شعوبا وقبائل ويجمع الكل أنه حق عليهم إرشاد المتعلمين، وإفتاء المستفتين، وإظهار العلم للسائلين، فمن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار، وألا يقصدوا بالعلم الرئاء والمباهاة والسمعة ولا جعله سبيلا إلى دنيا، فإن الدنيا أقل من ذلك ... ص67).
ثم يبدأ بتفنيد زغلهم وأسباب انحرافاتهم (9)، وهو الخبير المطلع على أحوالهم إذ عاش معهم وسكن  بينهم ورافقهم. وبين ثلاثة أخطار هامة في حياة العلماء والمثقفين، أولها : جعل العلم مطية للدنيا ومطامحها وإذلال هذا العلم لمن بيدهم شيء من الدنيا، وثانيهما : خطر الضلالات الفكرية التي تعرض للكثير منهم فينفث سموما قاتلة، ومثل لذلك بالمؤرخين، وأصحاب المذاهب الفلسفية، والذين يتقعرون في فنونهم بما لا فائدة فيه. وثالثها : مخالفة السلوك للقول في حياة العلم.
ثم يتناول أصحاب الخرف والصناعات والتجار وأصحاب الأموال وينصحهم ألا يكونوا مطية لمن فوقهم ويستغلونهم في المنكرات، وخلق المفاسد والمفاتن والبدع وسيء العادات، يقول مثلا عن الطوفية : (وهم بين البساتين والمساكين الخارجة عن البلد كالحارس بين الدروب في وسط البلد ومن أقبح من صنع هؤلاء المداجاة على جلب الخمر لمن يرضيهم بحطام الدنيا، فلا ينكرون عليه المنكر مع إنكارهم زائدا على الحاجة على من لا يرضيهم ...ص146).
ويقول عن الصباغ ( ومن حقه ألا يصبغ بمحرم وقد كثر منهم الصبغ بالدماء وذلك محرم...).
 
3- القيام بالواجب :
والأساس الذي ظهر بارزا جدا في آراء السبكي قيام كل فرد بواجبه. وهذا أمر في غاية الأهمية، ففي أيامنا هذه نشهد موجة المطالبة بالحقوق دون النظر إلى القيام بالواجبات غالبا، ولكن السبكي لا يعير جانب المطالبة بالحقوق أي اهتمام لأنه في رأيي يأتي نتيجة طبيعية للقيام بالواجب، فإذا قام كل فرد  من أعلى طبقات الأمة التي أدناها بواجبه فقد وصل كل واحد حقه دون حواجز أو موانع، ومن هنا نجده يتحدث عن كل طائفة بما عليها القيام به وعمله وإليك بعض الأمثلة :
يقول : ( فمن وظيفة السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لأعداء كلمة الله ...ص16)
وعن الخازن يقول : (وحق عليه ألا يمطل من أحيل إليه ... ص 26) وعن كتاب الدواوين : (وعلى الكل الأمانة، وتجنب الخيانة ..).
وعن المدرس (وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين ... ص105) (على صاحب المال أداء الزكاة ...) والرهان (وعليه ألا يصور صورة حيوان، لا على الحائط ولا على سقف ... ص 130) والحارس ( وحق عليه أن ينصح لأهل الدرب ويسهر عينه إذا ناموا ... ص130).
ويخلص الحاج السبكي في عرض آرائه إلى أن بداية الانحدار الاجتماعي هو الاخلال بالقيام بالواجب الذي يتعلق به حقوق جميع أبناء المجتمع فيقول : (وما من وظيفة إلا وللمسلمين حق على صاحبها .. ص49) ويقول في فاتحة كتابه ص 3 : (اعلم أنها لم تزل عنك إلا لإخلالك بالقيام بما يجب عليك من حقوقها ... )، وينقل عن والده تقي الدين رحمه الله تعالى رأيا في غاية الأهمية وهو قوله : (لكل مسلم عندي، وعند كل مسلم حق في أداء هذه الصلوات الخمس، ومتى فرط مسلم في صلاة واحدة كان قد اعتدى على كل مسلم، وأخذ له حقا من حقوقه لعدوانه على حق الله تعالى، قال : ولذلك أسمع دعوى من يدعي على تارك صلاة واجبة، وإن لم يرع على وجه الحسبة لأن لكل مسلم فيها حقا ... لأن المصلي يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن المصلي إذا قال هذا أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، ورأيت للقفال ما يقتضي ذلك.)
وإن هذا المفهوم الاجتماعي في الإسلام فريد من نوعه، كما هو فريد في مفهومه وتركيبه، ونلاحظ أن السبكي يؤكد أن من القيام بالواجب البحث عن أسباب الضعف ليتجنبها، وموجبات علله ليتخلى عنها.
كيف عرض السبكي آراءه ؟ وأسلوبه في ذلك :
السبكي أصولي كبير، وناهيك به أنه صاحب جمع الجوامع فهو منطقي راسخ وذو فكر فلسفي واسع، لم يشأ أن يعرض آراءه على طريقة الفلاسفة والمناطقة لأن ذلك يجعلها حبيسة لطائفة معينة، بل أراد أن تكون قريبة من المجتمع الذي يعالجه وفي متناول جميع الناس، لا سيما والطبقة الحاكمة في عصره من الأعاجم الذين لا يجيدون العربية –شأن أكثر العصور المتأخرة- وكان في أسلوبه واضحا سهلا يستعمل الكلمات الأعجمية خصوصا في أسماء المراتب والمناصب التي تعارفها الناس، وأصبحت تحمل معاني محددة، ولكن الشيء المهم هو أن ملء هذا الأسلوب الصراحة وقوله الحق دون خوف أو رجل حتى أن صراحته دعته إلى استعمال بعض التعابير القاسية، ولكنها قسوة في موضعها كما في قوله : (فمن خطر له أنه إن لم يسفك الدماء بغير حق، ويضرب المسلمين بلا ذنب لم تصلح أيامه، فعرفه أنه جهول باغ أحمق حمار، دولته قريبة الزوال ومصيبته سريعة الوقوع ... ص41)، وأن السبكي في هذا حجة على الوارثين ...
وقد تناول طبقات الأمة في الحكومة والشعب وبين واجبات كل طبقة بأمثلة واقعية من الانحرافات وكثيرا ما ينقل مشاهداته الشخصية، وتجاربه الذاتية التي جناها خلال رحلته في الناس والحكومة كموظف وعالم، ويحدد الوقائع بالأسماء والأماكن، ويعقب على ذلك بنقل العبرة والفطة من السابقين ويمثل قوله تعالى : "إن في قصصهم لعبرة" فينقل من أحداث الماضي وسطور التاريخ ما فيه عظة للمتعظين مما يضفي على نظريته طابع العمق والشمولية في استقصاء الآراء، ويعطيها بذلك حيوية نابضة لا تضعف ولا تذبل مع الأيام، وهو لا ينسى أحدا من طبقات الشعب والأمة حتى المؤذن والصيرفي، والسجان، والذهان، وسائس الدواب، والمحامي ... إلخ.

قيمة هذه النظرية :
ولا شك أن كثيرا من مظاهر الحياة قد تغيرت بين القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي / والقرن الرابع عشر هجري / العشرين ميلادي / فماتت مظاهر واستحدثت أخرى، إلا أن الإنسان هو الإنسان، وما زال المجتمع هذا هو امتداد لذاك المجتمع، وأغنى به المجتمع الإسلامي ونظرية السبكي ما هي إلا صدى قوي للقرآن الكريم والسنة النبوية، وتعطي الجانب الأكبر للروح والتربية الخلقية، فالأساس الأول الذي التفت إليه ألا وهو إصلاح الإنسان، وقد وفق في ذلك جدا حيث أننا نشاهد صدق ذلك في أيامنا هذه حيت اتجهت كثير من الدول ومنها الإسلامية في نهضتها إلى إصلاح الجانب الاقتصادي أو المالي، أو القانوني أو السياسي ولكنها لم تتجه إلى الإنسان تمشيا مع روح الحضارة المادية أو مع جانبها المتطرف والذي اصطبغ بالماركسية ففشلت جميع تجاربها إذ تضخمت في جانب الإنتاج وأخفقت في حسن توزيعه والاستفادة منه نتيجة لشره للإنسان، الذي سحق في غمرة ذلك، فكثرت الجرائم وتفشت المفاسد بما لا يخطر على بال، (ففي تقري المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي التابعة للجامعة العربية أن معدل الجرائم ضد الأموال في ارتفاع مع عملية التنمية الاقتصادية إذ تزداد فرص الاعتداء من الأموال عندما يصبح المجتمع أكثر إنتاجا وتعقيدا، وتحضرا وتصنيعا، ومن ثم نجد أن نسبة عالية من جرائم الأحداث والشباب في غالبية البلاد ذات 
طابع اقتصادي، مثل السرقة، والاختلاس، واقتحام المنازل والسرقة بالإكراه(10)، وقد لفتت هذه الناحية نظر كثيرين من علماء الاجتماع والتربية في العالم وأبرزوا أن كل عمل وتنمية لا ترتبط بالجانب الإنساني هي في حقيقتها شقاء.
والناحية الهامة كذلك في هذا الأساس ربط القيم بالعقيدة، وإن كان بعض المفكرين يرى الفصل بينهما، فإننا مع السبكي نرى أنه لا مكان للقيم بدون عقيدة.
أما عن الأساس الثاني وهو عموم المسؤولية : فنلاحظ أن العجزة والمغفلين هم الذين يحملون المسؤولية للحاكم وحده أو شخص معين أو طائفة معينة، والواقع أنه ما من فرد إلا ويحمل جزءا من المسؤولية، فهو إن لم يكن مسهما في أحداث غير المشروع فيحمل المسؤولية من الجانب السلبي حيث يسكت عليها ويدعها تنتشر ولا يتدخل لإيقافها والحد منها، وفي هذا يقول النبي (ص) : (إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم) فاللامبالاة الاجتماعية تتساوى في التجريم مع الفعل الإيجابي، والامتناع عن إعلان الرأي بشأن المخالف للشرع يعتبر نوعا من الاشتراك في المخالفة (11) وبهذا كان السبكي عميق النظرة واعي الفكرة مصيبا في وجهته الإصلاحية.
أما عن القيام بالواجب فأعتقد أنه بداية الحركية إلى الأمام في أي مجتمع وبمقدار إيمان أبناء الأمة بواجب القيام بالواجب تكون قفزتهم إلى الأمام سريعة وإذا أدبر الناس عن ذلك ولو مع النوايا الطيبة فلن تفلح الأمة في إنجاز عمل أو أداء مهمة ورسالة في هذه الحياة، وإن القيام بالواجب نحو الآخرين والمجتمع رباط قوي وعامل أساسي فعال في اندماج الأفراد في البوتقة الاجتماعية التي يتوقف على الشعور بها قيام الأمة كاملة وليست مجموعة متنافرة من الأفراد ذوي المصالح المتعارضة، وأن القيام بالواجب لهو رداء راحة وسعادة يشعر بها أبناء المجتمع، ويتفيؤون ظلالها إن كانت، وإلا فالتذمر والشكوى والانحراف ...   
وكم كان السبكي رحمه الله موفقا في اختياره للعنوان : "معيد النعم، ومبيد النقم" (12)، وكم هي جديرة بالقراءة هذه النظرية الإصلاحية والتأمل والتدبر مع ابناء المجتمع العربي والإسلامي على اختلاف مستوياتهم وثقافتهم وهم يحاولون النهوض من العثار، والتخلص من آثار الاستعمار وهي نظرية يحتاجها الحاكم المسؤول والسياسي المثقف، والصانع والتاجر، وكل من يعنيه شأن أمته ووطنه، لا يفض منها مرور الزمن، فهي حية نابضة منها هدى ونور، لأنها تستند إلى كتاب الله الخالد، رحم الله السبكي المصلح الاجتماعي الكبير ووفق العاملين للخير، وهدانا جميعا سواء السبيل.

• لما قدم معاوية من الشام، وكان عمر أمير المؤمنين قد ولاه عليها، دخل على أمه هند فقالت له : يا بني : إنه قلما ولدت حرة مثلك، وقد استعملك هذا الرجل فاعمل بما وافقه أحببت ذلك أم كرهته. ثم دخل معاوية على أبيه أبي سفيان فقال له : يا بني إن هؤلاء من المهاجرين سبقونا وتأخرنا عنهم، فعرفهم سبقهم، وقصر بنا تأخرنا، فصرنا أتباعا وصاروا قادة، وقد قلدوك جسيما من أمرهم، فلا تحالفن أمرهم، فإنك تجري إلى أمر لم تبلغه، ولو قد بلغته لتنفست فيه ..
قال معاوية : قد عجبت من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ ..


الهوامش :
(1) سورة آل عمران، الآية 130.
(2) المقدمة ص 170 ط المكتبة التجارية
(3) جعلها المفكر الإنجليزي المعاصرة تويبتي تسعة عشر مجتمعا وهي : الغربي، الأرتدوكسي، الإيراني، الغربي الهندوكي، الشرق الاقصى، الهيليني، السوري، السندي، الصيني، المينوي، السومري، الحبشي، البابلي، المصري، الأندي، المكسيكي، البوكاتي، الماياني، أنظر كتاب مختصر دراسة التاريخ 1/57.
(4) تحدث عن ذلك في بحث مطول تحت الطبع بعنوان : "مقومات المجتمع ومهدماته".
(5) كما نلاحظ ذلك في أفكار ابن تيمية التي خطت مجراها مع الزمن لتنطلق من جديد مع المصلح محمد بن عبد الوهاب الذي تبناها ومشرها وما زال اتباعه ينشروها.
(6) انظر ترجمته في (الدور الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر القسعلاني 2/426، (وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي) 1/182، وشذرات الذهب لابن العماد 6/221، وداراة المعارف الاسلامية مادة سبك ص 11/263.
(7) توقيع الدست أحد المناصب الكتابية بمجلس السلطان آنئذ.

(9) له سلف في ذلك هو ابن الجوزي رحمه الله فقد ألف كتابه تلبيس إبليس أو فقد العلم والعلماء ولنا معه وقفة إن شاء الله.
(10) أعد هذا التقرير الدكتور محمد عبد القادر رئيس وحدة بحوث الأسرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، انظر : دستور الأخلاق في القرآن للدكتور المرحوم عبد الله دراز، ، ص ل مقدمة المعرب.
(11) انظر تقديم السيد محمد بدري للكتاب المتقدم، ص (يو).
(12) طبع الكتاب مرات عديدة منها ثلات مرات بمصر، ومرة في ليدن سنة (1908) بعناية المستشرقين موهرمن، ولم أر سوى الطبعة المصرية من المطبوعة بدار الكتاب الغربي عام 1948، وعزو الصفحات إليها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here