islamaumaroc

أبعاد الحضارة المغربية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي -2-

  دعوة الحق

181 العدد

لقد زعم البعض أن العرب اكتشفوا أمريكا منذ نحو من ألف سنة وساق الأب انستاس الكرملي للدلالة على ذلك بعض الحجج منها وجود كلمات عربية في لهجات هنود أمريكا وبقايا زنج أفارقة والشبه الملحوظ بين حضارة الإسلام ومظاهر الحياة في بعض المجتمعات هناك وقد أكد الشريف الإدريسي أن الفتيان المغرورين وصلوا إلى جزر منها أصور وقيل أن حكايات شهامتهم التي أصبحت مضرب الأمثال في الأندلس هي التي حددت كريسطوف كولومبس إلى القيام برحلته على أن الأستاذ رنان Renan قد أشار في دراساته حول ابن رشد رسالة بقلم كولوبس نفسه اعترف فيها بأن مصنفات ابن رشد هي التي أوحت له بوجود قارة يابسة ومنذ عهد قريب أكد الدكتور جيفريس الأستاذ في جامعة (ويتوانرستراند) الذي انكب على دراسة هذه القضية منذ عدة سنوات أن العرب هم الذين كشفوا عن أمريكا قبل كريسطوف كولومبس بنحو من ثلاثة أو أربعة قرون كما يتبين ذلك من هياكل وقع العثور عليها ويقول الأستاذ بأنه عندما وصل كريستوف كولومبس إلى أمريكا وجد جماعة من الزنوج الدين فروا من أسيادهم العرب وهو يرى أن المزروعات الإفريقية دخلت إلى أمريكا على يد العرب وأن العرب هم الذين نقلوا كذلك المزروعات الأمريكية إلى أوربا وهذا يفسر لنا –في نظره –سبب اشتهار الذرة في أوربا بالقمح الأمريكي ومهما يكن فهناك ظاهرة قارة في تاريخ المغرب وهي أن المغاربة والأندلسيين جالوا في جوانب المحيط الأطلسي وقاموا بدور هام في بعض جزره حيث كانت لهم جاليات مهمة على أن المغرب تحمل القسط الأوفر –طوال بضعة قرون- في الدفاع عن حوزة السواحل العربية المطلة على المحيط من لشبونة إلى أكادير وكانت له أوراش وأساطيل غير أنه قلما كان يستخدم المياه الأطلسية في ربط صلة الوصل بين العدوتين لأن مضيق جبل طارق كان أقرب وأسهل.
وقد أشعت الحضارة العربية من السواحل الأندلسية خاصة فكانت المرية أعضم ورش بحري في عهد الأمويين ثم انشقت أوراش أخرى أشار إليها الشريف الإدريسي في نزهته كالجزيرة وأبي دانس وطرطوشة ثم مالقا وقد حاول الدنماركيون اكتساح الأندلس عام 966م ولكن ملك اشبيلية صدهم بأسطوله الذي كان يمخر عباب المحيط وقد أبى ملوك الطوائف إلا أن ينشئوا أساطيل على غرار الأسطول الأموي تجول قطعا في كل من البحر المتوسط وبحر الظلمات وكذلك بنو نصر في غرناطة.
غير أن العلائق التي توثقت فيما بعد بين العرب وبعض دول المحيط كالدنمارك والسويد وانجلترا وهولندا حدته إلى الاهتمام بمراسيه الأطلسية وقد كانت هولندا أولى الأمم الأطلسية التي تبلورت روابطها مع المغرب في مبادلات عبر المانش لا سيما بعد معاهدة 1610م التي أعطتها الأسبقية وكانت أهم مراسي المغرب أذ ذاك هي آسفي وأكادير وماسة ثم أصبحت سلا أنشط ميناء بالمغرب وظلت محتفظة بهذه الميزة طوال قرن كامل وعند بزوغ فجر الدولة العلوية حرر المولى إسماعيل بعض موانئ الشمال كطنجة والعرائش وأصيلا من ربقة الأجانب فساهمت هذه المراكز في تعزيز رسالة المغرب في المحيط الأطلسي تلك الرسالة التي اكتملت بعد بضعة عقود من السنين بتأسيس الصويرة على يد المولى محمد ابن عبد الله وما لبث هذا الميناء الجديد أن احتكر مجموع النشاط التجاري المغربي ففي عام 1745 أصدر المغرب عبر المحيط الأطلسي عن طريق  الصويرة 85000 طن من القمح والقطاني، وفي سنة 1751 تضخمت حركة الميناء فبلغت قيمة روجانه ما يقرب من ستة ملايين فرنك وهو مبلغ له خطورته في ذلك العصر وقد زار المراسي الأطلسية في تلك السنة 223 باخرة أوربية و ظلت مراسي الصويرة مكتملة النشاط إلى عام 1911 حيث زارها 462 باخرة وكان الميزان التجاري المغربي مزدهرا آنذاك لأن الصادرات بلغت في هذه الآونة ثلاثة أضعاف الواردات.
تلك شواهد نوردها لدحض ما يزعمه البعض من أن المغرب عاش منطويا على نفسه، نعم اضطر أحيانا لاتقاء الدسائس الأوربية بالانزواء والقبوع بل بلغت مضايقة بعض الأقطار اللاتينية مبلغا حداه إلى قصر علائقه على بعض الأمم البروتستانتية المحاذية لسواحل بحر الظلمات كإنجلترا والسويد والدانمارك التي أمضى معها معاهدات تجارية ووداد وهذا يدلنا على أن النصرة الدينية لم تكن هي الباعث على انعزال المغرب عن أوربا ومع ذلك فلا يبعد أن يكون ملوك المغرب قد ظلت عالقة بأذهانهم ذكريات تحريض البابوية والدول الكاثوليكية التابعة لها على اكتساح المغرب باسم الصليب ومهما يكن فإن هذا القبوع يرجع في نهاية الأمر إلى رغبة المغرب في التحصن ضد الحركات التوسعية التي بدأت بوادرها تظهر في بعض سواحل المتوسط الإفريقية.
وقد أمضى السلطان سيدي محمد ابن عبد الله قبل وفاته ببضع سنوات (1786) معاهدة تجارة وملاحة مع الولايات المتحدة لمدة خمسين سنة وقع تجديدها عام 1836.
فالمغرب لم ينعزل إذن عن العالم العصري ولم يمهل كذلك تطور السياسة الأوربية الأمريكية بل تتبع بكامل الاهتمام وأكيد العطف حركة التحرير شعوب ما وراء الأطلسي وقد كان المغرب في طليعة الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الفتية.
ومنذ القرن السادس عشر أمكن للحضارة المغربية التي كانت إلى ذلك التاريخ منحصرة في البحر المتوسط أن تدخل إلى أمريكا الجنوبية بواسطة الغزاة البرتغاليين الذين اكتسحوا إذ ذاك العالم الجديد فقد تلقت البرازيل مثلا طوال ثلاثة قرون متوالية تأثير المدينة الأندلسية فاتسمت جميع مظاهر الحياة الاجتماعية الأمريكية بطابع مغربي ينموا ويضعف حسب الأصقاع فتقنعت المرأة البرازيلية على طريقة زميلتها المغربية وكيفت أسلوب حياتها. كما فعلت المرأة الصقلية المسيحية فيما حكاه الرحالة ابن جبير تكييفا يحذو حذو النعل بالنعل ما عهد الأندلسيات والمغربيات، نعم أصبح الشيء الكثير في البرازيل صورة لما كان عليه مجتمعنا في العصور الوسطى من أناقة النساء الأرستقراطيات في الحواضر واتخاذهن الطنافس الوثيرة للجلوس بدل المقاعد الخشبية إلى غير ذلك من طرائق الحياة الفردية ومناهج الفلاحة والفراسة في البادية فبالرغم عن اختلاف الطقس استخدم الفلاح الأمريكي أجهزة وأساليب الفلاحة المغربية وانتشر استخدام الطواحين الهوائية في مجموع أنحاء أمريكا الجنوبية مع جميع ما ينطوي عليه نظام الري عندنا (السواقي والآبار الخ) وقد نقل المعمرون البرتغاليون إلى أمريكا جميع ما أنجزه المغاربة في القسم الجنوبي من الأندلس من مصانع السكر والقطن إلى مزارع الحوامض ودودة القز (كانت 3060 قرية أندلسية تتعاطى تربية دودة القز) علاوة على ما كان بالمغرب وخاصة ناحية فاس. على أن اللغة الاسبانية الأمريكية تنم عن الآثار التي تركتها حضارتنا في الميدان الثقافي والاقتصادي والاجتماعي بأمريكا فالاصطلاح الأمريكي في المياه والسقي والري معظمه عربي وكثير من الأزهار والنباتات العطرية مازلت تحمل في إسبانيا وأمريكا أسماء عربية أضف إلى ذلك ما يمس (مودة) النساء من أسماء الحلي والمصنوعات.
والشبه وثيق بين المغرب وأمريكا الجنوبية في ميدان الهندسة المعمارية حيث لا تختلف في البلدين أساليب البناء في الكنائس والأديرة والمنازل والحمامات وقد تأثر الاصطلاح الأمريكي في هذا المجال أيضا بالمفردات العربية.
ويضيق المجال عن تعداد المناحي التي تجلت فيها آثار الحضارة المغربية والأندلسية بأمريكا فحتى أساليب الطبخ وأسماء العائلات لا تختلف في أمريكا عنها في المغرب ووحدة أصول العائلات العربية تفسر لنا نجاح الهجرة العربية إلى أمريكا لا سيما العناصر السورية واللبنانية التي ساهمت مع المغاربة منذ العناصر السورية واللبنانية التي ساهمت مع المغاربة منذ العصر الأموي في تكييف الحضارة الأندلسية مما جعلنا نلمس من جهة أخرى وجوه الشبه العديدة بين كثير من المؤسسات السورية والمغربية.
ويتمتع المغربي في أمريكا الجنوبية بسمعة طيبة فهو مثال النشاط والمثابرة والذكاء وقد اشتهر المغاربة كملاحين مهرة وليس ذلك ببدع، فإذا كانت البحرية البرتغالية قد استطاعت أن تمخر عباب بحر الظلمات وأن تصل إلى أمريكا فما ذلك إلا بفضل أساليب الملاحة العربية فابن ماجد الملقب (بأسد البحر الهائج) صاحب المصنفات العديدة في قيادة السفن هو الذي كان ربان الرحال فاسكو دو كاما (1524-1469) الذي كشف عام 1498 طريق الهند وقد مهر مغاربة في هذا الفن منهم عبد العزيز ابن أحمد.
تلك بعض المظاهر التاريخية لرسالة المغرب في المحيط الأطلسي وهي رسالة أصبحت في الظروف الدولية الراهنة أشد واقعية من أي وقت مضى.
وإذا حاولنا إدراج هذه المعطيات في إطارها السياسي البربري هو في رأي الكثير من النسابيين مزيج من الساميين والحاميين1 إلا أن من الصعب التعرف إلى ماهية البربر سلالة ولغة قبل دخول الفينيقييين إلى الشمال الإفريقي في أوائل القرن الثالث عشر قبل الميلاد – وكانت حضارتهم قد تركزت قبل في لبنان وسواحل الخليج العربي بالبحرين والقطيف –فأسسوا بالمغرب الأقصى حاضرة ليكس lixقرب مدينة العرائش حوالي 1100 ق.م. كما أقاموا مدينة "أوتيك" Utique   ثم قرطاجنة (عام 814ق.م.) ولكن سقوط الحاضرة القرطاجنية (عام 146 ق.م.) فسح المجال للرومان والبزنطيين –الذين زحزحهم الفاتح العربي بعد القرن الهجري الأول – حيث أنشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان (50ه-670م) ثم انطلق (عام 62ه) في جولة عسكرية خاطفة نحو أقصى الصحراء المغربية حيث تلاه موسى بن نصير (عام 88ه) بجيوشه التي هبت بأمره طارق ابن زياد لفتح الأندلس عندما كان صالح بن منصور الحمري يقيم باسم الخليفة الوليد بن عبد الملك مملكة نكور في الريف وظل المغرب بعيدا عن تيارات الشرف ومراقبة بني أمية الذين استبد بعضهم ولاتهم فامتهنوا البربر وأجبرهم على أداء خمس أموالهم لبيت المال2  بينما فر فلول العرب الواردين من ثغور مصر والشام إلى الأندلس، وكانت الاضطرابات على أشدها في الشرق بين العباسيين والأمويين والعلويين ففر المولى إدريس بعد وقعة "الفخ" قرب المدينة المنورة إلى مصر ومنها إلى المغرب الأقصى (172ه) حيث أسس أول مملكة عربية إسلامية3 خشى هارون الرشيد بأسها فدس من اغتيال هذا الأمير العلوي الذي اقتبله البربر بحماس تلقائي لم يعهد مثله لفاتح أجنبي وبويع لابنه الناشئ إدريس الأزهر (عام 188ه) فاتسع نفوذه ونقل عاصمته من "وليلي" إلى فاس (عام 192ه). ثم تجزأت المملكة الشاسعة بوفاته (213ه) وانتهز الخوارج الصفرية هذا التفكك فثاروا ضد الأدارسة الذين نقلوا دولتهم الجديدة إلى الجبل وجعلوا عاصمتها البصرة التي وصلت نفوذها خلال قرنين وفي غضون ذلك انقرض الأغالبة، وقام القائد الفاطمي جوهر الصقلي مؤسس القاهرة (عام 347ه) باقتحام خاطف لفاس التابعة للناصر الأموي بينما ظل أمراء البربر يتأرجحون بين الانصياع للأدارسة من ناحية وللعامريين غاصبي مملكة الأمويين بالأندلس من ناحية أخرى قرابة قرن ونصف قرن في خضم من الفوضى والغموض جعلت المغرب أحوج ما يكون إلى زعيم من طراز يوسف بن تاشفين الذي ما لبث أن استكمل توحيد المغرب الأقصى منطلقا من عاصمته الجديدة مراكش التي أسست (عام 454ه) لاستئصال البرغواطيين وتقويض مملكة نكور التي كانت مقر الانطلاقة الثانية لتعريب المغرب الأقصى بعد أفواج القراء والخوارج العرب وما لبث أن أعقبتها انطلاقة ثالثة بزعامة الأدارسة الذين ركزوا أول دولة إسلامية على نطاق المغرب من الصحراء إلى الأطلس إلى الريف . وكانت الصليبية قد بدأت تتحرك من الأندلس للإيقاع بالإسلام فانبرى القائد المرابطي (479ه/1086م) أي قبل الحرب الصليبية الأولى بعشر سنوات (1096 م) لتحرير أمارات ملوك الطوائف من ضعف الاسبان فأحرز في معركة الزلاقة (عام 1086)4 ضد ألفونس السادس ملك قشتالة (عام 1065-1109) نصرا تردد صداه في الشرق والغرب وذاع صيت القائد الظافر الذي لقب منذ ذلك اليوم "بأمير المسلمين" مع استمرار دعوته لدار الخلافة العباسية تركيزا للوحدة الكبرى وتكونت امبراطورية واسعة ضمت الصحراء والمغارب الأربعة (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) والاندلس تحت الحكم المرابطي ثلاثة أرباع قرن (إلى 537ه) ظهر خلالها ملوك طوائف جدد بالأندلس وزحف صليبي عارم في إفريقية (أي تونس) وكان المهدي بن تومرت قد بدأ جولته في الشرق منذ أوائل القرن السادس فانبرى يجدد معالم الدين ويركز العقيدة السلفية ويجمع مكن جديد معالم الدين ويركز العقيدة السلفية ويجمع من جديد تح ظل الإسلام المملكة المرابطية التاسعة التي بدأت تنهار. وقد استطاع خليفته عبد المؤمن الموحدي في سنة الأخماس (555ه) تخليص إفريقيا من الغزو النرمندي وتحصين جبل الفتح ( جبل طارق) بالأندلس بفضل أسطوله العتيد الذي أصبح أول أسطول في البحر الأبيض المتوسط 5  والضرب على أيدي العرب الهلاليين والسملاليين الذين نشروا الرعب والدمار بإفريقية فازدهرت بذلك حضارة جديدة أسهمت الأندلس في طبعها بميسم خاص بزعامة يعقوب الملقب بالمنصور منذ ظفره على الصليبية المتكتلة في وقعة الأرك (591هـ-1195م) أي بعد وقعة حطين بنحو عقدين من السنين وشعر البابا إينوسان الثالث Inno Cent III (عام 1198-1217م) بالخطر الداهم فتكاتفت البابوية بموجب تصميماتها المعتادة مع ملك قشتالة الفونس الثامن (1158-1214م) وأسقف طليطلة رودريك جيمنيز للكر من جديد على الإسلام المتوثب في وقعة العقاب (609هـ-1212م) التي كانت هزيمة شنعاء ضعضعت مقومات الامبراطورية الموحدية في الغرب في نفس الوقت الذي بدأ المسيحيون يندحرون في مصر خلال الحرب الصليبية الخامسة (1219م) حيث طردوا نهائيا من الأماكن المقدسة بعد معركة غزة (عام 1244م) واتجه المرينيون فيما بعد يلمون الشمل معيدين للبلاد وحدتها في حدودها الإفريقية بينما هب الفونس العاشر لتضييق الخناق على المملكة النصرية (أي دولة بني الأحمر) التي لم تفد من إجازات المرينيين المتوالية للأندلس سوى خضد مؤقت لشوكة المسيحية والواقع |أن الإمبراطورية المرينية كانت منهارة من أساسها رغم ذيوع صيت أبي الحسن أعظم ملوكها الذي مني بآخر هزيمة في وقعة طريف (741ه – 1340م)  Rio de Saladoقطعت الأمل في أنقاذ الأندلس حيث واجهت مملكة غرناطة مصيرها وحدها وكابد أبو عنان المريني الأمرين في حفظ كيان المغرب الذي تقلصت حدوده الجغرافية وتوالت فيه الأزمات باستفحال التطاحن بين أدعياء العرش من المرينيين والوطاسيين والسعديين فشاعت الأوبئة وخربت الأمصار واندرست كثير من معالم الحضارة وأطل الصليب على ثغور المغرب ضمن انتفاضة استعمارية جديدة كانت رد فعل عنيف للحكم الإسلامي في الأندلس طوال ثمانية قرون وبذلك دخل المغرب في عهد جديد قطع خلاله خطوات عملاقة في تعريب أجهزة الدولة والقطاعات العلمية والثقافية والمؤسسات الاجتماعية واحتضان التراث العربي الأندلسي بمختلف شبكاته ومقوماته وذلك بالرغم عن رد الفعل الأجنبي حيت احتل البرتغاليون سبتة (818هـ) وطنجة (869هـ) والقصر الصغير (863هـ) وأصيلا (876هـ)، وفي نفس الوقت أسس البرتغاليون مراكز الهند الاقتصادية بعد أن كانت قد ظهرت في أوربا بوادر للنهضة واستولى المسيحيون على الفردوس المفقود إلا أن بوارق الأمل بدأت تتجلى في الأفق بفضل زحف العثمانيين من الشرق إلى أوربا وأصبح المغرب نظرا لوضعه الجغرافي موزعا بين مطامع الاسبان شمالا والاستعمار الجديد في المحيط الاطلنتي غربا فأمست سواحله المتوسطية مسرحا لعراك عنيف بين الهلال والصليب انتهى بسقوط اسطنبول (التي كانت تسمى آنذاك الآستانة) في قبضة العثمانيين (858ه- 1453م) بينما أضاف العدو ثغورا جديدة لمكاسبه الترابية بالمغرب فاستولى على أنفا (874ه) والبريجة (907 ه) وأكادير (910ه) والمعمورة (920ص)  علاوة على مقالة (892 ه – 1487م) ثم غرناطة (897ه- 1492م) بالأندلس وبدأ العملاق العثماني يضم الجناح الشرقي من البحر المتوسط (922-923ه/1515-1517م) كان بداية عصر التحجر والانحطاط في العالم العربي والإسلامي وفي هذا الخضم انبرى الشعب معززا بالعلماء والصوفية يذكبه إشعاع روحي فحرر بقيادة السعديين أكادير وآسفي وأزمور (948ه) ووقف في وجه التوسع العثماني الذي زاد الطين بلة بتأجج المناورات والدسائس بين اسطنبول ومراكش كما واصل ضد البرتغاليين صراعا تبلور في معركة وادي المخازن (986ه-1578م) التي تعتبر فصلا رائعا من فصول الكفاح بين الصليبية والإسلام تفككت فيه أوصال البرتغال التي فقدت استقلالها طوال ستين سنة باندماجه في الإطار الاسباني وقد تعزز بذلك وضع المغرب في المجال الدولي فخطبت أوربا ود المنصور السعدي لأن هزيمة دولة استعمارية متأصلة كالبرتغال ما كانت لتمر دون أن تثير إعجاب العالم ومع ذلك فإن المنصور أدرك بحصافته ما ظل يهدد المملكة من خطر قللت من وطأته النزاعات الأوربية بين النمسا وانجلترا وفرنسا وهولندا6  وحاولت انجلترا عبثا استغلال ما دره على المغرب غزو السودان وافتاك البرتغال لإسراء من النبلاء فاقترحت عليه الاشتراك في احتلال الهند ولكن المنصور ضل يخوض في الداخل معركة الترميم التي ما كاد يكملها حتى عاجلته المنية فانهار الكيان الذي أخذ يتهلهل بقيام إمارات مستقلة في الشمال والجنوب أهمها دويلات الدلائيين في الأطلس الأوسط "وبودميعة" بسوس والعياشي ثم تلميذه الخضر غليان بالشمال غير أن الشعب المغربي لم يكن ليستسغ هذا التمزيق في وحدته فانبرى العلويين بزعامة المولى الرشيد ثم أخيه المولى إسماعيل لتجديد الالتئام وتحرير الثغور بطرد الاسبان من المهدية (1092هـ-1281م) والعرائش (1101هـ) والانجليز من طنجة (1095هـ) وإقامة معالم للعمران وتوطيد الأمن وصون الاستقلال والوحدة بجيش عتيد وقلاع حصينة غير أن جنود السودان الذين كانوا قواما للجيش الفتي منذ عهد السعديين ما لبثوا أن تدخلوا في شؤون الدولة كالدبلم والأتراك والانكشارية في الشرق فصاروا يقيمون العروش ويقوضونها طوال ثلاثين سنة انتهت مع ذلك بفترة ازدهار في عهد المالك العالم محمد بن عبد الله (1171هـ- 1204هـ) (1757-1791م) الذي ركز مقومات الحضارة وواصل تحرير الثغور وكون أسطولا قوامه خمسون سفينة معظمها حراقات حربية تحتوي على ستين قائدا وأربعين ألف بحار ووطد العاقة مع الدول الإسلامية والدول الأوربية على السواء وأمضى معاهدات مع الولايات المتحدة التي كان أول من اعترف بها ومع أمم بروتستانتية كالدول الاسكندينافية تحقيقا للتوازن مع الدول اللاتينية الاستعمارية ومدافعة للبابوية الناقمة وكانت أوربا آنذاك في غمرة من الاضطرابات زادها تأججا انبثاق الاستعمار الناشئ والتسابق نحو غزو الشرق الأقصى وتعزيز الصناعة الأوربية بمواده الأولية بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تسير في طريق الأفول تحت ضربات الأحلاف الأوربية – وخاصة منها الحلف المقدس عام 1815 – التي أدت إلى تجريد السلطان سليمان ابن محمد بن عبد الله (1206هـ- 1238هـ) (1790-1820م) من أسطوله بدعوى مساندته للقراصنة وحاول نابوليون آنذاك الضغط على ملك إسبانيا إمبراطور النمسا وألمانيا حارب ملك الأتراك وخلفه ولده فليب الثاني الذي ضم إلى بعد معركة وادي المخازن فعاش المغرب إلى(1098هـ)
المغرب للانضمام إلى كتلة الحصار القاري وهي الحركة التي هدف بها الإمبراطور الفرنسي عام 1806 م إلى إقفال جميع الموانئ في وجه انجلترا لتضييق الخناق عليها اقتصاديا. وشعر العرش المغربي بالدور الذي بدأت فرنسا تقوم به لاحتلال الشمال الإفريقي فساند فساند خصوم هذا التيار الاستعماري في شخص عبد القادر ابن محي الدين في كفاحه ضد الجيوش الفرنسية نحوا من خمسة عشر سنة (1246ه- 1830م إلى 1260ه – 1844م) إلى ان انهزم المغرب في وقعة "إيسلي " (1844) وقد واكب هذا الزحف الصليبي الجديد من شرق المغرب زحف آخر من شماله بزعامة الاسبان الذين احتلوا مدينة تطوان (1276ه-1860م) نحوا من سنتين انبرى إثرها المغرب يعزز جبهته فأقام صناعة حربية وجيشا نظاميا وأبعد السلك الدبلوماسي وعملاءه إلى العاصمة الجديدة طنجة7  ودافع المناورات السياسية الجديدة التي اتخذت شكل بعثات علمية واقتراح إصلاحات داخلية فاندرجت قضية المغرب في خضم دولي وواصل الحسن الأول هذا الصراع بين الإسلام والمسيحية غير أن بموته (1311ه/1894م) انفتحت ثغرة في كيان المغرب ابتداء من 1318ه/1900م تحت تأثير شرذمة من السماسرة والمغامرين الدوليين على غرار مل وقع في مصر عهد كل من إسماعيل وتوفيق وتزايد استياء الشعب وتأزم الوضع وانفسح المجال أمام الثوار والأدعياء وأمست فرنسا المحتلة للجزائر تقتطع من تراب المغرب الشرقي والصحراء بعد أن تقاسمت مع انجلترا واسبانيا (عام 1322ه/1904م) النفوذ في الجناحين الشرقي والغربي لإفريقيا الشمالية فاعترف الانجليز لفرنسا بنوع من الحماية على المغرب مقابل اندراج مصر في منطقة النفوذ البريطاني وناب اسبانيا حظها من هذا الاقتطاع شمالي المغرب وبدأت القروض المالية تعزز التسرب السياسي فصرخ المغرب صرخة مدوية في وجه الاستعمار الصليبي الجديد تردد صداها في مؤتمر الجزيرة الخضراء (1324ه/1906م) الذي نادى باستقلال السلطان وصون كيان مملكته مقررا مع ذلك الباب المفتوح أي المساواة في الاقتصاد بين الدول "وتدويل" حركة الإصلاح وشعر الشعب المغربي بالدسيسة فانطلقت مقاومته خافتة محدودة أول الأمر بعد أن تجرأت فرنسا على احتلال وجدة (1325ه/1907م) وعلى قنبلة الدار البيضاء إثر اغتيال رعايا فرنسيين واتخذ الصراع شكل انتفاضة قومية انتهت باعتلاء المولى عبد الحفيظ وعزل أخيه المولى عبد العزيز وتقررت حماية كل من فرنسا وإسبانيا للمغرب بموافقة الألمان الذين نالهم حظهم في الغنيمة الإفريقية وكان للعالم الإسلامي بالشرق الأدنى يتجه بخطى حثيثة تحو حياة برلمانية بتأثير من "تركيا الفتاة" و "جمعية الاتحاد الشرقي" وكان لذلك صداه بالمغرب حيث قامت محاولات دستورية كمحاولة السلطان مولاي حفيظ إصدار دستور في نفس السنة التي صدر فيها الدستور العثماني عام 1908 وظل المغرب يموج في هيجانه من الأطلس إلى الصحراء إلى السواحل ضمن الثورة العربية الكبرى ضد الاستعمار الذي شتت دار الخلافة ومزق وحدة العرب فتأججت حرب الريف بزعامة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي8  وكانت انطلاقته من جامعة القرويين منبثق التحرير حيث استكمل الزعيم الريفي تكوينه الإسلامي فهزم الاسبان في معركة أنوال (1340ه/1921م) وأجدير (1922م) ولكن الصليبية – في الوقت الذي قدر لحركة التحرير التركي في الأناضول أن تنتصر في معركتي "إيس – أونى" و (سقاريا) ظلت يقظة في البحر الأبيض المتوسط تتربص الدوائر بالإسلام فواصلت الحماية الفرنسية في المغرب زهاء نصف قرن سياسة التمسيح والتغريب والتفقير والتجهيل بالرغم عما أقامته لفائدة جالياتها ( التي كادت تبلغ نصف مليون) من مظاهر الرغد والنعيم وكان هذا المكر المحبوك مثار مقاومة سياسية منظمة تزعمتها "كتلة العمل" أو "الحزب الوطني " التي شكلت الخلايا للتوعية السياسية وكونت صحافة قومية باللغتين ووصلت حركة المغرب التحريرية بشبيهاتها في الشام ومصر حيت أسست بالقاهرة (عام 1944م) "جبهة شمال إفريقيا " وأصدرت باتفاق مع العرش المغربي ميثاق الاستقلال وانبرى الملك الراحل محمد الخامس وولي العهد آنذاك الحسن الثاني يعلنانها في طنجة عام 1947 حربا شعواء ضد الاستعمار فما لبث صرخاتهما أن ترددت في أروقة الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة فنفي الملك المجاهد مع أسرته الكريمة إلى مدغشقر فلم يلن القمع قناته وظل يتزعم الحركة التحريرية إلى أن عاد من منفاه ظافرا يحمل وثيقة الاستقلال الذي أعلن رسميا في ثاني مارس 1956 فاندرج المغرب في عهد جديد يرمم ويخطط لوصل حاضره بماضيه.
ومرت عشرون سنة على الاستقلال تغير خلالها وجه المغرب بما انتشر في ربوعه من مظاهر الرقي ومجالي التقدم في شتى القطاعات وخاصة منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكاد المغرب الآن في طفرته العارمة يتوازى قريحة وتطورا مع كثير من دول أوربا فضلا عن الدول النامية وكان له في هذه الفترة المشحونة من تاريخه المعاصر ضلع قوي في بعث النهضة العربية والوحدة الإسلامية وتكتيل الشعوب الإفريقية واحتضان حركات التحرير ومحو رواسب الاستعمار في مجاليه القديمة والجديدة فهب ملكه الشاب الحسن الثاني في قوة عزيمة ومتانة شكيمة لتحرير الأجزاء المغتصبة من الوطن وتخليص الجزر والجيوب المغربية من قبضة المستعمر دعما لسيادة إفريقيا وكرامتها ووحدتها وتعزيزا لوضع العروبة في هذا الجزء من العالم حتى تقوم بدورها كاملا غير منقوص في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي ضمن المجموعة الأممية لصالح الإنسانية والحرية والأمن والسلام.
* قال عمر ابن الخطاب : ثلاث مهلكات : شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ..
   


1 "البيان المعرب " لابن عذاري – طبعة بيروت 1950 ج 1 ص52.
2 إمارة البغواطيين تقع في تامسنا بين سلا وآسفي وكان مؤسسها هو طريف من قواد الثورة الصفرية الذي ابتدع نحلة جديدة لمعارضة الإسلام.
3 يفهم من مصادر عربية ونقود ادريسية أن المولى إدريس الأول كان قد أسس جانبا من مدينة فاس قبل هذا التاريخ ("تاريخ المغرب" للكاتب ج1ص 90).
4 وقعت معركة حطين التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين بعد قرن كامل (عام 1187م) فكأنها كانت ذكرى مئوية لانتصار الزلاقة.
5 أندري جوليان –تاريخ إفريقيا الشمالية عام 1931 ص 42.
6  كان شارل الخامس فرنسا فرنسوا الأول طوال ثلاثين سنة وكذا اسبانيا بلاد هولندا ثم البرتغال عام 1580م عشرين سنة من الهدوء النسبي.
7 اضطر المغرب إلى إمضاء معاهدات مع الدول الأوربية وخاصة مع انجلترا عام 1856م وفرنسا عام 1863م لعرض الحماية الأوربية على الرعايا المغاربة ثم تعزز ذلك بمعاهدة مدريد عام 1298ه/1880م التي خولت للسفارات الأجنبية حق منح حمايتها لموظفي القنصليات والمتاجر الأجنبية وعائلاتهم مما فتح الباب للتدخل الأجنبي في شؤون المغرب الخاصة لا سيما وأن الأجانب أصبحوا يتمتعون بحق الملكية للأرض والعقار في التراب المغربي.
8 – استسلم ابن عبد الكريم عام 1926 فنفته فرنسا صحبة أسرته إلى جزيرة لارينيون حيت قضى إحدى وعشرون سنة تقرر بعدها نقله عام 1947 إلى فرنسا فدبر (مكتب المغرب العربي) لدى نزول الزعيم بقناة السويس خطة لاختطافه فاستقر مع عائلته بالقاهرة في ضيافة مصر إلى أن توفي عام 1382ه (1963م)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here