islamaumaroc

أثر الرسالة النبوية في الحضارة الإنسانية

  دعوة الحق

181 العدد

• شارك الأستاذ بهاء الدين الأميري بهذا البحث في المؤتمر العالمي للسيرة النبوية المنعقد أخيرا في أسطنبول بتركيا.
بسم الله رب العالمين، قاهر الجبارين المكابرين ناصر المؤمنين الصادقين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون والمشركون ...
صلاة الله وسلامه عليك، أيها الصادق الأمين، يا محمد يا خاتم الأنبياء والمرسلين، يا صفوة الخلق ورحمة العالمين ...
أحييكم أيها الإخوة في الله، بتحية الإسلام الطيبة الخالصة، وأعانقكم من صميم القلب وأعماق الحب، فسلام الله عليكم ورحمته ورضوانه، وبركاته وأنعامه وإحسانه.
وبعد، فإنه ليوم، عظيم عظيم، هو الذي نجتمع به في عاصمة من أكبر وأخطر عواصم الإسلام، ماضيا وحاضرا، ومستقبلا زاهرا.
إستمبول مدينة المنائر والمآثر، وبلد كرام الأجداد وجليل الأمجاد.
استمبول، عاصمة الدولة العلية، والخلافة العثمانية، التي كان أبناؤها بالإسلام وللإسلام معاقل وحصونا، فحافظت على وحدة أمتنا ومجدها. قرونا ... وقرونا ..
فالشكر لله العلي القدير جل جلاله على لقاء الأشقاء المؤمنين، وعملهم مجتمعين مؤتمرين، لإحياء سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الحق، سيد الخلق، هادي الأولين والآخرين إلى الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ..
يا رب، إيمانا بك، وإخلاصا لك، واعتمادا عليك..
يا رب، انبعاثا في سبيلك، وجهادا لإعلاء كلمتك واستمدادا من تسديدك وتأييدك .. أنت القادر، وأنت القاهر .. وأنت الغالب .. وأنت الناصر .. ونحن عبادك عبادك .. نلتمس طولنا من طولك، ونحرج عن حولنا لحولك، لا إلاه إلا أنت، ولا حول ولا طول، ولا عزة ولا قوة، إلا بالله رب العالمين، له الحمد وله المجد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
وبعد فاسمحوا لي أيها الإخوة الأحباب أن تكون كلمتي بينكم قصيرة مكثفة، ضنا بوقتكم، واعتمادا على رصيدكم الكبير الجدير من العلم والفهم :
سأتناول بشكا موجز، أيها الحفل الكريم : أثر الرسالة المحمدية في الحضارة الإنسانية : أرسل محمد (ص)، على فترة من الرسل، وقد فشت في المجتمع البشري أنواع الجاهليات : جاهلية الكفر .. وجاهلية الشرك ..وجاهلية الظلم .. فانحدرت بالإنسان عن المقام الذي خلقه الله له : "خليفة في الأرض"
كانت هناك مظاهر حضارية ذات شأن، ولا سيما في بلاد الفرسص والروم ..
أما الحقيقة الحضرية الإنسانية السوية، فلم يكن لها وجود فعال .. كانت قوى البغي متسلطة على عباد الله، تتخذ بعض بني آدم، مجرد سلعة أو متعة ... فالضعيف الفقير –ولو كان موهوبا وصاحب حق – يمتهن ويتاجر به .. يلحق بالأرض يباع معها ..
والمرأة من جهة، حيوان نجس لا تدخل ملكوت السماوات، وقد خلقت لخدمة الرجل ...وهي، من جهة ثانية، أداة استلذاذ واستمتاع ..
والوليد البر، عبء ثقيل، لا يستراح منه إلا ببيعة أو بالتخلي عنه، يقتل وأدا، أو يتخذ عبدا ..
والحكام الأكاسرة والقياصرة، ومن يدور في أفلاكهم ... إذا تهادنوا، غرقوا في الملذات الشهوانية والترف المفرط إلى درجة الإنحلال ..
وإذا تخاصموا، أشعلوا نيران الحروب، وجعلوا حلفائهم وشعوبهم لها وقودا..
والله جل وعلا، مطلع عليم حكيم .. يغضبه كل الغضب، أن يتعطل المعنى الإنساني، ويختل المقصد الرباني ..وهو الذي يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي .. وقد حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما على عباده وهو يمهل ولا يهمل ..
وهكذا كان.. وحم الإنسان..
وولد محمد بن عبد الله في "مكة المكرمة" مركز الكرة الأرضية، بلد البيت العتيق، الذي رفع قواعده أجداد إبراهيم وإسماعيل ..وجعله الله مثابة للناس وأمنا ..
نشأ محمد بأعين الله ورعايته، من أسرة مجد وخير وبركة، في محيط عربي صحراوي، وكانت له في حياته تألقات إنسانية فذة لا يتسع المجال للحديث عنها ..
حتى إذا كان الأجل المرصود، اصطفاه الله جل جلاله، هاديا داعيا معلما متمما لمكارم الأخلاق ..فكان خاتم الأنبياء والمرسلين ..وكان رحمة للعالمين ..
وأخذ يستقيم أمر الإنسانية بعد اعوجاج .. وكان ذلك إيذانا بوضع الحجر الأساس، لصرح أمثل حضارة إنسانية، قامت في الوجود، جدارة وصدارة.. صلاحا وفلاحا .. صعودا وصمودا .. وملائمة للإنسان، أي إنسان في كل زمان ومكان ..
إن الدين عند الله الإسلام ...أجل، إن الدين عند الله الإسلام، بعث به كل الأنبياء والرسل، على أساس توحيدي واحد، وشرائع متعددة متجددة تلبي حاجات الأمم والأقوام، في كل عصر ومصر.
أما محمد (ص)، فقد بعث بالإسلام القمة للناس كافة .. مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه ..وأكمله الله له إكمالا تقتضيه عالميته الممتدة ..فتوفر لدين محمد بذلك، الثبات والتطور في وقت معا، وكان إعجازه الأكبر، استيعابه للكلية الإنسانية المطلقة ..
أقام محمد (ص) "الإنسان" في مقامه الأصيل "خليفة " يحمل "الأمانة" ويتمتع بالعقل المميز، والقدرة على الاختيار.. فأعاد إلى بني آدم يذلك، الهبة النعمة الإلاهية الكبرى، التي كثيرا ما فرطوا بها وضيعوها، وسلبها بعضهم من بعض، ألا وهي "الكرامة"
وأعلن أن النساء شقائق الرجال ..فهم سواء فقي التكاليف والتشريف، في الحقوق والواجبات ..
وأكد أن الإنسان هو ركن الأكوان، سخر له ربه كل شيء، وأباح له الطيبات من الرزق، واستعمره في الأرض..
من هذا المنطلق السوي، مضى الرسول عليه الصلاة والسلام، يخطط للحضارة الإسلامية أبعادها الإنسانية، على بصيرة من الإيمان، وذخيرة من القرآن، ومسيرة من العرفان والإحسان..
ولم ينتقل (ص) إلى جوار ربه، إلا بعد أن تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها ..
 وخلف لنا ما لا نضل أبدا لو اتبعناه، كتاب الله المبين، وسنة رسوله الأمين..
وسرعان ما أخذت الحضارة الإسلامية حجمها الكبير الخطير، في الأعماق وفي الآفاق، وقد حباها دين  الله في شريعته المحمدية، من خصائصه الفذة، ما جعلها فريدة في التاريخ، زاخرة بالحياة، مرنة الإهاب ..دائمة الثبات ..
لقد كانت الرسالة المحمدية "هندسة" جديدة للكون، وليست ثورة ولا انقلابا. إنها بنيان شديد سديد، وإصلاح جذري كامل شامل، ينهض على قاعدتين راسختين من : حتمية العمل، ومنهجية السعي فيه ..
إنها انبثاق عن الفطرة البشرية، وتلبية سوية لها .. لأن الجدارة القديرة التي جعلها الله للإنسان، تتنافى مع الحرمان .. ولأن روحانية البشر الخليفة، تتنزه عن التردي ...
وقد أوقف الإسلام "إنسانه المكرم" وجها لوجه أمام الله تعالى، دون وساطات ولا كهنوتيات ..وجعل كل فرد هو المسؤول الأول في قطاعه الخاص، مع ركنيته وحيزه الهام في القطاع العام لأمته الإسلامية، وأسرته الإنسانية، فهو راع وهو رعية بنفس الوقت ..
وانطلق الإسلام دائما، في سيره الحضاري الطويل من قواعد : الحق والعقل والضمير والمحبة .. وجعل طموح رسالته إلى استيعاب الإنسانية جمعاء .. باذلا بره، حتى لغير معتنقيه، مقيما العدل، حتى مع أعدائه، داعيا المؤمنين إلى أن يغفروا حتى لمن لا يرجون أيام الله معلنا شعار السلام في الأرض، كمبدأ دائم، لا يخرج عنه إلا محمولا على ذلك، لندفع الظلم ورد العدوان، يردد في صلواته كل يوم مرات، داعيا رب العالمين : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وكما انفتح الإسلام، العقيدة والشريعة والسلوك على الأديان السماوية الأخرى، يقر حقائقها الصادقة ويأخذ بها، فقد انفتحت حضارته الفريدة على الحضارة الإنسانية السابقة أيضا، ومعنى "إنسانه" يطلب العلم ولو في الصين .. ويجعل الحكمة ضالته أينما وجدها التقطها..
وهكذا حافظ الإسلام لحضارته على شخصيتها الفذة وهو يخصبها باستمرار، بكل عطاء حضاري سائغ .. وقد كان له الدور المجيد في تأكيد وتوطيد عقيدة التوحيد .. وقد ميزه "الاجتهاد" بقابلية التكيف الارتقائي، فكان الفقه الإسلامي يمد الحياة الحضارية المتنامية، بإشعاع متجدد للنصوص والأصول الثابتة، التي كانت دائما وما تزال حية حركية ...
لقد كانت "الربانية" في نظر الإسلام، هي كبرى حقائق الوجود، وأساس النظرية الدينية العامة .. وكانت الحياة –في فهم الإسلام- "كلا" ببرزخين أولى وآخرة، وقد جمع ذلك عليه وجذب إليه أمم الحضارات المادية والروحية على السواء .. لأن الإسلام يرفض التطرفات، ويعتمد القصد والاعتدال في كل شيء .. فهو يلبي سائر المتطلبات السوية، للكل الإنساني، بتوفيق رباني عليهم حكيم .. وقد كان حرصه على تلبية هذا "الكل الإنساني" هو الذي ميز حضارته بالإيجابية وبعبقرية الاستيعاب بشكل منقطع النظير ..
وهكذا كان دين محمد (ص) دينا حضاريا إنسانيا، تميزت أمته بالوسطية في الزمان والمكان والإنسان .. في العقيدة والأخلاق، وكل مجالات الانطلاق .. فحق لها أن تكون، كما خاطبها الله سبحانه : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .. والشهادة تبعة إنسانية مقدسة تحقق الطواعية الاجتماعية في ممارسة الخلافة على الأرض، وأنها لتسلسل، ابتداء من الضمير، فولى الأمر، فالرسول عليه الصلاة والسلام فالله جل جلاله .. شهادة أثر شهادة .. وهي للأمة الإسلامية سيادة للحق، وريادة فيه ..
وقد يرى المبدأ العام للتوسط في الإسلام، إلى نظامه الاقتصادي، فأقامه على أساس إنساني من التراحم والتداعم، في التعامل والتبادل، وأحل التجارة السليمة مكانتها المرموقة، رافضا الأنظمة الربوية، مشجعا كل الأساليب التعاونية.
وأن الفقيه الحضاري الممحص، ليلمس بشكل واضح كيف أن التعايش الإنساني في كنف هذه الوسطية قد مكن للحضارة الإسلامية من الانتشار والازدهار، ووسع أبعاده الإنسانية بشكل منقطع النظير، ولم يكن ذلك اعتباطا بل أن توسط الإسلام وأمته، جعل لهما محورية إنسانية، واستقطابا، فكانت الجدارة التي تستتبع بل تستلزم الصدارة ..
لقد نشأت جدارة النسق الحضاري في الإسلام، عن انبثاق قيمه من الفطرة البشرية، ومن حسن تلبيتها له، وبالتالي عن سعة مداه الحيوي ..
فكان الإسلام من جانب ولادة جديدة لمعتنقيه ثم كان من جانب آخر مساواة إنسانية عامة، أمام الله جل وعلا، في أسس التكليف والتشريف، فكل الناس من ذكر وأنثى، وقد خلقهم الله ليتعارفوا ويتعاونوا، والتقوى وحدها هي ميزان" الأكرمية".
والأخلاق في الإسلام جدارة أصيلة، لازمة لممارسها، بصرف النظر عن الجهة التي تنصب عليها فكل يعمل على شاكلته، وفي مختلف المستويات.. فنظام الإسلام الأخلاقي شامل متكامل، في شتى مجالات الحياة، وأفانين الفضائل الفردية والجماعية، والخاصة والعامة والدولية، وهو يشكل حضارة كلية قائمة بذاتها، ومبذولة للعالمين، حيث يقوم التعايش الإنساني في ظل الإسلام بين حدين أدناهما العدل، وأقصاهما الفضل، حتى مع الأعداء في صدور شرع الله وهداه.
أيها الحفل الحبيب النجيب
لقد أرسل الله محمدا عليه الصلاة والسلام، هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا .. والسراج الوهاج، مبذول معطاء، لا يميز بين القلوب والدروب، هو للجميع، وفي شتى الأوقات والحالات.. وهكذا كان الإسلام .. وقرآن الإسلام .. ونبي الإسلام .. وحضارة الإسلام .. للناس كافة ..
أيها الحفل العزيز :
من معين الخصائص الحضارية الفذة في الإسلام : هندسة جديدة للكون وانبثاقا من الفطرة وتلبية لها، وانطلاقا في آفاق الدعوة والتبشير، ومواجهة للحياة في بساطة ويسر، والتماسا للحكمة وأخذا بالاجتهاد، في رصانة مستوعبة، وعقل متفتح، وتمسكا بالاعتدال، مع شمول وحسن ملازمة وتوفيق وتوسطا في كل شيء، ووصلا وتوثيقا للروابط الإنسانية الشخصية والاجتماعية، وإقامة للحياة على أسس من القيم السامية، والأخلاق العامة، بمشاركة يمارس فيها الفرد ذاته في نطاق الجماعة، وتؤدي الجماعة رسالتها مراعية كل فرد ..
من معين هذه الخصائص العبقرية، نفح الإسلام دين محمد الخالد أمته المسؤولة، بنظام جامع مانع رحب أريحي، ثابت في موازينه، مرن في تطبيقاته، منبثق من أصول ربانية راسخة، لا تعبث بها ولا تخلخلها أهواء الناس، وسطوات الحاكمين، وتقلبات الزمن، الأمر الذي جعل للحضارة الإسلامية التي أفادت من هذه الخصائص الفذة، حياة تعايش حياة الإنسان ما عاش، وتلبي نموه وسموه، بل وتأخذ بيده إلى مدارج متصاعدة، ليكون حقا خليفة في الأرض، بمستوى لا نجده في أية حضارة من الحضارات البشرية الأخرى ..
هذه الحضارة الإسلامية .. كون كامل، مستمر الزمان .. ممدود المكان .. سوي الإنسان .. والحديث المستوفى عنها، دسم خصيب، لا يتسع له الوقت ولا يسمح به المجال ..
وبهذا كله كان أثر الرسالة المحمدية في الخصائص الحضرية الإنسانية أثرا هاديا ناميا .. خالدا أبدا، وقد تميزت حضارة الإسلام دون سواها من الحضارات، بأنها صاعدة .. وصامدة .. ينطلق مدها ما استمسك إنسانها بدينه، وسار على سنة نبيه وعمل بشريعة إسلامه .. حتى إذا تخادل جمعنا، وتبعثر صفنا، وتقاعس سعينا .. فتخلفنا عن مستوى رسالتنا، وكادت تضيع شخصيتنا، تسلط علينا أعداؤنا وعملوا على تعميق ضياعنا .. لم يكن من أثر كل ذلك، رغم تفاقم كربه وتعاظم خطبه، أن تندثر الحضارة الإسلامية كما اندثر سواها من الحضارات السالفات، بل إنها لتبقى صامدة مكابدة، مما في جذورها من ربانية أصولها .. إلى أن نأخذ بالأسباب، فيكون الانبعاث الجديد .. والفجر الوليد ..والانطلاق السديد. نحو غد مشرق مجيد.
أجل أيها الحفل الكريم، هكذا كان ..وهكذا سيكون ..:
الخلافات "بالخلافة" أودت
واقتسمنا وسادنا الدخلاء
وادعوها قومية، ثم نادوا
بدعاوي قد عم منها البلاء
ساسة الحكم نابذوا شرعة الله
فحفت ديارنا الباساء
كم أضاعوا باسم الشعوب شعوبا
طحنتها المكائد الهوجاء
وأبادوا من الرجال فحولا
لن يموتوا، فإنهم شهداء
وأعانوا أعدائنا واستكانوا
بل وربي هم هم الأعداء
اسلموا لليهود مسجدنا الأقصى
وكانت طريقهم صنعاء
أي ضير  تضيع منا فلسطين
ليبقى حكامنا الزعماء
أجل أيها الحفل الكريم، هكذا كان.. وهكذا سيكون ..سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .. وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. ولا يأس فها أننا نعيش اليوم بكل وجداننا إرهاصات الغد المنشود في القدر المرصود... وما هذا المؤتمر العتيد المفيد إلا من خطوات السعي المبارك، في سبيل الله نحو مستقبل مرموق، يعود فيه الإسلام كما كان سائدا قائدا .. رائدا، وإن غدا لصانعه قريب .. والله قوي عزيز .. وأن جنده هم الغالبون..
اللهم لك الحمد على فضلك حتى ترضى يا رب العالمين
وألف شكر لحزب السلامة الإسلامي، ورئيسه القدير الجدير الوزير الكبير الأخ نجم الدين أربكان، وللسيد المحترم المفضال وزير الدولة الأستاذ حسن أقصاي، ولكل من شجع الدعوة إلى هذا المؤتمر النبوي الهام، وعمل له وسعى في إنجاحه، وأكرمنا بالإسهام فيه .. وإني لا أريد أن أبالغ فأقول بأننا سنغير وجه الكون وسير التاريخ بمجرد مؤتمر .. فإن من نواميس الفطرة، أن النجاح لا يكون بالفطرة .. ولكنها خطوات على الصراط المستقيم، سيكون لها ما بعدها، رغم الظلم والظلمات .. وشتى العوائق والعثرات..
وإني لأعلنها من صميم اليقين والإيمان، والعزم والجزم على عمل يحقق الله به الأمل .. أعلنها عنيدا في الجهاد والصبر، صادقا واثقا بالنصر .. أعلنها إعلان عبد أواب هصور .. ولله عاقبة الأمور :
سترى أعين العصور انبلاجا
من دياجيرنا لنور هدانا
النواميس في ركابك يا إسلام
تمضي وتستحث الزمانا
على الكون في غد ونشيد
الكون طرا وخطنا وخطانا
ونجاة الوجود في القدر
المرصود أمر يحكم القرآنا
وكلمات قصيرة أيها الأخوة الأحباب :
كيف سنمضي في سيرنا الدائب منذ اليوم ؟ وقد من أين نبدأ ؟ وأي خط نتبع ؟ وعلى أي منهج ننطلق، حتى نبلغ الهدف ونحقق أمر الله ؟؟؟ مضت القرون على توقف مدنا الحضاري .. ومرت الدنيا بأحداث وأحداث .. وتمت اكتشافات واختراعات غيرت أساليب الحياة ..وتداولت السيطرة على الكون وأفكار الناس قوى عديدة، وعقائديات شتى ؟؟
يجب علينا أولا أن نعرف حقيقة حالنا .. ومقام الدين كما هو في واقع حياتنا والوضع الراهن غير المداهن لأجيالنا ..؟
المسلمون ؟ جدارة مسفوحة
وكرامة مجروحة، وخصام
أمم يشتت شملهم زعماؤهم
وعدوهم متكاثف غشام
والحكم، لا ما أنزل الله .. الهدى
لكنه الأهواء. والحكام
والدين في قشر الحياة عواطف
وهواتف، ومظاهر، وكلام
رهط من الصلحاء .. يؤثر عزلة
رغدا، على وهم العبادة ناموا
ومنابر لموظفين تفتحت
أشداقها، ولقد يقال كرام
لغة القرون السالفات .. وما دروا
تتغير الأزمان والإفهام
و"الجيل" في تيه التناقض شارد
يعتام منه المذهب الهدام
أصل أصيل في الحضارة والهدى
لمعات برق في الظلام تشام
أما السلوك فنشأة غربية
وتمود .. وتبدد .. وقتام
وذووا الجدارة، والغياري عصبة
عزلاء حيرى، والخطوب جسام
الكون تطحنه رحى مدنية
هوجاء، جل عطائها أوهام
ومعسكرين لسامري واحد
وكلاهما هلت به الأقوام
مكر اليهود وبغيهم وضلالهم
بعثت به الأنصاب والأزلام
السم في الدسم الشهى وعالم
في "الجاهلية" كالسوام يسام
أوطاننا نهب، وأمر رؤوسنا
شتى، وبقي الظالمين لهام
والشعب في زيف "التحرر" ضائع
باسم التقدم زالت الأقدام
ورسالة الإسلام، ناموس الهدى
للعالمين .. رعاتها أقزام ..
ويجب علينا ثانيا أن نعرف حقيقة الكون أوضح مما أشرنا إليه سالفا والقوى المتسلطة عليه، وخطها الصادق بين الخيبة والفلاح، والفرق الكبير الهائل بين السيطرة والنجاح :
يا إلاه الكون، ربان الدنى اليوم أغين
 لا يراعي الروح، والإنسان دون الروح.. طين
 سامري واحد "روزفلت" يدعى أو "لينين"
 لم يزل في "تيهه" المنبوذ منذ "الأربعين"
 هالك، يداب كي يمضون وهم في الغارقين
 ويلهم في المكر يمضون وهم في الغارقين
 قادهم علمهم الظاهر للجهل الدفين
 فهم يحيون لكن في شقاء سادرين
ما الذي ينفعهم غزو فضاء بسفين
وهمو في أرضهم صرعى بغزو "الهيويين"
وبهتك الخمر والعهر وفتك المجرمين
سلبوا الإنسان فحواه وسادوا غاثمين
سيطروا .. لكنها سيطرة البغى لحين
ويجب علينا ثالثا وأخيرا – وقد صح عزمنا بقوة الله على الانعتاق والانطلاق- أن نتعمق في تدبر قرآننا، ووعي إسلامنا، وهدي نبينا.. لنستخرج من كل ذلك الأسلوب الأمثل لسعينا، والمنهج الأكمل لانبعاثنا .. ولا تظنوا أني سأسترسل وأفصل القول هنا، بل إنني سأكتفي عن ذلك بسبع كلمات معدودات فقط، هي حديث شريف من جوامع حكم النبي الأمي، رسول الهدى العالمي، يرسم لنا بوضوح تام، وإيجاز يبلغ حد الإعجاز، الخطة الفريدة، والمعادلة الرشيدة للازدهار الحضاري، والحياة السوية المهدية، قال أو كما قال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، رحم الله امرءا عرف زمانه واستقامت طريقته" ولله در شاعر الإسلام الكبير- ولا أقول الشاعر التركي فحسب – محمد عاكف فقد اقتبس هذا المعنى الخالد، في بيت شعر لامع بارع :
دو غرو دن دو قرويه
قرآ ندن آلب الهامي
عصرن ادراكنه سويلتمير إسلامي
وأني لا أزيد عليه كلمة واحدة ... قرآندن وسنتدن
وبعد، وما بعدها بعد، فاسمحوا لي أن أؤكد على أمر هام، لا بد من إبرازه وتأكيده وتوطيده في هذا المؤتمر العالمي الثاني للسيرة النبوية، في استنبول العاصمة التاريخية الإسلامية. ألا وهو عدم جواز مقارنة الإسلام بأية إيديولوجية أجنبية، أو قرنه بأية صفة مذهبية لا ربانية، فلا اشتراكية. ولا الرأسمالية .. ولا الديمقراطية ...
وبالتالي فحتم علينا أن نترفع بمقام الرسول الأعظم (ص) عن أي انتماء إلى أي مذهب وضعي أو نظام عقائدي طارئ مهما كان ولأي مقصد حسن كان .. فلا هو بإمام الاشتراكيين، ولا هو الديمقراطي الأول .. ولكنه صفى الله الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ورحمة الله للعالمين .. وأما الإسلام، فإنه الإسلام .. وكفى.
قلبي، وحبك للقلوب شفاء
بهواك يخفق، والهوى استهداء
يا من بعثت مسددا ومؤيدا
و"محمدا" وزكت بك الآلاء
الجاهلية ظلمها وظلامها
بك بدلت أيامها السوداء
وتألقت من بعد حلكتها الدنى
بمكارم الأخلاق فهي سناء
لم تأت بدعا بل أتيت مصدقا
ومهيمنا، فعلت بك العلياء
الله أكمل دينه بك وارتضى
وأتمم نعمته، وعم حياء
في أمة وسط، وقوم مازهم
خلاقهم، فهموا هم الشهداء
وجعلت أنت شهيدهم ومجيدهم
طوبى لهم، فهموا بك السعداء
أبرمت أمر الله عدلا محكما
في الكون فاتزنت به الغبراء
قسطاسه يسع الوجود بفضله
جحدته، أم شهدت به الأعداء
لا ينتمي إلا إلى الحق الذي
في الأرض وازت كفتيه سماء
أنصافه للخلق فيه سجاحة
وسماحة ومروءة وإخاء
لا "الاشتراكيون" أنت أمامهم
بتطرف، أو بالهوادة جاءوا
والرسماليون ينتسبون في
 دعواهم، كلا فذاك هراء
بل أنت خاتم أنبياء الله في
الدنيا، وأنت رسوله البناء
المصطفى البر الأمين بنبله
وبفضله، والأسوة المعطاء
ولأنت سيد خلقه بل كرمت
كل البرايا وازدهى الحنفاء
الوحي، وحي الله، أنت مكانه
وبيانه وصراطه الوضاء
قرآنه يهدي لأقوم منهج
في العالمين، وآيه غراء
فالدين عند الله من تنزيله
"الإسلام" وهو إحاطة وغناء
علم تفرد في العوالم شرعه
فذ، وكل الفلسفات مراء
أوفى وأربى، واستقل لذاته
باسم تقاصر دونه الأسماء
لا تنسبوه إلى سواه تجنبا
أهي الغباوة، أم هم الأعداء ؟
نور .. وديجور.. فأين عقولكم
حكم من الله العليم ...مضاء
القمة الإسلام "دين محمد"
وكفى .. بلاغ "مبرم" .. وقضاء
أكملت في اسطنبول بتاريخ 23 جمادى الآخرة 1397
11-6-1977

• قال لقمان لابنه : احذر واحدة وهي أهل الحذر. قال : وما هي ؟ قال إياك أن تري الناس أ،ك تخشى الله وقلبك فاجر.
وفي الحديث : من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته ..
تعصى الاله وأنت تظهر حبه       هذا لعمري في القياس بديع
لو كنت تضمر حبه لأطعمته       أن المحب لمن يحب مطيع
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here