islamaumaroc

المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي واقعها وعلاجها، لمحمد المبارك

  دعوة الحق

181 العدد

المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي لا تختلف عما يؤكد ذلك رجال التربية والفكر، وهي في الحقيقة ليست مشكلة، ولكنها حقيقة مشاكل العالم الإسلامي وأساس الداء فيه ...
ولذلك فالذين لا ينطلقون من هذا الأساس إنما يحاولون أن يغضوا الطرف عن مشاكل العالم الإسلامي في عمقها، وهذا ما استهدفه جلالة الملك الحسن الثاني وهو يدعوا إلى قيام حركة الأصالة منذ سنوات، وهذه النظرية تتبلور الآن وتختمر لتؤكد للعالم الإسلامي المنطلق الأصيل الذي انطلق منه المغرب وهو يدعوا إلى الإيمان والتوحيد والعودة إليهما...
وضمن هذا الإطار نلتقي في هذا العرض مع كتيب جديد صدر ببيروت للمفكر الإسلامي الكبير الأستاذ محمد المبارك بعنوان : "المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي واقعها وعلاجها".
والكتيب كما أشار إليه المؤلف هو بحث سبق له أن تقدم به للمؤتمر الإسلامي العام المنعقد بمكة المكرمة بعد موسم الحج عام 1383 ه- 1963م، وهو يقع في ثلاثين صفحة من الحجم المتوسط، قسمه إلى ثلاثة مواضيع تتناول بالدرس :
- النظام الثقافي الحالي في البلاد الإسلامية.
- والازدواجية في التعليم.
- والاتجاهات والمحاولات الجديدة.
- والوسائل المقترحة لتحقيق الأهداف التي يراها الأستاذ المبارك ثمينة للوصول إلى نظام ثقافي إسلامي، خصوصا وأنه ممن خبر هذا المجال ومارسه خلال سنوات عديدة مستهدفا من وراء ذلك الوصول إلى نتائج صحيحة وفعالة للبعث الثقافي الإسلامي، وإحياء فكرته وعقيدته ونظامه في هذا العصر الذي هو أحوج ما يكون إليه.
والمؤلف كما يلاحظ ذلك في كل موضوعات كتابه، وخصوصا بالنسبة للنظام الثقافي الحالي في البلاد الإسلامية، يرى أنه يسيطر على هذا العالم بوجه عام تفكير غير إسلامي في أسسه ومفاهيمه، سواء كان ذلك عن طريق التعليم في المدارس، أو طريق وسائل النشر الأخرى كالصحف والمجلات والإذاعات والكتب المترجمة والمؤلفة.
ففي المواد الدراسية ولا سيما التاريخ والاجتماع والتربية الوطنية والمعلومات المدنية، وفي المواد الفلسفية تتجلى اتجاهات فكرية ومفاهيم مستقاة من عقائد ومذاهب فكرية مخالفة للإسلام، ولو أن المؤلفين في هذه المواد يحاولون تجنب التعارض الظاهر للأفكار الإسلامية، وكذلك العلوم الطبيعية فإنها تمزج بنظريات عقائدية خارجة في الأصل عن نطاق العلم المحض.
إن هذه المواد الدراسية أخذت واستقيت من مواد أجنبية عن طريق النقل والترجمة والاقتباس، وهي لدى أصحابها وفي حضارتهم قد أسست على مفاهيم فلسفية وأسس فكرية معينة هي نتيجة تطورهم الفكري وظروفهم الخاصة، منه : الصراع بين الدين والعلم، أو بين الدين والعقل. ذلك الصراع الذي كان نتيجة لتشوه الدين وانحرافه إلى وثنية جامدة، وتقاليد عجيبة، ومناصرة رجاله لأهل الظلم والاستبداد قبل النهضة وفي بدايتها ومعاكستهم  للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
لقد تجلت في هذا التفكير العام المسيطر على الثقافة نزعات فكرية تخالف التفكير الإسلامي والعقيدة الإسلامية وأهمها كما يرى الأستاذ المبارك :
أولا :
النزعة الإلحادية بشتى صورها ومذاهبها (الذهب الطبيعي منذ القرن الثمن عشر) سواء أكانت الطبيعة فيها هي التي تحتل المكان الأول (المادية الجدلية أو الماركسية) أم العقل (المذاهب العقلية) أم الغرائز (الوجودية) وغير ذلك.
ثانيا :
النزعة القومية المغالية التي تتخذ من القومية عقيدة وقيما عليا، وهدفا أعلى للحياة، وتحصر التفكير والنشاط في الإطار القومي، وتتجلى هذه النزعة واضحة في تدريس المجتمع العربي في كثير من البلاد العربية وفي مادة التربية الوطنية، وفي الجو المدرس العام.

ميلاد المدرسة الإسلامية أساس حل المشكل :
أما عن واقع مدرسة العالم الإسلامي ككل فقد ابتدأ بالحديث عنها وذلك في نطاق تحليله لصياغة العلوم المتعلقة بالطبيعة ومفاهيم التاريخ والمجتمع، ومقاييس الأخلاق حيث يرى العلامة المبارك أن هذه الصياغة قد استمدت كلها من هذه الفلسفات المادية أو المثالية المختلفة المعارضة لأسس الإسلام ومفاهيمه وعقائده، وعلى هذا الأساس وضعت مناهج التدريس وألفت الكتب في البلاد الإسلامية على اختلاف درجات التعليم.
أما تعليم الدين في المدارس العامة الرسمية أو الخاصة التي تحتذيها في البلاد الإسلامية فيؤلف رقعة صغيرة غير منسجمة في مجموع النظام التعليمي –يقول المؤلف- الذي وصفناه.
فهو يؤلف من الوجهة الكمية أولا نصيبا ضئيلا بالنسبة إلى مواد الدراسة يتراوح في المدارس الابتدائية حسب نسب مختلفة.
وفي دور المعلمين في البلاد التي يدرس فيها الدين بهذه النسبة أو اقل.
أما في الكليات الجامعية فلا تدرس الثقافة الإسلامية مطلقا إلا في قسم اللغة العربية في كليات الآداب في بعض الجامعات حيث يدرس القرآن والحديث من الوجهة الأدبية فحسب1 والنادر لا حكم له في هذا المجال...
أما من الوجهة الكيفية فالنقص أشد، والخطر أقوى وذلك أن طريقة تدريس الدين ومناهجه وكتبه وأساليب كتابته وتعليمه كانت متأخرة جدا ولا تزال في كثير من البلدان الإسلامية بالنسبة إلى مواد الثقافة الأخرى، في حين أن تعليم سائر المواد يسلك فيه أساليب حديثة مرغبة من حيث مراعاة مستوى الطلاب العقلي2 .
ومن ناحية حسن التعبير وجمال التأليف وغير ذلك مما تراعى فيه أحدث الطرق والأساليب، نجد أن التعليم الديني لا يراعى فيه –في كثير من البلاد الإسلامية- سن الطالب من حيث استساغته للموضوع، ولا تراعى فيه عقلية وأساليب التفكير التي اعتادها في ثقافته، ولا ينظر إلى المشكلات القائمة في نفسه، وفي المجتمع الذي يعيش فيه لمحاولة حلها عن طريق الثقافة الإسلامية، فلا تزال تدرس في بعض البلاد الإسلامية المتون القديمة التي لم توضع للصغار ولا للأحداث، والتي كانت بأسلوب موجز معقد أشد التعقيد3وأصبحت بعيدة في طريقتها عن الحياة، بعيدة أن تحل المشكلات التي حدثت في عصرنا هذا، سواء كانت مشكلات فكرية أو اجتماعية. وقد يضاف إلى هذا النقص أن يكون المدرس كذلك بعيدا عن روح العصر، خالي الذهن من مشكلاته، غير مطلع على جوانب الثقافة العامة المعاصرة.
إن هذا التقابل بين هذين النوعين من المواد الدراسية مادة الدين والمواد الأخرى، وهذه الحال التي وصفناها تسبب نفور الطلاب من الدين وتكون في نفوسهم نظرة استخفاف وازدراء لهذه المادة ولمدرسيها، بقابلها نظرة قبول واحترام للمواد الأخرى وأن مثل هذه العقدة النفسية حصلت فعلا لدى كثير من الطلاب في بعض البلاد الإسلامية التي بقيت الحال فيها على ما وصفناه من التباين والتضاد بين الدين، والمواد الثقافية الأخرى، وقد ولدت هذه الحال أزمة في نفوس الجيل، وصراعا بين الدين من جهة والعلم والحياة من جهة أخرى ..وكان لذلك ردود فعل شديدة ونتائج سيئة في إضعاف روح الدين لتتسرب إلى عقول الناشئة التي تكون الطبقة المثقفة وفسح المجال للعقائد والأفكار المعارضة للإسلام ثم الطبقة الموجهة والحاكمة. وبعد، فإن ما يقترحه المؤلف من الحلول يتناسب والمشاكل الثقافية القائمة في العالم الإسلامي، غير أني أعتقد أننا لم نصل بعد إلى المرحلة التي يمكن فيها تطبيق تلك الحلول ككل، وذلك لأني أرى شخصيا أن من الضروري العمل على بعث الروح الإسلامية في الشعوب المسلمة بواسطة :
1- النشاطات الفكرية غير المدرسية.
2- وبالتأليف في جميع اللغات.
3- وبإعداد جيل من العلماء الأكفاء الواعين لمقتضيات العصر، القادرين على المجادلة.
4- وبخلق تيارات ثقافية تربط البلدان الإسلامية بعضها ببعض، العربية منها وغير العربية، وتجعل الأفكار تروج في الداخل والخارج ويتلقفها الشباب ويناقشونها.
ولا بد من اقتناعهم أيضا –كما ذهب إلى ذلك الدكتور ممدوح حتى :
(بأن الفكر العربي في مسيرته الطويلة خلال أربعة عشر قرنا لم يخرج عن محور معين، أحد قطبيه العروبة، وثانيهما الإسلام، وأنه مهما تمعج وانعطف، وصعد أو هبط، وتيامن أو تياسر لم يخرج قط عن الدوران حول هذا المحور الثابت، وأنه ما ابتعد عنه مرة إلا عاد إليه، راضيا أو مضطرا، وأن سر قوة العرب وثباتهم على محن الدهر وشوائبه، كامنة في تمسكهم به، وأن بقاءهم حتى اليوم –وقد بادت من حولهم أمم كثيرة- هو هذا المحور الراسخ في أعماق نفوسهم ..وأن أي تطور حديث لا يستمد منه ولا يدور حوله، لن يكتب له البقاء، فمتى يفهم الساسة وقادة الشعوب والاجتماعيون بأن استيراد النظريات والعقائد من خارج هذا الجو العربي إلا غريبة منعزلة عنه أو تندمج فيه، وتستعير منه، وتصبح جزءا من أجزائه4".
وعلى أي حال فإني متأكد بأن بعث الإسلام لن يتم على يد كثير من العلماء التقليديين، لا لشيء إلا لأنهم يمارسون نوعا من الإرهاب الفكري، ويعدون بالويل والثبور كل من لم يتبن آراءهم في تفاصيلها، ومن لم يتتبع طرائقهم في التعريف بالإسلام، وتلك مصيبة شباب العصر في العالم الإسلامي بصفة عامة مع هؤلاء السادة، وذلك ما نرجو أن يدخل في جوهر المناقشة، ونحن نخطو بعون الله الخطوات الواضحة للعودة إلى الأصالة وتركيزها في الهدوء، مما يشير إلى الغد الذي تطل عليه هذه الأمة وهي تفك ما بقي من أغلال، وتصارع ما قي من مخلفات ورواسب لا بد أن نضعها بكل صدق وشجاعة في إطارها الحقيقي غير هيابين ولا وجلين من العلماء ضحايا معسكرات الاستعمار الجديد، وربائب الاستعمار القديم.
وعلى الله قصد السبيل.
• قال الحسن : ذم الرجل لنفسه في العلانية –مدح لها في السريرة ...
وقال حكيم : من ذكر عيوب نفسه فقد زكاها ...
* في الحديث : إياكم والشر الأصغر. قالوا : وما هو يا رسول الله ؟ قال : الرياء.

1 نظام (كلية الشريعة) و(كلية أصول الدين) و (دار الحديث الحسنية) في المغرب لا تخضع لهذا القياس.
2 وهذا هو مشكل من مشاكل هذه المدرسة لأن تهيئ الأستاذ لم يفكر فيه بعد...
3 توجد محاولات مهمة هنا وهنا لا بد من الإشارة إليها.
4 لا أتفق مع الأستاذ ممدوح وهو يستهدف العرب والأمة العربية لولا أنني أعرف أصالة تفكيره الإسلامي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here