islamaumaroc

أبجدية متطورة

  دعوة الحق

181 العدد

ما كاد ينبلج الصبح حتى قفزت من فراشي متخلصا من تعب العتمة، أستقبل بشائر نهار جديد في مدينة جديدة هي "سكوبيا" عاصمة جهورية مقدونيا اليوغوسلافية.
كان المطر قد توقف منذ ساعة بعد أن غسل الدنيا وترك فوق كل شيء لمعانا وبريقا عجيبا.
فتحت نافذة غرفتي بالفندق الكبير، والتي تطل على ساحة واسعة، فرأيت الناس يتراكضون إلى أعمالهم في سرعة مذهلة.
كانت هناك محطات الأوتوبيس والترامواي .. وكان الناس يصطفون في انتظام مبهر، الواحد خلف الآخر، ثم يصعدون دون تزاحم أو تدافع برشاقة وخفة، فما يكاد يمتلئ  الباص أو الحافلة حتى ينطلق ليقف مكانه غيره، وهكذا ..
كذلك كانت السيارات الصغيرة تنطلق مسرعة دون ضجيج أو زعيق من أبواقها، فالأبواق هنا لا تستعمل مهما كانت الظروف.
من زاوية أخرى من المنظر البانورامي الذي كنت أراه وأراقبه، كانت عربات الخضار والفواكه تنطلق من السوق الخلفي، عربات أشبه بالدراجات العادية ذات إطارات من الكوتشوك تحمل في مقدمتها صندوقا تتكدس فيه كل أنواع الخضار والفواكه.
شيء واحد متميز وهو أن الهدوء كان يشتمل كل شيء على الرغم من السرعة الفائقة لبداية النهار وبداية العمل.
وتلفتت نحو الزاوية الأخرى لأرى بعض العربات التابعة لإدارة التنظيفات تقوم بمهمتها في كنس الشوارع وامتصاص بقايا مياه المطر ..
كذلك كان النهر الصغير يجري بهدوء عجيب وقد تكدس الناس فوق جسوره المتعددة ينتقلون من جهة لأخرى في سباق مع الزمن.
أما المشهد الذي لا أنساه، فهو الذي حدث أمامي مباشرة، عند الساحة الصغيرة مقابل الفندق.
رجلان كانا يتحدثان مع بعضهما حين نزلت سيدة شابة من الفندق تحمل في يدها حقيبة سفر كبيرة، تلفتت يمنة ويسرة، وتركز بصرها عند باص متحمس للانطلاق، كانت تريد أن تخطو سريعة نحوه لكن الحقيبة سفرها منعتها من ذلك ...
فانطلق الرجلان نحوها، أحدهما حمل الحقيبة من يدها، والثاني أمسك بذراعها، وانطلق الثلاثة باتجاه الباص، حتى إذا وقفوا بقربه صعدت السيدة وناول الأول الحقيبة لصاحبتها فيما كان الثاني يطمئن على سلامة صعودها.
ومشى الباص، وخلا ثوان كان يغيب عن البصر.
وعاد الرجلان معا إلى حيث كان يقفان منذ لحظات ..
عندئذ تأكدت أن الأمر لم يكن إلا مساعدة للسيدة واستقبالا منهما لعمل إنساني متواضع قاما به في هذا الصباح المبكر.
وبعد تناول طعام الإفطار كان مرافقي الدكتور "إيفان توسكي" –وهو طبيب شاب ووسيم دائم الابتسام والإشراق –ينتظرني في جولة الصباح.
وجولة ذلك اليوم كانت إلى الأسواق والمجمعات التجارية.
ولاحظت خلال تجوالنا نظافة المدينة البالغة، وتنسيقها البديع، وحدائقها الرائعة التي كانت تحوي كل أنواع الزهور والورود ونباتات الزينة.
ومنظر الحدائق في يوغوسلافيا يبعث على الإعجاب ..
والشعب اليوغوسلافي محب للزهور إلى حدود العشق، لكنك لن تجد يدا واحدة في كل البلاد تمتد لقطف زهرة أو وردة.
والزهور تجدها أينما تلفتت، في الحدائق والفنادق والبيوت والساحات العامة، والمحلات التجارية، حتى في المعامل والمؤسسات وشرفات الأبنية والمكاتب.
كان مرافقي يشرح لي كل شيء، ونحن نتجول في الساحات والشوارع، وكان دائم الابتسام والمرح. وشعرت أن هذا الإنسان اللطيف يشعر في أعماقه ويحس بطعم السعادة. السعادة من كل شيء وتجاه كل شيء أيضا.
وأذكر أنني منذ اليوم الأول للقائي به ربطتني به صلة قوية أخذت تقوى مع الساعات والأيام وكأننا جمعتنا صداقة امتدت عبر مراحل الطفولة والدرس والشباب.
فإذا هو يبدي لي رغبة ملحة في تعلم اللغة العربية .. في تعلم بداياتها الأولى وكلماتها الهامة، فلأنه يحب العرب يشعر بحاجة لتعلم لغتهم.
أبديت له رغبة مماثلة، فراح كل منا يسجل في دفتر صغير أبجدية لغة الآخر ..
ولم تكن هذه الأبجدية الحروف، وإنما كانت الكلمات.
وبداية الكلمات كلمة : الحب.
فتعلم وسجل كلمة : أحبك. وأحبكم .. بالعربية وتعلمت وسجلت كلمة : (فولمته). أحبك. وأحبكم ..باليوغوسلافية.
من هنا كانت البداية ..
وما أحلى البداية ..
ما أحلى أن تكون مع الحب والصداقة والصفاء.
في الأسبوع الماضي وردتني بطاقة بريدية، عرفت من الزهور الرائعة التي شغلت الحجم الأكبر من مساحتها، وقبل أن أتطلع إلى طابع بريد البلد الذي جئت منه ..
ولولا أن ابني الصغير كان بقربي يعيش معي، لتأكدت –من رداءة الخط- أنه هو الذي أرسل البطاقة.
وبصعوبة بالغة استطعت أن أفك حروفها، فإذا الكلمات تقول :
(لأنني أحبك يا صديقي، فأنا أحب شعبك وبلدك .. ولأنني أحبكم جميعا فأنتم تعيشون معي في قلبي وعقلي.) – صديقك : الدكتور إيفان تولسكي. وابتسمت وأنا أشم حروف صديقي اليوغوسلافي الذي تعلم العربية وها هو يكتب لي بلغتها.
وتناول إبني الصغير –رذيئ الخط- البطاقة.
أعجب بالمنظر الرائع فيها، وراح يقرأ كلماتها في سرعة وطلاقة مذهلة ..
واستأذن مني أن يأخذ البطاقة ويحتفظ بها.
وليلا، وعندما كنت أطمئن على صغيري في سريره، وجدت البطاقة الحلوة وقد تبثها بدبوس صغير على خشب السرير فوق رأسه، وكتب تحتها على ورقة ملصقة بها هذه العبارة وبخطه الرذيء للغاية :
(صديق أبي –وصديق شعبي الذي يحبنا ونحبه لأنه يحبنا كثيرا).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here