islamaumaroc

صدى الفارابي في المغرب

  دعوة الحق

181 العدد

اهتمت المؤسسات الأكاديمية في مختلف جهات العالم بذكرى مرور ألف ومائة سنة على ميلاد العلامة الفرابي، وهكذا سمعنا عن ندوات تنظمها جامعة طهران وأخرى تنظمها الأكاديمية العلمية في الاتحاد السوفياتي وثالثة دعت إليها جامعة بغداد ثم جامعة دمشق وأخيرا الهيئات الأدبية في المغرب الأقصى ...
وهذا البحث ألقيته في مدينة ألماأتا من قزاخستان بآسيا الوسطى : مسقط رأس الفارابي :
د. عبد الهادي التازي
إن الذين يعرفون عن عبد الرحمان الناصر (961-890=350-277) أنه أرسل إلى بغداد بالعباس بن ناصح التقفي خصيصا من أجل أن يقتني له كل غريب نادر من المخطوطات الثمينة، وأن الذين يسمعون عن ظهور بعض الكتب المشرقية في المغرب قبل أن تشيع بين مثقفي تلك الديار، سوف لا يستغربون عندما يسمعون عن توفر المكتبة الغربية منذ التاريخ المبكر على شذرات من كتاب المجسطى :   AL MAGUESTO لبطليموس الذي كان في صدر من اهتم بشرحه أبو نصر الفرابي والذي يعتبر من أمهات الكتب التي ألفت في علم الفلك، وقد كتبت الشذارات التي تحمل في خزانة جامع القرويين من فاس رقم 40/654، بالسواك على رق الغزال، وتضمنت عدة أشكال هندسية رسمت بدقة وإتقان لا تختلف عن الأشكال التي احتواها شرح الفرابي الذي نشرته أخيرا الأكاديمية العلوم في موسكو. ومعنى وجود مخطوطة من هذا النوع بخزانة الجامعة المغربية العتيقة أن رجال الفكر بالمغرب كانوا يعنون جيدا باهتمامات الفرابي ويولونها المزيد من البحث والتمحيص.
ونحن عندما نقول المغرب لا نقصد إلى المغرب في رقعته الحالية ولكن إلى المغرب الذي كان يمتد شمالا إلى أوربا وجنوبا إلى تخوم إفريقيا وشرقه إلى ما وراء برقة.
وما تزال المكتبة الوطنية في مدريد تحتفظ إلى اليوم بمخطوطة تحت رقم 241، كانت هي تأليفه في الموسيقى بما تضمنه من مرسوم للآلات ووصف لأداء المخطوط رقم 40/644 بعنوان : ورقات في علم الفلك، وهي قطعة اشتملت على ست عشرة صفحة في رق الغزال، مبتورة الأوائل والأواخر رسم فيها مؤلفها عدة أشكال هندسية بدقة وإتقان تشرح بعض مواضع الكواكب، يقول الأستاذ السيد العابدي الفاسي محافظ خزانة القرويين في فهرسته (مجلة بعض المخطوطات التابعة لجامعة الدول العربية، ماي 1959) أنه يظن أنها من المسجطي الذي هو من أشرف ما صنف في علم الهيئة بل هو أم الكتب المؤلفة في هذا الموضوع في بعض صفحاته الحديث عن زحل وحساب التقدم في الكواكب ...
النغمات مما يعتبر في صدر التراث الحضاري الذي احتضنه المغرب ونماه، بما أضاف إليه من أصول وفروع أضفت على الموسيقى الأندلسية –الذي يستأثر يها المغرب اليوم – أضفت عليها حلة الأصالة والأثالة.
ومع هذا وذاك فإنني لا أغفل هنا الحديث عن مخطوطة ثالثة قيل أنها تتعلق بالفرابي، وهي عبارة عن سفر ضخم مبثور الأوائل كتب بخط مشرقي يحمل في خزانة جامعة القرويين رقم 1286، ويتعلق لما ذكر أنه شرح اسماعيل الحسيني المتوفى سنة 896 = 1491، لكتاب (فصوص الحكم) المعروف للفرابي ...
لقد ظن أن للمخطوط المشار إليه علاقة بفصوص الفرابي، وقد جاء الظن من أنها – على ما نرى في اللوحات المعروضة – تحمل بين الفينة والأخرى كلمة (فص) ...
والواقع أن فصوص الفرابي التي أصبحت في متناول القراء1 لا تتضمن إشارة لنصوص الفصوص المتناولة في مخطوطة خزانة جامعة القرويين ...وهنا توضع علامة استفهام لمن هذه (الفصوص) التي تحتضنها المكتبة المغربية، وهو السؤال الذي أتمنى أن نجد له جوابا من المهتمين بالنصوص، وستكون لهذا الجواب قطعا قيمة علمية كبرى تدل على ما تستأثر به المكتبة المغربية من كنوز وذخائر غائبة من المكتبة المشرقية ...
وعلى ذكر شرح إسماعيل الذي يعتبر أحد شروح نصوص الفرابي، والذي توجد نسخه منه في ليدن تحت رقم 1002 كما توجد في العراق وإيران وتركيا وأفغانستان والهند وبيروت والقاهرة وأكسفورد وإيرلندا وبرلين وفيينا، على ذكره أرجو أن أرفع لبسا وقع فيه بعض المؤرخين عندما نعتوه بالفرابي مع أنه القازاني (بالقاف والزاي)، وهكذا فعوض أن يقرأ القازاني قرئ الفارابي، ونحن على علم من أساطير النقط ومضاعفتها عبر التاريخ ...
ومع هذا فإني أرى من المناسب أن أشير بهذا الصدد إلى بعض من اهتموا من علماء المشرق بتحقيق اسم القازاني افترضوا مرة أنه الفازاني وثالثة الفاراني، ولكن أحدا لهم يتذكر قازان التي كان لها –وبخاصة في القرن التاسع الهجري- دور كبير في ازدهار – دور كبير في ازدهار الحضارة الإسلامية واللغة العربية.
لقد كانت مدينة قازان قاعدة التتر وإحدى عواصم العالم الإسلامي، كانت إلى وقت قريب تكتسب جامعة احتضنت في مطلع هذا القرن سبعة آلاف طالب وتوفرت على مطبعة أصدرت بهذا التاريخ مائتين وخمسين مؤلفا وعلى مكتبة كان يرتادها عشرون ألف طالب مما يعكس مركزها في القرن التاسع الهجري.
وأخيرا فإن شرح الفارابي لا يساغوجى ISAGOGUE الذي ألفه فورفوريوس Porphyre ما يزال يداعب مسمعي وأنا أتلقى دروس المنطق أواخر النصف الأول من هذا القرن، على مشايخ جامعة القرويين، وبشروح وحواش وتعليقات من تأليف علماء من المغرب أمثال أبي بكر محمد بن يحيى بن باجة، والشيخ بناني ...
تكلم بعض الاستطلاعات العابرة عن آثار الفارابي في المغرب، وأنني على مثل اليقين من وجود آثار له أخرى ستظهر عندما تستكمل الخزانات والمكتبات المغربية جرد ما تحتوي عليه من نفائس مما يزال إلى الآن في طريق الإنجاز والتحقيق وخاصة منها المكتبة الملكية ...
أقول على مثل اليقين لأن صلة المغرب بمؤلفات الفارابي وأفكار الفارابي بلغت حدا من التمكن جعلتنا نحن المغاربة نعتبر بأن فضل معرفة أوربا للفرابي يرجع لعلمائنا وفلاسفتنا من الذين كانوا ينتقلون من الأندلس إلى المغرب ويعيشون في فاس أو مراكش أو طنجة كما كانوا يعيشون في قرطبة أو اشبيلية أو غرناطة.
وإذا أصبح من عادات الدول اليوم أن تتظرف بعقد التآخي بين المدن أو تأسيس القوامة بين البقاع لعلاقة مشابهة، فإن تاريخ المغرب القديم سجل نوعا من المواخاة والتوأمة بلغ القمة في الدلالة والعمق وقد سمعنا عن الفيلسوف الغربي أبي بكر بن باجة السالف الذكر والمعروف في أوربا باسم Avenpace سمعنا عنه وهو يهتم بالقضايا السياسية والالاهية، سمعنا عنه وقد برز في علم المنطق والفنون المويسيقية حتى لجعله أبو العباس المقري توأما لأبي نصر الفارابي فسماه (فارابي المغرب)، فكانت أول توامة تقع في الحقل العلمي بين شخصية في أقصى المشرق وشخصية أخرى في أقصى المغرب ...
لقد عنى ابن باجة فعلا قبل ابن طفيل وقبل ابن رشد، عنى بالفارابي وتقفى خطاه في سائر الميادين التي عالجها مما يبرر استنتاج صاحب النفخ المقري.
وإن الظاهرة البارزة في اهتمام (فارابي المغرب على صغر سنه، بزميله على علو كعبه، أنه أي ابن باجة لم يقف عند حد الترديد والتحليل والتدبر ولكنه تجاوزه إلى درجة الابتكار والتمحيص والتعليق ... وهكذا فرض اسمه فرضا على كل الذين اشتغلوا شرقا وغربا بأبي نصر الفرابي ...
في كل المهرجانات والندوات التي أقيمت للفرابي تحية لذاكره، وفي كل البحوث التي كتبت عنه سواء باللغة العربية أو بغيرها نجد اسم أبي نصر دفين دمشق يقترن باسم ابن ماجة دفين فاس.
ولو أن الضياع لم يأت على معضم مؤلفات ابن باجة لسجلنا مزيدا من التوضيح والتكميل لآراء الفارابي ما في ذلك شك، وأخرجنا من مجموع الآراء بحصيلة فكرية رائعة.
ومن غير أن نخوض في باب المقارنات والمفارقات بين ما كتبه الأول وعقب به الثاني مما تعرض له كثير ممن علق على نتائج الفرابيين، نشير –على سبيل الإمتاع والمؤانسة – إلى إفادة طريفة من الإفادات العديدة التي رأى ابن باجة إضافتها لما حرره سلفه في كتابه (المدينة الفاضلة) في باب (طب النفوس).
 لقد لاحظ الذين قرأوا عن (مدينة الفارابي) أنه أهمل الحديث عن مدى حاجة المدينة الفاضلة إلى القضاة والأطباء، على خلاف ما يراه ابن باجة : أن من خواص هذه المدينة أن تخلو من القضاة والأطباء على نحو ما يراه أفلاطون ذلك أن الحب الذي يؤلف بين قلوب أبناء المدينة يحول دون المنازعات والمشاجرات التي تلجئ إلى إقامة المحاكم" ومن الجهة الأخرى فإن أصحاب هذه المدينة لا يمكن أن يتناولوا –بطبعهم – ما يضر من الأغذية التي تضطرهم إلى الأطباء ..
هكذا فإنه لا وجود لأطر القضاة ولا أطر الأطباء عند ابن باجة. وعندما يحكم الفارابي على العناصر الطفيلية أي التي تسير في اتجاه معاكس للمدينة الفاضلة، يحكم عليها بالطرد أو السجن، ترى ابن باجة لا ييأس من عودة تلك العناصر إلى الجادة وهو لا يطرد ولا يسجن ... ولكنه مرن في رأيه، سلوكي في تربيته التي تعتمدا على أن العطف على تلك العناصر أو "النوابت" كما يسمونها قد يفضي بها آخر الأمر إلى الاهتداء إلى الرأي الصادق عن طريق مشاهدة القدوة الحسنة.
وهكذا يرفض ابن باجة علاج الخطيئة بالخطيئة مؤكدا أن الأخلاق والفضيلة تنافيان في حد ذاتهما مع أعمال العنف تلك أفكار عالجها بإسهاب السادة "الفضلاء" الذين استهوتهم هذه (المدينة) التي تذكرنا آخى بين المهاجرين والأنصار وكان يأخد بيد الجاهلين حتى يفقهوا، وبيد المظلومين حتى ينصفوا، وبيد الضالين حتى يهتدوا ...
ومن واجبنا أن نتساءل عن مقدم الوزير ابن باجة إلى المغرب في مطلع الدولة الموحدية، ومن واجبنا أن نبحث جيدا عن السر الحقيقي الذي كان يكمن وراء اغتياله، وهو في عنفوان نضجه واكتماله، ومن واجبنا كذلك أن نبحث عن الدوافع التي جعلت من الموحدين دولة تفكر في إنشاء عالم إسلامي واحد يمتد من المغرب إلى الشرق ويقوم في أساسه على مبادئ الإنصاف والعدل الذي لا يشكو معه ضعيف ولا يوجد فيه إيثار للأنانية. ومن واجبنا أن نتساءل هل ما إذا كان لأفكار فرابي المغرب أثر على اتجاه الموحدين في تشجيع انطلاق الفكر وتقديس الحوار الهادف ...
إن تاريخ الموحدين مليء بالأمثلة التي تدل على أن الفلسفة ازدهرت على عهدهم وأن رؤوس المفكرين ارتفعت في كل زاوية حتى لكان ابن رشد وابن زهر وابن طفيل في ركاب الخليفة يثيرون في ركبه المتنقل عبر الأندلس والمغرب أدق المشاكل وأسمى النظريات ...
ومن هنا أعود إلى ما أشرت إليه سابقا من أن الفضل في التعريف بآثار الفارابي في أوربا ذاتها إنما يرجع لهؤلاء الأساتذة المغاربة من أمثال ابن رشد الذي أحدث انتشار تحليلاته للفرابي ثورة في أوربا عرضت المثقفين لمحاكمة توران  TURIN في أوائل القرن السادس عشر.
إن المجالس العلمية في الأندلس كانت غير مقتصرة على المسلمين، ألم نقرأ في (الإحاطة ) عن الأستاذ ابن سهل الذي كان سنة 553=1158 يلقن العلم في بياسة لجمع كبير في مجلس واحد يضم المسلمين والنصارى واليهود ؟ ألم نقرأ في (نهج الطيب) عن الأستاذ القرموطي المرسى الذي كان يدرس المنطق والهندسة والطب والموسيقى بألسنة الطلبة الذين يحضرون مجلسه من العبريين واللاتينيين ؟
إنه إذا كان هناك حق لدولة فارس في احتضان ابن الفارابي، وإذا كان هناك حق لبغداد أيضا في الفارابي لأنه عاش فترة أوجه على أرض الرافدين، وإذا كان للترك فضل انتماء المنطقة لهم في وقت من الأوقات، وكان للسوفييت اليوم علاقة بقازاخستان ... فإن للمغرب أن يعتز بأنه كان صلة الوصل بين قارة آسيا وقارة أوربا في تقديم ذلك العالم الجليل ...
وإذا كان النحاتون المشارقة قد تفننوا في اختيار رسوم الفارابي فجعلوه ينزع لملامح رجال دجلة، وجعلوه أخرى يلبس شاشية بلاد الشام أو قلنسوة الأناضول، فإن من حق الرسامين المغاربة أن يلبسوه برنوسا ويجعلوه على رأسه عمامة لابن الفارابي عرف طريقه إلى العالم الغربي بواسطة الذين كانوا مستضبين بحملة العمائم والبرانس وإن ترويج لآثار الفارابي لم تقتصر على ذلك العصر الوسيط فحسب ولكن المغرب وقد وعى فارابي المشرق عن طريق فارابي المغرب استطاع أن يقدم للمكتبة العربية تحفة رائعة اسمها (مقدمة ابن خلدون) التي استمدت أسسها من تلك الآراء الاجتماعية بالرغم تباعد السنين بين تلك الآراء وعصر ابن خلدون مما يؤكد أن المغرب ظل على صلة زائدة بنتاج الفارابي ..
إن الفارابي لم يعد ابن آسيا ولكنه أمسى علما من حقنا نحن في إفريقيا أن ندعي المساعدة في التعريف به والتدليل على آثاره وأفكاره، ولم يكن من قبيل الصدفة أن نجد اسمه منقوشا على شارع من أبرز شوارع المدينة الأزلية طنجة، وأن يصافحنا اسمه ونحن نعبر أزقة مدينة فاس العاصمة الأولى للإسلام بالمغرب، وأن يحتل اسمه كذلك ممرا من ممرات مدينة صويرة التي أنشأها الملك محمد الثالث على الساحل الأطلسي وأن يتوج اسمه اليوم أكبر مستشفى في مدينة وجدة قاعدة زيري ابن عطية، وأن تتيمن باسمه المعاهد والثانويات سواء في العاصمة الاقتصادية أو مدينة أبي الجعد جنوبا أو حد كورت شمالا بل نجد أن الجامعة المغربية تخصص مدرجا من أضخم مدرجاتها لاسم الفارابي إلى جانب المدرجات الأخرى التي تحمل أسماء رجال الفكر والعلم ..
لقد عودنا التاريخ على أنه صادق منصف مهما كان عنو الظروف، ومهما حاول الزمن أن ينال من قدر العلماء، وأن في تنافس الدول اليوم على انتسابها للفارابي، ما يزيد في همة رجال الفكر ممن تشغلهم كراساتهم وتلهيهم مذكراتهم عن أن يحفلوا بأمر مسكن أو مكسب أو جاه أو صحبة إنسان.

 
1) كتاب بغداد، د حسين على محفوظ ود جعفر الياسمين : مؤلفات الفرابي : بغداد 1395-1975 – الشيخ محمد حسين الياسين : فصوص الحكم – بغداد 1936 =1976.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here