islamaumaroc

الشاعر الإنساني أحمد الصافي النجفي

  دعوة الحق

181 العدد

كان يدعى شاعر التشرد في المقاهي وعلى الأرصفة لأنه ضاق ذرعا بزمانه ومتناقضاته وألوان التمزق التي تنخر كيانه في السر والعلانية. كان أكبر من زمانه بكثير، بحيث حباه الله من صفاء الضمير، ونبل القلب ورحابة الأفق، وقناعة الوجدان، ما جعله يزدري اللذات الزائفة، ويعزف إلا على ما فيه الكفاف والعفاف  والغنى عن الناس ..كما يفضح كل زيغ وانحراف، ويشهر بكل اعوجاج وخروج عن سنة الصفاء والنقاء والبساطة والتواضع. وكان شديد الإيمان بالحياة البدوية البسيطة التي ترى أن الإنسان مهما بلغ، ومهما طغى وتجبر، ومهما ملك واختزن، فإنه لا يعدو أن يكون حفنة تراب، فيجب أن يتواضع للأرض التي منها خلقه الله، وسوف يعود إليها، وسيخرجه منها تارة أخرى ليحاسبه على أفعاله وأعماله، خيرا كانت أم شرا.
هذا هو الشاعر الفيلسوف الذي كن من رواد مقاهي البرج وساحة رياض الصلح، وبالأخص مقهى –الهافانا- بدمشق الفيحاء. إنه ذلك البدوي الذي كان يجلس القرفصاء أمام قدح الشاي، متأملا تارة وناثرا على جلساته شذرات في شعره الإنساني الرفيع لقد غاب عنا مؤرخا، وإلى الأبد، في العراق مسقط رأسه، بعد أن قضى معظم سنين حياته شريدا تائها في دمشق وبيروت، زاهدا في الدنيا ومباهجها ومفاتنها يقنع بالقليل، ويترفع عن الدنيا والشوائب والأوصاب والتفاهات والقوقعيات. لقد كان نحيلا في رهافة السيف، يلبس ثوبا فضفاضا كعلقة الكبير، وخياله المجنح الواسع، وأحلامه المخملية العطرة. وكان ذا رأس حليق، كأنه يرمز به إلى شمولية تفكره على جميع أصقاع الكرة الأرضية. إنه معين لا ينضب، وكوثر لا ينقطع، يتحدث عن الأدب والسياسة، وذكريات الماضي، ويصف كيف تم طرده من العراق بسبب قصائده النارية التي كلها توعية للغافلين، وثورة عارمة على الاستبداد والإقطاع.
والمرحوم أحمد الصافي النجفي، شأنه شأن العباقرة الأعلام والنوابع الأفذاذ، إنما هو في الحقيقة في تلك الشموع التي تذوب وتفنى لتضيء ما حولها، من غير أن تضيء أساسها والجود بالنفس أقصى غاية الوجود.
فلنستمع إليه، وهو يخاطب الفلاح :
يتنازعون على امتلاكك بينهم
          فلهم عليك تشاجر وكفاح
كم دارت الأقداح بينهمو، ولم
          تملأ بغير دموعك الأقداح!
يا غارس الشجر المؤمل نفعه
         دعه، فإن ثماره الأتراح
أقلعه، فالثمر اللذيذ محرم
    للغارسين، وللقوى مباح
إن شاعرنا العظيم يكره الأنانية من صميم قلبه، ويطبق في حياته العملية مبدأ التقشف، والزهد ونكران الذات، والابتعاد عن النرجسية (أي الحب المفرط للنفس). فهو الغريب الذي عاش ثمانين سنة بلا أهل ولا أقرباء، وبلا وطن .. فقد كان كثير التنقل بين دمشق وبيوت .. وفي أخريات أيامه، رصدت له الحكومة العراقية راتبا مدى الحياة. لكنه بقي كما كان، لا يتنكر لطبيعته، بل استمر في القسوة على نفسه، حتى اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، فرجع إلى وطنه العراق ضريرا. وهناك لبى داعي ربه، وأسلم نفسه العذبة لخالقها، وانتهت الرحلة الطويلة للشقاء والقهر والتشرد.
ويصف فتنته بسوريا إذ يقول :
يا سوريا ما أنت غير خريدة
قد كثر العشاق فيك جمال
هذا الجمال عليك جر مصائبا :
إن الجمال على ذويه وبال
قد كان يعطيك المحب فؤاده
لو عز منك على المحب وصال
وللفقيد العزيز أحمد الصافي النجفي شعر غزير، وموهبة ثرة تجود بالكثير من العطاء الخير الدافق الذي ينضج في دواوين "الأمواج" –"التيار" – "الأشعة" – "ألحان اللهيب" – "الشرر" – "ترجمة رباعيات الخيام عن الفارسية".
إلا أن شعره الأخير كان يقتصر على أبيات قليلة يضمنها أفكاره واستخلاص العبرة والموعظة والحكمة من الحياة. فهو يرسل القريض عفويا من دون تكلف ولا تنميق، متحريا الوضوح والبساطة في الديباجة والمحتوى. وهو يصوغ ذلك في قوله :
قيل لي : فيم لست تعنى بوشى
أو بتنسيق فائض الأشعار
قلت : شأني إرسال شعري سيلا،
ما على التنسيق للأنهار
إنه كان حلو المعشر حقا، ومحبوبا من لدن المعجبين الكثيرين ببساطة شخصيته، وحدة نباهته، وسرعة خاطره، وذلاقة لسانه. وكان يجد في الشاي مشروبه المفضل، لأنه ينشطه ويروي غليله، ويزيل عنه الضجر والكدر والعناء، ويطفئ نيران الغربة والجوى المتأججين، في قلبه وفي ذلك يقول :
إذا صب في كأس الزجاج حسبته
مذاب عقيق صب في كأس جوهر
به احتسى شهدا وراحا وسكرا،
وانشق منه عبق مسك وعنبر
يغيب شعور المرء في أكؤس الطلا
              ويصحو بكأس الشاي عقل المفكر
يجد سرور المرء من غير نشوة،
             فأحبب به من منعش غير مسكر
ويقول في وصف دمشق، والافتتان بحسنها وبهائها :
لا يبرح الحسن يوما عن مرابعها
           كأنما الحسن من قدم بها افتتنا
لا يرتضي الطرف شغلا عن محاسنها
            حتى تعادي فيها المقلة الوسنا
أيقنت أني من أهل الجنان، ففي
           دمشق أسكن جنات تفيض هنا
ويقول في وصفه زحلة، وواديها الأخضر، ومرابعها الغناء، ونسميها العليل :
فيما وادي العرائش أنت واد
         يفر لك الفؤاد من الهموم
نجوم الكهرباء بكل ليل
        تكون فيك أفقا من نجوم
ويصف ثلج لبنان في لوحة جميلة أخاذة، وهو يرى الأرض قد فرشت ببساط أبيض ناعم، فيقول :
يا من أحيلى الثلج محل أعين،
         أو ملعبا أو مفرشا أو مريضا
يلقى به اللاهون عيشا ناعما،
         أو جنة بيضاء، أو متروضا
وإذا قضى اللاهي رأى كفنا به،
ورأى فراشا ناعما أن أمرضا
ويقول في وصف أعمدة بعلبك الستة الباقية على مر العصور والأجيال :
يا لست من العواميد ظلت
كشموع الدهر تجلو الظلاما !
قد تعالين فاتحدن رؤوسا،
ثم أحكمن في الثرى الأقداما
حكايات وسط الفضا أخوات
قد تماسكن، واتحدن غراما
وحد الحسن بينهن بتاج
حيث في الحسن قد بلغن التماما
فتعاهدن في كفاح الليالي
لا يبارحن خطهن انهزاما
أو كقواد جحفل قد أطلوا
يعدون الآراء والأحكاما
والشاعر أحمد الصافي النجفي مشهور بمواقفه الوطنية الصادقة .. فهو قد غادر العراق سنة 1920 عندما علم أن الحكومة البريطانية تسعى إلى اعتقاله بسبب مواقفه الوطنية ضد الانتداب من لدن الدخيل الأجنبي. وكان في غربته ووحشته يحس بكثير من اللواعج والهموم. فلنستمع إليه إذ يقول :
لقد جر لي شعري الشقاء كأنني
بنظم قريضى، أنظم البؤس لا الدرا
قبلت بحظ، وارتضيت بقسمي
من الشعر لو أستطيع أن أنشر الشعرا
وهو قد نظم الشعر في كل شيء : في البرغوث، والفأر، والقط، والدجاج. وتوخى البساطة المتناهية، معتنيا بالفكرة والصورة، وروعة المضمون في سذاجة القالب. إنه كان ينظم الشعر فقط ليدركه القراء، لا ليعجبوا بألفاظه وصياغته وديباجته. فهو شعر بسيط سهل واضح، بعيد عن التعقيد والتصنع والغموض سهل واضح، بعيد عن التعقيد والتصنع والغموض والرمزية الجوفاء. ويبدو ذلك جليا في دواوينه "الأغوار" – "اللفحات" – "ألحان الشيب"..
وكان نظيف الكف، عف الضمير واللحظات، عميق الغور والخطرات، يملء شعره الطابع الإنساني بكل ما في الكلمة من معنى، فتقرأ فيه أبا الطيب المتنبي،  وابن الرومي، وأبا العلاء المعري، وسواهم من الفحول .. ولذلك تستأنس به، ويقترب منك بروحه، ولو لم تكن لك  به معرفة سابقة .. فهو يضم إلى براءة الأطفال، نقاء الثلج، وصفاء المنطق والقلب، في صراحة لا يعتريها أقل غموض حتى مع نفسه، فكيف بالآخرين ؟
إنه هو القائل :
أتيت بديواني لأطبعه، وقد
حوى من بنات الفكر ما ينعش الفكر
وقد كدت أنهيه، ولكن قريحتي
من الشعر في مد، وكيسي شكا الجزرا
فقال ولى الطبع : هات زيادة
من المال، أو سد من شعرك البحرا
وهو يصف نفسه، فيرينا ثباته وصموده أمام الخطوب التي لم تستطع أن توهن عزيمته، وتضرب نفسه وتوقف مسيرته الدؤوب في دروب الحياة، فيقول :
 لئن أضعفت جسمي الخطوب وحملها
فما أضعفت نفسي ولا وهنت عزمي
كأني خيال حين أمشي من الضنى،
وليث عرين حين أسطو على خصمي
حياتي بنفسي لا بجسمي منوطة،
وقوتي قوت الروح والقلب، لا الجسم
وهكذا فشعره نابض بالحياة، مليء بالحكم والمواعظ. فلنتأمل هذه الأبيات حيث يقول :
عجبا من طبيعة الكون تنشى
واحدا أغيدا، وألفا ذميما
يتعادون في هواه، ولولا
فتنة الحسن لم يكونوا خصوما
كم صريع منهم قضى في هواه،
وكئيب يرعى الدجى والنجوما
وهو يدعو : لقد وهبتك قلبي
يا حبيبي فكن بقلبي رحيما !
وقد عبر في مرارة عن شكايته بمن غدروا به، ولم يقدروا إخلاصه لهم ووفاءه بعهودهم. وكان يتلطف إليهم، ولا يكيد لهم ولا يطعنهم في ظهورهم، على النقيض مما كانوا يعاملونه به من قساوة وشراسة في الطباع، وجفاء في السلوك.
فيقول في هذا الخصوص :
أخلصت للصحب، لكن
لم ألق من خلصاء
وقد بليت بغدر
حتى من الأوفياء
قلوبهم مثل ضخر،
ولطفهم لطف ماء
غرست وردا وواد،
فصار شوك عداء !
وهو الساخر من واقعه، يندد بالأشخاص الذين أنكروا جميله، ولم يحمدوا أياديه البيضاء، بالرغم من أنهم كانوا لديه من المقربين، فهو يأنف من هذا المستنقع الآسن، ويقول في تهكم صارخ :
 سخرت، وسوف أسخر من حياة
بنا سخرت، لا غبنها كغبني
سأضحك في سخافتها زمانا
كما ضحكت على عقلي وذهني
لقد كافح الكفاح النبيل من أجل الحصول على السعادة، ولكن الشقاء كان يترصده في كل وجهة هو موليها. فهو القائل في عاطفة جياشة :
سعيت لتحصيل السعادة جاهدا
فزاد شقائي من ضياع جهودي
فطورا حسب العلم يحبو سعادة
إذا السعد يمشي نحو كل بليد
وطورا ظننت الصيت يسعد أهله
فلم أستفد بالصيت غير قيود
إن الدموع هي النصير الوحيد في ساعة الشدة. ومهما كانت المعاكسات والمعوقات والمتبطات البشرية فإن القلب الجريح الذي يعصره الألم، لا بد وأن ينال نفحة من النفحات السماوية، لأن الوري إذا لم يرحموك، فإن ربك لن يزال عفوا حليما كريما رحيما.
وهكذا نجد شاعرنا –حينما أصابه مرض كان فيه على قاب قوسين من الموت- ينشد في إيمان واحتساب:
يضعضع الداء أيامي فأمسكها،
ويقتل الدهر آمالي فأحييها
تبنى على الليالي من نوائبها
سجنا، فتنفد روحي من مبانيها
يا علة رافقت جسمي بمولده
حتى استحالت كجزء الروح أحويها
أخاف فقد حياتي حين أفقدها،
وأختشى من فنائي حين أفنيها
كانت دموعي نصيري عند كارثتي،
ترش نيران أحزاني فتطفيها !
ويصور لنا شاعرنا العظيم جنون العبقرية في لوحة هزلية لا تخلو من سخرية ومرارة للواقع الذي لا يتلاءم والروح التحريرية التي ينشدها، ويجد عزاءه فيها، فيقول :
إذا الشاعر رام اقترانا بزوجة
ففي البيت مجنونان يصطرعان
كفتني جنون العبقرية شاغلا،
أأصفى عليه من جنون غوان ؟
فكيف إذا زوجت شاعرة ؟ إذن
أعيش ومجنونين يصطدمان
فللمرأة الحسناء تأثير خمرة،
فما اجتمعت والعقل ضمن مكان
فما نحن نرى أنه ينفر حتى من المرأة الحسناء التي لها تأثير الخمر التي لا يمكن أن تجتمع هي والعقل في مكان واحد. وهذا رفض وتحدي حتى لما يمكن أن يكون مصدر الوحي والإلهام عند البعض، في حين أنه في
نظره هو، يتنافى مع العقل الذي يجب أن يبقى صافيا لينفذ إلى أعماق الحكمة وأغوارها، ويعثر على الطمأنينة الروحانية الباطنية التي ينشدها. وفي ذلك قمة النبل وسمو العاطفة، وسعة الأفق الذي يترفع عن الاستهلاك المادي الزائف، ويعرج إلى النورانية الفكرية المطلقة التي هي فوق المعايير والمقاييس الاعتيادية الزائغة عن المثل الأعلى المطلوب, وإذا كان هو ذاك جنون العبقرية، فحبذا به من جنون !
ويرد على من ينتقدوه من ترجمته لرباعيات الخيام، فيقول في براعة متناهية :
ظننت ترجمة الخيام مأثرة
إذا بها لضعاف الرأي أجرام
إن كان هذا مثال الشعر في نفير،
لا كان شعر ولا خمر وخيام !
ويرسم لنا لوحة عن الشحاذين والأمير، فيصف نفسه – كعادته الساخرة الضاحكة- أمام الذين قد ابتلاهم الله بالنظرة السطحية إلى الأشخاص والأشياء، فيحسبون المتعففين الطائفين لماء وجوههم، أغنياء من التعفف، ويسمونهم بغير أسمائهم الحقيقية، وينعتونهم بغير نعوتهم اللائقة بنفوسهم الكبيرة، وقلوبهم القانعة والعامرة بأنوار الإيمان واليقين، والخالية من الأطماع والتمويهات والأماني العفنة ..
فيقول في ذلك :
ومقهى قد جلست به وعقلي،
من الإفلاس قد بلغ الجنونا
أرجى الرزق من ربي، ولكن
أرى الشحاذ نحوي مقبلينا
وكم جاهل فيهم أتاني
يجر بناته تلو البنينا
ينادي : قد عجزت فأطعموا لي
صغاري، إن تكونوا راحمينا
وكم من أحمق منهم دعاني
أمير، فامتلأ قلبي شجونا
دعاني بالأمير، وكنت أولى
بأن أدعى أمير المفلسينا !
أن هذه الأبيات تنم –وأيم الحق- على نبل المشاعر التي لا ترضى احتراف التسول، ما دامت كرامة الإنسان يجب أن تكون أغلى عليه من الدنيا وما فيها. فالعمل مع الالتجاء إلى الخالق الرازق سبحانه، أولى بالمرء من التواكل والعجز، ومد اليد إلى المخلوق الواهن البائس الفقير الذليل، بينما الله وحده هو القوي الحميد المجيد الغني القدير العزيز الذي يحتاج إليه كل ما عداه، ولا يحتاج هو إلى أي أحد سواه.
وشاعرنا يأبى العبودية والتقيد، ويعشق السياحة في أرض الله، باحثا عن الأسرار وحقائق الحياة وخفاياها. فلنصغ إليه إذ يقول في صدق وصراحة :
قد اخترت منذ القدم عيش التشرد
لفقري، والفوضى، وحب التجرد
ولو أنني أسلو التشرد عاد لي
فكيف سلوي رفقتني في التشرد ؟
تعلمت ما لم تعطني الكتب منهمو
فجئت إلى الدنيا بهذا التجدد
معاشهم و ما يكسبون بيومهم
ومرقدهم ما عن من متوسد
وواحدهم إن لم يجد متوسدا،
توسد مرتاحا، وأغفى على اليد
يعيشون في مقهاهمو كعشيرة،
وإن ينتسب كل لأرض ومحتد
وهل نسب مثل التشرد جامع،
تجمع فيه كل شمل مبدد؟ !
فليت به (جمعية الأمم) اقتدت
لتهدي إلى التوحيد من ليس يهتدي !
أراني حرا أن أكون بجمعهم
ولو في سواهم عيش عبد مقيد
فشيطان شعري فوضى بطبعه
له ولع مثلي يعيش مشرد
والواقع أنه أبدع وأجاد في هذا الوصف الوجداني النفساني الدقيق. والحديث عن عمق الذات من أصعب
أنواع الحديث. لكن الشاعر توخى الحقيقة كلها فيما يقول : فهو لا ينكر فقره وفوضاه وحبه للتجرد، وهو لا يجحد طبيعته، ولا طبيعة رفقائه الذين يخبر عنهم بأنه يتعلم منهم ما لم تعلمه الكتب إياه. وهذا تجديد بالنسبة إليه وتلك عصامية تستحق كامل التنويه والإشادة والثناء, إنه يعشق البساطة، ومبدأ الاستغناء والقناعة ويعتبر أن الغربة هو القاسم المشترك بين جميع الغرباء، وأنه النسب الوحيد الذي يؤلف بينهم، ويعطي بذلك درسا لمن يتوخون التوحيد على أعلى المستويات، وتلك هي الحرية المنشودة في عالم تكثر فيه السدود والقيود، والعبودية والأغلال والفوارق الاجتماعية والطبقية والعنصرية. فإن كان هذا هو التشرد في عصرنا الصاخب المليء بالمتناقضات والصراعات الجوفاء، فمرحبا به وبالداعين إليه! 
ويطيب لنا أن نورد فيما يلي هذه القصيدة التي يدافع فيها الشاعر دفاعا مستميتا عن مبدئه في التشرد وهل الحياة سوى شرود مستمر، وغفلة لا تنتهي إلا بانتهاء الآجال ؟ فالناس نيام، فإذا ماتوا استيقظوا. وخلاصة ما يمر على البرايا أنهم عاشوا وتأملوا وماتوا ! وذلك باختصار هو تاريخ البشرية كلها.
فلله در شاعرنا إذ يقول في قمة الإجادة :
يقولون : بيتي سوف يغدو محجة
إذا ما طوى شخصي القضاء المحتم
يحج له عشاق شعري مواكبا
يقبله هذا، وذاك يسلم وذاك بكفيه يمس تبركا،
جدارا له، والبعض ساه يعظم
وذاك يشم الأرض منه تيمنا،
وهذا على أيامه يترحم
فقلت : هل لي أي بيت يضمني،
وعمري طواف مزمن وتبرم ؟ !
فبيتي مقاه جمة وفنادق،
أقيم بها حينا فأشقى وأهرم
وبيتي زوايا لا تعد سكنتها،
 وروض وصحراء بها كنت أنعم
وكرسي مقهى كنت أجلس فوقه،
وشاطئ بحر فيه أهنا وأسلم
وبيتي خرابات بشعري عمرتها
أجيء لها أنعى الهدوء وأنظم
سأتعب عشاقي طوافا ورحلة،
فينجد ذا بحثا ، وذلك يتهم،
أرى حظ عشاقي كحظي تشردا،
فأنهمو مني، كما أنا منهمو !!
وبعد ... فرحم الله الشاعر الإنساني الخالد، وبلبل العروية الصداح الفريد، أحمد الصافي النجفي، وسقى جدته الطاهر بشئابيب المغفرة والرضوان ..فليس لنا ما يغرينا ويسلينا في فقدانه –وهو الذي قال عنه الأستاذ عباس محمود العقاد  بأنه "أشعر شعراء العربية" –سوى هذه الآثار المبدعة، والنفحات الزكية المنبثقة من القلب الشفاف، والروح المرهفة المشرقة الوضاءة. والواقع أن الشاعر يعيش عيشة الخلد والأبد والسرمدية في ثبون شعره، وعرائس نبوغه، وشواهد عبقريته وذكائه، واستمرارية النور في ومضاته اللانهائية، وفيما يخلفه للأجيال من نفحات عطرة، وكواثر لا ينضب معينها، ولا يغور سلسبيلها، وفيما يحمله من مشاعر وهاجة لن تخبو جذوتها، وتضيء دروب الحق والخير، مدى الدهور والعصور والأجيال. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here